داود سلمان الشويلي : أوراق المجهول (2)

الورقة الثالثة:

كنا نعود الى بيوتنا في الليل منهكي القوى ، انا وابي وامي واختي، بعد ان يجهدنا العمل في مجلس فاتحة الشيخ الكبير ، ان كان ذلك في المضيف انا ووالدي ، او كان ذلك في الدار الكبيرة بالنسبة لوالدتي واختي، اذ امتد مجلس الفاتحة لاكثر من اسبوع وقد نحرت مئات الذبائح وصرفت العشرات من اكياس الرز والسكر والشاي ، وتكسرت المئات من الاستكانات الفارغة و المملوءة بالشاي والمواعين الصيني (*) لاصطدام اقدام الناس بها لشدة الزحام .
في اليوم الرابع من ايام الفاتحة تحينت الفرصة للاختلاء بخيرية – ابنة عمي وحبيبتي و خطيبتي – بمساعدة صديقي راضي الذي التقى صدفة وبعيدا عن اعين الناس بحبيبته فوزه ، وكنت انا اقف ليس بعيدا عنهما وانما كنت احاول ان ارد بعض الصبية عن مكان خلوتهما، وعندما انتهيا من الخلوة عاد راضي وهو يحمل البشرى لي.
كنت على احر من الجمر للقاء حبيبتي وخطيبتي ، الا انه في الوقت نفسه كنت اريد ان اعرف كل شيء عما جرى ويجري داخل الدار الكبيرة بعد ان بدأت السن الناس تنقل اشاعات عديدة.
بعد اقل من ربع ساعة كنت اختلي بخيرية في المكان نفسه الذي كان يختلي به راضي بفوزه .
كانت اول ما فعلته خيريه ان رمت نفسها عليّ وراحت تقبلني القبلات ذاتها التي تعلمتها من الافلام التي كنت انا وراضي نشاهدها في سينمات بغداد بعد انتهاء دروسنا في الجامعة ، واعلمها لها.
راحت تمتص شفتاي مصا كأنها قطعة حلوى، فيما انا لم اشاركها سوى قبلتين ومصتين من الشفاه،حتى ان خامس اطرافي الذي بين بدايتي افخاذي لم يتحرك قيد انملة كالسابق تحت تأثير هذه المصات والقبلات، اما تفكيري فقد كان منصبا على ما يحدث في الدار الكبيرة، وعن صدق او كذب الاشاعات.
انتبهت خيرية للقائي البارد معها ، واخذت تمطرني بوابل من كلمات اللوم والعتب التي امتلأ بهما قاموس الصبايا المحبات ، بل راحت تلوم نفسها لانها اتت اليّ بقدميها كالبهيمة ، وهمت بالخروج ، الا انني امسكت بها وصحت زاجرا:
– الا تكفين عن ذلك … لقد شبعت من القبلات ومص الشفاه … اخبريني عما يحدث في الدار الكبيرة ؟
عندها نظرت لي شزرا ، وكمن صعقت بكلامي ، استدارت غاضبة لتخرج من غرفة ماكنة سحب الماء التي نختلي بها، فأسرعت واغلقت الباب ورحت امطرها بوابل من القبل الباردة كالثلج ، اذ كنت اعرف ان القبل والمص سيهدأ من ثورتها كلما غضبت مني في كل مرة، الا انني كنت مخطئا،لانها لم تشاركني قبلاتي بعد ان شعرت ببرودتها، او انها عرفت ان ما اقوم به هو تهدئة لخواطرها ليس الا ، فصحت بها ناهرا:
– كفى … اخبريني عن أي شيء جرى في الدار الكبيرة ، وماذا فعلت النسوة التي جيء بهن من المدينة بسيارة القاضي ، ولماذا جيء بهن؟
عندها هدأ غضبها قليلا ، وكمن يعرف كل شيء قالت :
– لن اخبرك … لدي اسرارا لا يعرف بها سوى النساء .
ثم ضحكت بصوت عال وانفلتت مني وفتحت باب الغرفة وخرجت والضحكة العالية كادت تفضحنا .
بقيت ساكنا لا اعرف بماذا اجيب على تساؤلات راضي الذي وصل اليّ مسرعا ، كنت كمن يقف على حافة هاوية، كاد خروج خيرية من الغرفة يوقعني على الارض ، انها ما باتت تحبني ، وشعرت بأحشائي الداخلية تتمزق .
قلت لراضي بتوتر بان على كلماتي:
– لم تخبرني بشيء … ثم تساءلت او سألت راضي :
– هل انتهى حبها لي ؟
اجابني راضي :
– اترك هذه الافكار خارج رأسك.
وبعد لحظات تابع قوله كالواثق من كلامه :
– ابق هنا ، ستعود حتما …
ثم قال:
– سأعود اليك .
وخرج .
بقيت والدوخة لفت رأسي كله ، كنت احس برأسي كـ (الجبنة)(*)، شيء اسفنجي … هلام لا استطيع السيطرة عليه . فيما كان جو غرفة ماكنة سحب الماء كالتنورالملتهب ، كان العرق يتصبب من كل مسامات جسدي ، فيما النواح ما زال يتصاعد من الدار الكبيرة ، تساءلت مع نفسي:
– اتتركني ابنة عمي وحبيبتي وخطيبتي هكذا ؟اين حبها لي ؟ اين ذهبت قبلاتها لي ؟ اين ذهب مص الشفاه؟
– لقد عادت.
اخرجتني كلمات راضي من تفكيري الاسفنجي ، ودون ان اراه ، رأيتها تنكب على وجهي بالقبلات ، واستجابت شفتاي لقبلات شفتيها مضطرا، وبدأنا المص بعد ان احتضنتها وعصرتها بساعدي لاقنعها .
اخبرتني خيرية وكأنها تخبرني للتو، اذ لم تكن كلماتها قد احاط بها ضباب سنوات المحنة التي عشناها معا واصابتنا كما اصابت الاخرين من ابناء قبيلتنا.
قالت :
– لقد جاء القاضي بالنساء العارفات بمسائل النساء من بغداد ، وقمن بفحص زوجة الشيخ الكبير ، لانها اخبرت ام الشيخ الكبير بعد وفاته مباشرة بأنها حامل ، فقامت ام الشيخ الكبير وارسلت بمن يطلب من القاضي ان يرسل العارفات .
وعاد الصمت مرة اخرى الى الغرفة الملتهبة، سكتت خيرية وما زال بصرها يلامس صفحة وجهي، انها عرفت ان ما تخبرني به ذا اهمية كبيرة ، وارادت ان استجديها الاخبار ، الا انني لم افعل ذلك ، بل صحت بها ناهرا:
– لا تكوني انانية… هيا اكملي دون توقف.
نظرت لي وابتسامة شامتة على شفتيها … تجرعتها بمرارة كمن يتجرع زيت الخروع لتليين محتويات معدته، وكززت على اسناني ، الا انها ، وكمن عرف انها قد ردت لي صاع عدم تجاوبي معها قبلاتها بصاعين من شفتيها الشامتتين ، قالت ضاحكة:
– اخذن زوجة الشيخ الكبير رحمه الله معهن الى بغداد لتبقى في بيت القاضي لفترة لم يحددن طولها ، وكان ذلك بطلب من ام الشيخ الكبير…  ثم اردفت قائلة:
– هذا ما حدث في الدار الكبيرة يا حبيبي.
ثم كمن تريد ان تسترضيني ، قالت متسائلة والابتسامة تشع على وجهها:
– ارضيت يا حبيبي ؟
بعد اربعة اشهر وعشرة ايام من وفاة الشيخ الكبير اخبرني والدي وكأنه يخبرني للتو ،بعد ان سألته عن الاخبار التي تتناقلها الالسن ، وخاصة السن النساء،عن زوجة الشيخ، قال :
– نعم … وقد تبين ان المرأة كانت كاذبة ، اذ انها لم تكن حاملا.
