الرئيسية » نقد » ادب » كمال عبد الرحمن : الاستشراف وسردنة الزمن في رواية
(الاسكندرية2050) للروائي الاردني صبحي فحماوي

كمال عبد الرحمن : الاستشراف وسردنة الزمن في رواية
(الاسكندرية2050) للروائي الاردني صبحي فحماوي

القاص والشاعر كمال عبد الرحمن

الاستشراف:تقنية زمنية تخبر صراحة أو ضمنا عن احداث سيشهدها السرد الروائي في وقت لاحق.(1)
 فأن استشراق الحوادث التي ستقع في المستقبل يبدو بعيدا عن المنطق أول وهلة،لأن هذه الحوادث لم تقع بعد وليس هناك تعيين بأنها ستقع لاحقا،اضافة الى ايراد ما سيقع قبل وقوعه يقلل من فرص تشويق القارىء،ويظهر الراوي بمظهر العالم المتعالي على القارىء المروى له(2).
من هنا يمكن القول أن الاستشراف هو شكل من اشكال الانتظار أو التطلع(3)،انه استشراف للمستقبل الذي يكمن في استيحاء احداث تسبق النقطة التي وصل اليها السرد الذي سيتنامى(صعدا)من الماضي الى المستقبل،يقفز الى الامام متخطيا النقطة التي وصل اليها،الاستشراف اذن حكي الشيء قبل وقوعه،وترتبط تقنية الاستشراف بما سمّاه(تودوروف) عقدة القدر المكتوب،والشكل الروائي الذي يستطيع الراوي فيه ان يشير الى احداث لاحقة هو شكل الترجمة الذاتية او القصص المكتوب بضمير المتكلم(4)،حيث ان الراوي يحكي قصة حياته حينما تقترب من الانتهاء ويعلم ما وقع قبل لحظة وبعدها بداية القص ويستطيع الاشارة الى الحوادث اللاحقة دون اخلال بمنطقية النص ومنطقية التسلسل الزمني(5).
أن الزمن  من الركائز الاساسية في العملية السردية ،وعليه تقع وظيفة تحويل الحدث الخام الى حدث مسرود،فضلا عن قوة ارتباط العناصر الاخرى به،أذ((لا يعيش منعزلا عن باقي عناصر السرد،وانما يدخل في علاقات متعددة مع المكونات الحكائية للسرد كالشخصيات والاحداث والرؤيات السردية))(6) فالشخصية مثلا لايمكنها أن تعيش وتنمو وتتطور خارج الزمن ومساره،والحدث كله لا وجود له خارج نطاقه(7)،أنه كما يرى فورستر الخيط أو السلك الذي تنتظم به البنية التعبيرية القصصية،وان الروائي أو القاص لايستطيع كتابة نصه من دون زمن ،لأن التتابع الزمني يتدخل في تنظيم اصغر وحدات الجملة(8) .
ينقسم الزمن في رواية صبحي فحماوي الى:
1.الاستشراف :أو(الاستباق): وهو تقنية سردية تدل على حركة سردية تروى أو تذكر بحدث لاحق مقدما(9)،أي انه ـ الاستباق ـ يروي أحداثا سابقة عن اوانها او يمكن توقع حدوثها(10) ، ويتطلب ذلك(( القفز على فترةما من زمن القصة وتجاوز النقطة التي وصلها الخطاب لأستشراف مستقبل الاحداث والتطلع الى ما سيحصل من مستجدات)(11)في الرواية،والاستباق في   هذاالمفهوم يعني التوغل في المستقبل،والافصاح عن الهدف أو ملامحه قبل الوصول الفعلي اليه،او الاشارة الى الغاية المستقبلية قبل وضع اليد عليها(12)،وفي ذلك افصاح عن تلك العلاقة بين(( التشكيل السردي للزمن ورؤية المؤلف،وبين هذه الرؤية وفلسفة الكاتب للزمن))(13)،من هنا تعددت وظائف الاستباق ومقاصده تبعا للرؤية التي تضيفه،ويمكن  الوقوف على بعضها واجمالها على النحو الآتي:
أ.انه يمهد او يلمح لما سيجري سرده من الاحداث لاحقا(14)،وبذلك تكون غايته حمل المتلقي على توقع حدث ما،او التكهن بمصير او مستقبل احدى الشخصيات(15)
ب. الاعلان عما ستؤول اليه مصائر الشخصيات(16)
ت.ملء الفجوات الحكائية التي سيخلفها السرد لاحقا أو الاخبار عن معلومات تفيد موضوع السرد،وهذا يخلق حال انتظار لدى القارىء(17)
يمارس القاص والروائي صبحي فحماوي لعبة زمنية،ليس الغاية منها الحفر في براري الفنطازيا بحثا عن اللامنطقي واللامعقول،من اجل كسر الرتابة السردية وتجاوز المألوف نحوعام(2050) حيث يتخيل الروائي شيئا من حوادثه المرتبطة باستراتيجية(زمكان)،بل الغاية من روايته هذه هي التحرر من طائل الالم البشري والكوارث التي لا تنتهي الاّ لتبدأ من جديد،وذلك من خلال محاولة  تغيير عقل الانسان واخراج فكرة الصراع منه كما جاء في تعريف الرواية المنشور على غلافها الاخير:
(( هدفنا هو تغيير عقل الانسان،واخراج فكرة الصراع منه،فلا يعود يضمر الشر لأخيه الانسان،وسيتوقف  اعتداء الوحوش والكائنات الحية على بعضها البعض،وستتوقف الدول عن غزو الدول الاخرى وقتل مواطنيها ونهب ثرواتها،سيسود السلام العالم كله..))هذه هي الرواية كلها من أولها الى آخرها.
ومن اجل هذا الهدف يضيق الزمن  بفحماوي،فيذهب الى زمن آخر من اجل تحقيق رؤيا انسانيةجديدة من خلال مستقبل (مفترض) قد يكون افضل من زمننا هذا:
((الزمن:25 ـ 9 ـ2051.
المكان :عكا
نحن شبكة انتاج،متخصصة بالتجسس على عباد الله،منذ لحظة الولادة،وحتى لحظة الوفاة،وبناء على معلومة تقول:((ان المحتضر يتهالك على سريره خلال الساعة الاخيرة من عمره،فيتذكر كل الذي مضى ويستعيد ذكرياته من المهد الى اللحد،فتمر الاحداث كلها مضغوطة في مخيلته بسرعة مذهلة،يتذكر فيها كل شيء،وكأنه يعيش الان)) فأن عملنا يقوم على تسجيل رقمي،لكل ما يدور بخلد الانسان في تلك اللحظات الفاصلة.(18)وتتشظى الصور الخياليةمن خلال تشكيل وقائع سردية مستقبلية اختار لها الروئي مدينة الاسكندرية مثالا:
((بينما  تهبط الطائرة الهيدروجينية بكل خفة وهدوء في مطار الاسكندرية الحديث،تشاهد من علٍ عددا من الطائرات الورقية ينتشر في ارض مطارمترامي الاطراف،كانت الطائرات الورقية ايام طفولتنا مجرد أوراق مربوطة بخيوط،نلعب بها ونطيّرها في الهواء،واما اليوم فالطائرات العملاقة صارت ورقية،ولكن بصلابة الفولاذ..))(19)،ويحاول الروائي التنصل من كارثية الواقع وفجائعه المتفاقمة،عن طريق السفر في الزمن الابيض الذي لاتشوبه دخاخين الحروب والابادات الجماعية وحروب الأخ ضد أخيه،هذا الزمن هو زمن استشرافي،اي حكايات عن فرص قد تاتي او لاتاتي،على الرغم من الامثلة الانسانية التي تطرحها الرواية عن (الانسان الاخضر)الذي يبشر به فحماوي،المثالي الذي انسن الارض وكائناتها،من الخراب والسوداوية والدمارونادى بمرحلة جديدة من الحياة وانسان جديد من مستقبل ابيض:
(( ترى هل تنجح عملية التخضيرهذه،فيسيطر الحيوان الاخضر على هذا الكون الحيواني المتوحش؟ هل تشاهد مرحلة انتقالية جديدة،بعد الانسان الاول،الذي تحضّر فانتقل الى مرحلة الانسان الثاني،وهاهو بعد أن توحشت حضارته،ودمرت الارض،تراه يتشكل بتكوينه الاخضر،فتشهد مرحلة الانسان الثالث الاخضر..))(20)
ويستمر الروائي في تشكيل رؤياه السردية بالتوثيق والتوكيد على فعالية عالمه الجديد،عالم الكتروني حافل بالتقنيات ،بعيدا عن الرتابة البشرية التي ينوء تحت كاهلها زمننا الحالي،يشتغل( النص الفحماوي) على تقانات سردية ذكية في صناعة المستقبل الذي لانتوقعه فعلا ولانعتقد ان بلادنا ستتغير نحو الافضل من خلاله،او من خلال مارسمه وتمناه لنا النّاص،ليس في عام (2050) بل حتى في عام(2550)،ان الكاتب قد حمّل نفسه مسؤولية فتح نوافذ سرمدية ليأسنا المقيم على قلوبنا الى الابد،ولكن ليس ثمة أمل لجلجامش كما يقول،فالجنة التي يصنعها الاستشراف السردي،لاتعطيك اكثر مما تأخذ أو العكس صحيح ولكن الكاتب لايتوقف عن المحاولة:
(( يدخلك البساط المتحرك من فم الطائرة الهيدروجينية الى مبنى مطار الاسكندرية الدولي،الذي يشبه تصميمه مدينة فضائية انفلتت من مجرة بعيدة،فهبطت خلف مدينة الاسكندرية،فأشارات التوجه مثبتة في كل مكان ،والعجائز والاطفال يركبون سيارات كهربائية مجانية تقلهم الى المعبر الذي يشاؤون..))(21)، ويزاوج الكاتب بين زمنين (الحاضر:المتخيل) و(الواقع:الماضي) ليشير بمسحة تذَكّرٍ يكتنفها ألألم الى مقارنة قاسية بين زمنين احدهما لن يتحقق والآخر تحقق من خلال حوادث شاخت من بؤسها وشقائها بعد ان أكل عليها الدهر وشرب:
(( تغفو وتنام قيلولتك في الطابق التسعين،فتأتيك هلوسات العجائز اذ تحلم بأنك تحقد على هذه الرافعات التي تتحرك في السماء برجالها الآليين،حاملة معها جسورا قوية مصنّعة، خفيفة الوزن،ةغير قابلة للكسر،وواجهات معمارية شبه زجاجية،تغلف الهياكل الصلبة لأبراج ناطحات سحاب الاسكندرية !،اين اختفى اولئك الفلاحون الذين بقوا ولم يموتوا تحت رمال الأساسات؟كانوا يشغلون عمال التراحيل في اعمال البناء،كي يمتصوا البطالة،ويأكلهم هم وعائلاتهم عيشا وحلاوة،وأما اليوم،فلقد امتصت البطالة عمال التراحيل،ونقلتهم الى اماكن بعيدة،ثم حرقتهم بجاز!))(22)هذه خلاصة الفكرة التي تطرحها الرواية،احلام كبيرة وجنة تطرحها الرواية على ارضية افكارنا..لعلها تخفف هما،أو تدفع يأسا ادمناهُ بعيدا عن اوجاعنا الأزلية التي تلبستنا فلبسناها بالمقلوب..!
2. زمن السرد: يتناول جيرار جينيت هذا الموضوع بشيء من الدقة والتفصيل،فيغيّر  ـ كما يرى حسن بحراوي ـ المشكلة من خلال النظر الى الزمن السردي،بوصفه نوعا من انواع الزمن المزيف وان الحكاية مقطوعة زمنيا مرتين،فهناك زمن الشيء المروي  وزمن الحكاية(23)،وزمن السرد يقع بين الزمن الاستباقي  الذي هو استحضار المستقبل في الحاضر بطريقة ما،وبين الزمن الاسترجاعي  وهو استحضار الماضي بطريقة(التداعيات)أو (الفلاش باك)(24)،هذا الزمن هو الأكثر واقعية في الرواية ،لأنه يتحدث عن حقائق تقع ألآن ،اي زمن كتابة النص:
(( مع أذان الفجر،يوقظك ابوك بالقوة،فتقوم وكأنك وحيد في هذه الدنيا ،آدم بلا حواء،هل كان آدم مراهقا عندما نزل الى الارض برفقة حواء،أم كان رجلا بالغا عاقلا،عارفا ما له،وما عليه..))(25)،هذا هو زمن السرد،زمن كتابة النص،المتشكل من عنقود افعال مضارعة(الحاضر):
(يوقظك/ تقوم..الخ)،والرواية التي يتحدث بها فحماوي بضمير المخاطب لاتستطيع ان تقنعنا بأن السارد ليس المؤلف،وضمير المخاطبة بنوعيه(البارزوالمستتر) الذي يخفي خلفه  كاتب الرواية نفسه نحو:
(( كيف تفرح ،وقدعشتَ طفولة مغمسة بالطين اللزج،وانت تنعجن به في ليالي الشتاء القارسة،وانت تلعب تحت المطر، بقدمين طفلتين(والصحيح طفوليّتين) حافيتين،فتحاول التخلص من الطين،بسحب رجلك الغارقة بتثاقل  من هنا ،لتغرسها هناك،فتجرح قدمك  زجاجة  مكسورة،مدفونة في طين قارعة الطريق،أو ينغرس مسمار حديد صدىء في لحمهما الطري،أو تزرقُّ قدماك المنتفختان كقطعتي جبنة عكاوية بفعل البرد القارس..))(26)،وهكذا تثير مسألة الأنا واللآخر اشكالية سردية ترتبط بأختلاف وجهات النظرأو الزاوية التي ينطلق منها الروائي  في ابرازها بصورة قد تكون  معقدة وشائكة نوعا ما،وربما تظهر الأنا /مفردة بصورة اكثر وضوحا  فيما لو اقترنت بالآخر ،ولاسيما اذا كان هذا الاخر هو العدو بحد ذاته حيث يضع الانا في موقع تصادمي وصراعي على الدوام،وهو ما يؤثث اشكالية العلاقة(27).
وتكمن هذه المشكلة في طبيعة اللبس الذي تنطوي عليه مثل هذه المفاهيم و((تداخل العناوين الحاكمة على طبيعة التفاعل الثقافي والفكري معه،ومن ثم فما لم يجر توضيح هذه المفاهيم العامة فمن الصعب التوصل الى علاقة واضحة وبيّنة للاخر))(28)،ومن خلال محاولة ابعاد تُهَم الطفولة وشقائها،ومحولة الباسها شخصية الآخر ،نكتشف ان فحماوي لم يوفق في اعلان براءته من هذه الاحداث،على الرغم من التخفي وراء الضمائر (وبخاصة المخاطبة)التي لم يتقن لعبتها ،ووضح أن:
( تفرح(انت )=افرحُ(أنا)و(عشت(انت )=عشتُ(أنا)و(انت تنعجن)=(أنا انعجن)وهكذا..ولانعرف سرّ اختفاء فحماوي وراء سرد المخاطب دون سرد المتكلم،مع انه لايتوقف عن ذكر (عكا) حتى في احلامه،وبخاصة عندما يخاطب نفسه قائلا:
(  أو تزرق قدماك المنتفختان كقطعتي جبنة عكاوية(نسبة الى عكا) ـ)
3.الاسترجاع: يعرف الاسترجاع بأنه: ذكر لاحق لحدث سابق للنقطة الزمنية التي بلغها السرد(29)،على ذلك فأن كل عودة الى الوراء تتشكل بالنسبة للسرد استذكارا يقوم به الماضي،يحيلنا من خلاله على احداث عن النقطة الزمنية التي وصلها السرد(30)،ويكشف عن جوانب مهمة فيه،يسهم في اضاءة النص،ومن بين الاجناس الادبية المختلفة تعد السيرة الذاتية اكثر من غيرها احتفاءً بهذه التقانة،لأنّ السرد فيها استرجاعي بألأساس،وكل الاحداث المسرودة بالقياس الى زمنها  هي احداث استرجاعية(31)،وهي بذلك ـ أي تقانة الاسترجاع ـ تؤلف((نوعا من الذاكرة الروائية التي تربط الحاضر بالماضي وتفسره وتعلله،وتضيء جوانب مظلمة من أحداثه ومسارات هذه الاحداث،في امتدادها أو أنكساراتها))(32) هذا فضلا عن وظائف عديدة يمكن اجمالها بالآتي:
أ. ملء الفجوات التي يخلفها السرد وراءه،سواء باعطائنا معلومات حول سوابق شخصية جديدة دخلت الى الرواية،او باطلاعنا على حاضر شخصية اختفت عن مسرح الاحداث ثم عادت للظهور من جديد.
