ناطق خلوصي : تنوّع المرتكزات السردية في رواية “ترنيمة امرأة ..شفق البحر”

يفتح التباين في القيم والأعراف والمواقف والمعايير ، بين مجتمعين مختلفين في الشرق والغرب ( أو الجنوب والشمال ) ، أفقا ً رحبا ً للتناول الروائي ، لكن الأدب العربي لم يشهد حضورا ً كثيفا ً لمثل هذا التناول ربما بفعل خصوصيته التي تستلزم شرط المعايشة (وهو ما قد لا يتوفر  لكثير من الروائيين العرب ) ، بمعنى أن يكو ن على الروائي العربي الذي يتناول هذه الموضوعة أن يمر بتجربة العيش في المجتمع الجديد المغاير لمجتمعه : تجربة حقيقية تمتد لزمن يكفي لأن يتعرف على هذا المجتمع ويتغلغل في مفاصله مراقبا ً ، متفحصا ً ، متمعنا ً، يستقرىء ويحلل طبيعته ، فيكتب ليخرج ما يكتبه أمينا ً وصادقا ً دون أن يلغي دور المخيلة .
 لقد ظهرت أعمال عربية تناولت هذه الموضوعة لعل أقربها الى ذاكرتنا : ” الأيام ” لطه حسين ، و” الحي اللاتيني ” لسهيل ادريس ،  و” موسم الهجرة الى الشمال ” للطيب صالح ، و” ثلاثية شيكاغو ” لمحمود سعيد . ويضيف القاص والروائي سعد محمد رحيم اسمه الى هذه القائمة باستحقاق من خلال روايته الجديدة ” ترنيمة امرأة .. شفق البحر ” التي صدرت عن دار فضاءات في عمان مؤخرا ً .
تتوزع الرواية ( 245 صفحة ) بعنوانها المزدوج ، على ستة فصول ، يرتبط أحدها بالآخر ربما باستثناء الفصل الدي يحمل عنوان ” خالد في الصحراء ” الذي يبدو أقل ارتباطا ً بالمجرى العام للرواية  ويصلح أن يكون خميرة رواية أخرى .

  ينفرد كل فصل  بعنوان فرعي خاص به . وتفضي العنونة هنا الى الكشف عن هوية الرواية . فعنوان الفصل الأول ” كلوديا تخطفني الى الشمال ” وعنوان الفصل الثاني ” حنان تثملني بنكهة الجنوب وترحل ” يوحيان بأن أحداث الرواية تدور في مجتمعين بانتمائين   مختلفين في العالم  : مجتمع الشمال ــ الغرب ــ ( متمثلا ً في ايطاليا ) ومجتمع الجنوب ــ الشرق ــ ( متمثلا ً في العراق ) ويكاد سعد محمد رحيم ينفرد في اختياره ايطاليا مكانا ً لأحداثه ، بعد ان كان طه حسين وسهيل ادريس قد اختارا فرنسا واختار الطيب صالح بريطانيا في حين اختار محمود سعيد الولايات المتحدة الأمريكية .
يؤسس الروائي مبناه السردي على مرتكزات سرديه  تتنوع بين : توظيف عنصر المصادفة والتناظر في بناء الشخصيات والتفاعل بين يقظة الذاكرة وسطوة المخيلة واستخدام تقنية زج مشروع كتابة رواية داخل الرواية الأم واستحضار أهوال الحرب ، ثم اصطفاء لغة سرد صافية تقترب في أجزاء عديدة منها من لغة الشعر .
المصادفة هنا ــ وقد تكررت مرتين وشكلت مرتكزا ً أساسيا ً في الرواية ــ لا تقوم على الاصطناع ، فهي من مألوفات الحياة اليومية تماما ً . فليس غريبا ً أن تقود المصادفة رجلا ً وامرأة  لأن يلتقيا في مكان عام أوخاص ، مثلما التقى سامر بطل الرواية بشخصيتيها الرئيسيتين : كلوديا وحنان ، مع اختلاف طبيعة كل من هاتين الشخصيتين والفارق في ظروف كل لقاء  . فقد تعرف على كلوديا في عرض البحر وتعرف على حنان في شارع  يضج بحركة السابلة وضجيج وسائط النقل .  يقول السارد عن كلوديا  : ” تعرفت عليها على ساحل سوسة في تونس . يومها دارت بنا موجة عنيفة ،  مباغتة وقربتنا من بعضنا ونحن في عرض اللجة ” ( ص 7 )  . ويُفترض أن يكون هذا اللقاء ، بطبيعة شخوصه ومكانه ، نقطة التماس  بين الشمال والجنوب ( أو الغرب والشرق ) التي تنبني عليها حبكة الرواية .  كلوديا هذه ايطالية تتقن الانجليزية جيدا ً وتستطيع التفاهم مع من يفهمها بالعربية ، يستهويها الترحال الى الشرق ومسكونة بالرغبة  في ارتياد الصحراء ، أبوها رجل أعمال على علاقة مشبوهة بالمافيا : الدولة السرية الموازية للدولة الرسمية في ايطاليا ، وقد وصل سامر الى ايطاليا خفية ً متنكرا ً في زي بحار في أحد مراكبه .  لقد أمضى معها سبعة أشهر أو ثمانية ، ولنقل سنة  ( تقول له : لماذا لا تبقى سنة أخرى ؟ ) ، تمادى في الاقتراب منها خلالها الى حد التماهي معها مما غيّب بعض ملامح أوجه التباين المفترضة بينهما وبين مجتمعيهما بالتالي .
أما حنان التي تختلف عن كلوديا في بعض جوانب شخصيتها والفارق الكبير في طبيعة ظر وف كل منهما ، فقد تعرف عليها السارد ، قبل تعرفه على كلوديا ، عندما كان واقفا ً في منطقة الباب الشرقي في بغداد فسألته عن السيارات الذاهبة الى حي البياع حيث بيت عمتها وقد جاءته من الديوانية لتراجع أمر تعيينها بعد أن كانت قد تخرجت من جامعة البصرة ، أبوها صاحب متجر في الديوانية وكانت تعيش واقعا ً مأساويا ً : لها أخ شهيد وآخر مغترب يعمل نجارا ً في الأردن ، أما خطيبها مازن فقد التهمته نيران حرب الكويت بعد أن داهمت الطائرات الأمريكية القوات العراقية المنسحبة فكان  أحد ضحايا تلك المجزرة .
ومع التباين في ظروف كل من البنتين فإن ثمة ما يجمع بين الشخصيتين ويجعلهما متناظرتين في عدد من الجوانب السلوكية . فكلاهما تتوفر على ميل واضح للتمرد على الذات وعلى الواقع معا ً ، يتمثل في كلوديا من خلال تهورها في قيادة الدراجة البخارية أو هي تسبح في بحر هائج ( ولهذا الحدث دلالته الموحية بالارتباط مع طبيعة مسار الأحداث ) . ولعل هذا التمرد ناشىء عن احساسها بالخيبة وشعورها بالحزن الذي أورثه اياها الخلاف المستديم بين أبيها وأمها : ” تحدثني كلوديا عن قلق طفولتها ، عن أمها العائشة بين الخوف والغيرة وعن أبيها المتورط القادر دوما ً على الافلات من قبضة الشرطة ، والمتبذل في علاقاته النسائية ، تحدثني عن الخلاف بين أبويها ” ( ص 109 ). وقادها هذا التفكك الأسري الى أن تتمرد على سلطة أبيها : ” كانت كلوديا في السادسة عشرة حين تعرفت على شاب وسيم لم تستطع  التواصل معه لتردده  في اتخاذ القرارات الحاسمة  ، وتركته غاضبة لتسلم جسدها الأول رجل قابلته بعد ذلك ” ( ص 111 ) ، وهو الذي فتح عينيها على الشرق وأدب الرحلات . انها ، إذن على مستوى وعي متقدم وهي في سن المراهقة ! . يفصح السارد عن طبيعة تمرد كلوديا  فيقول : ” تقترح كلوديا مع أول نَفَس للعاصفة أن نسبح ، أن نلج البحر على الرغم من أي شيء ، أن نشاركه عبثه اللاهي ، لعبته الماكرة الخطرة  … نخوض في لجظة جنون  مغامرة الروليت المميت … أية نزوة صوفية هذه التي تغري كلوديا فتدفع بي لنتحد معا ً في النشوة والموت ” ( ص 120 ) .
أما حنان فقد كان تمردها وليد رد فعل انعكاسي على احساسها بقرب نهايتها بعد أن اكتشفت انها مصابة بالسرطان الذي بدأ يأكل جسدها ضحية ً من ضحايا اليورانيوم المنضب الذي ألقت القولت الأمريكية قذائفه على العراقيين أثناء الحرب . انها تفصح عن تمردها من خلال تصرفات متهورة أو غير متوازنة وهي في مدينة الألعاب أورغبتها في المغامرة وهي على الجسرأو الحاحها على سامر للسباحة معا ً في النهر  ، فيجد نفسه مضطرا ً الى مسايرتها فيأخذها الى شاطىء منزو ٍ شمالي بغداد ويمارسان السباحة في دجلة بعيدا ً عن الأنظار ، في حدث قد تعوزه القدرة على الاقناع  .  ولعل في رغبة كلوديا وحنان في السباحة ، انعكاس لرغبة داخلية في التطهر والتحرر من أوشال الواقع الخارجي .
لقد خلّفت مأساة حنان المدفونة في مقبرة النجف ، جرحا ً نازفا ً في روح سامر الى الحد الذي جعله يقول في انتقال من الخاص الى العام  : “أحسها مدفونة هنا في صدري  ، صدر كل عراقي مقبرة شاسعة ” ( ص 49 ) ، فكان يراها من خلال كلوديا لتظل في حالة حضور دائم حتى وهو في وضع الاقتراب الجسدي من كلوديا  فكانت الشخصيتان تتماهيان عنده .
لقد استفزت مأساة حنان ذاكرة السارد اليقظة فبدأ تفاعلها مع مخيلته ليستل منها شخصية الطيار الأمريكي المفترض الذي ألقى قذيفة اليورانيوم المنضب فقاد حنان الى القبر . ان الطيار مايكل هو صنيعة مخيلة السارد ، يستحضره ليحاكمه ويحكم عليه بالموت هو الآخر بعد ان تبين انه مصاب بالمرض نفسه الذي أصاب ضحاياه ، يحاكمه نيابة عن حنان وعن كل ضحايا الحرب من خلالها وقد ظل وجهها يلوح شاهد َ اثبات ضد الطيار .  . وينحو الروائي منحى ً توثيقيا ً فيرجع  الى كتاب ” توصيف حالة التعرض لليورانيوم  المنضب ” لـ ” دان فاني ” فيقتطع منه مقطعين يوظفهما وثيقة ادانة لوحشية الانتهاكات في زمن الحرب  .
بطل الرواية خاض حربين خلّفت احداهما ندوب شظايا تم اخراج بعضها من جسده ومكث  بعضها الآخر فيه . ليس غريبا ً إذن ، وقد عاش تجربة الحرب  ، أن يتحدث عن أحداث وقعت وكان شاهدا ً مشاركا ً فيها . ان لعنة الحرب كانت تلاحق ذاكرته لذلك  فانه يسترجع مشاهد من الحرب ويوظفها في روايته : ” لا رواية يمكنني كتابتها ما لم تكن ضاجة بدوي الحرب ” ( ص 40 ) .  وتنحو الرواية منحى ً سيَريا ً  ومن الطبيعي في هذا النوع من الروايات ان ينحو مثل هذا المنحى ، فالتجربة التي سردها السارد انما هي تجربة الروائي نفسه . فهو لا يمكنه أن يتحدث بمثل هذا الانفتاح والقدرة على ضخ المعلومات بالاعتماد على مخيلته . ان المخيلة تشكل عاملا ً ثانويا ً مساعدا ً في صياغة النسق الواقعي في السرد السيَري ولا يمكن الاعتماد عليها كعنصر رئيسي في عملية البناء الروائي . ولنلاحظ ان الروائي تحدث عن طفولة السارد وحياته الأسرية في ” السعدية ” التي هي مدينته مما يؤكد المنحى السيَري لروايته .
ويعمد الروائي ال توظيف تقنية زج مشروع كتابة نص سردي داخل النص الأصلي ، وهي ليست جديدة على السرد العراقي . فقد وجدناها حاضرة في أعمال مثل  ” العمل في قصة قصيرة : أساطين ديك الجن ” للطفية الدليمي ، و ” مملكة البيت السعيد ” لحنون مجيد .. لقد كانت الرغبة في كتابة رواية تصاحب سامر وهو في رحلته الى ايطاليا  . انه يقول : ”  اسمعي كلوديا . أنا بصدد كتابة رواية ، والرواية كما تعلمين عمل تخييل  ، لذا فإن من حقي أن أصور شخصياتي بالشكل الذي أشاء ” (ص 40 ) ، مناقضا ً المنحى السيَري الذي اعتمده في بناء الرواية .  لكن الرواية الموعودة تظل محض افتراض ، لأن السارد لم يتأقلم تماما ً مع الجو الجديد الغريب عليه . يقول : ” أبحث دوما ً عن مكان آخر ، أهرب من مكاني ، من نفسي علـّني أعثر على الوجه الصريح لنفسي  في المكان الآخر ” ( ص 26 ) .
ولعل في مقدمة ما يميز رواية سعد محمد رحيم هذه ان كاتبها أولى اللغة عناية فائقة حتى بدا العديد من مقاطعها كأنها لوحات مرسومة بالكلمات ، مثل قوله : ” رأيت الحزن بعينيها مطرا ً هادئا ً يهمي على بساتين الليل ، وأصابعها كما لو انها أجنحة غضة تتوجس من تجربة الطيران الأولى ” ( ص 64 ) ، و ” الى مَ أفضي بهذا الشرود الصاحي ؟ بهذا التنصل من طغيان هذه الفاصلة من الزمن ” ( ص  74 ) و ” ذاكرتي ضباب أزرق يرتسم في أفقه وجه حنان ، وذلك الشغب الفريد يبرق في عينيها وهي تتنحى متهكمة عن مصير تقرر بشكلٍ ما تحت سطوة قوةٍ ما ، مبهمة وقاسية ” ( ص 85 ) .
ان  ” ترنيمة امرأة .. شفق البحر ” رواية لها خصوصية مميزة في موضوعها وطريقة بنائها ، وبالتالي فهي تشكل اضافة نوعية أخرى لمنجز سعد محمد رحيم القصصي والروائي وهومنجزيستحق التقدير !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.