حمزة اللامي : بيت للإيجار

بيت جديد جداً .. من غرفتين فاخرتين وصالة ودار استقبال ومطبخ وحمامات فارهة مع حديقة كبيرة .. هذا هو نص الإعلان الذي أذعته في المحطة التي اعمل بها وذكرت في مؤخرة الإعلان رقم هاتفي المبارك .. وما هي إلا دقائق حتى انهالت علي الاتصالات،، الكل يرغب ببيتي الحبيب .. وسحبت كرسيي الهزاز وجلست ،، وبدأت أرد على الاتصالات وأنا اشعر بالزهو والنصر ..
الكل بحاجتي ..
ما أسعدني .. ومن مثلي
وبدأت أتلقى الاتصالات،، فهز طبلة اذني من بين الاتصالات صوت أنثوي رخييييم !!
انه صوت امرأة!
عدلت جلستي ..
يبدو من صوتها أنها بعنفوان الشباب .. فقالت لي .. إني بحاجة لهذا البيت أرجوك فأنا أرملة ووحدانية أرجوك امنحه لي، وبكت
وكان بكائها يفتت الأكباد ..
ولا أخفيكم سراً عندما سمعت أنها أرملة ووحدانية رفعت حاجباي فرحاً وسروراً.. وقلت لها على الفور انه لك وسوف ارمي الشريحة بالقمامة .. لا جل عينيك الجميلتين .. مع العلم إني لا اعلم هل لها عينين ام انها بصيرة!
وحددنا يوم غد لأجل المقابلة
وأغلقت الخط .. وتنفست الصعداء .. وشبكت أصابعي خلف رأسي
الحمد لله يا ربي .. هذا ما كنت ابحث عنه .. آه ه ه …. أرملة ووحدانية
وقفزت من كرسيي قاصدا احد أصدقائي تخرج قبل يومين من إحدى الدورات لتعليم فن الحلاقة .. وطلبت منه ترتيبي وتشييكي للقاء هام ومصيري
فقال لي انه مستبشر خيراً بالأمر لأني أول شخص سيبدأ معه عمله
فتوكلت على الله .. وجلست على شيء أشبه بالبرميل الصغير مغطى بخرقة صفراء منقطة بالأزرق
وشرع صاحبنا بعمله بهمة وهو يردد أغنية ريفية قديمة .. مستخدما أدوات كثيرة من بينها المشارط والمباضع والملاقط وحتى السكاكين والملاعق ومقص الحدائق .. فقلت له نسيت أن تجلب (الكوسرة) للتنعيم!!
فأغضبه قولي ..
وبعد أربع ساعات أعلن عن الانتهاء من حلاقتي وقرب مني المرآة
وصرخت !!
يا ربي .. من هذا!!!
فرمقني بنظرة خفيفة وتابع ترتيب أدواته وقال هذا حمزة الجديد
فقلت بعد الثورة؟؟
قال لا بعد التعديل .. واُقسم لك اني اتبعت معك أذكى الأساليب واستخدمت أدهى القصات، لتكون بهذه الأناقة!
فقلت له ويحك!!
أي أناقة هذه؟؟ وأنت حلقت شعر رأسي وحاجبي وشاربي!!
فأي موضات وأي قصات اتبعت وأنت جعلتني أصلع!
فقال ..
ما بك؟
الا تبصر مونديال أفريقيا؟  أترى كيف النجوم حليقي الرأس؟ ها
الا ترى مذيع الجزيرة الرياضي كيف هو؟
الشعر يا سيدي أصبح وساخة وكلام فارغ ومضيعة للوقت ..
فقلت له جيد إن كانت الأمور هكذا ..
وقبل خروجي قلت اووووو شعر صدري .. انه وساخة وكلام فارغ .. هيا اتمم عملك
وخرجت من عنده بعد سبع ساعات .. وقبل خروجي قال أدنو مني فقلت لمَ .. فقال أدنو وحسب ،، فصرت بقربه، فمد يده بجيبه وانتشل ختماً وركزه بأم رأسي! وقال هذا ختمي الجديد .. انت الان مختوم
فقلت له .. تباً لك أو تحسبني نسخة أصيلة؟
خرجت من عنده .. وختمه برأسي .. ولازلت أعاني من آثاره إلى يومنا هذا
ورحت ابحث عن محل يبيع الأزياء الرجالية
ووجدته ..
فأخبرت الرجل عن نيتي بابتياع ملابس شبابية، تجعلني أكثر حيوية ونظارة وجاذبية
فقال الرجل ..
عليك بالبنطلون البنفسجي .. والجاكت الأخضر .. والقميص البمبي .. إنهما صرخة الموسم والفتيات يذبن عشقاً وغراماً بهذه الألوان الزاهية التي تفتح القلب والنفس
فقلت له .. هات لأرى
فأعجبني .. فقلت له .. على بركة الله
اقتنيتهما عن طيب خاطر ..
وركضت نحو المكوى ..
فكويت الملابس ،، وعدت لداري
واستلقيت على سرير مغمض العينين وقد استسلمت لاسترخاء تأملي ،، ورحت أعيد بخيالي تلك المكالمة لمرات ومرات ،، يبدو أنها أعجبتني! بل قل أني أحببتها بل لك أن تقول أني عشقتها بل لاغرو من أن تقول أني مغرم بها بل متيم بها وبصوتها العذب!

وفي الصباح التقيتها وكانت كالبدر، رقة ومشاعر وأحاسيس جميلة
يا لله ما أسعدني ..
وسلمتها مفتاح الدار ،، بل قل سلمتها مفتاح قلبي .. وعلى ما يبدو انها أعجبت بملابسي الجديدة وخصوصا بالزهرة الكبيرة التي غطت نصف صدري .. وانتهت المقابلة وقالت انها ستجلب أشيائها للدار يوم غد .. ولا أخفيكم أعزائي .. في الغد نهضت باكر حتى أساعدها بنقل أشيائها
وذهبت ..
ومن بعيد أبصرت جمهرة غفيرة على باب داري
ما هذا يا ربي!!!
حريق ام زلزال؟؟
وركضت ..
وكادت شاحنة تطحنني !!
وإذا رجال ونساء وأطفال غصت الدار بهم .. فأبصرت صاحبتنا من بين الحشد،، ووصلت لها بشق الأنفس وقلت لها ماذا هناك؟
مظاهرة ام مهرجان؟
فقالت ليس هنالك داعي للقلق هذه بعض عائلتي .. جئنا بالباص الأول أما الباصين الآخرين فهما على الأثر ،، وغادرتني ولم تحفل بي أدنى حفول!
يا ربي .. أيعقل هذا؟؟
ودخلت ..
وإذا بكومة أطفال منهمكين بأكل الزهور والرياحين وآخرين مشغولين بحفر الحديقة بالمعاول فطلبت منهم التوقف فأجابوني أنهم ينوون حفر بئر ارتوازية لئلا يموت الزرع إذا انقطع عنه الماء
أدرت وجهي نحو المدخل فرأيت امرأة طاعنة بالسن قد تجمع حولها صبية نصف عراة وهي مشغولة بغسل مؤخراتهم الكريمة
وهرولت إلى الداخل .. فرأيت العجب!
زهاه عشرين طفل بدءوا برفع القرميد عن الجدار ليتأكدوا من خلو البيت من الأرضة .. وآخرين منهمكون برفع البلاط بحثاً عن الدود أو النمل ليطعموا صغار الحمام
فطار عقلي !!
فدخلت الغرفة ،، فرأيت شباب بأيديهم فؤوس كبيرة وهم ينهالون على الجدار ضربا وتكسيرا فحاولت أحول بينهم وبين بقية الجدار، فقالوا لا تتعب نفسك، نروم إيجاد فتحة في الغرفة ليكون المرور للغرفة الأخرى أسرع يعني اختزال للوقت.. فالعالم هذه الأيام قائم على السرعة الا تطالع الأخبار؟ ،، وابتعدوا عني وواصلوا عملهم
ودخلت المطبخ .. وإذا برجال بأيديهم مطارق فولاذية وقد انهالوا على السقف فترجيتهم ان يتخلوا عن أفكارهم الهدامة ،، فقالوا لا تخشى على دارك نحن نفتح فتحة بالسقف حتى لا يتجمع الدخان في المطبخ فنحن ممن لا يروق لهما الدخان والروائح .. وواصلوا مهمتهم
فأدرت وجهي بأرجاء البيت
يا ربي ما هذا .. حقيقة ام زيف؟؟
دخلت الصالة وإذا مجموعة من المسنين يلعبون الدومينو وآخرون مشغولون بالتصفيق والتشجيع والصفير،، بينما اكتفى آخرون بالتدخين ونفث الدخان على بعضهم البعض .. كما رأيت نسوة ما انفكوا يحطمون السلم بحجة انه يستهلك مساحة من مكان البيت وعليهم استبداله بسلم خشبي متحرك يوضع متى أرادوا الصعود
فوقف شعر رأسي من هذا الخطب ..
ياربي .. أيعقل أن تكون كاميرة خفية!
لالا أية كاميرة وأية خفية
وركضت نحو السلم ..
لا تفقد السطح فرأيت فريق من الفتيان والفتيات يتبادلون القبل وهم مغمضين العين خلف خزانات الماء .. يا الهي ما كل هذا .. وقسماً بلحيتك .. لو كان لي بعض الوقت لجلست لأرى تلك القبلات الساخنة ولكني كما تعلمون واقع بمصيبة!
وحمد لله تذكرت صديقاً لي، يعمل في سلك مكافحة الشغب لي عليه دالة
اتصلت به .. وأخبرته بأمري
وجاء .. ومعهُ فريقه
وبعد جهد جهيد أخرجناهم من الدار .. ربك محمود .. فهو رفيق بعباده
ولك عزيزي تسألني كيف أخرجناهم؟
أقول لك ..
استخدمت قوات مكافحة الشغب معهم خراطيم الماء الساخن والهراوات والغازات المسيلة للدموع والقنابل الصوتية والعيارات المطاطية والعض والنهش والقرص والبصق!
وكم حمدت ربي .. لأني أردت أن اتصل بعمي في سلاح الجو!! ليقصف الدار برمته ليريحنا منهم
وألان أيها القراء وبعد كل الذي حدث، أعلن لكم عن وجود .. بيت جديد جداً .. من غرفتين فاخرتين وصالة ودار استقبال ومطبخ وحمامات فارهة مع حديقة كبيرة .. ملاحظة الإعلان مخصص للأرامل والوحدانيات فقط.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : أنا وعصفوري .

أدرك أن الدنيا تتلاعب بنا نحن الغشيمين الذين لا يتقنون اللعب، نحن نتقن فن الدعاء …

| سعيد الوائلي : شياطين الغواية ومتعة ارتعاش الجسد ومخاض النبوءات .

الشهقة في الكتابة موال لا ينتهي ، هبة الملاك الغافي على كفّ عفريت ينوء بحمل …

تعليق واحد

  1. روضه النجم

    يالغالي خيرا تعمل شرا تلقى هذا المثل طبق عليك اتمنالك كل السعاده فعلا كلام جميل ونهايه صعبه اشكرك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.