قلت فيما قلته سابقا انني فقدت ابنة عمي وحبيبتي وخطيبتي خيرية ، وذكرت ان وفاة الشيخ الكبير، وعدم وصيته بالمشيخة هي التي آذنت بالفراق ، لهذا رحت اتحين الفرص لاسأل والدي عن ذلك ، اذ ان اعباء مساعدة الوكيل الجديد ارهقته كثيرا، وعندما حانت لي فرصة الحديث معه بعد حصولي على الشهادة الجامعية مباشرة ، أي بعد اربعة اشهر وعشرة ايام من وفاة الشيخ، واحتفالي انا وراضي بهذه المناسبة بشرب قدحين من الشربت الاحمر الذي جلبته معي من بغداد، دخل علينا والدي غرفتي فيما كان راضي يهم بالخروج ، هنأه والدي على نجاحه ، وعندما غادرنا ، سألني والدي مباشرة :
– ها… ماذا ستفعل بالشهادة ؟
ودون تردد ، وبجرأة غير معروفة عندي عند الكلام مع والدي ، قلت له :
– ابي ارجو ان نترك امر الشهادة الى مابعد ان تجيبني عما يدور في رأسي من تساؤلات قد مضى عليها وقت دون ان تجد لها اجوبه ، وانا في حيرة منها؟
نظر والدي  في وجهي- حتما انه عرف ما اريد ان اسأل عنه – وكمن غضب من شيء قال بتوتر :
– ان اسألتك كثيرة ، واجوبتك قليلة ، ماذا اصابك ، هل الجامعة انستك من انت، ام ان الدراسة في بغداد انستك انك ابني ؟ ام ماذا ؟ اجبني انت؟
كان الغضب يتصاعد مع تصاعد وتيرة صوت كلمات ابي التي تخرج من فمه كأنها مفرقعات، ولكي اهديء من غضبه ، رحت اتوسل اليه واطلب منه ان يهدأ، وقلت كما اذكر:
– ابي كل الذي قلته غير صحيح ،فلا الجامعة ولا بغداد قد انستني انني ابنك ، وانت والدي ، الا انك تعرف انني كبرت ودرست وعليّ ان افهم جيدا ما يجري حولي، خاصة ان ما جرى قد مس القبيلة والعشيرة بالسوء كثيرا وقد لحقك انت وعمي، بل قل بيتنا وبيت عمي بهذا السوء – بين هذه الكلمات تذكرت محنة ابناء جدنا آدم – الا يمكنك ان تخرج من صمتك هذا وتخبرني الحقيقة دون ان اعرف هذه الحقيقة من الاخرين ، وانت تعرف الاخرين والقيل والقال؟
سكتُّ بعد ان احسست ان جملي كانت طويلة جدا ولم يستوعبها فهم والدي القروي، وعليّ ان ارأف بكبر سنه، الا ان ابي لم يعلق بشي، وهذا ما زاد الطين بلة، بل راح ينظر في وجهي وابتسامة صغيرة على شفتيه اضاءت وجهه المتغضن بلحيته الخفيفة البيضاء، ثم وهو يقبلني على جبيني قال :
– اسأل.
احسست بالدم يصعد الى وجنتي خجلا ، بل حقيقة كنت خجل من ابي كأنني صبية عذراء امام من يسألها القبول بالزواج من شخص ما (*)، وبهدوء واحترام الابن لابيه، قلت:
– سامحني ان اغضبتك ، الا انني اريد ان اعرف منك بالذات لماذا افترقت عن عمي؟ ولماذا فسخت خطوبتي من خيرية ؟ ولماذا …؟
ولم اكمل اسألتي، اذ وضع والدي كفه على فمي واغلقه، كأنه يغلق اناء تفوح منه رائحة لا يطيقها، وخرج تاركا اسئلتي علامات استفهام كبيرة .
كان صمت والدي  يُخفي أشياء كثيرة لاتريد ان تنعتق من قمقمها الذي في رأسة والمشدود جيدا بعقاله الاسود الشطراوي (*)، فأحترمت هذا الصمت ورحت انا اتصنعه ايضا الى حين .

الورقة الرابعة:

اخبرني والدي الكثيرعن احوال القبيلة قبل وبعد موت الشيخ الكبير وكأنه يخبرني للتو، اذ لم تكن كلماته – وقت ذاك – قد احاط بها غبار ايام المحنة التي عشناها واصابتنا كما اصابت الاخرين من ابناء قبيلتنا ، و سطرها قلمي على هذه الاوراق دون ان اعرف الاخبار من طرف اخر بعد ان فقدت ابنة عمي وحبيبتي وخطيبتي خيرية، و بعد ان رحلت هي وعائلتها واغلب عوائل القبيلة الى مكان لا نعرف عنه شيئا ، قال من قال: انهم سكنوا اطراف بغداد الغربية ، وبعضهم ذكر: انهم تركوا العراق ، ومن قال: انهم تغربوا في البلاد الشرقية ، ومنهم… ومنهم … ولكن الشيء الاكيد انني لم ار خيرية منذ سنوات ، أي منذ ان جاء الخبر من بيت القاضي ان زوجة الشيخ الكبيرالتي ادعت انها حامل كانت غير حامل، وصرح شيخ سلف العماريين بالوصية.
ها انا اقضي يومي بين الدوام في المدرسة وصديقي راضي وبين الجلوس في غرفتي انا وهو، او الجلوس في غرفة راضي ، وكنت بين الحين والاخر اسأل والدي عن شيء كان عليّ توثيقه من مصدر معتبر ، وكان ابي هو ذلك المصدر المعتبر، وكان هو يجيب مرة ويغضب اخرى من اسألتي.
كان راضي قد امتحن بما امتحنت به مع خيرية ، كانت حبيبته فوزه قد رحلت مع عائلتها مع المرتحلين من قبيلتنا ، الا ان مجموعتهم اخذت اتجاها اخر غير الاتجاه الذي يممته الجماعة التي فيهم حبيبتي خيرية ، وبقينا انا وهو نندب حظنا لاننا لا نعرف سببا معقولا لهذا الفراق ، اما السبب غير المعقول حسب ادراكنا انا وراضي فقد عرف وانتشر بين ناس قبيلتنا الوا

شاهد أيضاً

الْأَرْشِيفِيُّ وَالْمَوْسُوعِيُّ الدّكتُور(صَباح نوري المرزوق) الْمُعَلِّمُ الصَّادِقُ الصَّدُوقُ.
موشي بولص موشي/ كركوك.

فِيْ عَامِ 1977 حَلَّ مُدِيرًا عَلَى مَدْرَسَةِ(ثانويَّةِ السِّرْيَانِ)، كُنْتُ حِينَهَا طَالِبًا فِي الصَّفِّ الْخَامِسِ الْعِلْمِيِّ. …

أستاذي الدكتور كمال نشأت
شكيب كاظم

يوم قرأت قصيدة الشاعر الغِرّيد عبد الخالق فريد، التي نظمها رثاء للأديب الشاعر والأستاذ الجامعي …

نهر الديوانية : ماذا فعلت بحياتي؟
رسالة في الحزن العراقي ومحنة الغائب/ المنتظر في شعر (علي الشباني)
حسين سرمك حسن
بغداد/ 2005 (ملف/20)

((آه من فقدان الالفة، فهو يشعرنا بقلق واضطراب وتعلق حميم بالاشياء المفقودة، وعلى مستوى آخر …