حسين سرمك حسن:في أمسيته الأخيرة بدمشق :

(( نصير شمّة … روح الله في أنامل مخلوقه ))

nser_shma
نصير شمة

عندما كنا صغارا كنا غير قادرين على استيعاب ما نقرأه في كتاب المطالعة والنصوص الأدبية خلال hussein_sarmakمرحلة الدراسة الابتدائية عن الفارابي الذي دخل مجلس الخليفة وجمع أعواده وضربها فضحك كل من في المجلس ، ثم جمعها وضربها ثانية فبكى كل من في المجلس ، وأخيرا جمعها وضربها فنام كل من في المجلس ، وتركهم نائمين وخرج !! . في مساء يوم السابع والعشرين من هذا الشهر ( نيسان ) وعلى قاعة دار الأسد للثقافة والفنون بدمشق الجميلة ، أثبت الموسيقار العراقي – والعربي والعالمي أيضا وبلا تردد – ” نصير شمة ” ما كان عصيا على الإثبات أو التخيل أو المرادفة الواقعية . لم يُضحك نصير الجمهور الحاضر الذي غصت به القاعة فهذا ليس من صلب مشروعه الموسيقي الجاد بأبعاده الجمالية والتهذيبية والتربوية للذائقة الموسيقية لدى المواطن العربي . لكنه أطرب الجمهور – على مدى ساعتين – ومنحه فرصة نادرة للإسترخاء والإصغاء لدقات القلب الجريح في صدر المواطن العربي المنهك والمتعب والذي تلاحقه الخيبات والخسائر حتى لم يبق لديه متسع للحب أو لتأمل الجمال ولإدراك ( أن للقلوب إقبالا وإدبارا فأتوا قلوبكم من حيث إقبالها لأن القلب إذا أكره عمى ) كما قال الرسول ( ص ) . قدّم نصير ، وضمن مشروعه المهم ( حوار مع الكبار ) الذي سمعنا منه في السنوات الماضية مؤلفات تحاورية خلاقة مع الموسيقارين : محمد القصبجي وزكريا أحمد وغيرهما ؛ قدم في دمشق حوارا مع شيخ الملحنين اللبنانيين : ( فيلمون وهبة ) وذلك من خلال استعادة أغانيه التي لحنها وشدا بها صوت فيروز ووديع الصافي : عزف نصير كتبنا وماكتبنا ، ياداره دوري بينا ، من عز النوم ، يامرسال المراسيل ، بتروحلك مشوار ، حلوة وكذابي … وغيرها وفاء لمن رسخ ركائز المقامات التي تكشف نبض الوجدان العربي من بيات وسيكاه ورست ، وذلك في محاورة استرجاعية ليست آلية التكرار تضيع فيها شخصية نصير ، ولكن في حوار ندّي وبأسلوبية جعلتنا نشاهد فيروز أحيانا وهي تقف خلف نصير وتهمس في أذنه بأنها تشعر وكأنها سبق لها أن سمعت هذه الأغاني !! .   ولو سجل نصير هذه الأغاني كما عزفها لصارت تراثا موازيا لنسختها وهي بصوت فيروز العظيمة . ثم جمع نصير أوتار عوده ، وهي أوتار روحه،وضربها فأطرب الحاضرين في معزوفة ( جدارية الحياة ) التي قدمها مع ثلاثة من طلابه السوريين النابغين الذي تدربوا على فن العود على يديه في القاهرة دراسة في ” بيت العود ” التابع لدار الأوبرا المصرية والذي يشرف عليه نصير . رسم نصير للشباب الرائعين الثلاثة ( نمير ووسام وكنان ) أدوارهم في المعزوفة ليقدموا – والأصح يترجموا بمستويات عزفية منوعة – الأجزاء الخاصة بهم والتكميلية لما يقوم به . لكن المشكلة بالنسبة لنا كمتلقين كانت تتمثل في ” ضربات ” نصير على عوده التي كلما تصاعدت طغت على كل شيء . تقول الحكمة القديمة : عندما يجهز التلميذ يظهر أستاذه . ومع الشباب المبدعين الثلاثة ، انتقل الطرب إلى مرحلة النشوة وتململ الروح المحتبسة التي لولا القيود الرسمية والاجتماعية في القاعة لانفلتت ورقصت ، وذلك حين قدم نصير مقطوعة : ” إشراق ” التي قال عنها الشاب الذي يجلس خلفي في القاعة : هذه مشية حبيبتي . ولم يكن أحد يتصور شيئا غير كمال الأنوثة المنطلق ببهائه تزفه حشود من الطيور والأزهار والأدعية والآهات والرغبات الحبيسة والقلوب المتيمة ، رغم أن آخرين فسروها كنفحة أمل مشرق في جسد حياة ذابل . وهنا تتمثل عظمة الموسيقى كأعظم الفنون في تاريخ البشرية . ففوق بعدها التجريدي الذي لا يتوفر في أي فن آخر ، نجد الفسحة التأويلية النابعة من إسقاط المشاعر البشرية الفردية على التشكيلة الصوتية الباهرة . تكررت هذه المشاعر المحلقة ” شبه الصوفية ” المتوحدة بالجمال المطلق في المقطوعة التي قدمها نصير مع عازف العود السوري القدير : ” حسين سمسم ” . صحيح أنه كان هناك تكامل بين الجانبين ضمن الإطار الكلي لتنفيذ العمل ، لكن كانت هناك في الوقت نفسه منافسة حيية ومشروعة في الأداء العزفي . كانت جذور أوتار عود نصير مرتبطة بقلبه و ” يدوزنها ” على ضرباته وانفعالات روحه الملتهبة ، شعاره : “أعزف لكي لا أموت” مأخوذا من عبارة “سيمون دي بوفوار” الشهيرة : أكتب لكي لا أموت . وفي مقطوعتيه : ” على جناح فراشة ” و ” بنفسج الأنامل ” كاد نصير أن يفعلها مثل الفارابي ، فقد كان يمسد على رأس صحوتنا المتوترة بأنامله الرقيقة مستدرجا إيانا نحو مخابيء جمال حركة الطبيعة والجسد غير المكتشفة .. حتى أوشكنا أن ننزلق وبهدوء آسر في أحضان حالة من التوحد لا يشعر بها الحاضر بصاحبه ولا بمؤثرات القاعة من ضوء وحركة ومتغيرات .. حتى إيقاع التنفس كان يُسمع .. ولو أوغل نصير قليلا في ” مؤامرته ” لغفونا واستطاع أن يتركنا نياما ويخرج . لكن في هذه اللحظة الحاسمة حضر العراق .. وهو الهاجس المحيي والمميت ليس في وجدان نصير حسب ولكن في ضمير كل عربي – والضمير السوري خصوصا ، هذا الضمير الذي قدم ما عليه من تضحيات تجاه العراقيين الممتحنين والهاربين من سياط المحنة ، وصاغ نصير عرفان العراقيين بلمسة شعرية – فنصير شاعر – وذلك حين لم يقل أن موقف وتضحيات الإخوة السوريين تجاه أشقائهم العراقيين هو ” دين ” في ذمتهم ، بل قال : هو طوق حب في أعناق العراقيين . ولو عرف السياسيون معنى هذا الخطاب الجمالي الغيور واستخدموه بنقائه التعبيري لكانت الأمة كلها بخير وسلام ووحدة . حضر العراق وتحفز الحاضرون لمسيرة العذابات الفاجعة .. فالله حين خلق العراق كان يبكي .. وقد مهّد نصير وبذكاء للوصول إلى التراجيديا العراقية – وهي كونية بطبيعتها – من خلال حركات استدراجية محكمة تمثلت في مقطوعة الإفتتتاحية : ” مصير واحد ” التي تشعر من يسمعها بأن ليس المصير العربي بل الإنساني بأجمعه واحد وأن البشر لا يتوحدون إلا عندما يقفون عراة الروح في حضرة ربّ الموسيقى . ثم تلا ذلك ارتجال من مقام الـ ” سوزناك ” وهو مقام صعب الإرتجال فيه .. أعقبه بمعزوفة هي أقرب إلى حركات السمفونية لو رسمها الموسيقار العراقي الجبار لفرقة سمفونية .. في هذه الرحلة انطلق بنا نصير من عمق التاريخ الغائر .. من آشور بموسيقاه المعبرة والتشخيصية التي تلاحق بالحركة الصوتية المعبرة حركة تفتح المسيرة الحضارية العربية في انتقالاتها من بغداد ورخائها الذهبي – وقد لا ينتبه أحد للمسة ” الماكرة ” التي وظف بها نصير كوبليه أغنية الملا عثمان – ناظم الغزالي : ” فوك إلنه خل ” والتي انطلق منها سريعا ليعبر عن النشوة التاريخية المترتبة على الوصول إلى أشبيلية وقد سبقتها ( العزف بعشر أصابع ) حركة حوافر الخيول الجامحة المجسدة بإيقاعات ضربات الأوتار المزحومة .. ثم تنتهي المعزوفة بحركة خارقة لا يمكن تصورها حيث زاوج نصير بعبقرية فريدة لم أسمع بمثلها على آلة واحدة – والعود كما يعتقد آلة ضعيفة الإمكانيات في التعبيرية عن الروح الملحمية لكن منير بشير ونصير شمة هما اللذان وسعا إمكانياتها – لقد قدم نصير مشهدا ختاميا ينبغي أن يُدرس مليا وتفصيليا من الناحية الأكاديمية في المعاهد الموسيقية المتخصصة ويسجل في سفر الأعمال الموسيقية العالمية . هذا المشهد هو مشهد الإلتحام القتالي الأخير الذي يذكرك بأداء حركة الإشتباك في سمفونية ( 1870 ) لتشايكوفسكي مع امتياز لنصير هو أنه قدم هذا ” المشهد ” على آلته الوحيدة وبأصابعه العشرة وليس على آلات فرقة سيمفونية ضخمة . هذا المشهد فيه التحام مدوّي وظف فيه الموسيقار إيقاعات اسبانية وعربية ملتحمة بصخب منضبط ينتهي بالخذلان . وحين قلت : ” بأصابعه العشرة ” فلإن في هذا امتياز لنصير على الكثير من عازفي العود الذين يعزفون عادة بأصابع يدهم اليسرى الخمسة الممسكة بأوتار زند العود في حين يسهم الإصبعان الممسكان بالريشة من اليد اليمنى ؛ الإبهام والسبابة ، بالعزف على أوتار جسم العود . أما نصير وهذا ما لاحظته بوضوح يعزف بأصابع كفه اليمنى الخمس أيضا .. والنتيجة هي أنه يعزف بأصابعه العشرة في حركة “موجية ” عجيبة غريبة يشبه فعلها حين تركز عليها – كما حصل معي شخصيا – أصابع المنوّم المغناطيسي الماهر . أقول حضر العراق وتهيأنا للقياه – كالعادة بالدموع والآلام .. فالعراق كما يقال : “مثل ثمرة البصل كلما قشرته أكثر سالت دموعك أكثر” ، ولكن نصيرا صمم حركة انتقالية قدم فيها مقطوعة ” رحلة إلى العراق ” عن جمال العراق ” الذي يعرفه جيدا ” كما قال فبدأ من بغداد بلحن أغنية كلاسيكية راسخة في الوجدان ثم انتقل إلى الموصل بـ ” كم يردلي ” راجعا إلى الجنوب بـ ” للناصرية ” ثم إلى الغربية العراقية ليعقبه بأنين محمداوي .. وهو أنين أم يحتضر ابنها أمام عينيها كما علق جواد الحطاب . لننتهي في بغداد المحروسة بـ ” مرّو عليّه الحلوين ” و ” يا أم العيون السود ” للغزالي الخالد . لكننا جميعا – نصير نفسه والجمهور الكبير – ندرك أن ختام أي منجز عراقي يتأصل بمسك الحزن . فالعراق كما يقال :” هو كالمسك ، لكي تحصل على رائحته عليك أن تطحنه” . ونصير يدرك جيدا أن عليه أن يطحن مسك المحنة العراقية كي يفوح ضوع رائحة الألم المنعش . فكان الطلب وكانت الإستجابة ؛ طلب ساخن على معزوفة الخراب .. معزوفة مأساة الإنسانية وقبح الضمير الأمريكي في القرن العشرين : ” حدث في العامرية ” التي ألفها نصير في عام 1991 لتكون ” نصبا ” موسيقيا عالميا إذا جاز التعبير يخز ضمير البشرية المتناوم والمغيب على مدى قرون مثل ما فعل بتهوفن العظيم في نشيده السماوي . ولا أحد ، إلى الآن ومن وجهة نظري ، منح هذه المعزوفة الملحمية التي تصلح عملا سيمفونيا عالميا ، ما تستحقه من دراسة وتحليل . وقد قلت سابقا عن المبدع المعلم مظفر النواب بأنه ليس بحاجة إلى “قاريء” بل إلى “قرّاء” وشتان بين صيغة “فاعل” وصيغة “فعّال” ، وهذا الرأي ينطبق على المنجز الإبداعي لنصير شمة خصوصا في عمله المجيد : ” حدث في العامرية ” . وسّع نصير – في هذا العمل – إمكانات آلة العود ، وأثبت أن المشكلة ليست في إمكانات آلة العود بل في قدرات العازفين ورؤاهم الفكرية والموسيقية . لكن المشكلة الأخطر تكمن في المحللين الموسيقيين الذين هم حلقة الوصل التحليلية بين المبدع والمتلقي . من يكشف للجمهور أن نصير بعد أن جسد بصورة معجزة أصوات الطائرات الوحشية المغيرة على الملجأ ومنبهات سيارات الإسعاف .. وعبّر عن أنين أمهات الأطفال الثكالى – وهم كما صدمنا نصير 884 طفلا ، يجب ، حسب القانون الدولي ، أن يحاسب عليهم الكلب المسعور بوش الأب وياله من أب متوحش – أقول : من هو المحلل الذي يكشف دلالات تحول نصير إلى استخدام لحن مقارب لأغنية ” وسرت وحدي شريدا ” ثم التشكيل الهاديء – الذي تتصاعد جواباته من قرارات أنين الأمهات المكتوم – المعبّر عن صحوة إرادة الإنسان العراقي المعاند الجبار وإصراره على التمسك العزوم بالحياة ؟ .
وأخيرا ، وإذا كان المواطنون الأوربيون يردون في بعض الأحيان عمّن يسألهم عن بلدهم : إنني من البلد الذي أنجب بتهوفن أو موزارت أو رافيل أو كورساكوف .. فإنني – ومن خلال متابعة تمتد لأكثر من عشرين عاما ، وبعد ما شاهدته وسمعته ليلة أمس ، أتشرف أن أقول حين أسئل من أين أنت أن أقول : أنا من البلاد التي أنجبت نصير شمّة .
ملاحظة ختامية : تمت الأمسية بدعوة من نقابة الفنانين السوريين وضمن نشاطها الدوري لعام 2009، وخُصص ريعها لصندوق تقاعد الفنانين السوريين . وسيقدم المبدع نصير شمة – بالإضافة إلى حفلة دمشق – حفلات في حمص وحلب والحسكة .

حسين سرمك حسن – ناقد عراقي مقيم في دمشق

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

تعليق واحد

  1. محمد طالب الاسدي

    الموسيقار العراقي نصير شمة ، يضع على وتره السومري إرث بلاد الرافدين الجمالي ، ويعزف العراق ، وحين يُعزَفُ العراق …ينصت العالم .

    محمد طالب الاسدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.