حسين عجة: التعلم الأدبي (الكتابة والصمت)

تعلمنا الكتابة أكثر مما تعلمنا الأرض، ذلك لأنها تحولنا، وتحولنا أمام أنفسنا، في عزلتنا. تعلمنا الخروج أولاً من أنفسنا، عبر خذلانها لنا. بيد أن خذلانها هو سحرها. تشتعل وتخمد فجأة. تُعلقنا. تجعلنا نرى عوزنا وثراؤنا، بتخطيها لوعينا. بخلطها لكل أوراقنا، توقظ فينا الحدود المرهفة التي تقارب ما بين الصحة والمرض. أثناء ذلك تخط، تحفر آثار مرورها وخدوشها في أجسادنا، في أرواحنا، في عقولنا وتخلفنا من ورائها، دون مرارة ولا ندم، في التيه. تيه النية والمأزق. أنواصل، أم نترك كل شيء، من دون الكتابة، يذهب أدراج الرياح والعواصف؟ لكنها هي العواصف في الروح والعقل. نلهث ونصمت؛ ننهض، نكبوا، تساورنا الشكوك، لكننا لن نكف عن البحث عن أشعة وأسلحة جديدة، من وفي الكتابة؛ نواة الشجاعة. دافع وجرأة الشروع في التعلم : الذهاب أبعد من شروط التجربة، فك قيود المشروط، نزعه من حصاره، تركه حراً ومضيعاً في براري وبحار اللامتناهي. بلا بوصلة، دون رفقة، في رحلة لا تنوي الوصول إلى ضفة. لا نقاط دليل، على الدرب، للكتابة، لا إشارات عبور، لا توقف، لا ترقب، لا تلفت ناحية الشمال ناحية اليمين أو التراجع. ليس لها من مدن، مادامت أثناء مرورها وتركها لآثارها لم تخلف هناك من بعدها أثراً، ولم تبق للذاكرة لذة التطلع في مرآتها اللامرئية (خيبة المؤول والمؤرخ)! قد تكون هي التكرار والفارق الذي يتحدث عنهما الفيلسوف. غير أن التكرار والفارق هما قانوني الصيرورة والتحول، مع حذف الكينونة. لكن الكتابة لا تستسلم، في النهاية، لإغراء كهذا، على جماله. فهي تنط، وكأنها بخطوة واحدة تقذف نفسها فيما وراء الكينونة، كما ترغم الصيرورة والتحول على اللحاق بسرعتها الخاطفة، ما فوق الضوئية. بيد أنها لا تلغي شيئاً أو أحداً. ومع ذلك، سيكون من المضحك نكران أذيتها. تؤذي وتوجع الكتابة منْ يتعلم منها، كما تؤذي وتؤلم أحياناً أولئك الذين تذهب نحوهم. أسرع من البرق، أثقل من كريات الثلج، وميضها لا ينبثق من مستودع اللاوعي. ولا يقتفي، بالضرورة، خرائطه المتشابكة. فالوميض عين التشابك. من التشابك، أسلاكه الشائكة، الكتابة، نتعلم. ماذا؟ ما الذي نتعلمه؟ قوة اللاشيء. الضعف. تعلم الضعف في الكتابة أولى الفضائل. كل الفضائل. فمجموع الفضائل هو الحب. الكتابة الحب. “الفارق ما بين الراهب والفنان يكمن في أن هذا الأخير لا يعرف البغض على العالم”، ذلك ما يهمس به لنا “أنطونيوني”. 
أقوى من الحب والشهوة، العشق-الكتابة. “الكتابة ليست من أجل الكتابة”، يقول فيلسوفنا ثانية. لكنه يخطأ وينزلق بعيداً، هذه المرة، للأسف. “الحياة هي هدف الكتابة النهائي”، يضيف برهافته المعروفة. لكننا نود الرد عليه، من منظورنا الضيق، وبرفقة حبنا له : هنا نفترق. ليس من أجل الحياة تقوم وتنهض الكتابة، حتى وإن كانت الحياة، كما تصفها بدقتك التي لا تضارع، قوة لا شخصية ومعطاة للجميع. تأتي الكتابة من حيث لا ندري، تمخر وتحرث في جوف الحياة والواقع، لكي تخلق وتضاعف أعراس ونكوص العالم. هنا، علينا الحذر. الكتابة لا تقطن العالم. ولا يتطلب العيش بين جدرانه فعل الكتابة. لكنها تجيء، تقدم من حيث لا ندري وتدور من حول نفسها، زوبعةً أو لولباً منه يخرج بعسر رأس العالم، كولادة. في حضن الكتابة ومن ثديها الطافح كثدي البقر يولد ويتغذى العالم. لا مجاز في ما نكتب. لا تأويل ولا فك رموز. ولا حتى قراءة على السطح الأملس. يصنع فوران الكتابة، يبني، يهدم ويعيد بناء العوالم، يلونها أو يجعلها أكثر عتمة. ماذا أقول؟ لا فوران يسبق فورانها. هي الفوران الأول. أفضل من ذلك وأبعد منه، هي فورانها الذاتي، الأول والنهائي؛ من هنا، يشرع الفعل. فعل التعلم في الكتابة، تذوق طعم الشجاعة. التعلم لغز، طلسم، نحن نتفق. لكن هذا اللغز وذاك الطلسم لا يتطلبان ولا يلتمسان حك التأويل ولا المتعة السرية للتفكيك. كتعلم، الكتابة لغز وطلسم يحتفظان بترفع الصمت. يختفي كل فارق بينهما، هنا، ما بين الكتابة والصمت. من الصمت تلد ومنها كالحفيف، أو الرذاذ الناعم يلد الصمت. لقد أدرك ريلكة بعبقرية لا توصف هذه المفارقة البسيطة والمحيرة. الهوة. ثلم أو شرخ الكتابة والصمت، البعيدين تماماً عن أية مبادلة. لا تحل الكتابة محل الصمت، ولا يأخذ الصمت مكان الكتابة. هل الصمت شرط لها، أو شرط من شروطها التي لا تعد ولا تحصى، أو على العكس، تغيب الكتابة حين يستولي الصمت على الذات والعالم؟ سؤال يُطرح على طلاب المدارس، الذين يردون، كعادتهم، بجمال وحسم : لا هذا ولا ذاك. لا الصمت يمنح الكتابة أو يدفعها، ذلك لأنها قادرة على التحرك ضمن أكثر أنواع الضجيج والصخب (حين تقاوم)، ولا الكتابة تتنكر لنعمة الصمت. لكنها، ثانية، هي بالذات منْ يحفر في جسدها ينبوع الصمت العذب. لا يكون شرطها، لأنه فيها، ولأنه فيها تجعله ينبثق. يبدو وكأننا نستخدم عبارات شهوانية للثرثرة عنها! بعدما ثرثر الملايين قبلنا من حولها. وكذلك هو الأمر. كل منا يبحث عن حل، ونحن بدورنا نبحث عنه عبثاً : حل إشكالية الكتابة، التعلم والصمت. ذلك لأن ثالوث هكذا يقطننا، ولا ثالوث آخر غيره. ولأننا ندرك، بطريقتنا الخاصة، الغامضة والملتبسة، تعلقنا وتأصلنا في واحد من إجراءات الإبداع الأربعة المشعة، لذا لن نترك لغيرنا مهمة تخليصنا من ورطتنا التي نعشق : كيف نتعلم من الكتابة التي نكتبها نحن، وكيف كلما تعلمنا منها الكثير، نقترب في ذات الوقت أكثر من الصمت؟ أية موسيقى لا تُسمع، بيد أنها محسوسة، تندس ما بين الكتابة، التعلم والصمت؟ وها أننا أمام إحراج جديد، آخر. ما دخل الموسيقى بالأمر؟ في مطلع حوارية أفلاطون الشهيرة “فيدون”، تلك الحوارية التي تجري في ذات اليوم الذي كان على سقراط تناول سم الموت فيه، والتي تدور بكاملها من حول لحظة الموت والأساطير، التصورات والمعتقدات التي رويت وتروى عنه؛ هناك، في مطلع تلك الحوارية، طُرحت بقوة ماهية أو نوع العلاقة القائمة ما بين الكتابة، الموسيقى والتعلم، من جانب، وعلاقة التعلم بالصمت، من الجانب الآخر. كان معلم أفلاطون، طيلة حياته، يسمع في أحلامه صوتاً يناشده على تعلم الموسيقى، ولأنه سقراط بالذات كان يؤول إشارة ذلك الصوت وكأنها حث له على الكتابة، فهو كان يتعامل مع مفردة