علوان السلمان : مختبر السرد العراقي؛ تأملات في القصة التفاعلية

يقول هدسن ( إن الفن هو التكامل بين العاطفة التي يحسها الفنان وبين الصورة التي تعبر عن هذه العاطفة 000) والفن القصصي هو احد الفنون الأدبية التي عرفها الإنسان منذ أن عرف وجوده00 إذ انه نشاط إنساني يلبي حاجات نفسية واجتماعية وأدبية وتعليمية وجمالية 00 يدور في أساطيره وحكايته الشعبية وقد أعانه الخيال على ابتكاره وتخصص بسرده أفراد يمتازون بالقص المبالغ فيه والمهول بالأحداث 0 وأصبحت هذه الحكايات نواة لصنف أدبي هو (القصة) الذي اخذ يستمد من الواقع مقوماته ويمد القارئ بتجارب تكشف له آفاقا جديدة مستوعبة الحياة بصورها واحداثها00 وقد اعتمد أصولا وتقاليدا منها الصراع ونمو الأحداث حتى الذرة والانحدار صوب النهاية0
والإنسان بطبعه يبحث عما هو جديد وممتع من خلال إشغال قواه الفكرية00 فيبتكر00 ويوجد00 ويطور فيبدع00
والقصة التداولية التي بين أيدينا ما هي ألا نتاج التطور الفكري الذي لازم المراحل التاريخية0 فكان جنسا أدبيا له ميزاته الخاصة التي ميزته على الفنون السردية الأخرى 00 إذ انه انتشر على مواقع الانترنت وأبدع فيه من أبدع 00 وتجربتنا اليوم توثق على الورق بمشاركة مجموعة من القصاصين الذين أبدعوا معرجين على مقدمة وحدث00 حتى خلق أحداث ونهاية00 فتتحرك في زمان ومكان مفتوح وهم يعتمدون تفجير اللغة مع ابتعاد الاستعارات النمطية باختزال الزمن وتكثيف الأحداث مع تكنيك حدا ثوي معمق الدلالة 00 لذا فهي تحتوي من الطاقة الشعرية ( سعد ) والحبكة المشاكسة ( الجنابي ) والتهكم اللاذع ( صالح ) وتشكل بؤرة تتجمع فيها صور تشكل مفارقات كاتبيها الذين يكتبون بنمطية خاصة تعتمد الجملة المتوهجة.
فالقصة التي حملت ( مقاطع حمادي التفاعلية ) تمثل الرؤية دورا بارزا في رمزية إدراك الواقع وتوليد متخيل القصة 00 تتسع الرؤية فيها من بصرية إلى حدسية فمعرفية وتنفتح على المحتمل00 فتكون نوع من الصورة – الرؤيا كما يقول د .أحمد الطريسي
فالقاص صالح جبار ( صاحب المشروع ) الذي كتب مقدمة القصة وهو يحاول اقتناص اللحظة الحياتية التي انحصرت في ( الأمنية ) في إقامة علاقة مع تلك الجميلة باعتماد أسلوب الفلاش باك وحوار الذات ( البارحة تذكرت خالتك بصوتها الشجي تغني ( هو صحيح الهوى غلاب ) إنها تمثل انفراد الذات وتطرح عذاباتها فتصور الكبت الذي تعانيه المرأة التي تكشف عنه وهي تحاور ذاتها عن طريق أغنية أو مثل وحسرة – فما زلت صغيرا في نظرها 00 اسمعها تشتكي دائما من حمادي فهو لا ينام معها 00 وهذا يعني فراق جسدي بينها وحمادي الذي خلق فجوة الابتعاد وكان سابقا اتحاد زوجي محققا نشوة الوجود 0
أما علاء الجنابي فقد اعتمد نفس الأسلوب خالقا أحداث جديدة ومنتهيا بحمادي وفراقه لها..
حينما تصرخ.. حمادي.. حمادي نهضت فيما انطلق القطار يومئ بإيماءة الوداع.. وهنا يعني أن القطار الرمز الموت الذي اختفى خلفه حمادي مودعا إياها منفردة صارخة.. هذا يعني إن صالح والجنابي التقيا في النهاية فصالح الفراق الجسدي الذي يجرنا إلى الموت والجنابي قطار الزمن وانطلاقته يعني حمل جثة حمادي وحقق الفراق الأبدي.
أما سعد السوداني فقد خلق أحداثا جديدة – الركل – غرز السكين بحلم اليقظة ينتقل منها إلى نهاية الأمل بعودة حمادي من خلال حوار الذات ومن ثم عدم بيع نفسها ( زوجي حمادي سيعود حتما ما دام قطار أخر الليل في طريقه إلى المحطة .. )
وفي هذا الأمل يشاركه القاص عبد الكريم حسن مراد ويشارك سعد السوداني ( حتما سيعود.. قلت لها ذلك.. لكي اخفف عنها شيئا من وطأة الحزن ) لذا فالمشاركة هي تعاطف وهذا يعني إن حمادي مات حقا وتركها وحيدة .
لقد وفق عبد الكريم  في خلق نهاية لهذه القصة والتي تعتبر من أركانها وأصعبها .. إذ انه استطاع إن يلتقي مع البداية إذ كانت – قد جعلت من الفراق فراقا جسديا إما النهاية فقد جعلت منه فراقا روحيا وجسديا ..
اسمعها تأتي من هناك .. من زاوية غير مرئية وهي تصرخ باسم حمادي .. حمادي حم..ا.. دي وهذا التقطيع يعني نهايتها أيضا تجعلنا مشاركين لهما الانفراد.
لذا نقول إن هذه التجربة كشفت عن إبداع فني جديد وقدرة على السرد القصصي ومن ثم إثبات وجود مع الاستمرارية..
كون البنية القصصية عندهم تتمظهر من خلال الوحدة المكثفة الضربة الموجزة في نهاية كل مقطع .. فالكتاب توصلوا بتحديد مصير الشخوص والوقائع باعتماد لغة شعرية شفيفة متسلطة على مناطق الإثارة مع نجاح في توصيل أفكارهم ورؤاهم مع تجريدهم من لغة ( الأنا ) والانا الأخر في لغة الخطاب مع بعد الزمكانية بتداخلات لغة الإيقاع الشعري في النص تأملا ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …