داود سلمان الشويلي : أوراق المجهول (1)

(كثيرون هم الذين اتخذوا من الاوهام
والمعجزات الزائفة وخداع البشر تجارة لهم .)
                              دافنشي
                          (شفرة دافنشي)    
ورقة خارجية:

الكتابة الم … مخاض ولادة… بحث عن ابرة في كومة قش تقع في الغرفة الخلفية لبيت ريفي …
    هذا ما كنت اقرأه بداية ولوجي عالم الكتابة الادبية ولم اصدقه ، كنت اضحك من هذا القول، الا ان ممارسة الكتابة جعلتني اصدق ذلك .
    وكنت اتساءل :هل صحيح ان أي كاتب اصدر مجموعات قصصية او روايات ، عندما يريد ان يكتب عملا جديدا – سمه ما شئت – يجلس اول ما يجلس امام الاوراق البيض – كمن يجلس بين فخذي عذراء اول مرة  – والقلم بيده – في زمننا الحاضر يجلس امام لوحة مفاتيح الحاسوب وليس بيديه شيئ، وانما امامه شاشة 17 بوصة بيضاء اللون – ويترك تفكيره يسيح بين اناس يعرفهم او لا يعرفهم ، وفي اماكن مجهولة عنه ، وفي ازمان ليست زمنه ، ثم يبدأ بنبش الذاكرة عمن مر به من اناس واحداث ليتوافق ما في الذاكرة وما سيسطر على الورق ؟
    ها انا انبش ذاكرتي ، لا لانني لا اعرف عمن اكتب ، لان جميع الناس الذين سأكتب عنهم ، وكل الاماكن التي سيرتادها هذا القلم وهو يترك اثاره على الورق، وكذلك الازمنه التي ستجمع اولئك الناس بهذا المكان اوذاك ، قد تم تدوينهم في ذاكرتي الورقية ، أي سجلي الخاص ،بعد ان خمرته الذاكرة في الأعماق،ولم يعد بمقدوري ايجاد منفذ للخروج من هذه الذاكرة العصية ، اذ بدأت كالسائل اللزج تنسكب على الورقة البيضاء، او من خلال اصابعي الضارية على لوحة مفاتيح الحاسوب لترتسم كلماتا سود على الورقة الافتراضية على الشاشة .
لقد حفرت اصابعي ، وهي تحرك القلم على الورقة البيضاء ، او هي تضرب مفاتيح الحروف، اثارا لن تمحيها السنين .
قلت : وها انا انبش ذاكرتي ، لا لانني اشعر بما خزنته  كالنقوش المنحوتة،وانما لاختار ما اريد ان اختاره من الحوادث والاحداث التي جرت في وقتها وفي مكانها والتي وجدت لها قلما وورقة من هذا السجل لتتسطر عليه، ولانني اعرف – كما ازعم انني واحد من كتاب الرواية الذين يعتمد قوانين ما استخلصه اساطين الرواية ومن ثم نقادها – ان الواقع الطبيعي ليس هو الواقع على الورق ،أي ان الواقع الحقيقي ليس هو الواقع الافتراضي المسطر على الورق، و ان ما نريد ان نسطره مأخوذا من الواقع ، لا ولن يكون كالصورة الفوتغرافية التي تجمد كل شيء ، الناس والاشياء والزمان والمكان، بل هو تسطير لكل ذلك ، بشرط ان يبقى متحركا ناميا متطورا، ونشم منه عند القراءة رائحة اجسادنا عندما ينز منها العرق ، ورائحة الغبار والاشياء الاخرى ، ونتذوق عذوبة الماء العذب وملوحة الماء المالح ، وتتراءى لعيوننا الوان قوس قزح ، وتصدم اسماعنا صرخات من يصرخ،ونحيب من ينحب ، وضحكة من يضحك، وفوق كل ذلك علينا ان نجعل احاسيسنا ومشاعرنا تلتقط كل الاحاسيس والمشاعر التي سطرها القلم على الورق ، اقصد ظهور اثر ضربات اصابعنا على لوحة مفاتيح الحاسوب امامنا على الشاشة .
هكذا فهمت كتابة الرواية ، اما سجلي فهو سجل للتاريخ ليس الا ، وهذا ما تعلمته من دراستي الجامعية ، فهل اوفق في ايجاد المعادلة الكتابية بين سجلي وبين اوراقي الجديدة هذه ، ان كانت اوراقا حقيقية مصنوعة من عجينة القطن او البردي او…او… ، او اوراقا ضوئية افتراضية مرسومة على شاشة الحاسوب امامي ؟
اشعر بأني اعرف كل شيء عما حدث ، وهذه المعرفة تجعلني اعيش والسيف مسلط على رأسي ، كمن يطارده شبح غير مرئي في دروب مظلمة كالمتاهات .
لا اريد من هذه الورقة التي هي غريبة عن اوراق المجهول ان تكون (فرمانا او دستورا) للتنظير الروائي، ولا هي ميدانا لفلسفة بيزنطية لا تغني ولا تسمن، اوترديد لمقولات سبق ان قيلت او مقولات سوف تقال ، الا انني في هذه الورقة حذفت الكثير مما سجلته في السجل ، وجملت الباقي منه ، (لانني لا اكذب و انما اجمل)(*) دون ان اضيف شيئا من (عندياتي) ،فهل وفقت لذلك ؟ اللهم اشهد انني لا اكذب ، وانما كنت فيما كتبت مجملا.
واذا كانت الاعمال الادبية تطبع على الورق لتنشر بين الناس ليقرأوها ، فروايتي هذه – كما اظن – سيتم طبعها على الورق عند عودة ابن الشيخ الكبير من غربته ان شاء الله .
***
كنت صبيا ، لي اختان واخ اصغر مني ، وكانت جدتي لامي تزورنا مرة في السنة ، اذ كانت تسكن في مدينة اخرى ، وكنا في الليل وبعد تناول العشاء نتجمع حولها، كانت تحكي لنا بعض الحكايات ،خاصة وانها كانت تزورنا في فصل الشتاء البارد الممطر ، كنا نتحلق حولها ومنقلة (*)الفحم المتأجج حرارة بيننا، فيما كانت والدتي تجلس قرب والدي الذي راح يتسمع للاخبار من محطات الراديو الذي يعمل على البطارية ذات الحجم الكبير ، وهي ايضا تستمع لحكايات امها ، وتضحك حين نضحك وتشعر بالخوف حين نشعر به ، وكان اخي الذي يصغرني يزحف نحو حضن امي ليغفو بعد حين ، هكذا كنا عندما تزورنا جدتي .
في احدى زياراتها ، وكان الفصل شتاء ، والمطر ما يزل منذ الصباح ينزل علينا مدرارا ، فلم يترك الخيار لوالدي ان يخرج صباحا الى عمله ، ولا لامي لتخرج ضحى ذلك اليوم للتسوق ، كنا محجوزين داخل غرفتنا الوحيدة ، فيما حوش دارنا غير المبلط اصبح قطعة من الوحل ، وراح مرزيب سطح غرفتنا يسقط منه ماء سطح الغرفة  كشلال كبير ، وكنا نعتقد ان هناك اشخاصا في السماء يدحرجون براميل مملوءة بالماء يسكب منها الماءعلى صفحة السماء المثقبة كمصفى التمن المسلوق بالماء فينزل علينا مطرا ، ونسمع الرعد عند حركة البراميل ونرى الوميض عند تصادمها ، في ذلك الجو الممطر سألت امي امها ان تقص علينا بعض حكاياتها ، فبدأت الجدة بعد البسملة والسلام على الائمة بسرد حكايتها ، فيما بدأنا نحن بالتلحق حولها، قالت :
(اكو ماكو ،… )(*)

الورقة الاولى:

ها هو المضيف الكبير المبني من القصب والبواري(*) ينتصب شامخا وهو يسد الافق امام ناظريّ كأنه طائر خرافي هبط دون استئذان ، وليس لي حيلة بطرده من المساحة التي يقف فيها ، فرأيتني ابحث عن بصيص ضوء لترى عينيّ الاشياء كما هي ، خاصة تلك التي تحدث داخله .
كانت الارض السبخة التي امام بابه الوطيء قد امتلأت بالناس ، وجوه ملأ تجاعيدها الحزن والالم بعد ان لوحتها الشمس الجنوبية بوهجها اللاهب، وقد حشوا اجسادهم بملابس بالوان واشكال مختلفة ،كان صمتهم كصمت القبورتحت شمس لاهبة كزجاج ذائب  ، وكان همس من يريد ان يخبر القريب منه بشيء هو الوسيلة الوحيدة ذاك الوقت ، فترى الشفاه المتحركة بإضطراب دون ان تسمع لحركتها نأمة ، فيما راحت اصوات النساء تأتي من داخل الدار الكبيرة ذات الباب الخشبي الكبير المطلي باللون الصاجي، وقد اعتلى قرص الشمس الحامي عليها ،محملة بكل انين وصراخ نساء العالم .
كانت رؤوس الرجال المتجمهربن امام الباب الواطئ للمضيف الكبير بلا اية حماية من اتون الشمس سوى الحماية الالهية، ترفرف من فوقها الرايات المنصوبة في اماكن متفرقة بألوان عديدة ، وقد امتلأت قماشاتها بأيات قرآنية واقوال نبوية وكلمات تعلن عن عائدية كل راية الى العشيرة التي تمثلها.
كنت اتحين الفرص للدخول الى المضيف الكبير، وكنت احسد الداخلين والخارجين منه حاملين الصواني ذات اللون الفضي التي ورثها الشيخ الكبير من والده الشيخ الكبيرالعاشر والتي ورثها الاخير بدوره من سلالة الشيوخ الكبار لقبيلتنا ،وقد رصفت عليها أستكانات الشاي ذات الاطر الذهبية ، و كان والدي رئيس عشيرتنا وعمي وكيله من المترددين على المضيف الكبير وهم يستقبلون الزائرين مرحبين او مودعين، فيما كان صاحبي الشاب راضي دائم التلفت نحو باب الدار الكبيرة الصاجية اللون عله يرى فوزه وهي خارجة او داخلة منه تنقل شيئا ما .
كل ذلك قد حدث قبل سنوات بعيدة ، السنوات التي فيها كان نهر قبيلتنا يفيض كل عام ، عندما انتشر خبر احتضارالشيخ الكبير الحادي عشر من سلالة الشيوخ العظام لقبيلتنا .
كان الشيخ الكبير هو صاحب المضيف الكبير، و صاحب تلك الدار الكبيرة ، هذان الصرحان الكبيران ورثهما كما مشيخة القبيلة والصواني الفضية من والده الشيخ الكبير ، والذي بدوره ورثهما من والده الذي ورثهما من اسلافه الشيوخ الكبار الثمان الذين نحن ابناؤهم ، وهو كبير قبيلتنا بعشائرها وأفخاذها واسلافها الممتدة على ارض الله الواسعة .
اكتب هذه الكلمات لا لانني واحد من الذين يعرفون الكتابة والقراءة ،فقد انتشراستخدام القلم والورق بين ابناء القبيلة بفضل انتشار المدارس، وليس لانني قد اكملت دراستي الجامعية في قسم التاريخ ، لان جامعات بغداد والكثير من جامعات مدن العراق تخرج سنويا الالاف من ابناء العراق، ولكن الذي حدى بي الى ان اكتب هذه الاوراق هو الفراق الذي حدث بين والدي واخيه والد خيرية خطيبتي و حبيبتي التي ربطني بها منذ ولادتها بعهد الزواج ، وكبر حبي لها كما كبرت انا وكبرت هي، ولعبت معها كما لعبت هي معي فقط من دون بنات عشيرتنا ، ودون اطفال وصبيان وشباب القرية … كانت تعرف انني لها وحدها … وكنت اعرف انها لي وحدي…وكانت تطرد اية فتاة تقترب مني حتى لو كانت اختها التي تصغرها بسنوات… كانت لي كالقدر وكنت لها القدر بعينه  .
لا اعرف من الذي ذكّر والدي بي تلك اللحظة ، هل هو الهام رباني كالالهام الذي جاء لام موسى ان ترمي طفلها في اليم، ام كانت رغبة منه في ان يرى ابنه البكر وجه الشيخ الكبير ساعة الاحتضار، والتبرك بتقبيل قدميه قبل الممات ؟
قلت مجيبا على تساؤلي مع نفسي وانا اشق طريقي بين جموع المحتشدين الذين كانوا تلك اللحظة يهزجون ويتصايحون بشتى الهوسات ، راكضين لاستقبال ابناء احدى عشائر قبيلتنا الساكنين في منطقة بعيدة:
– ربما .
اشتد دك الارض بالاقدام  امام باب المضيف الكبير، كانوا كمن يتجرع صمت القبور بالهوسات ، انها (عرضة)(*) كبيرة وصاخبة، في تلك اللحظة شق صوت والدي الفضاء وهو ينادي بأسمي ويدعوني للدخول الى المضيف الكبير،
كان المضيف الكبير على سعته مليء بالعمائم والياشماغات والعقل وبالرؤوس الحاسرة، كانت الوان العمائم وكبرها تشي عمن يلبسها ، اما العقال الذهبي المقصب والياشماغ اللندنيان النفيسان اللذان جيء بهما من لندن خصيصا للشيخ الكبير، والمصحف بغلافه الجلدي الداكن اللون ، فقد ارتاحوا جميعا على محمل خشبي مغطى بقطعة قماش خضراء من القطيفة المخملية ، وقد تصدّر بكل هدوء وبذخ الركن المواجه لباب المضيف الكبير بحيث يصدم مرآه من يدخله، فيما كانت هناك صينية ملأت بالشموع الوهاجة واوراق نبتة الاس.
علقت على الجدار الصادم لمن يدخل المضيف الكبيرالمبني من القصب والبواري عشرة صور فوتغرافية ، منها صورة ملونة للشيخ الكبير المحتضر ، وصورتين بالابيض والاسود لابي الشيخ الممدد وجده ،وثلاثة صورة اخذت بكاميرات التصوير الشمسي لاجداد الشيخ الكبير،اما الصور الاخرى فكانت عبارة عن لوحات مرسومة لسلف الشيخ الممدد.
الكل ينتظر ساعة الخلاص ، اما قيام الشيخ الكبير من فراش الموت بعد ان يتجاوزه عزرائيل الى شخص اخر ،كما قام سيدنا المسيح ، او ان يختاره الله الى جواره كما يختار خلقه ، هذا ما فكرت به تلك اللحظة وانا الج باب المضيف الكبير الواطيء بحيث يتطأطأ رأس داخله ، فيما كان الشيخ الكبير يتلو بصوت واهن لا يسمعه الجالس بالقرب منه، بخشوع بان على صفحة وجهه الاصفر- كما خمنت ساعتها – آيات من الذكرالحكيم ، اما تفكيره – كما خمنت ايضا- فقد كان مشغولا بتأخر قاضي المحكمة عن الحضور، في الوقت الذي كان هو يستعجل الرحيل الى المكان البعيد .
كانت الرؤوس المغطاة بالعمائم السود والبيض وبالياشماغات والعقل ، والرؤوس الحاسرة منكسة وكأنها تبحث عن شيء فقدته في المساحة الصغيرة التي تركت بين الجالسين ، كانوا بجلوسهم ذاك كمن على رأسه الطيرمرفرفا بشيء مستطير ولا يريدون المجازفة بأن يرى الطير وجه احدهم ، كان بعضهم منكس الراس باجفان مثقلة من سهر الليالي،فيما البعض انشغلوا بانفسهم عن كل شيء ،و الصمت يرين عليهم ،صمت مقبرة قديمة وقت ظهيرة يوم قائظ ، ورؤية الاشياء صعبة في ضوء المضيف الكبير الذاوي كفانوس والدتي ، فيما رائحة البخور النفاذة العابقة تطرد رائحة الاحتضار.
فكرت بذلك وانا اسير خلف والدي شاقا طريقي بصعوبة من بين حشود الجالسين متجنبا السقوط ،فقد منعت العتمةعيناي رؤية الاشياء اول وهله حتى تعودتا عليها.
وصلت الى جسد الشيخ الكبير المتدثر ببطانية زاهية الالوان … ادار والدي رأسه نحوي وقال بصوت حاول ان يكون مسموعا:
– تقدم ، قبّل اقدام الشيخ الكبير .
لم افاجأ بطلبه ، فقد كانت تلك امنية لي كثيرا ما رغبت بتحقيقها منذ ان نام الشيخ الكبير على هذا الفراش .
بعد ان لثمت قدميّ الشيخ الكبير الباردتين ، سحبني احد المعممين مرددا بصوت زاجر:
– كفى .
نهضت ، فجرني والدي من يدي وقال بحدة:
– هيا اخرج .
عندها شعرت بحركة غير اعتيادية في المضيف الكبير وانا اتجه الى بابه الذي انسد بجسد لحيم ، فتفرق الجالسون كسكين حادة مرت في منتصف قالب كيك ، عرفت فيما بعد انه جسد القاضي السمين كأنه جسد ثور، كان يشخر اثناء تنفسه، فيما وجهه اللحيم قد احمر، والعرق ينز منه وكأننا في شهرتموز، ولا يسعفه مسحه بالمنديل الابيض الذي كان بين يديه اللحيمتين .
كنت قد غيرت وجهة سيري ، كان ذلك بسبب دفعة وجهت لي من احد الواقفين داخل المضيف الكبير، دخل القاضي وهو ينوء تحت ثقل جسمه اللحيم ، وعنقه المحشورة بين كتفيه،وقد ملأ شخيره سكون المضيف الكبير، فيما كان الشيخ الكبير ينوء تحت ثقل الانتظار ،و لم يسمع لصوته نأمة واحدة .
ترادفت الدفعات الى ظهري حتى وجدت نفسي خارج المضيف الكبير بين حشود الناس الواقفين الذين عادوا الى صمتهم ، وانا اتنفس الهواء المشبع بغبار سبخ الارض الذي تطاير من تحت اقدام الناس الذين كانوا يدقون الارض واصواتهم تملأ الفضاء بالهوسات اثناء العرضة.

الورقة الثانية :

تغير مزاج السماء الدنيا منذ طلوع اول خيوط الشمس الصفراء … اذ بدت السماء عندما نهضت من نومي مكفهرة ، كئيبة ، والغيوم تملأ صفحتها .
قالت امي بعد ان صعدت نظرها الى السماء:
– انها غيوم غير مطارة تنذر بحرارة عالية .
فيما قال ابي وهو يزمع االعودة الى المضيف الكبير الذي تركه قبل اقل من ساعة :
– اللهم سترك … اللهم لا نسألك رد القضاء وانما نسألك اللطف بنا.
مر سرب من الغربان ضحى ذلك اليوم في سماء ارض القبيلة ، فوق رؤوس الناس الذين امتلأت بها الساحة الترابية السبخة التي ينفتح عليها باب المضيف الواطئ ، كان صوت نعيق الغربان يملأ السماء في اللحظة التي تعالى فيها صوت النحيب الرجالي الذي تعالى من داخل المضيف الكبير، فيما كانت الشمس تحاول الاقتراب الى كبد السماء ، والجو كان وخما ، والهواء ساكنا ثقيلا كأنه مصنوع من رصاص  .
مات الشيخ الكبير بعد يوم من مرور النجم المذنب من شرق السماء الى غربها ليلة البارحة ،مات بعد  ضحى ذلك اليوم الخريفي في تلك السنة التي كنت فيها انا وصديقي راضي طالبين في الصف المنتهي في الجامعة ،غير ان الحشد الرجالي داخل وخارج المضيف الكبير تلك اللحظة لم يصدقوا موته ، حتى راح بعضهم ينهر القائلين بذلك ويمنع اصحاب البنادق المصوبة – وما اكثرها – الى كبد السماء من رمي اطلاقاتهم لاعلام العشائر والقبائل الخرى، وراح البعض يدخل المضيف الكبير ويخرج منه ليؤكد للناس المذهولين في الخارج انه حي يرزق ، الا ان الشيء الاكيد هو ان الشيخ الكبير قد مات بعد ان كتب القاضي ما اوصى به، ويا هول ما اوصى به  .
خرج والدي حاسر الرأس وصاح بالجموع المصدقة وغير المصدقة بموت الشيخ : لقد انتقل الشيخ الى جوار ربه … يرحمه الله برحمته … وتهاوى على الارض باكيا … وحث على رأسه بعض سبخ الارض وترابها . عندها صدق الحشد بموت الشيخ الكبير .
كان موت الشيخ الكبير هو الحقيقة التي ستجر وراءها حقائقا اخرى .
اخبرني والدي ، وكأنه يخبرني الان ، بعد ان تخرجت من الجامعة ونسبت مدرسا لمادة التاريخ في المدرسة المتوسطة الوحيدة في قريتنا بما حدث ذلك اليوم داخل المضيف الكبير الذي خرجت منه دفعا وقتها ،قال لي اشياء يشيب لها رأس الصبي ، اشياء دفعت بجموع قبيلتنا الى الانقسام الذي خلف العداء والذي من جرائه خسرت حبيبتي وخطيبتي وابنة عمي.
اخبرني والدي وكأنه يفشي سرا خطيرا لايعرف به احد غيره ، وهذا صحيح ، لان والدي كان ثاني اثنين في المضيف يعرفون بما دار بين الشيخ الكبيرالمحتضر والقاضي لحيم الجسم الذي اجلسوه على كرسي جاءت به حاشيته من دار القضاء الحكومي، كان ابي احدهم وهو الكبير بينهم والثاني شيخ سلف العماريين الذي حشر نفسه دون استئذان على الرغم من اننا – كما يقول والدي – لم نكن في ذلك الوقت في حالة من يعطي الاستئذان لاحد، ومن منا المخول بذلك؟ – طرح السؤال ولم يجب عنه – وكل الحاضرين هم سادة(*) ورجال دين ورؤساء عشائر وافخاذ واسلاف قبيلتنا ؟
وها انا انقل عن فيهه ما قاله لي والدي ونحن نجلس وحدنا في غرفة الخطار . (*)
قال وقد تغضنت صفحة وجهه:
– عندما جلس القاضي على كرسيه الذي جاء به رجاله ، جفف وجهه بمنديل ابيض ما تصبب على صدغيه وخديه من العرق الذي كان ينز من صفحة وجهه الحمراء اللحيمة ، ثم شخر اكثر من مرة ، بعدها تكلم … قال موجها كلامه للشيخ الكبير المحتضر :
– ها شيخ… كيف ترى نفسك ؟
اجابه الشيخ الممدد جسده تحت الدثار السميك بصوت واهن :
– انا بين يدي الرحمن الرحيم .
رد القاضي الذي لمعت بشرته الحمراء اللحيمة تحت تصبب العرق بصوت شخيره الذي يصدم الاذان:
– ونِعم بالله .
ثم ، وكأنه يريد ان يخرج بسرعة من المضيف، وجوّه الخانق الممتلأ برائحة الاحتظار ، تابع قائلا :
– ها شيخ … بماذا توصي ؟
عندما وصل والدي الى هذه الفقرة من حوار القاضي مع الشيخ الكبير الذي بين يدي الرحمن الرحيم تأوه ، وتأسف كثيرا ضاربا كفيه الواحدة بالاخرى، ثم تابع ناقلا لي ما حدث وقتها في المضيف الكبير بين الشيخ الكبير وبين القاضي الجالس على كرسيه .
قال والدي :
– قال الشيخ الكبير: اوصي بما تركته الى امي .
ولاذ والدي بالصمت ، وقد رأيت اكثر من قطرة دمع تنزل من عينيه وتجري على خديه المتغضنتين ، فيما راح نشيجة يصل الى اذنيّ بصوت خفيض وكأنه يصدر من مكان بعيد .
تركته يبكي صاحبه الشيخ الكبير بعد هذه السنوات التي مضت … فقد زامله اكثر سنوات عمره … وهو – كما كان يقول لي دائما – من نسل الشيوخ العظام لقبيلتنا، وانه يحترمه ويحبة اكثر من اولاده ، كما قال عند وفاته الى من كان يجلس بالقرب منه .
مسح عينيه بكم دشداشته ، وراح يتابع ما بدأه ، قال :
– عندما اوصى الشيخ الكبير رحمه الله بتركته الى والدته ، سأله القاضي :
– شيخ … ومشيخة القبيلة؟
ولاذ والدي مرة اخرى بالصمت ، كمن اشتعل فيه فتيل الذاكرة ، وأيقظت مكامن حزن كان يظن أنها قد ماتت،الا انه لم ينشج ، ولم تسقط من عينيه دمعة واحدة ، فأحترمت صمته ، وانتظرت اللحظة التي يكمل فيها سرد احداث ما حدث في المضيف الكبير وقتذاك .
وبعد صمت غير طويل كانت فيه نظرات والدي تائهة بين نقاط عديدة على جدران الغرفة الجالسين فيها، قال والدي متابعا :
– لم يجب الشيخ الكبير ، فردد القاضي سؤاله اكثر من مرة ، عندها وضع اخوه نهر اذنه على صدره يتنصت الى دقات قلبه ، وبعد لحظات قال:
– الى رحمة الله – واكد –  انتقل الى رحمة الله .
صعد الى ملكوت الله وروحة غير المتحررة من آثار المشيخة التي اخذها معه، وترك مالها وارضها لوالدته فقط .
عندها جاءنا نحن الواقفون خارج المضيف الكبير عويل ونحيب الرجال ممن كان داخله ، فسرت عدوى النياح والعويل الينا، ثم تعالت اصوات عويل ونحيب النساء من داخل الدار الكبيرة وكأنهن ينتظرن وفاة الشيخ الكبير على احر من الجمر – وحتما- انهن قد نزعن فوطهن(*) ، وحللن شعور رؤوسهن ، ومزقن جيوب اثوابهن ، ورحن يلطمن ويردحن على شيخ قبيلتهن الكبير ، فيما راحت العدادة (*) تطري لهن مآثره، وتسمعهن كلاما يفتت الصخر من شعرالرثاء بصوت اريد منه ان يستقطر اخر دمعة في العين، وآخر آهة حرى في القلب، وراحت مكبرات الصوت الموضوعة بأتقان على زوايا سطح الدار تنقل للرجال ذلك الشعر الذي يقطر الما على فقد الشيخ الكبير .
عندها غاب اخر غراب من  سرب الغربان من صفحة السماء ذات الغيوم كالزجاج الذائب، وبدأ وابل من المطر يهطل بكل قوة عموديا على رؤوس من كانوا في الساحة لمدة ربع ساعة ، كان المطر دموع السماء كما قالت امي بعد ايام.
كنت واقفا مع الواقفين امام باب المضيف الكبير التي ازدادت حركة الداخلين والخارجين منه ، وكان صديقي وكاتم اسراري مع ابنة عمي (راضي)– وبالمقابل كنت انا كاتم اسراره مع حبيبته (فوزية)- يقف بجانبي، وعينيه لا تبرحان باب الدار الكبيرة علهما تريان حبيبته (فوزه) كما يحلو له ان يسميها.
تعالت الاهازيج والهوسات من الرجال، وراحت اجسادهم التي انفتحت مساماتها وهي تدك الارض تفرز ذلك السائل المالح مختلطا بدموع السماء ، كانوا كأنهم ينتظرون هذه اللحظات ليدكوا فيها الارض السبخة واليابسة ، التي ارتوت لدقائق بدموع السماء، باقدامهم العارية ، ولو كان للارض لسان لصاحت منهم (الداد)(*) الا انهم ، والاعلام ترفرف فوق رؤوسهم، قد اخذتهم (الحمية) وحب الشيخ الكبير الى ان ينسوا اثقال ما كانوا يحملونه من مُر السنين، واصبح عندهم كل شيء هينا بعد رحيل الشيخ الكبير دون ان يعلموا انه عندما سأله القاضي عن حاله قال: انا بين يدي الرحمن الرحيم .
كانت الاعلام والرايات والبيارغ تخبر عن انتسابها ، حمر وخضر وسود وقد امتلات بآيات قرآنية وكلمات تشير الى اسم العشيرة والقبيلة التي يرفرف فوق رؤوس ابنائها الذين يدكون الارض دكا وشفاههم تردد هوسات (*) من عرف عنه ترديد تلك الهوسات التي تمجد الشيخ الكبير، وفضل القبيلة بعلاقتها بآل البيت.
تركنا انا وراضي الناس بما كانوا يفعلون ،وتحركنا بعيدا عنهم، قريبا من باب الدار الكبيرة ، انا لاحظي بلقاء ابنة عمي خيرية، وراضي ليحظي بلقاء فوزه ،بعد ان كان الجميع مشغولا بالهوسات ودك الارض وكأنهم في حشر عشائري لاخراج الماء من باطن الارض .
كانت هذه اللحظات فرصة لنا ، ولي خاصة بعد ان اصبحت خيرية خطيبتي رسميا ، وقد اتفق والدها ووالدي ان لا نلتقي الا بعد الزواج، اما راضي وفوزه فلم يعلم بقصة حبهما ولقاءاتهما السرية سواي وخيرية ، لانهما كانا من عائلتين بينهما مشاحنات وبغضاء ونفور على الرغم من ان جديهما لابيهما ابناء عمومة .
كانت خيرية ابنة عمي وابنة خالتي في الوقت نفسه، فقد كان والدي ووالدها اخوة من اب وام واحدة ، والاكثر من ذلك انهما كانا توأمين للحاج سلمان ، فيما كانت امي وام حبيبتي وخطيبتي اخوات من اب وام واحدة ، والاكثر من ذلك وهذا الطريف في الامر انهن كن توأمين لبطن واحدة لزوجة الحاج سالم اخي الحاج سلمان والدي.
عندما جاء ابي وعمي الى الحياة كان جدي – والدهما – في الحجاز مع الشيخ الكبير- اب الشيخ الكبير الذي مات وهو بين يدي الرحمن الرحيم –  يأدون فريضة الحج ، فقام عمهما – والد امي وخالتي – برعايتهما حتى وصل جدي والشيخ الكبير الى اراضي القبيلة .
في اللحظة التي وطأت اقدامهما ارض المضيف الكبير، كانت القابلة العجوز للقبيلة مع زوجة الحاج سالم لتولدها ، وبعد اقل من دقيقة من وصول خبر وصول الحجاج تعالت هلاهل جدتي زوجة الحاج سلمان بمناسبة ولادة اختها، وقدوم المولودتين التوأمين الجديدتين.
جاء الخبر الى المضيف بالتوأمين ، فصاح جدي الحاج سالم فرحا وهو يوجه كلامه للشيخ الكبير :
– اشهد يا محفوظ (*)ان بناتي هدية الى ابناء اخي الحاج سلمان .
انتشر الخبر اولا في المضيف الكبير بين المهنئين بقدوم الحجاج ، ثم ساح كما يسيح الماء في ارض عطشى بين ابناءالعشيرة ،ومن بعدها تناقلته السن من تعلم نقل الاخبار بين ناس العشائر والافخاذ والاسلاف الاخرى ، وقد فتح وقتها   الشيخ الكبير السجل الكبير الذي يسمونه الشاهد وسجل بتاريخه تلك الهدية التي شكر جدي الحاج سلمان اخيه الحاج سالم عليها ، و ختمه الشيخ الكبير بقوله بارك الله بكما وبأولادكما ليجعلهما الله من انصار اهل البيت، وقال في هذه المناسبة شاعر القبيلة ابياتا شعرية ، تردد صداها في مضايف عشائر واسلاف قبيلتنا.
هذا ما اخبرني به جدي الحاج سلمان قبل وفاته بأيام ، فيما اخبر جدي الاخر الحاج سالم خيرية بذلك، وكأن هذه الامور سرا تتناقله العائلة فيما بينها ولا ينقله سوى الجد الى الاحفاد ، على الرغم من ان الامر كان معروفا للقاصي والداني ومن ضمنهما انا وخيرية .
عندما ولدت قبل ايام من ولادة خيرية كان جدي الحاج سلمان وجدي الحاج سالم قد اتفقا على ان البنت التي ستلدها زوجة ابنه الثاني – الذي كان يسكن في دارعمه الحاج سالم ليكون بمثابة ولد له بعد ان حرم الولد- ستكون لخيري ويسمونها خيرية ، وعندما سأله الحاج سالم كيف عرفت انها بنت ؟ رد جدي الحاج سلمان: اسأل الشيخ الكبير ، عندها صدّق جدي الحاج سالم بما قيل وبارك المولودين – انا والبنت التي ستولد – دون ان يعرف كيف عرف الشيخ الكبير بجنس المولود ،واخبرا الشيخ الكبير بذلك ، فطلب من الرجل الذي يخدمه ان يأتي بالشاهد ليسجل فيه الاتفاق .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.