موسيقى بمعناها الواسع، لأنه، هو الاستثنائي ضمن العقل الإغريقي كله، كان يعتبر الكتابة فرعاً من فروع الموسيقى. غير أنه كان عاجزاً عن القيام بفعلها، عاقر ومولدة كأمه لأطفال الرجال الآخرين، أفكارهم، من ناحية، ولأن صوت الحلم كان عنده بمثابة إشارة ألاهية، لذا تولدت لديه رغبة الاستجابة لذلك النداء؛ كتابة بضعة أسطر أو أبيات من الشعر تُبرأ ذمته وتجعله يموت قرير العين. بيد أن هجعة الموت والتدثر بالصمت العميق والنهائي لم يكن ممكناً لمعدم متسامي مثله، قبل أن يسبق فعل الكتابة الموت ويخلفه من ثم ورائه : لم يكن لسقراط شأن ولا رغبة كانت لديه، منذ البدء، لا في خلق طقوس للموت ولا حتى في الكلام عنه. رويداً، أو بنية مسبقة، جره مريديه ورفاق دربه من فوق ذلك الطريق العاثر. ما العمل، في لحظة كهذه؟ كان عليه، في حالته تلك، اللجوء والاستعانة ثانية بأساطير “أسوب”، التي كان يحفظها عن ظهر قلب، منذ مراهقته أو شبابه، والتي كانت تقاوم وتفلت “دلالتها” و”معانيها” و”غاياتها” من قبضة علماء عصره. لكن، إذا ما تركنا صوت الحلم جانباً، كيف يمكننا فهم حاجة كهذه، فيما كان الشبح يدق بصخب لنقله إلى مقره أو مثواه الأخير “هاديس” الأموات، التي كان يأمل ساخراً أن يلتقي ويتحاور فيها مع غيره من خيرة الرجال الذين رحلوا قبله : سوفوكلس، هيمروس، بارامنيديس، أمبيديقول، وربما هرقليطس نفسه؟ ولم العودة هذه إلى… الأساطير؟ حتى يقبض، بعد مرور كل هذا الدهر، على معناها الذي حرمه على نفسه، في حوارية “فيدر”، حوارية الحب المدوخ، التي ترك فيها أمر تفسير، شرح وتأويل معنى الأساطير لعباقرة ومؤولي زمنه، سفسطائيو وعلماء المرحلة الكبار؟ هل كان يبحث، عبر الكتابة التي يشتهيها والتي لا تطاوعه، عن معنى ما لتبرير وجوده وفنائه الفرديين؟ أو أن ما رواه، في حينه، لم يكن شيئاً آخر سوى طريقة بارعة للالتفاف على مشكلة الإبداع المحايث، ذلك الماثل في أحشاء الرجال، كحمل النساء في بطونهن للوليد الذي سيأتي نحو العالم؟ قبل الإجابة على كل هذه الأسئلة، من واجبنا القول بأن مشكلة سقراط لم تكن لا فريدة من نوعها، ولا تنتمي إلى زمن سحيق وغابر. حتى اليوم، على الأقل في أوروبا، هناك عشرات، إن لم يكن مئات من الأفراد يذهبون إلى عيادات الأطباء النفسانيين، لكي يخبروهم عن قرارهم الحاسم : أما الكتابة أو الانتحار. الانتحار؟ أجل، فالانتحار هو الاسم الأعنف، الثاني أو الثالث، للصمت : أما الكتابة أو الصمت المطبق والنهائي. وهكذا، يُقتحم جسد الكتابة، كتعلم، ويكتظ بالعديد من العناصر : الموسيقى، الأسطورة، الانتحار، الطب النفسي، الذات وربما السياسة أيضاً. أو السياسة أكثر من غيرها : من أدلى بحكم الموت على سقراط، وفي أية مرحلة؟ الديمقراطيون هم من أصدر حكم إعدامه، بعد عودتهم الموفقة من منفاهم وتسلمهم زمام السلطة، أثر ثورة أو انقلاب أطاح بحكم الأقلية الطاغية والتي رفض سقراط نفسه، عندما كان جندياً، السقوط في الفخ الذي كانت تلك العصابة قد نصبته له، وذلك بمطالبته بالذهاب مع اثنين آخرين من الجنود لجلب واحداً من أبرز قادة المعارضة الديمقراطية، “ليون” (الأسد). أول ما فعله الديمقراطيون الإغريقيون تنفيذ حكم الإعدام بسقراط. وكان ذلك دافع أفلاطون الأساسي، كما يُقال، للشروع بكتابة حوارياته الذهبية، كفعل مقاومة من طراز آخر إزاء ما فعلته السياسة، ولكي يكشف للسياسة (للسياسييّن والمُسيسيّين) مرة وإلى الأبد بأن الكتابة ليست منزوعة السلاح، أو لا ترد على عنف العالم. بيد أنها لا ترد كما يرغب ويشتهي هذا الأخير، ولا أسلحتها تماثل أسلحته؛ فالعالم لا يدرك من الرد سوى مضاعفة الضغينة، تجسيد الحقد عن طريق الثأر. هنا تكمن كل ثورة، صراخ وتعاليم نيتشة : “الإنسان الأعلى” لا شأن ولا علاقة له “بالسوبرمان”، نقيضه الأساسي والمباشر. إذ لا يمكن لنيشتة النظر “لسوبرمان” الأزمنة الحديثة، أو رعاة البقر، إلا من منظوره “للإنسان الصغير، أو الأخير”، ذلك الذي “يُهنجل من فوق الأرض برمتها ويغيب عن وعيه إذا ما حدثته عن النجوم أو الشعر”. و “إنسانه الأعلى” ليس سوى المُبدع الذي شرع للتو بالخروج من ثارات وضغينة الإنسانية. أما الرجل الصغير، فهو ذلك الذي يتلفت من حوله بحثاً عن فريسته، كالحاكم أو الملك العربي الفاسد، الذي يقتل الملايين من بؤساء “شعبه”، لكي يظل جالساً، كالمومياء، على كرسيه، لكنه يركع كمعزة أمام سيده الأقوى : رئيس الجمهورية السادسة للغاليين، أو المغول. ما الذي تعلمه نيتشة نفسه من الكتابة؟ التالي : شطر الإنسانية بكاملها إلى نصفين. نصف يقطنه المبدعون، والنصف الآخر للرعاع. قد يكتب أو لا يكتب المبدعون، فذلك ليس خاضعاً لإرادتهم، فهم وإرادتهم مقبوضاً عليهم بقوة الكتابة التي قد “تأتي أو لا تأتي”. لكنهم، في مطلق الأحوال، ليسوا حقلاً لتفريخ الدعاة والمبشرين، ولا يقدمون وصفة طبية جاهزة لعلاج الجميع، أو حتى لفرد بعينه. جل ما يستطيعون فعله وقوله : مسار التعليم عسير، وسيكون أكثر عسراً حين لا يُسَودُ حبر القلم بياض الورق. أما الرعاع، فهم، بدورهم، قد يكتبون أو لا يكتبون، لكنهم، في مطلق الأحوال، وسيظلون حقلاً لتفريخ الدعاة والمبشرين، الذين سيركعونهم لا محال، من بداية الدرب، أو في نهاية المطاف. الرعاع ليسوا عامة الناس، أو أبناء الشعب من الفقراء والمتضوعين جوعاً، لكنهم، في الغالب رعية، سدنة، حاشية أو نخبة الوالي نفسه : “زبال بالأحرى بدلاً من حاكم”. أو : “حين كنت أتحدث مع أي مثقف من المثقفين الألمان، كنت أشك بحقيقة وجودي أو عدمه”. منْ هو ذلك المثقف الذي كان مجرد حضوره العادي والبسيط يلغي إحساس صاحب “هذا هو الإنسان” بوجوده الذاتي؟ لا شك أنه الفرد الذي لم تعلمه الكتابة الثمن الذي كان عليه دفعه غالياً، أستاذ الجامعة، محافظ القيم القائمة التي منها يحصل على رزقه اليومي، أو الناقد الذي لا ينقد سوى لائحة الأعراف والقيم السائدة، لأنها ما عادت كافية بحد ذاتها لإشباع غريزته الرجعية؛ يثور، يرغي ويطالب بتبديل تلك اللائحة، لأنها لم تعد قادرة، من وجهة نظره، على خنق الهواء العابر وترك المجال واسعاً أمام الأيدي التي تسعى للتعلم من وفي الكتابة : المحافظون الجدد. إذ لا متعة ولا عين تستقر لهؤلاء إذا لم يتحول العالم بأركانه