محمّد الغربي عمران : نزف البـــــطران 1430 (ق.ق.ج)

القاص حسن البطران

(نزف تحت الرمال)مجموعة( ق ق ج) صادرة من نادي القصيم الأدبي بالسعودية.. للكاتب حسن البطران.. وبطبيعة الحال فان تلك المجموعة القصصية  تبشر بموجة من كتاب القصة القصيرة جداً أو الومضة.. والذي يشهد المشهد الأدبي السعودي نشاطا ملحوظ  في شتى المجالات.. والقصة القصيرة جدا يعتبرها بعض النقاد امتداد للقصة القصيرة.. كما هي عند البعض الأخر جنس أدبي قائم بخصائص تخصه.
نزف البطران نصوص تتشتت بين النص المكتمل فنيا وموضوعيا والنص المكتمل فنيا دون معنى موضوعي.. وبين النص الأقرب إلى الأحجية أو الفزورة.. والنص الذي يدعو القارئ لمشاركة الكاتب في ملء فجوات قد عنى بتركها الكاتب أو لم يعني.. وكذلك هناك النص المجزأ إلى فكرتين دون رابط. ونصوص أخرى تقود القارئ إلى التأمل ونصوص عدة ناضجة في صياغتها وما تحمله أو تعالجه من أفكار.
وحقيقة الأمر فقد أخذت وقت كي أجد لي مدخل للحديث عن مجموعة (نزف).. تلك النصوص التي تصل إلى  الأربعة والثمانين  نصا قصيرا.. لا يتجاوز أطولها الـ خمسة عشر صدر .. وأقصرها يقل عن السبع كلمات توزعت على 187 صفحة.
ومدخلي لقراءة (نزف) البطران  هو تصنيف نصوص المجموعة إلى عدة مجموعات من حيث اقترابها من خصائص ق ق ج  وابتعادها عن خصائصها.. ولا أدعي بأن هناك خصائص محددة غير أن الفكرة الواضحة والتشويق والمفارقة والإدهاش.. إضافة إلى التكثيف.. هي من أهم ما يميز هذا الفن السردي الجميل والمدهش في نصوصه المكتملة. وعليه فأن ما يقرر وجود ذلك من عدمه يخضع لذائقة القارئ.. وإحساسه تجاه النص الذي يفرض اكتماله على ذائقة القارئ .
نصوص (نزف الرمال) صنفتها إلى ست مجموعات  ..هي:
1- نصوص غير مكتملة من حيث الفكرة المطروحة.. أو الأساليب الفنية ..حين قدم الكاتب لنا  نصوصا هي أقرب إلى الحكي العادي شبيه بما نسمعه من أفواه من يحيط بنا. 2-نصوص أخرى مترابطة لكنها لا تحمل موضوعا أو فكرة  محددة. 3-ثالثة تنافرت جملها وتباينت معانيها من جملة إلى أخرى وكأن الكاتب قد جمعها من مواضيع مختلفة.4-إلى تلك النصوص الأقرب إلى الأحاجي والفوازير التي تتطلب الوقوف عند الانتهاء من قراءتها للبحث عما يريد الكاتب قوله. 5-نصوص أخرى تجلت فيها مقدرة الكاتب ليضع القارئ في موقف المتأمل لذلك النص وما يوحي به من جلال الحكمة. 6- نصوص سكب الكاتب إمكانيات فنية وموضوعية ليقدم لنا نصوصا غاية في التكثيف والإدهاش.
وسأضع بعض ملاحظاتي التي استقيتها من خلال قراءتي لنصوص المجموعة .. وأتمنى أن تكون كلماتي خفيفة على القارئ.. حين يطرح الكتاب رأيه يكون الهدف ردم الهوة بين رأيه وأراء سبقته أو لاحقة بما يطرح. والأجمل أن تتنوع الآراء حول نص واحد.
1-النصوص  الغير مكتملة.. وهي التي قد لا يستوعب القارئ حين قراءتها أنها لنفس الكاتب التي كتب نصوصا مكتملة في نفس المجموعة..فتلك التباينات الفنية والموضوعية بين النصوص  وأعني بالتباينات من حيث اكتمال مقوماتها كنص سردي مكثف وكفكرة ملفتة.. ولذلك سيتساءل القارئ لماذا أصر الكاتب على نشر النصوص غير ناضجة مثل: نص (مستقبل) والذي جاء في نصه  “كل صباح يحمل حزمته ويخرج من وكره  ويستقر على شاطئ هو بإمكانه أن يحفره وينقشه: شاطئ أمان أو شاطئ خسران” وفي نفس مستوى نص(مستقبل) ضمت المجموعة  عدد من النصوص التي لا تحمل أي تشويق.. ولا تصل بالقارئ إلى مرحلة الإدهاش مثل نص  (رائحة اللون) ” هبت على قريته رياح صفراء.. فسارع  في طلاء منزله باللون الأزرق”  ونص ( الفنجان)  ” بعد غياب طويل زاره وارتشف معه فنجان من القهوة..مرارة القهوة أنسته ما فات.. تبادلا الأحاديث.. تحقق هدفه.. وعده أن يراه قريبا”
وكم كان أحرى بالكاتب لو أنه حذف النصوص الضعيفة ولم ينشرها ضمن مجموعته (نزف) ..  أو أنه عرض النصوص على أحد أصدقاءه من الكتاب قبل نشرها.
2-نصوص امتلكت الترابط الصيغي.. دون أن تحمل أفكاراً  ملفته.. ويتضح أن الكاتب حين كتبها لم يحسن  اختيار تلك الأفكار  التي  جاءت مغايرة لفن الـ (ق ق ج) ولذلك  نجده وقد قدم لنا نصوصا ناقصة التكوين من حيث المضمون لا الصياغة..  ومن تلك النصوص: (ندى الغروب) والتي نصه ” حان وقت الغروب وهو يتأمل حمرة السماء الوقت الذي التقى بها أول مرة القدر لم يجمعهما يحاول نسيانها لكنه لم يستطع” وفي هذا النص نجد أن الفكرة القصصية غير موجودة وإن وجدت فأنها تبدو فكرة ساذجة.. وقد حاول الكاتب أن يقدم ما لديه لكنه لم يوفق وهكذا هي عدد من نصوص المجموعة مثل:   (رائحة العلقم) و(شيطان) و (غذاء ولاء) وغيرها. 3-نصوص جاءت بجمل غير متسقة في مضمونها.. متنافرة تُشعر القارئ بدعوة الكاتب كي يضيف ويملأ تلك الفجوات بين الجمل المبتورة.. أو الفجوات التي بحاجة إلى ردم معرفي ومن تلك النصوص  (تنافس) ” طفلة لا يلتذ بلبنها ,صراع من اجل ذلك, عقد اتفاقية بتقاسم الثروة” ومن خلال قراءة النص يلاحظ القارئ أن هناك خلل ما .. يقودنا إلى افتراض جمل ناقصة وعلينا  صياغتها ووضعها في المكان المناسب حتى يكتمل المعنى.
ونص آخر بعنوان(غيرة)  يقول فيه”الوردة الحمراء التي تقطفها له كل صباح ذبلت وتلاشى أريجها بعد عودته من سفره”  ونص أخر بعنوان (جموح) “صافحت يدهُ يدهَ حينما التقى به عند مدخل المدينة وقال له: اصعد القمر كي تزرع الشجر صهيل الخيل الجمهُ.. وما زالت البئر تأوي يوسف” وهكذا نصوص  (صوت الرحى) و(براءة رمال) و(وطن) و(سقوط) وغيرها من نصوص  ضمن المجموعة نجدها بحاجة إلى إعادة صياغة من القارئ ..أو إدخال كلمات وجمل قصيرة كي يصل أجزاء النص ويكمل المعنى.
4-  نصوص أقرب إلى الفزورة أو الأحجية منها إلى الـ (ق ق ج). صحيح أن القصة قصيرة جدا يدخل في تكويناها الأحجية والحكمة والنكتة  والتناقض… الخ. لكن ما يقربها من تموضعها كجنس أدبي له خصائصه هي عناصر الإدهاش والمفارقة والتشويق إضافة إلى التكثيف والترابط.. وقبل كل ذلك الفكرة الملفتة. ومن تلك النصوص الأحاجي التي حفلت بها المجموعة: (انفلات)  “على وجل تلاقت نظراتهما على المائدة , وكلاهما شحن وجدانه بالأخر, سنحت فرصة للقاء بينهما, وفيه اشترى كل من الأخر كومة من العسل والسمن البلدي الأصيل, ولم ينسى كلاهما أن يهدي الأخر الذهب والعقيق” ونص آخر بعنوان (كيان) “عاد من سفره ..أهدته زوجته جذور شجرة قديمة متهالكة, داخل ألواح زجاجية.. مكتوب عليها: إنها بحاجة إلى إعادة الحياة” ونص ثالث بعنوان (بائع الماء) “وقف ينتظر قيمتها بعد أن انتهى من تعبئة (450) جالون من الماء, فتاة ناولته ورقة: انصرف لقد أعدت إلينا الحياة”.
وهكذا العديد من نصوص المجموعة ومنها (صدى)  (امتصاص)  (انتظار)  التي   يبحث القارئ مع نهاية كل نص عما يريد إيصاله الكاتب من تلك النصوص.. لكنه لايجد.
5- ونصوص أخرى  تبعث على التأمل عند قراءتها تدعو القارئ إلى قراءتها أكثر من مرة كي يكتشف غموض تلك النصوص.. وتلك المسحة الشفافة من البلاغة والسمو  مثل: نص (فصول) “صعد سطح منزلة رافعا خرقة حمراء ممزقة.. لترتفع أصوت أطفال القرية بالبكاء والصياح” ونص بعنوان (وللضوء  لون اسود) ” جمع ضوء الشمس منذ إشراقتها وقدمه كهدية لها!  قالت له : هل هناك شمس أخرى ؟ فرك عينيه وأغمضها, وسارع برمي نفسه في مياه نهرٍ جاري .. خرج من النهر يبحث عن شمس لكن ليس لها ضوء!” ونص آخر بعنوان (غصن رمان) ” تأخر عن الزواج كثيراً . استشار أباه بالزواج من بنت خاله.. منعه منها! أهداه مجاديف قارب, وحفنة من الضوء, وغصن رمان وقبل يديه  وتزوجها وتزوج غيرها”.وهكذا بقية النصوص التي تدفع القارئ إلى المزيد من التأمل مثل:(توهم ) (ميلاد جديد) وغيرها من نصوص فيها من النضج ما يضع القارئ في موضع مربك حين مقارنتها بما سبق ذكرها من نصوص.  6-نصوص مكتملة موضوعيا وفنيا.. وهذا ما يدهش القارئ وما  يجعله يقف محتارا بين تباينات نصوص هذه المجموعة من العادي مرور بتباينات شتى إلى قمة الإدهاش والاكتمال..  ومن تلك النصوص التي  تدهش القارئ من حيث الفكرة المطروحة أو الصياغة المشوقة والهادفة: نص بعنوان (نضوج) ” فزعت من نومها خائفة وصرخت: أمي.. أمي, سأموت! ابتسمت الأم وهي تهامسها ببهجة: اليوم أصبحت امرأة”.. حين قرأت هذا النص وجدت صارخا بداخلي أخيرا وجدت نص يجمع عدة عناصر من عناصر القصة القصيرة جدا.. نص مدهش.. فها هي الفتاة ترى الدم المنسال لأول مرة ( حيض) لتفزع مستنجدة بأمها صاحبة الخبرة. التي تفاجئها بنقيض خوفها.
ونص أخر بعنوان (حاجة) “أعطى الزوج زوجته مبلغا لشراء حاجيات العيد.. رجع للمنزل فوجد كومة من أمواس الحلاقة!”  وفي هذا النص  فضلت الزوجة نظيف وجه زوجها مما علق به من شعر كثيف ..وتنظيف أمكنة أخرى من جسمه ..وكأنها تقول له بأن العيد يحتاج إلى ما تحتاجه الزوجة من زوجها.. وليس العيد هم الأكل والملبس. ونص ثالث بعنوان  (هوس) “ينظر إليها وهو على الضفة.. يراقبها.. عيناه تحومان حولها.. يسأل نفسه:  لماذا تظل ورقة التفاح تطفوا ولا تغرق؟يرمي بنفسه .. يغرق ويغرق.. وتبقى الورقة على سطح النهر”.
وهكذا هي عدد من نصوص المجموعة التي تثير في القارئ الدهشة بنضوج أفكارها وأسلوب صياغتها المكثفة والمشوقة.. مثل  (صمت) (المعول) (تبخر أمل) (فضيحة لون) (براشوت) وغيرها من النصوص التي طعم الكاتب مجموعته.. ليمنح القارئ روح جديدة من الأمل.. ليتابع بقية نصوص المجموعة باحثا عن أمثال تلك النصوص المتقنة.. التي تجلى  الكاتب بتقديم نماذج مثالية من القصة القصيرة جدا
البطران متحيز في كتابته السردية  للـ (ق.ق. ج) ويتسم بأنه أحد المع كتابها في السعودية.. ولذلك نجد معظم نتاجه يصب في ق ق ج.. رغم غزارته فهو لا يكتب القصة القصيرة إلى نادرا.. كما نجده دائم السفر والمشاركة في المحافل العربية التي تعني بفن الـ(ق ق ج)  ودائم التواصل مع أصدقائه من الكتاب العرب.. شغوفا بمتابعة أخبارهم وكذا مشاركاتهم.. خاصة فيما يتعلق بجنس القصيرة جدا. ويجد  القارئ نفسه وهو يقرأ نتاج البطران أمام تباين واضح من  نص إلى أخر من الناحية الفنية..رغم تنوع المواضيع التي يتناولها  البطران في نصوصه بين الاجتماعية والسياسية والعاطفية.. وبالذات ما يتعلق  بالجنس حين يتعرض له في نصوصه بشكل ضبابي ما يجعل القارئ أمام عدة تفاسير لما يقرأ  حول  ذلك كما هو في نص (سقوط)  “صرخت بصوت عال: ناولني البراشوت لكي اهبط على قمة الجبل.. صحت من نومها عارية بجانب السري وفي يدها ورقة عنب” كما يقترب من الديني في نص  بعنوان (قفزة )” طلب الأب من ابنه أن يرافقه إلى المسجد.. سأله : بابا.. هل أحضر معي القفازات وشورت قصير” وفي الجانب السياسي كذلك في نص بعنوان (اعتصام) ” أسراب النمل الأبيض تحمل فتات الخبز اليابسة..يعترض أحدهم طريقها ويلتقط الفتات.. تعتصم النمل أمام المنزل”من خلال تلك النصوص ونصوص أخرى تتعرض للمسكوت عنه في بعض مجتمعاتنا العربية.. يترك الكاتب للقارئ  مساحة من  حرية التأويل والتفسير لتلك النصوص ..  لذا فهو أكثر إبهاما كلما أقترب من الثالوث الممنوع الذي لم يعد ممنوعا في عصرنا الحديث بعد دخول الوسائط الإعلامية الحديثة  في الكثير من المجتمعات .. عدا ذلك المنع الشكلي..إلا أن  بعض الدول لا زالت المادة الثقافية تخضع لرقابة شديدة وصارمة .
في نهاية هذه الأسطر  أعترف بأن كثيرا ما يخوننا  التعبير فلا نتنبه لذلك الخفوت, ولذلك نكتشف تلك المختلات الذاتية بعد فوات الأوان.
ونعترف لبعضنا أن تلك الكتابات التي يخطط من خلالها الكاتب لجذب القارئ إلى الاشتراك بتكملة تلك الفجوات التي تركها عن سبق إصرار.. وقد نجح البطران في ذلك.. فأوجد تطور تفاعلي بين القارئ وما يقرأه.. فشكرا للبطران على تلك النصوص التي تجنح بالقارئ ليحلق بعيدا.. بعيدا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.