ب.الاشارة الى احداث سبق للسرد ان تركها جانبا.
ت. اتخاذ الاستذكار وسيلة لتدارك الموقف وسد الفراغ الذي حصل في الرواية
ث. العودة الى احداث سبقت الاشارة اليها برسم التكرار الذي يفيد التذكير.
ج.لتغير دلالةبعض الاحداث الماضية سواء باعطائها دلالة لم تكن لها اولسحب تأويل سابق واستبدال تفسير جديد به.
على الرغم من ان رواية (الاسكندرية 2050)تشتغل على تقانات مستقبلية كما هو واضح من عنوانها الفنطازي،ووقائعها باللامألوف واللامنطقي احيانا،وهذه ليست سُبَّة في النص ولا انتقاصا منه او فيه،ولكن هذه هي حال الفنطازيا التي هي((خرق للقوانين الطبيعية والمنطق،بيد انها من ناحية اخرى تؤسس منطقها الخاص بها الذي يعكس جوانب من(( منطقنا))أو ((قوانيننا)) المألوفة(33)،وعليه فان الفنطازيا تستفز الذهن بالطريقة التي تستطيع بها ان تُدهش وتشوش على نفسها،فالتأثيرات الغرائبية متأتية من الافتنان الذي مصدره الحيرة أو الشك،ومن غير المنطقي ان نربط ما هو غرائبي  باستثارة المادة المكبوتة،نظرا لأن الغرائبي  في حقيقة الامر يركز على المادة التي غالبا ما يكون نصيبها الاهمال  لأنها عصية على التحديد حتى انها لا تصلح للسياق الاعتيادي للفكر ـ عصيّة على التحديد ليس لأن المادة غير مرغوبة،بل لأنها  ليست ثابتة وغير متساوقة وغير محددة، ان  فرويد محق  بقوله بأن للجنون وشائج بما هو غرائبي  لأن الاثنين يكشفان  عن تغليب الحياة الذهنية على الواقع المادي،لكن الاخير،لاسيما في ادب الفنتازيا الجيد لاينكر الواقع من اجل الرغبات الشخصية سواء كانت واعية أم غير واعية،بل تطرح في ذلك التغليب حقائق عن الادراك الحسي والمعتقد والخوف والرغبة(34).
اِنّ حسنة من حسنات القاص والروائي صبحي فحماوي الكثيرة،هي قدرته على استفزاز الذهن العربي بالخروج به من الواقع المثقل بالتخلف الأزلي والمصائب المزمنة والحزن المقيم الى فضاءات امل واسعة شاسعة،يوتيبيا عربية يحققها فحماوي حتى لو كان ذلك عن طريق الفنطازيا أو الخيال أو الاستشراف،المهم أن الرجل لايتوقف أبدا عن معاقرة الاحلام البيض،يحلم..يحلم ..ويدعونا الى  اتباع احلامه(كما قال الفيس برسلي:اتبع ذلك الحلم)،لايتوقف فحماوي ابدا عن صناعة(جناته الخاصة) التي يبتكرها  دائما ليس من اجل نفسه ،بل من اجل الاخرين،ومن هنا ايضا صار عليه ان يتنقل بين (الماضي: عن طريق الاسترجاع) والحاضر المُر كالعلقم مرة،ومرة اخرى بين(الماضي ايضا) والمستقبل(الحلم/الخيال/الفنطازيا):
((كنت قد وصلت اول مرة الى الاسكندرية عبر مطار القاهرة،في خريف عام 1966،وعمرك(أي:وعمري=عمر المؤلف) سبعة عشر ربيعا،أول مرة تركب فيها طائرة،كانت من نوع (دي سي3) بمحركين،تعرج بركابها السابحين المترجرجين فوق وما بين وتحت الغيوم،لم تكن تأبه(لم أكن أأبه)لهزهزات الطائرة المقلعة من مطار قلنديا في القدس،ولم تحلم اصلا بأن تركب طائرة ذات يوم..))(35)هذه اشارة اولى قادمة من الماضي وكانها تحاول عن طريق جدلية معينة ان تقارن بين الماضي المتخلف و(الحاضر:المتخيل المجنون) حيث:
**الطائرات التي تصيبها (الهزهزة)عند الاقلاع(فكيف بها عند الهبوط)والطائرات الهيدروجينية المرفهة المصنوعة من الورق الخفيف المقوى بنفس صلابة المعدن،بين(ماضي الهزهزات)و(الحاضر المرفه)يشتغل زمن فحماوي جيئة وذهابا،من اجل خلق جدلية تحاول ان ترفه افكارنا المتعبة وعقونا التي يعاقرها اليأس،لاينسَ الروائي وهو يحدثنا عن جنّاته الارضية،ان يذكرنا بألألم الاعظم،الألم الفلسطيني الذي لايشبه ألم لا على اليابسة ولافي البحار:
(( خروجك من الاسكندرية لايختلف عن خروج آدم من الجنة،بعده حدثت لآدم لوثة دماغية،أو فوضى حواس،أوغموض في الرؤيا،أوعُقد نفسية،وهذا ما حصل معك،فلم تعد تستطيع لملمة شؤونك.
أول الاهداف بعد النكسة هو عودتك الى أهلك في فلسطين،التي صارت كلها محتلة،ولكن العودة اليها صارت ممنوعة بقوة السلاح))(36).
4.الزمن النفسي:يختلف هذا الزمن اختلافا جوهريا عن الزمن الطبيعي(الاعتيادي)،فاذا كان هذا الاخير يخضع لمقاييس موضوعية ومعايير خارجية تقاس بالسنة والشهر واليوم والصباح والمساء والظهيرة والمساء والنهار(37)،فان الزمن النفسي لايخضع لمعايير خارجية أو مقاييس موضوعية كالتوقيتات المتداولة(38)،وانما يمكن معرفته وتحديد سرعته أو بطئه من خلال اللغة التي تعبر عن الحياة الداخلية للشخصية،فالزمن مثلا يكون طويلا حين تكون الشخصية حزينة ، ولاتشعر هذه الشخصية بمرور الزمن ،حينما تكون سعيدة،فحركة السرد في سرعتها،أو بطئها في مثل هذا النوع،أنما تتحكم بألأحاسيس الشخصية(39)،أي ان البعد الزمني مرتبط هنا بالشخصية لا بالزمن،حيث الذات تأخذ محل الصدارة،ويفقد الزمن معناه الموضوعي ويصبح منسوجا في خيوط الحياة النفسية(40)
ولهذا الزمن،أو النوع من الزمن حضور في رواية صبحي فحماوي هذه،اذ يمكن التوصل اليه من خلال طريقتين:
أ.الطريقة المباشرة التي تظهر من خلال لغة الراوي في السرد.
ب.الطريقة غير الباشرة التي ترتبط بظاهرة سرعة النص وبطئه(41)
فكلما ((ركز الكاتب على الشخصية وذاتها  تقلص الزمن الخارجي وصغرت أحداثه،وكلما خرج خارج الشخصية اتسعت الرقعة الزمنية))(42)،وثمة أمثلة كثيرة على تنوع الزمن في الرواية،ومنها الزمن النفسي:
(( تتقلب في مقعدك وانت تنتظر بزوغ فجر كنعان بفارغ الصبر،الحمد لله الذي خلقك يا حفيدي في أحسن تكوين،اصبر ياقلبي لحين اطلالة الغصن الاخضرـ تحاول ان تتصبر لحين ملاقاة أملك المنشود،وليس أمامك سوى الذكريات..))(43)وواضح هنا ان الزمن النفسي يشتغل على التباطؤ،من خلال مجموعة الصور والافعال وحركية المشهد الموحي بالانتظار المرير عبر عنقود الافعال التي تدلل على الزمن وهو يمر ثقيلا اثقل من جبال السامرة:
((تتقلب= قلق+خوف+انتظار))و((تنتظر بفارغ الصبر=محاولة التخلص من يأس ما))و(( أصبر ياقلبي= فزع من جزع وامتحان للتغلب على المحنة))و((تحاول ان تتصبر:تتلبس الأمل للفوزبالنتيجة))فالموقف شاق وشائك ومفعم بالقلق،لذلك يمر الوقت هنا ثقيلا واطول من ماهو متصور من قبل السارد،الذي يظن ان الوقت الذي مرّ عليه هوساعتان مثلا،والحقيقة ان الوقت هو نصف ساعة فقط،لذلك لايقاس الزمن النفسي بالساعات والايام،ولكنه يقاس بالحالة النفسية للشخصية.
واذا ضربنا مثلا على استطالة الزمن نفسيا،فلابد لنا ان نذكر مثالا على العكس من ذلك،وهو سرعة الزمن وقصره نفسيا،ومن ذلك امثلة كثيرة في الرواية،منها:
(( حضرنا الحفل البهيج، والسعادة تطل من وجهي العروسين،ومن وجه ابنتي سمر وأمها أميمة،التي تفضحنا بين الألمان وهي تُهاهي وتزغرد(لو لو لو لو لييي!)،فيفرح أهل العروس الألمان وكل الحضور بها،ويتحلقون حولها،فتُعلّم أمّ العروس كيف تزغرد،فتبدأ الألمانية اللّماحة تحرك لسانها يمينا ويسارا وتزغرد(لو لو لو لي) ونحن نضحك!))(44)،هكذايمر الزمن سريعا من دون أن يحس به احد من المحتفلين،فمن خلال مفردات(الحفل/البهيج/السعادة/ العروسين/تزغرد/يفرح/نضحك..الخ)لايمكن ان يحس المحتفلون المبتهجون بالوقت الذي كان في الحقيقة ساعتين،بينما لو سألت الحاضرين عن الوقت الذي قضوه في الحفلة لقالوا نصف ساعة فقط.
وما يهمنا ليس الوقت او الاستشراف في رواية المبدع صبحي فحماوي،ولكن المهم أن نقول أن الزمن في قصص وروايات فحماوي،هو زمن مختلف عن زمن السرد العربي ،زمن فحماوي هو الزمن الفلسطيني الذي لايشبهه زمن،فهو كاتب ابداعي متميز قادم من اعماق الجرح الفلسطيني الذي ليس مسموحا له ان يندمل،واذا اندمل فانه لايلبث ان يُفتح من جديد،صبحي فحماوي فارس من فرسان الكلمة الفلسطينية العربية،الكلمة التي قيض لها ان تحفر في صخر الزمن العلقم،فتكتب بأحرفها الملتهبة حكاية ابناء الارض في صراعهم الازلي الابدي مع شذاذ الارض.
وختاما اقول..لقد قرات من قصص وروايات فحماوي الكتب الاتية:
**مجاميع قصصية(موسم الحصاد/رجل غير قابل للتعقيد/الرجل المومياء/)
**وقرأت من رواياته(الاسكندرية2050/قصة عشق كنعانية)
ولدي ملاحظات حول هذه الاعمال،منها اتمنى ان يلتفت فحماوي الى اللغة اكثر واكثر..
وبساطة العبارة احيانا تصل في بعض كتاباته الى حد التقريرية والمباشرة
وملاحظات اخرى ساذكرها في مكان اخر خارج هذه الدراسة
وعلى الرغم من ملاحظاتي التي ذكرتها أو التي لم اذكر..الاّ انني اقول ان صبحي فحماوي مهندس الورد،هندس نصوصه القصصية والروائية بزمن فلسطيني سردنه انسانيا وابداعيا ،حالما بتقديم زمن أخضر وأنسان اخضر للانسان العربي وللانسانية جمعاء.

===============================================================

كمال عبد الرحمن النعيمي
العراق ـ الموصل ص ب 819
kamalismaeel@yahoo.com
 موبايل : 009647701605027
=           =              =                   =
الهوامش والمصادر والمراجع

1.غائب طعمة فرمان روائيا،د.فاطمة عيسى جاسم،دار الشؤون الثقافية العامة،ط1،بغداد،2004 :139
2.بنية الرواية العربية السورية(1980 ـ 1990)،د.سمر روحي الفيصل،منشورات اتحاد الكتّاب العرب،دمشق،1995،:169
3.بنية الشكل الروائي،حسن بحراوي،المركز الثقافي العربي،بيروت،ط1 ـ1990،:133
4.غائب طعمة روائيا:139
5.بناء الرواية،سيزا القاسم،دار التنوير للطباعة والنشر،بيروت،1985،:61
6.الفضاء الروائي عند جبرا ابراهيم جبرا،د.ابراهيم جنداري،دار الشؤون الثقافية،بغداد،ط1 ـ2001،:25
7. القصيدة السير ذاتية واستراتيجية القراءة في الشعر الفلسطيني المعاصر،د.خليل شكري هياس،ب ت:298
8.أركان القصة،فورستر،ت:جمال عياد جواد،مراجعة:حسين محمد،دار الكرنك،القاهرة،ط1ـ1960،:53 ـ54
9. خطاب الحكاية:بحث في المنهج،جيرار جينيت،ت:مجموعة من النقاد،المشروع القومي للترجمة،ط2 ـ 1997،:51
10.م.ن:82
11.بنية الشكل الروائي:132
12.أيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة،أحمد حمد النعيمي،المؤسسة العربية للدراسات،الاردن،2004،:38
13.تشظي الزمن في الرواية الحديثة،أمين رشيد،الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة،1998،:10
14.خطاب الحكاية:79
15. بنية الشكل الروائي:132
16.م.ن:132
17. مدخل الى نظرية القصة:تحليلا وتطبيقا:سمير المرزوقي وزميله،دار الشؤون الثقافية،بغداد،1986،:280
18. الاسكندرية 2050،رواية،صبحي فحماوي،دار الفارابي ،بيروت،ط1 ـ2009،:11
19.الرواية:40
20.الرواية:40 ـ41
21.الرواية:55
22.الرواية:165
23. خطاب الحكاية،جيرار جينيت:45،وانظر:بنية الشكل الروائي،حسن بحراني:116
24. الزمن في قصة (الجنازة)،كمال عبد الرحمن،  دراسة منشورة ضمن كتاب نقدي(مشترك)،دار الحوار،سورية،ط1ـ 2011،:130
25. الرواية:26  ـ 27
26.الرواية:25
27.جماليات التشكيل الروائي،د.محمد صابر عبيد ود.سوسن البياتي،دار الحوار،سورية،ط1ـ 2008،:81
28.جدل الانا والاخر:39(شبكة الانترنت)
29.خطاب الحكاية:51
30.بنية الشكل الروائي:121
31. عندما تتكلم الذات،السيرة الذاتية في الادب العربي الحديث،محمد الباردي ،اتحاد الكتاب العرب،دمشق،2005 ،:117
32. الفضاء الروائي عند جبرا ابراهيم جبرا:106
33. أدب الفنطازيا مدخل الى الواقع،ت.ي.ايتر،ت:صبار سعدون السعدون،دار المأمون للترجمة والنشر،بغداد،1989،:10
34. م.ن:80 ـ 81
35. الرواية:22
36.الرواية:284
37.غائب طعمة فرمان روائيا:134 ـ 135
38. بناء الرواية،د. سيزا القاسم،سلسلة دراسات ادبية،الهيئة المصرية للكتاب،القاهرة،1996،:22
39.غائب روائيا:136
40.بناء الرواية:73
41.سيرة جبرا الذاتية في البئر وشارع الاميرات،د.خليل شكري هياس،منشورات اتحاد الكتاب العرب،دمشق،2001،:230
42. بناء الروية:52
43.الرواية:235
44.الرواية:50

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *