خضير الزيدي : نصيف الناصري؛ شهوة الشعر توقظ سرد الصعلكة

أطالع نصوص نصيف فتبدو لي وكأنها تسرد تاريخ امرأة تعشقه الكلمة هي ذاتها الحد البعيد من حدود الشهوة والشكل الشعري هو ذاته استعمال الخيال المنظم بفعالية التاريخ والصورة التي أتت من معطف محمد الماغوط ذات يوم تغيرت كثيرا وهي تدفع بالاستعمال الشعري إلى تقاليد تعود له عملا منتجا إلى حيز مكانه وذاته الشيء الوحيد الذي لم يتغير فيه هو الجنوب فهو بأمس الحاجة إليه حتى وهو في أعالي قمم جبال السويد . نصيف الناصري الذي يؤكد غلبة الصعلكة على المحيط الطبيعي لحياته يبتلع الظلمة في كتابة النص وبذلك يعود لمناظر وجوده الرمزي الذي يوقد نار الشعر لينيرنا بها من صومعة صغيرة إلى فضاء واسع هكذا هي نصوصه تهدف للتمرد وجمع اللقاء الرمزي وتنحدر إلى وديان بوابة الوجود البغدادي ومدينة الثورة وشارع الرشيد كل هذه البؤر المكانية يتلقفها دفعة واحدة في شدة العاطفة الشعرية ما يمتعني في هذا الحوار هو الصدق غير المعهود منه

* كان نفر من الأدباء وأنا واحد ممن يؤكدون ما أتساءل عنه الآن من أن ظاهرة ( الصعلكة) التي تميزت بها مع أصدقائك الآخرين ( جان دمو / كزاز حنتوش / وحسن النواب ) لا تتعدى أن تكون ظاهرة اجتماعية وليست شعرية ، أود أن استشف آراءكم عن هذا الانطباع وكيف تنظر له؟

اختيارنا لحياة الصعلكة في سنوات الثمانينيات بالعراق كطريقة  وسلوك في الواقع اليومي والشعر والثقافة كان هدفه ذاتي محض . كنّا جنوداً نهرب من الخدمة العسكرية الإجبارية دائماً ونسير في الطرقات والميادين العامة بنماذج إجازة مزورة { جان دمو لم يكن يملك حتى بطاقة الأحوال الشخصية } . كان انحدارنا الطبقي  من قاع المجتمع وكان أقراننا طلبة في الكليات والمعاهد  أو يمضون خدمتهم العسكرية في { دائرة التوجيه السياسي } التابعة لوزارة الدفاع ببغداد . لم نستطع أن نصدر كتبنا في طبعات أنيقة عند دار الشؤون الثقافية بوزارة الثقافة والإعلام مثلما كانوا يصدرون كتبهم  لنتمكن من الحصول على عضوية الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العراقيين الذي يشترط  في الحصول على العضوية أن يقدم الأديب مع استمارة القبول على الأقل كتاباً مطبوعاً . عشنا على الهامش حياة حرّة وكان دخولنا الى اتحاد الأدباء يتم عبر شخص منتسب وحاصل على بطاقة العضوية . يدخل أحدنا بحجة ضيف عليه مقابل دفع ربع دينار إلى مسؤول الاستعلامات . سنوات طويلة كانوا يمنعون جان دمّو ويمنعون حسن النواب من الدخول ويمنعوني أنا وربما منعوا كزار حنتوش في مناسبات ما  ويعلقون إعلانا في الباب الرئيسي لمبنى الاتحاد يؤكد المنع { منعاً باتّاً ولمدة سنة } . هل كانت قصائدنا تفي بالغرض المطلوب في سنوات الحروب الظالمة التي كان يشنها النظام الديكتاتوري على جيران العراق ؟ يعتقد الكثير من الأوباش أن مجموعة كزار { الغابة الحمراء } التي صدرت عام 1986 عن دار الشؤون الثقافية مكرسة كلها للحرب . لقد أًصرّ كزار الشيوعي القديم على اختياره للعنوان وكان له ما أراد . طوال عشر سنوات في الأوساط الأدبية والثقافية لم نتمكن من انتزاع فرصة واحدة للاعتراف بنا أننا شعراء وبشر لنا طموحاتنا وأحلامنا الشعرية والإنسانية  . كان عزاؤنا يكمن في حياة البارات التي كانت ملاذنا الأخير من التفاهة الرسمية والهروب من أولئك الذين يرتدون البدلات الكلاسيكية السود وبدلات الزيتوني العسكرية مع حقائبهم اليدوية ومسدساتهم . لماذا كانت موائدنا محاطة دائماً في بار اتحاد الأدباء وبارات { الباب الشرقي } و{ ساحة النصر } وغيرها من البارات بالمتزوجين والرسميين والأكاديميين وأدباء دائرة التوجيه السياسي ؟  هل كنا نذكرهم وننبهم من دون قصد إلى تفاهاتهم وتفاهات حيواتهم المستكينة والمتنطعة ؟ هل كانت ثقافاتنا ورؤيتنا الى الشعر والحياة تدغدغ ما عجزوا عنه على مستوى الحياة والانجاز ؟ كانت الأمسية الشعرية اليتيمة للصعاليك في اتحاد الأدباء العتيد فضيحة كبيرة لتلك المؤسسة الرسمية عام 1993 حيث كان حضور الجمهور كبيراً وبشكل لافت للنظر لم تألفه أمسيات الاتحاد الثقافية { أقيمت في الحديقة وليس في القاعة الكئيبة }  . قال لنا جان في ذلك اليوم الصيفي :{ اليوم سيتم الاحتفال بنا لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات  وسنشرب بالمجان وننام في أراجيح حديقة الاتحاد . لا فندق ولا مصطبة . لا تطيلوا القراءات من أجل الشراب المبكر } .  كان جان قد قرأ قصيدة قصيرة جداً وأثناء قراءته صرخ رجل يرتدي بدلة سوداء اللون وتجلس إلى جنبه امرأة أنيقة : { الله . أحسنت . أعد . أعد } نظر إليه جان دمو بامتعاض وغضب وصرخ في وجهه : { أنجب لك } . بلع الرجل الذي فاجأته المصيبة ريقه وأنجب طوال الأمسية التي لم تستغرق أكثر من نصف ساعة { الأمسية خصصت ل جان دمو . كزار حنتوش . حسن النواب . نصيف الناصري } . فتح بعدها بار الاتحاد للرواد  أبوابه  التي كانت تفتح دائماً بعد نهاية كل أمسية

* كنت تعلن ومنذ زمن بعيد بأن الجيل الثمانيني هو الأكثر أهمية من غيره بينما الواقع يقول أن قسماً من الستينيين وخاصة جماعة كركوك إضافة الى سامي مهدي وحميد سعيد من الأسماء المهمة وكذلك الجيل الستيني أفرز أسماء لم يزل تأثيرها قوياً الى اليوم مثل زاهر الجيزاني وخزعل الماجدي إلا ترى أن تصريحاتك تنم عن اعتزاز بجيل وإنكار لتجارب الآخرين ؟

نعم أعترف كنت واهماً واكتشفت الآن أن تلك الادعاءات كانت نفّاجة . أحصينا مرة أنا والشاعر الصديق محمد مظلوم شعراء الثمانينات وكانوا أكثر من 100 شاعر . لم يبق منهم الآن سوى حفنة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة . لا يمكن أن نعتبر  مجموعة شعراء أو حقبة زمنية معينة هي الأكثر أهمية من غيرها . الشعر العراقي نهر كبير وكثير التعرجات  وهذا سرّ مجده .

** قلت لي في بغداد ذات يوم انك مزقت أربع مجاميع شعرية وقرأت لك تصريحاً وأنت في المنفى انك تمزق الكثير من القصائد . ماذا تعد هذه الممارسة وهل حدث أن ندمت على صنيعتك هذه ؟

الشعر مشروع دائم للتجاوز ويجب حذف وإحراق كل التجارب التي تظهر فيما بعد بسيطة وعاطفية وآنية . لم أندم على المجموعات التي أحرقتها وتلك التي سأحرقها في المستقبل . طموحي الدائم هو أن أنجز القليل العميق والذي يتحقق فيه الإبداع الحقيقي .

*نصيف تتردد في أغلب نصوصك الشعرية مفردة الشفيعة  . من تلك الشفيعة ؟ هل هي الملاك الشعري ؟ هل هي بغداد أم هي امرأة نصيف الناصري ؟

الشفيعة في أغلب شعري هي امرأة ملهمة  تتجلى في لحظات الوحشة والسأم وتخلصني من عبث العالم . لولا الشفيعة لكنت قد هجرت الشعر والكتابة منذ زمان طويل . كل إصراري على الكتابة له هدف واحد هو أنني أحاول دائماً أن  أثبت إلى السيدة الشفيعة أنني موجود وحاضر في هاوية الوجود عبر رهان الكتابة الدائم .

*  المعروف أن لك تمرداً اجتماعيا في حياتك . بعد رحلة امتدت أكثر من عشر سنوات في المنفى هل تغيرت تلك النبرة؟ هل استطاعت الحياة المنظمة في السويد أن تعطيك درساً لم ترغب فيه وأنا هنا أقصد الأمر شعريا؟

لم يتغير فيّ أيّ شيء على صعيد التمرد . أنا مطرود هنا من كل الجمعيات العراقية  التي يسمونها الثقافية { دكاكين حزبية } . أقيمت هنا في السويد قبل مدة { أيام الثقافة العراقية } بتنظيم من السفارة العراقية وبمشاركة 17 حزباً سياسياً وحركة وقد شارك فيها أدباء وكتّاب ووو الخ ولم تتم دعوتي إليها لأنني خارج هذه التجمعات الرسمية والطائفية . علمت فيها فيما بعد عبر خبر نشر في أحد المواقع الالكترونية حول كيفية وضع علم دولة العراق في القاعة التي أقيمت فيها الفعاليات التي أسموها ثقافية

*بودي أن أسألك ماذا أعطاك الشعر ؟هل أخذك إلى المنفى أم أنت الذي أخذته معك ؟  

لا يعطينا الشعر المجد ولا النصر ولكن يمنحنا إمكانية العيش بسلام مع العالم والإمساك بجذوة الأمل في متاهة الوجود التي تستلب الإنسان  في يوم مغادرتي العراق وكان يوم أربعاء ، نشرت لي مجلة { ألف باء } قصيدة ضمتها مجموعتي الأولى { أرض خضراء مثل أبواب السنة } التي أصدرتها عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر . كتبت فيها هذا السطر : { الوطن أصغر من حبة قمح ، والمنفى ينفتح على الطرق اللانهائية } .

**تميز أغلب نصوصك بطولها هل النوع من الكتابة و الشعرية يحتاج إلى فضاء ومخيلة وربما توظيف للكثير من الأفكار ؟ في تصورك ما الذي يميز هذا النمط من الكتابة ؟

ليست أغلب نصوصي طويلة . كل نتاجي الجديد ومنذ أكثر من 5 سنوات هو قصائد لا تزيد الواحدة عن صفحة فولسكاب . أعلنت في مناسبات عديدة أن ما يحتاجه الشعر العربي الراهن هو الأفكار . أغلب ما يكتب وينشر الآن هو تداعيات ولغة بائسة تخلو من الشعر بشكل واضح .

* لماذا لا أجد في قصائدك حنيناً إلى بيئة لطالما كنت مشدوداً إليها وخاصة الميدان / مقهى حسن عجمي / المتنبي / وأحب أن أذكرك ذات يوم عندما كنت أمشي معك في الميدان  وأنت تقول لي جملة الشعرية ( أن القمل الذي في رأس حسن النواب يعود لي ) وسألتك حينها ستحتفظ بتاريخه قلت نعم لكن مع المكان لا أجد أن لك حنينا واضحاً في نصوصك ؟
لطالما بحثت في شعري عن الماوراء وعن الحيرة في متاهات الوجود واللاوجود . ليست هناك بيئة معينة تشغل قصيدتي . ماذا يمكنني أن أكتب عن مقهى { حسن عجمي } أو ساحة { الميدان } ؟ . هذه المهمة ليست مهمتي . طوال 34 سنة أمضيتها بالعراق كنت أشعر دائماً في الاستلاب والاغتراب الروحي والجسدي ولم أشعر بإنسانيتي قط .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هناء الصاحب : الروائي السعودي آل زايد: التراث الجزائري، قارب ملاحم الأساطير، والأمير عبد القادر، هو البطل الحقيقيّ الذي يجب أن نصدره لأبنائنا .

حوار: د. هناء الصاحب   -لدينا عدائيّة مفرطة تجاه الآخر، والسّوداويّة تغرق منتدياتنا الثقافيّة. -في …

| آمنة وناس : حوار مع الشاعر اللبناني روبير البيطار .

السلام عليكم وعليكم السلام ركبنا معه الأعماق، و رحنا نبحث عن أطواق الغرق، يقودنا حبره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *