الرئيسية » مقالات » د.سليمة سلطان نور: يوسف الصائغ… غواية نقطة الصفر

د.سليمة سلطان نور: يوسف الصائغ… غواية نقطة الصفر

الحلقة الاولى

إشارة : رحل المبدع الكبير يوسف الصائغ وبقيت خالدة زوابعه الإبداعية ومنها شمة أفيونه التي سممت أجواء الإبداع العربي حين أصدرها بداية الخمسينات .. وجهة نظر جديدة ومتفرّدة تطرحها الناقدة  الدكتورة سليمة سلطان نور التي ينضاف اسمها وبجدية إلى قائمة الناقدات العراقيات التي تقل يوما بعد آخر..
——————————————

slema_sltanيقول( روبرتو متي ) الرسام التشيلي المعروف من كلمة ألقاها في مؤتمر هافانا إلى مثقفي العالم (( الشعر سلاح خفي ، حرب عصابات داخل النفس على الأعراف والمصالح الذاتية المصطنعة ، والرياء في النقد الذاتي ، حرب على الأفكار الاتفاقية المبتذلة ، في سبيل الذكاء المبدع ))[1] ، سلاح خفي ؟ الانفلات من الرياء ، الذكاء المبدع ؟! إنها غواية واستفزاز ، حين تعتقد بغرور انك قادر فعلا على كشف مواطن الذكاء المبدع ، وحل أسرار حرب العصابات المعقدة هذه ، حين تحاول ان تمسك بخيط يقودك إلى حيث الضوء في نهاية النفق ، وكأنك تتقدم بحل لعبة للكلمات المتقاطعة لتصل إلى كشف كلمة السر ، عندما تجابه هذا اللون من الإبداع ، فتمسك بنص مخلوق من مبدع يعلن التمرد العصيان ويبحث عن جنون الخلق ، ليكون النص بعد ان يتحرر من روح الفنان واسر خيالاته ورؤاه إلى خالق ، يدخل المبدع نفسه في حيز أفلاكه ، بل يسحب إليه هذه المرة المتلقي ؛ ليكون النص مركز يدور في فلكه كل من يقرأه فيطبع بصمة على قلبه ، أتراني سأغامر بالفرح فقط في محاولة أو مغامرة اكتشاف زاوية ظننتها معتمة ، مع اعتقاد فيه من الغرور مافيه ، باني قادرة فعلا على ان اكشف واكتشف النص؟.

أحقا أنت قادر مع نص مازال يشاكس ويتحدى منذ أكثر من نصف قرن مرّ على إنتاجه مثل قصيدة ( شمة أفيون ) ؟ نص يجابهك بالغموض والدهشة ، لتردد بحيرة (( يشبه ماذا شمة أفيون ؟! )) والحسرة تأكل قلبك ، وتقول بلحظة عجز (( اللعنة سأتركه )) تنهض والحقد يملئ روحك على نص يشدك إليه بخيط حرير ، فتعود تملئك الخيبة والحسد ، تتمنى لو تمكنت من فكّ الشفرة التي تمسك بها بالكاد ، ثم تتلاشى مرة أخرى كالأثير ، ومع هذا مازلت أريد للفرح ان يكون دليلي في الممارسة النقدية ، وهو ما احلم به للنقد ، ان يكون كالإبداع ؛ ((لحظة سعيدة يساهم فيها الشعور والعقل ))[2] كما يقول بريشت هذا العبقري المجنون ، وأنت تبرر عودتك مرددا فكرة إن دهشة الجديد في النص القديم تقودنا إلى النشوة ، حين نعتقد أننا امسكنا بخيط ملون مضيء من خيوط ، ستدلنا في عتمة نص قبع في الظل طويلا مع شهرة صاحبه ، ولكن أي خيبة تلك التي ستقطع خيط الفرح هذا تحت ثقل مناهجنا ومعداتنا الأكاديمية ومشارط استشهاداتنا وتقفينا من سار قبلنا في تشريح النص ، لنجد أننا ببساطة (( نقتل لكي نشرح ))[3].
لنبدأ من جديد من نقطة الصفر مرة ثانية ؛ فللصفر نقطة انطلاق اقرب للغواية  والسحر .

ثنائية الإله والشيطان بين التوازي والتقاطع .

سأبدأ  كالعادة  بالتمترس خلف أقوال العقلاء قبلي ، فأقول إن (( الكون بما فيه مرآة الله” و(..) كتاب الإنسان))[4] ومرآوية الكون للخالق المعبود الله سبحانه وتعالى ، قد يعني بالضرورة ان يستحضر الضد منه ، وهو الهادم – ان صح التعبير-  إبليس اللعين ، قد يكون هناك بعض المؤاخذة على مثل هذه المقولة ، كأن يقال هذه افتراضية أنتِ تفترضين استدعاء الضد ، الله اكبر من ان يستدعى النقيض مع اسمه مباشرة ، يمكن ان تستدعى أسماؤه الحسنى ، خلقه العظيم ، فلماذا إبليس اللعين ، وبعيدا عن الادعاءات واستحضار المقولات الفلسفية ، يمكن القول ان الكون في الفكر الإنساني والمعتقدات الدينية ، كان مرآة للخالق العظيم ، وفي الآن ذاته كان إبليس يشكل بالنسبة لهذا الفكر البشري التحدي والحاجز الذي يمنع الإذعان لهذا الخالق من وجهة نظر هذا الفكر نفسه ؛ لذا كانت هذه الثنائية مرتبطة الوجود ، تعرَّف إليها البشر في وقت متقارب ، ووقف منها مواقف متضادة تماما ، وأضحت ثيمة معرفية متلازمة ، لتتشكل لنا ثنائية كان لها حضورها الطاغي في الفكر الإنساني[5] ، ويمكن أن نلحظ هذا على الأقل فيما يخص موضوع دراستنا ، ضمن ثنائية الإله / الشيطان في قصيدة شمة أفيون وربما الشعر العربي عامة .

تعامل الصائغ مع ثنائية لها خطورتها في الفكر الإنساني ببساطة شديدة ، في نص قيل عنه ( انه القصيدة التي  سممت أجواء الشعر العربي)[6] ، فيقدمها على أنها ثنائية متوازية لا تلتقي ولكنها متقابلة أبدا مهما امتدا ، مع أنهما في الفكر الإنساني عموما ثنائية ضدية ومتقاطعة أبدا ، وان اختلفت المواقف منها إلى الحد الذي قامت عليه الفلسفات والأديان ، وأحيانا قد يحلُّ احدهما محل الآخر بطريقة يصعب تعليلها حتى بالنسبة للشعراء الذين يتبعهم الغاوون ، أو التمرد والثورة على الأوضاع ، أم ترانا سنتمترس خلف ( كان ثملا ، كان يهذي ، موجوع…ألخ  ) ، وهل سنتمكن من أن نجد حجة في القول هذا هو الشعر ، وانه قدم لنا ماكان يترأى له ، وهو يملك الحرية في تقديم ما يريد .

حسنا ببساطة شديدة ان موضوع الإله / الشيطان ثيمة لها خطورتها ؛ ذلك إن التعاطي معها ثابت ومستقر اتجاه مثل هذه الثيمات  ، فهي تابو لا يجوز الاقتراب منه ، ومحاولة النقد ستحتاج إلى الكثير من المهادنة ، وأحيانا إلى  ليِّ عنق النص وتخفيف حدته ، بل والتصرف به ولالتفاف حوله ، ولكن وبعيدا عن غاية الحقيقة التي يسعى النقد إلى الوصل إليها ، والمعنى الذي في قلب الشاعر ، علينا أن نتذكر(( إن الفنان باعتباره ناقدا للمجتمع أصبح فنانا أخلاقيا … ( و ) ينبغي أن يكون واضحا أن الفنان ليس في الأساس كائنا أخلاقيا ، إنما هو كائن جمالي في المقام الأول ، وحافزه الرئيس هو غريزة اللعب لاالفضيلة وصفته الأساسية انه ، بكل بساطة وبراءة ، يتجاسر على اللعب بالقضايا والمتناقضات الأخلاقية ))[7] ، وهذا الاستشهاد ليس محاولة للتوكأ على مقولات نقدية للولوج إلى كون النص وعوالمه وتعليل رؤاه حول هذه الثنائية ، بل هذه حقيقة تعامل معها الإبداع الشعري منذ انبثاقه .

تعامل الصائغ مع هذه الثنائية تعاملا خاصة ، وإنْ لم يكن قد خرج عن نطاق تعامل الشعراء[8] على الأقل المجايلين له – مع هذه الثنائية حين يقفون موقف المتمرد والذي يعلن عن تبرمه وسخطه بل وعصيانه ، إلا انه مما يجب لفت النظر إليه هو أسبقية الصائغ  في تقديم مثل هذه الرؤيا في الشعر الحديث ، التي يمكن أن يقال عنها إنها جسورة في التعامل ، مع انه كان يحاول أن يغلف تمرده على هذه الثنائية ، حتى وهو يتحصن خلف الأفيون التي أثمله وافقده الوعي ، وان ما يقوله نوع من الهذيان ؛ ليعلل تعرضه  لتابو( محرم ) محظور بشدة التقرب منه ، فيقدم لنا ثورته وسط فوضى الأسئلة الموجعة ومدارات مغلقة من الإجابات المشتتة المنفلتة من نطاق الفكر نفسه ، فنراه يستهل القصيدة بالضياع وسرعان ما سيعزو هذا الضياع إلى الإله ، بينما يقرن سبب العجز والصمت إلى الشيطان ، فيشركهما في جريمة تشويه وتدمير إنسانية أهل المدينة والعابرون  .

في أي مدينة أنا

أيها العابرون ، أين نحن ؟

لو كان هذا بلدي عرفني أهلي

لو كانت هذه مدينتي وجدت على الرابية منزلي

لست في حينا ..

أيها العابرون لست منكم

العابرون صمّ . أهل المدينة من حجر

قطعوا آذانهم ، وشيطان استل من فمهم ألسنتهم .

أيّ إلهٍ طردكم من الجنة ؟   قصائد ، 451. [9] في هذا المجتزأ من القصيدة الخالي من الحركات الإعرابية  تقريبا ، في حين اعتاد الصائغ أن يحتفل بالحركات للحد الذي يتصرف بها أحيانا ليضيء الرؤيا في النص ، والفراغات المتروكة بين العبارات لتعبر عن الصمت والسكون ، وربما الدهشة ، ليقدم لنا هذه المدينة الغريبة التي تشبه مدن ألف ليلة وليلة المسحورة ، وقد تجمد فيها الزمان وتوقفت الحياة في أمكنتها ، فهي ساكنة تماما إلى ابعد حد ويحتل السكون والصمت أجوائها ، ولم يمنح السلطة فيها إلا لأثنين امتلكا القدرة ، هما الشيطان الذي استل الألسن من الأفواه ، والإله الذي طردهم من الجنة ، كلاهما كان غاية في القسوة والظلم ، مع ملاحظة قد يكون الصائغ مع الشيطان قد وحًّد ، فرآها واحدا رغم صيغة الإبهام والتنكير التي قدمه بها ، وترك المجال للتعدد مع الإله حين تسائل أي إله طردكم ، أم أتراه كان يستجوبهم عن أي واحد من الإلهة الذي طردهم ، أتراه يستفهم ؟ عن أي إله طردكم ، قاصدا ما صنف ذلك الإله وكينونته ؟ أو كان يستنكر حين يسأل عن أي إله هذا الذي يمتلك من القوة والقسوة أن يطردهم من الجنة ، ويلقي بهم إلى يوتوبيا غريبة كهذه ، تؤدي إلى التحجر والموات ، ومع ذلك فان هذه المدينة الخيالية ظلت مرتبطة بالواقع مهما كانت غرائبيتها ؛ لذا فهي حقيقية رغم غرابة ما فيها ، ولها وجود بطريقة ما ؛ ذلك إن الذي يحصل واقعا حين يقدم الشاعر رؤيا غريبة وحسب مايرى كولردج إن (( الشاعر يخلع روحه على موضوعات العالم الخارجي ، ويفرض عليها عاطفته ووعيه وذاته ، وفي أثناء هذه العملية يبدو له كأنه يسبر أغوار هذه الموضوعات ، وكأن حقيقتها الجوهرية تتكشف له ))[10] بعد هذا يقدم تساؤلات يصح أن تقال أنها لأحد السلطتين في النص مع انه قرنه بالعبارة التي تعبر عن الإله فكأنه يقصد أن يقرنها به .

أيّ حقد سحقكم باللعنة

أيّ سوط نقش هذا الوشم على ظهوركم ؟ ( قصائد ، 451 )

لنجد انه يحاول أن ينسبها للإله فعلا ، حين نسب إليه الحقد واللعن والقسوة وجعله صاحب سوط يترك أثره على ظهورهم أثرا كالوشم ، ومرة أخرى يكون ساديا وله رغبة في إذلال عباده .

من زرع هذه الجموع في العراء ؟

من زرعها وما حصد ؟

السماء صافية أيها الجمع

صافية لا غيمة فيها

فلماذا تفتحون أفواهكم ؟

سيعتصر الجبار هذه الزرقة

وستسقط قطرات في أفواهنا ،   القصائد:454

نجد انه في هذه العبارة الأخيرة جمع ثنائية الأفعال والنتائج المتناقضة في فعل الجبار / قطرات ، وسيعتصر /ستسقط ؛ ليبين لنا تناقض ما يحدث وعبثيته ، تحت سماء صافية لا غيمة فيها ، فكأن الجموع مغيبة عن الوعي وغير قادرة على تمييز الرؤيا ، إنها رؤيا فنتازية غريبة حد الذهول ، حين يتابع وصفها بلا لسان ، وبلا أذان ، ومن ثمَّ بلا عيون ، تحت هذه السماء التي يستمطرونها بلا جدوى ، فكأنهم هم من يهذي ويهلوس ، وبالتالي عباد كهؤلاء لابد أن يعكسوا لنا إلها صامتا ، فهو إله يشبه الأتباع ؛ ليتكلم الكاهن نيابة عنه .

هكذا قال الكاهن ،

وهكذا سمعنا في المعبد ، القصائد : 454 .

فهو هنا إله صامت وعاجز ولا قرار له أو قدرة ، حين يتكلم الكاهن الذي زرع الجموع في العراء تحت سماء صافية لا غيمة فيها في انتظار غيث لن يأتي ، ويقرر بدلا عنه انه سيعتصر الزرقة ؛ لذا كان من البديهي بعد ذلك أن تكون  الرؤيا عن المسيح المصلوب بيد الأتباع  ، وقد أضحى مجرد دمية ، عاجزة عن التعبير إلا عن الألم والوحدة .

أوصدت الباب

في المساء أوصدت الباب

ونمت بلا صلاة

عند راسي مسيح معلق

صلبته أمي ..

وعلقته فوق رأسي .      القصائد :  456 .

الواقع حين تطرقتُ إلى عبارة ( أوصدت الباب ) فلأني أردت بالأساس أن اظهر العالم الذي تحصنت به الشخصية المحورية ، والتي شكلت مركز النص ، وجعلت من كل الشواغل النصية والثيمات الواردة هوامش وأجرام تدور في فلك تلك الأنا بما فيهم الإله والشيطان ، ضمن ثنائية تتضح الرؤيا عنها بمرور الوقت لندرك موقفه منها .

أوصدت الباب ،

فأنا وحدي

غرفتي ترتعش كالشتاء

وتصمت كالأبدية .

سريري تابوت مفروش

ولحافي كالشهوة .

أضاجع سريري كل يوم

أضاجعه فلا يحبل

كل يوم اقبر فيه نفسي القصائد : 456 .

لا يمكن أن تُحلل هذه القصيدة وفق أي اتجاه يختاره الناقد دون المرور مطولا على هذا المجتزأ بالذات ، والذي يعكس لنا قمة مايمكن أن يشعر به الرجل من إذلال ومهانة إزاء الشعور بالحرمان والعجز (( رؤيا لابد أن  تثير في نفس المتلقي الكثير من المشاعر ، منها التقزز ، إسقاطات المتلقي ، البكاء ، والاستهانة ، التعاطف معه  ، والاحتقار ، الانبهار بقدرته على الإبداع والخلق ، وقد يكون منها الحقد عليه ، لقد جمع السرير بكل دلالاته التي سيتطرق إليها لاحقا بالتابوت المفروش بلحاف كالشهوة ….، منتهى الوجع والخيبة حين يبدو الحرمان والانسحاق جليا وله حضوره الطاغي في هذا المشهد ، فهناك تعبير صارخ عن الرغبة يقابله الحرمان والعقم والإذلال ، إذ لم يجد غير سريره ليقبر فيه رغباته ونفسه ، بل في هذه اللحظات قبر وجوده كله بين سريره المفروش ولحافه الذي يشبه الشهوة ))[11] وبالتالي فمن الطبيعي انه نراه يعلن الاحتجاج والعصيان ، وكأنه بهذا المشهد الذي يثير النفور والاشمئزاز في نفس القارئ يحاول أن يخلق في الآن ذاته العلة لهذا التمرد من خلال غرفة باردة ترتعش وصامتة ، ومن خلال الارتعاش والصمت الذي سيتكرر مرارا في القصيدة التي غلب عليها هذا الجو من السكون إلى حد الموات أو اعتقاد الموات كما سنرى ، فهو تبرير لاستهانة الشخصية الرئيسة بكل المقدسات وإعلان العصيان ليتسامح القارئ معه في هذا الفعل ، ولكن مايثير الانتباه فعلا في هذا المشهد هو مقابلته بالتحقير رغم اضطراب المشاعر وتناقضها ، ويتدرج بنا إلى رؤيا عن المعبود أراد لها أن تكون معبرة عن حالة الثمالة والهذيان التي يمر بها ، فنبذُ الصلاة في حالة يأس وامتهان لذات محرومة تمر بأقسى حالات السحق الإنساني والامتهان نتيجة لشعورها بالفشل والخيبة ، ليس إلا خطيئة صغيرة في سلسلة خطايا سيقوم بها ، ليصل إلى الحد الذي يتعرض لمأساة صلب (المسيح ) ( عليه الصلاة والسلام ) حسب المعتقد المسيحي على وفق معادلة قلبها لنا بطريقة تقترب من السخرية والاستهزاء ، في عبارة ( عند راسي مسيح معلق ) ، ثم يردف وكأنه يبين لنا لِمَ هو معلق ، حين يقول (صلبته أمي ) ، أما كان ينبغي أن يقول مسيح مصلوب علقته أمي؟ لِمَ قال (صلبته أمي وعلقته) ؟ بعد أن أنهت عملية الصلب الذي جاء بصيغة الفعل الماضي ، ثم التعليق فوق رأسي قصدَ أن يكون حرزا ورمزا دينيا دالا على الاعتقاد الراسخ واليقين ، وان دلَّ بهذه الرؤيا على العكس تماما ، وكأنه هنا يريد أن يقلب المعادلة السابقة عن سادية الإله إلى سادية الأتباع ، لتتقابل مع طغيان الأتباع على الإله المعبود وتتوازى معها ، رغم محبتهم وصدق إيمانهم به ، ولكن مما يجب التنويه إليه هنا موقف الأم من ( المسيح عليه السلام ) ، لان هذا الموقف والوصف سيتكرر مرة أخرى في القصيدة – وحتى لا أعجل على القارئ الرؤيا وأشتتها عليه سأطلب أن يمهلني رويدا – حتى نصل إلى مجتزأ آخر من النص لنعرف موقفه من هذا المسيح بالذات والذي جاء وفق رؤيا غريبة فعلا حين يقول عنه واصفا .

عيناه باردتان كالوحدة

وفمه مطبق كالألم . القصائد :  457

عيناه باردتان كالوحدة ؟ أرأى عينيه محايدتين رغم الصلب والتعليق ، ليكون بين الموت والتعلق بأذيال القداسة من قبل والدته ( وهي رمز للأتباع ) ، وفماً مطبقا كالألم؟! فيجمع الوحدة والموت والألم ، أي وصف هذا ؟ ليكون رمزا  للخذلان ، ولماذا الوحدة والبرود ولماذا الصمت مع الألم ؟! أكان يراه من أهل المدينة ؟ بلا لسان ولا أذان ، أوكان يراه شريكا في غرفته الباردة الصامتة ، وشاهدا على حرمانه وخطاياه وسريره ، أكان يراه وحيدا مخذولا ، من هذا المسيح الذي يتحدث معه ؟ لنجد بعد ذلك تساؤلا منشدها يحمل رائحة التشفي والشماتة أكثر مما يحمل من التعاطف والحزن على مأساة ابن الإنسان ( عيسى بن مريم ) (عليهما الصلاة والسلام ) .

من صلبك أيها المسيح ؟

من صلبك تكلم !    القصائد :    456 .

وهو حين عرض لنا هذا الاستفهام عمن صلبه ، فانه في الأصل سبق وان ذكر أن والدته هي من قام بهذه الفعلة القاسية ، كان يطلب منه أن يتكلم وهو يدرك تماما انه لن يرد ، فكأنه بـ ( تكلم ) هذه ، يعبر عن موقف يحتمل التأويل بين التعاطف والشماتة ، ولكن ما يظهر انه كان يريد أن يعلن عن تشفيه بإله عاجز عن الرد ، ولو رجعنا إلى مرجعيات الصائغ في موقف آخر ، حين نرجع إلى سيرته الذاتية التي أضاءت إلى حد ما موقفه من الإله ، حين يراه صامتا فيعلن شكه وتمرده عليه من خلال طرح الأسئلة المحتجة والمتشككة (( لم يمت الطبيب ، وانقضى الموعد .. وما مات .. ، ولقد تطلعت من مكاني إلى الله نيابة عن باستور العظيم ))[12] في هذا المجتزأ من سيرته الذاتية نرى انه يصف ( باستور ) بالعظيم بينما ينظر لله متشككا (( وسألته كما سأسأله في الأيام التالية ، لماذا ؟، فأجاب باستور لان الميكروبات التي ابتلعها الطبيب كانت ميتة .. أما الله سبحانه فقد ظل صامتا ))[13] لقد قدم الله رغم ( سبحانه) عاجزا أو ممتنعا عن الرد ، كان يدعي انه يجد الإجابات عند الآخرين ، وان الإله لم يعطه مايبتغي من الإجابات ،  لنجد أن الصائغ قدم لنا الشياطين هنا قادرة على الإجابة عن الدهشة والتساؤل .

الباب موصدة أيتها الشياطين ، كيف خرجت ، وكيف عدت إلى مكاني . القصائد : 459   .

فهم مستشاري شرور وغواية ، بل ومصدر معرفة أكثر مما يرى الإله نفسه بهذه الرؤيا ، فيتابع تساؤلاته جادا في طلب الإجابة .

جارتنا تصفر لي عند الباب ، أيتها الشياطين هل افتح لها ؟   القصائد :    462 .

وعلى الرغم من هذا فان من الغريب انه حين يطلب القدرة والتمكن لا يلجأ إلى الإله أو الشياطين ، بل إلى السحر ليخرجهما معا من دائرة التمكن والطول .

أما من هندي يعلّمني السحر ، فأسحر جارتي ؟ لترقص معي ، ابتلعت ألف لحن ، وعروقي مشدودة كالأوتار . القصائد :    461 .

ولكنه مرة أخرى يجمع الإله مع الشياطين في محاورة الساحرة العجوز مع الصبية ، التي تلتجئ إليها من اجل عودة حبيبها ، ففي هذا المشهد  محاورة غريبة ، تتجلى ضمن ثنائية الإله /الشيطان ، فكيف حصل أن تجمّع في فكر الصبية / العجوز على حد سواء الشيطان العزيز الغالي للحد الذي تقسم به الصبية على العجوز ، ثم اشتراكهما باليقين بقدرة الله سبحانه من خلال التأمل بمشيئة الله وقدرته عز وجل  .

الأبيض لن يكون اسود ، والحليب لا ينقلب إلى ماء قولي ” انشالله ” يا صبية .

” انشالله يا جدتي ” انشالله ” هل سأشبع ؟ أيمتلئ قدري بالمرق

ابيض ، ابيض لن يسود ، والأسود لا يغسله الصابون .

شدت شفتيك العافية ، ياجدتي … ” انشالله ” ألف ” انشالله ” العجوز نفثت في سرّتي . سأتزوج ، ولن أكون عانسا .  القصائد :    465 .

هنا ستتتغلب الحيرة والتساؤل ماذا كان يريد أن يقول ؟ انه يدفعنا هنا وهناك بين الإله والشيطان ، أيجوز أن يجعلهما في حالة توازي ، هذا أمر قد يكون فيه من شاعرية التمرد والعصيان – ان صحت شاعريتهما-  مايجعلنا نغض الطرف قليلا ، ولكن بشاعرية العصيان والتمرد نفسها سنثور على هذه الفكرة ، فالإله والشيطان ليسا متوازيان كما قدمهما الشاعر ، علينا إذن أن نوجه موشور البحث في اتجاه آخر .

انعكاس الذات

في مرايا  الإله  /  الشيطان .

شكلت ثنائية الإله / الشيطان في نص ( شمة أفيون ) شاغلا نصيا له وجود طاغٍ ومحوري إلى ابعد حد ، لنرى ان الموقف منه يتغير بتغيير الموقف من الذات نفسها ، فهو انعكاس لضعفها أو جبروتها وأحيانا يكون لهامشيتها أو سطوتها ، وهنا نصل إلى أن الشاعر كان يقارن هذه الثنائية بذاته هو ، فهو يرى نفسه أحيانا إلها وأخرى شيطانا ، أتراها مغامرة من باحث يحاول أن يلج النقد من باب الفرح ، حين يقارن ثنائية الإله /الشيطان بالذات في نص القصيدة ، أم ان المنهج له حضوره ؟ فهو لابد سيكون راعٍ هذه الدراسة ، حسنا هل سأترك مجالا لأن أُدخل المنهج  في سماء أم هذه ؟ لأدعي ان المنهج يملك الأدلة لهذه المقارنة ، لأكرر بطريقة تثير الشفقة (( يمكن لعنصرين ان يتعايشيا في الشخصية نفسها ، ويمكن الإمساك بهما في اللحظة نفسها ، وإذا وجهت الموشور إلى الجهة أخرى أصبح إنسانا آخر ))[14] وسنرى ونحن نتمترس بالمنهج والاستشهادات كيف أننا سنعلل الفوضى العارمة في النص ، ونحاول من جديد أن نرتبها ، حين نراه يقدم لنا أفكارا مختلفة لنخمن إنها صفة غالبة في النص ونعلل من جديد هذه الفوضى ، نحن نردد مقولة الناقد ( رعد فاضل ) بانبهار ((  ما معنى أن نفكر ونكتب نتذكر نستشرف ، وحولنا فوضى مكان لازالت تتأتى على الترتيب ، وفي جيوبنا مازال الآخر من الكلام مسكوتا عنه وضربا من اخطر ضروب الإسرار……….إن للإبداع إمكانيات ومهام أخر ومن أهم هذه الإمكانيات أن الإبداعي سيظل يفضح التاريخ بامتياز ، مثلما يبدو أن تكون شاعرا ( حصرا ) بهذا المعنى أن تكون نماما وفضاحا ، فضوليا ونباشا ومتشرفا .. أي أن تظل اعزل وغير قادر على تغيير العالم ، وهذا من زاوية أخرى لأعظم من أن تحوز قدرة التغيير تلك ، فتكون عندها رأسا من رؤوس فوضى العالم ))[15] أهذا ما كان يريده ؟! أن يكون رأسا من رؤوس الفوضى ؟ ، إله وشيطان ؟ أتراني بحاجة لمقولة أخرى لمداهنة القارئ وخداعه بالمنهج المقدس ، وأقنعه بما لا يقبل الشك أن  لابد من علاقة بين تلك الأفكار ؛ فـ( فرويد ) يؤكد انه (( لابد من علاقة بين أي فكرتين تلي إحداهما الأخرى سواء أكانت تلك العلاقة ظاهرة أم غير ظاهرة ، فالعقل لا يستطيع أن يغير الموضوع حينما يشاء من غير إشارة إلى ماضيه القريب. فالذكريات أفكار مرتبطة وحتى في التفكير المتعمد تكون الروابط لا شعورية فيفيض التيار العصبي من غير تفكير في المسالك العصبية ولا يستثير شرارة الشعور إلا عندما يقفز من طرف لآخر))[16] ، والواقع انه كان هناك الكثير من الاستشهادات ولكنها كانت ستحطم حلم النقد واللحظة السعيدة تحت سماء أم المنخفضة ؛ لذا لم اذكرها ، لقد كان هو الإله وكان هو الشيطان نفسه ، كان ( الصائغ ) في تقديمه في رؤاه لهذه الثنائية من خلال هذا الرمز بالذات يمارس الإسقاط[17]، ولنكمل  المحاولة ونقترب الآن من مشهد آخر عرضه لنا ألا وهو مشهد المرآة ، ولو شئنا أن نتوصل إلى ما يمكن أن ندعوه ذروة الرؤيا الشعرية في قصيدة ( شمة أفيون ) فان هذا المشهد بالذات هو ما يعبر عنها ، وسيكون هو الانعطافة الحقيقة في كل أحداث القصيدة بعد ذلك ، ليقدم لنا حالة أخرى في هذا المشهد ، الذي كان انعكاساً لذاته داخل المرآة التي رآها رحم استوعبه ، فهو سجن رغب بشدة في التخلص منه إلى الحد الذي رغب بتحطيمه وتهشيمه ، مع شعوره بان ما يفعله جريمة .

تلفت فما وجدت أحدا ، حتى نفسي ابتلعتها الوحدة ، وبصقتها على الجدران فلونها وسخ .

لم يجد أحدا في الغرفة ؟ لقد كان هناك المسيح المصلوب فوق سريره والذي استنطقه من قبل فلم يرد ، لتكرر عملية الصلب مرة أخرى في هذا الحيز الصغير لنجد أن هناك صليب ومصلوب ، إلا وهي المرآة التي كانت تحمل دلالة كبرى قدمها لنا الشاعر .

الهوامش

[1] دلالة الشكل دراسة في استطيقا الشكل وقراءة في كتاب الفن ، د.عادل مصطفى ، دار النهضة العربية ، بيروت ، لبنان  ، ط1 ،2001 ، هامش ص91 .

[2] عن الشاعر والقصيدة ، الإطلال من النافذة ، ماجد السامرائي ، آفاق عربية ،ع8 ، س1ذ7، 1992 ، ص118 . .

[3] دلالة الشكل ، د.عادل مصطفى ، ص61 .

[4] في النصية والبيان ومحنة المعنى، رجاء بن سلامة، فصول، ع4،  1997،  ص302.

[5] للمزيد ينظر الرحمن والشيطان الثنوية الكوني ولاهوت التاريخ في الديانات المشرقية ، فراس السواح ، منشورات دار علاء الدين ، سوريا ، دمشق ، ط3 ، 2004 .

[6] المرآة والنافذة ، بشرى موسى صالح ،دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1، 2001 ، ص149و موقع ألف ياء Alefyaa الالكتروني ، لقاء مع  الشاعر يوسف الصائغ :، د. حسين سرمك حسن ، لا أحب شعر أدونيس ، وهو الذي غير عنوان قصيدتي  ، حسين سرمك حسن ، بغداد ، 04/12/2005 .

[7] الرؤيا الإبداعية مجموعة مقالات ، اشرف على جمعها هاسكل بلوك ، هيرمان سالنجر ، ت اسعد حليم ، مراجعة محمد مندور ، مكتبة نهضة مصر ، القاهرة ، 1967 ، سلسلة الإلف كتاب ، مقالة الفن والمجتمع ، توماس مان ، ص164 .

[8] كان منبع الشعر العربي بالأساس يعتمد على تعاطي الشاعر مع شيطان الشعر ، ولكن حين تعامل مع ثيمة  الإله  والشيطان في الشعر برز  نوع من التمرد ، وكان هناك تمرد  من فبل الشعراء في التعاطي مع هذه الثنائية في مرحلة مبكرة من الفكر والإبداع البشري ، فلقد  شتم امرئ القيس صَنَم ذا الخَلَصة بأقذع الشتائم وهو إلهه عندما استشاره ولم يمحضه النصح  قال مخاطباً: (( ……. ، لو كان أبوك هو القتيل… ما عُقْتَني )) . الاغاني ، ابو فرج الاصبهاني ، تحقيق سمير جابر ، دار الفكر ، بيروت ، ط2 ، 9 /111 .

ثم بشار بن برد الذي فضل معدن الشيطان على الإنسان حين قال .

إبليسُ أفضلُ من أبيكم آدم          فتبينوا يا معشر الفجار

النارُ عنصره وآدم طينة           والطين لا يسمو سمو النارِ

الأرضُ مظلمةٌ والنارُ مشرقةٌ       والنارُ معبودةٌ مذ كانت النار   .  البيان والتبين ،ابوعثمان عمر بن بحر الجاحظ ، تحقيق المحامي فوزي بشار عطوني ، دار صعب ، بيروت ، ط1 ، 1968 ، 1/ 24 .

ومن ثم المعاصرين المعاصرين الذين امتاز شعرهم بالتعرض إلى هذا التابو بشدة ومقابلته بمواقف غريبة تحتاج إلى ان يلتفت إليها النقاد ، ولنبدأ بنزار الذي ذكر الله كثيرا بسخط واحتجاج مرات عديدة ، وهاهو يقول  (( من بعد موت الله مشنوقاً , على باب المدينة , لم تبق للصلوات قيمة , لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة ) الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني ) نزار قباني ـ الأعمال الشعرية الكاملة ـ ج1 ،  منشورات نزار قباني ، طبعة 12 ،  بيروت ، 1983 ، ج3/342 .

أو أمل دنقل في الكثير من قصائده ونراه يمجد الشيطان في مستهل قصيدته كلمات سبارتكوس الاخيرة ((  المجد للشيطان .. معبود الرياح  ،  من قال ” لا ” في وجه من قالوا ” نعم ” ، من علّم الإنسان تمزيق العدم ، من قال ” لا ” .. فلم يمت  ، وظلّ روحا أبديّة الألم  )) !  البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” ، أمل دنقل ،  بيروت ، 1969 .

وكذلك نجد  مثل هذا الموقف في شعر ! محمود درويش. ، سميح القاسم ، صلاح عبد الصبور.  ، احمد مطر.وغيرهم من الشعراء المعاصرين ، والواقع ان هذه الثنائية بحاجة ماسة للدراسة التفصيلية والمتمعنة  ، إذ انها تعبر عن موقف انفعالي أدى إلى مثل هذا التعامل ، ومن ثمَّ تقدم لنا رؤيا  هؤلاء الشعراء لهذه الثنائية الخطيرة  ، وهي رؤيا غير منفصلة رغم تمردها حد الشذوذ عن المجتمع الذي انتمى له هؤلاء الشعراء .

[9] قصائد ، يوسف الصائغ ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 1992 .

[10] كولردج ، د. محمد مصطفى بدوي ، دار المعارف بمصر ، سلسلة نوابغ الفكر الغربي ، 1958، ص85.

[11] شمة أفيون القصيدة الخضراء ، سليمة سلطان نور ، جريدة الأديب ، ع140 ، س4 ، الأربعاء 31  /1 / 2007 .

[12] الاعتراف الأخير لمالك بن الريب ، سيرة ذاتية ، الجزء الثاني ،  يوسف الصائغ ، دار الحرية للطباعة ، بغداد ، 1990 ، ص 133 .

[13] الاعتراف الأخير لمالك بن الريب ، يوسف الصائغ ، 2/ 133 .

[14] صناعة المسرحية ، ستيوارت كريفس ، ترجمة عبد الله معتصم ، دار المأمون ، بغداد ، 1986 ، ص108.

[15] مقالة حداثة  الثقافة ، وسلطة الفوضى ، الشاعر وفوضى المكان ، رعد فاضل ، الأديب ، العراق ، ع4 ، 1/7/2004

[16] العزف على وتر النص عزف على وتر النص الشعري – دراسة في تحليل النصوص الأدبية الشعرية ، .عمر محمد الطالب دراسة- من منشورات اتحاد الكتّأب العرب دمشق ،  2000، ص30 ، نقلا عن كيف يعمل العقل ، سيغموند  فرويد ، ص54

[17] وتسمى نظرية يونك في الإبداع بالإسقاط Projection theory وتعنى ” العملية النفسية التي يُحوِّل بها الفنان تلك المشاهد الغريبة التي تطلع عليه من أعماقه اللاشعورية إلى موضوعات خارجية يمكن ان يتأملها الآخرون ” للمزيد ينظر  الإبداع في الفن ، قاسم حسين صالح ، سلسلة دراسات 286 ،  منشورات وزارة الثقافة والإعلام ، العراق ، دار الرشيد للنشر ، 1981 ، ص20 .

3 تعليقات

  1. نور ماجد الكرعاوي

    استاذتي العزيزه انت متالقة دوما كلمات راقية واحساس سامي

  2. انت ساحره ومضيئه مثل طفلة تدرك قيمة الضوء في عينيها

  3. اولا انت مميزيه ياجل الثلج بكل لمعانه صافيه كصفاء الثلج انت روعه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *