عصام القدسي : ولا أجمل النساء

القمر تأسره بقايا غيوم صيفية شفافة ،حتى يُرى شاحب مريض.. ثم لا يلبث أن يفلت من أسرها معافى.. لتعود تغمره من جديد. كان بقامته المديدة يسير في الظلمة مترنحا ،يسمع وقع خطواته على إسفلت الطريق الذي بدا خاليا من المارة ،موحشا بالظلال الممتدة على أرضيته. وانعطف يمينا ودخل الزقاق الذي  يسكنه ، فمثلت أمامه بيوته الجاثمة كأشباح وتقافزت صور دواخلها في رأسه: ممرات وغرف نظيفة مرتبة ونساء وأطفال ،فقد سبق وان دخلها، يصلح سخاناتها المعلقة على حيطانها أو تلك الواقفة وقوف الجندي الصارم ،ينبشها حتى يبعث الحياة فيها فتعود تتدفق بالماء الساخن فتحيي ابتسامة ربات البيوت ..هذه الساعة وبعد السهرة التي قضاها مع أصدقائه بين كؤوس تعانق بعضها وتدور ولم تهدأ إلا قبل لحظات الوداع، كان يجرجر الخطى عائدا الى بيته وحيدا على الدرب . وأحس بالوحشة وحلم بالدفء فهرب بتفكيره الى النساء اللواتي عرفهن ،وتساءل مع نفسه ترى هل هناك أجمل من دفء المرأة ولمستها وأحضانها.! ، واخذ يسترسل بخيالاته وتمنى أن يلتقي وسط هذه الظلمة بامرأة جميلة تدعوه إليها ،وقفزت الى مخيلته ، الأرملة أم شهد السمراء كالشوكولاته ،تمثلت أمامه بلحمها وشحمها تحدثه فتلثغ بالراء وتوسع عينيها وهي تحملق بوجهه بشراهة كما لو تود التهامه ومد يده في الهواء فامسك بالفراغ وود هذه اللحظة لو تطل عليه من بيتها حقا وتدعوه للدخول فيفي بوعده الذي قطعه على نفسه ذات يوم بأنه لو نال منها لفعل كذا وكذا وقال كيت وكيت ،ولما انتهت سورة تصوراته حولها ،انتقل بخياله الى  سعاد التي لم تفارق صورتها ذهنه يوما .. سعاد مدرسة اللغة الانكليزية الناعمة البيضاء التي لا يمل النظر الى قوامها الممتلئ ومؤخرتها الرجاجة وهي تتقدمه نحو السخان المعطل وتمتم : أما هذه فسأبكي بين أحضانها ثم مضى بعد ذلك يستحضر كل امرأة داعبت مخيلته في السر وتخيلها بأوضاع مثيرة واستغرق بخيالاته الى ابعد حدود التهتك والعهر وتمنى لو يتحقق له ذلك فعلا، ولتذهب امرأته هذه الليلة الى الجحيم فما عادت ألاعيبها تغريه ولا تأوهاتها.. إنها الآن بلا شك ، تنتظره على نار وقد ارتدت أجمل ثيابها وتزينت بأجمل زينتها وتضمخت بالعطر الجديد الذي اشتراه لها بالأمس وجلست بانتظاره.. بانتظار لحظات تألقه وهو يخور فوق السرير كالثور الهائج  فيدخل الى قلبها النشوة والسرور حتى يسمعها تضحك وتضحك من فرط البهجة وتدق كعب رجلها بقلب السرير وتلهث وتعود تستمهله .. ويتردد في أن يقول إنها كبرت وشاخت ولم تعد تصلح للحب لأنها والحق يقال لم تزل طرية لدنة وناعمة كالفراش ولكن المرء لا يقنع بما لديه ويظل يتطلع للنجوم ..ربما هو الملل أو شيء من هذا القبيل وتغاضى عن أن يجد الجواب بل أفلتت الفكرة منه فمضى يطلق العنان لرغبته وتمنياته الملتهبة التي يحركها مثل غصن طري ، السكون والظلمة والنجوم المتلألئة فوق رأسه ونفحات الهواء الباردة المنعشة ، فتمنى في هذه اللحظة أن لا يعود الى البيت وان يمضي الليلة مع امرأة أخرى..امرأة تخرج له من تحت الأرض أو تهبط عليه من السماء جنية ساحرة الحسن والجمال تلفه بين ذراعيها كقط أليف وتحلق به عبر الأزمان وفوق المدن المضاءة وتمضي به الى زمن ألف ليلة وليلة وتنزله في قصر أشبه بقصر الملك شهريار أو قصر الخليفة العاشق فيتمرغ معها على سرير من الذهب المطعم بالزمرد والياقوت .. هكذا كان يفكر مع نفسه وإذا بصوت نسائي جميل من خلفه يناديه بنبرة هادئة حنون :
ـ هي ي ي ي ي.. أنت.. انتظر ..
تمهل بسيره والدهشة تتملكه وقلبه يخفق بشدة حين انساب صوت المرأة الى أذنه ، ولكن الظلمة والسكون وصفير كائنات الليل ورنين الكؤوس التي لم تزل تقرع في رأسه جعلت الصوت يلامس سمعه ويغفو على أعتابه دون أن يحس بمعانيه الخفية كأنه صوت معدني..
ـ الى أين..؟
لقد تحققت أمنيته وهاهي امرأة تدعوه إليها لاشك إنها وحيدة تحس بالوحشة ولكنه غير متأكد إنها تعنيه هو بالذات رغم خلو الزقاق. إذن فليتظاهر بأنه لم يسمع حتى تكرر النداء ويتأكد من أنه المقصود ولا بأس أن يخفف الوطء وينتظر.
ـ أنت.. يا رجل ..
عندها توقف واستدار كانت الظلمة باهتة فرآها بثوب ابيض يكشف عن زنديها وهي تقترب منه وتضع يدها الناعمة على كتفه. تطلع الى وجهها فرأى ملامحها مموهة تداخل بعضها مع البعض الآخر واختلطت  في ناظره الألوان التي طلت بها قسماتها، بتأثير الظلمة الممتزجة بضوء القمر الذي راح يرسل ظلالا منكسرة ، وفتح جفنيه على وسعهما فرأى عينين واسعتين بحجم فنجان القهوة لونتا بالأحمر والأزرق والأخضر وفما كبيرا مخضبا بأحمر الشفاه ووجنتين موردتين فجفل وهتف هكذا تكون المرأة ،فهي ولا أجمل النساء ، وأجزم إنها كما تمنى جنية ليست من سكان الأرض ستحلق به الى السماوات العلى أو تغوص به الى أعماق الأرض نحو مدن لا مرئية لم يطأها بشر من قبل نَضِرة، خضراء معطرة الهواء .فقال متعتعا : انـ..ـت الـجنـ..جنـ  ـية السـاحرة.
وعاودت المرأة همسها:
ـ أنا هي.
ـ استجبت لامـ مـنيتي ..؟!
ـ استجبت لأمنيتك فلبيت.
ـ نزلت لي من السـ ..سماء.؟!
ـ نزلت لأجلك فقط .
ـ أو..أو  خرجـ .. خرجت من تحت الأرض .؟!
ـ آه تذكرت ..سحرني نداك وخرجت لك من باطن الأرض .
ـ واسـ..مك سعـ..اد .؟!
ـ سعاد من .؟!!
ـ الجنية سـ..سـ ..سعـ ..اد ، مدرسة الانكليزي .
مع نفسها : هكذا إذن ..!!
ـ أجل . أجل .. أنا سعاد .
ونفد صبرها ولم تمهله المزيد ،بل سحبته من معصمه وأدخلته البيت وذهبت به الى غرفة النوم وأخذت تخلع عنه ملابسه ومنى نفسه بليلة حمراء لولا انه سمعها تردد بنبرة تأنيب وتوبيخ: ـ آه .. لا فائدة منك..عدت تفرط بالشراب
وتكشفت له الصورة جلية فتبخرت على الفور نشوة الخمرة من رأسه ، وأفاق من سكره ،ولكنه تدارك الأمر بسرعة  فألقى نظرة خاطفة الى وجهها بعينين نصف مفتوحتين وجال ببصره بما حوله وانكفأ على وجهه في السرير.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : أنا وعصفوري .

أدرك أن الدنيا تتلاعب بنا نحن الغشيمين الذين لا يتقنون اللعب، نحن نتقن فن الدعاء …

| سعيد الوائلي : شياطين الغواية ومتعة ارتعاش الجسد ومخاض النبوءات .

الشهقة في الكتابة موال لا ينتهي ، هبة الملاك الغافي على كفّ عفريت ينوء بحمل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.