الأربعة، القرية الصغيرة كما صاروا يسمونه، سجناً أو زنزانة خرافية بوسعها، لا تتحرك حتى الخنازير فيها من دون تأشيرة مرور وخضوع قاسي للتفتيش في مطارات، موانىء وسفن القراصنة. نصل، في النهاية، إلى تلك المقولة الغريبة والمزيفة لأكزوبري، التي بدأنا كتابتنا هنا من أجل نسفها : “تعلمنا الأرض أكثر مما تعلمنا الكتب، ذلك لأنها تقاومنا”. غريبة : لأن من كتبها كاتب مرهف، وإن كان طياراً، ذلك لأننا لا نتعلم لا من الكتب ولا من الأرض “التي تقاومنا”، بل من الكتابة حين نشرع نحن أنفسنا في الدخول ضمن كواكبها وعوالمها المتنوعة، عن طريق الصدفة أو العنف، حين تقبض هي علينا، تقلبنا وترغمنا على استقبالها، عراة ولم يبق لنا وأمامنا شيئاً آخر سواها. مزيفة : ذلك لأن الأرض بكل تجاربها، السعيدة والمروعة، تظل معلقة بمقام آخر : الوعي الذي يتأملها، لكي يتعلم منها ما يتعلمه؛ والحالة هذه، “كل وعي بطبيعته مزيف”، ذلك ما يقوله ماركس على الأقل. لماذا؟ لأنه إذا كان الأمر يتعلق بالوعي الفردي أو الذاتي، “كمعطى أولي”، علينا التأكد من أنه سوف لن ينتج، مهما كانت ذرائعه وبراهينه، سوى التصورات، الأوهام عن نفسه أولاً، عن الآخر ثانياً، وعن العالم ثالثاً. أما إذا كان المقصود هو “الوعي الجماعي”، الموضوعي والوضعاني، فعلينا التأكد من خموله وعجزه الأبدي، والتأكد كذلك من تفوق تخريفه على تخريف الوعي الفردي، ذلك لأنه وعياً قد شكلته البنية سلفاً؛ ولذا يظل محروماً من حرارة الفعل : لا يخرج الوعي الجماعي من كسله الصاعق والخرافي، الذي صاغته وشيدته بنية الموقف، إلا إذا ما اقتحمته قوة عنصر آخر، ينتمي ولا ينتمي معاً إلى ذلك الموقف : الواقعة العابرة والنادرة. الواقعة، أو الضربة الخاطفة التي تكتسح بنية الموقف، الذي تشكل ضمن ما تخوله وتجيزه موسعة معارفها لوعي الفرد والجماعة، والتي يصفها الآن باديو بدقة باعتبارها “حالة الموقف”، أي موقف، بما فيها الموقف المتأزم ما بين الرجل والمرأة، الذي لن تفهم أبداً “حالته” ولن تحل أزمته إلا إذا ما اخترقته صدفة أو لقاء الحب، كواقعة أو ضربة تزلزل وعي المرأة والرجل السابقين، قبل حدوث لقائهما الحبي. كذلك يكشف لهما اللقاء فوراً عن ذلك الفراغ الذي لا يمكن تشخيص موقعه ضمن البنية القائمة التي تحدد شكل وأنماط العلاقات، لكنه يجول في كل مناحيها وزواياها. بتعبير آخر، في لقاء الحب، الذي لا يختلف كثيرا، حين يكون واحداً من إجراءات الحقيقة والتعلم، عن الكتابة الإبداعية؛ فكلاهما ينتمي لواقعة تتفرد بنوعية ضربتها، بيد أنهما يشتركان في التشكل أو الولادة الجديدة، أي قراءة فراغ البنية، الذي لم يكن من قبل مغطى، بل على العكس مكشوفاً لكنه غير مرئي. يتساءل الفيلسوف الفرنسي “جانكلفش”، بطريقة مزدوجة ومراوغة في آن معاً : “كيف يمكن للمرء أن يعشق، بعد كل هؤلاء العشاق الذي لا يمكن حصر أعدادهم، وكيف يمكنه كتابة شعراً والشعر قديم كقدم العالم”؟ الحب قديم كقدم العالم، جديد في كل مرة يلتقي فيها العاشقين، والأمر ذاته يتحقق كمعجزة، عندما يتعلق بالشعر. لا لقاء العشاق يلتفت نحو تاريخ الحب العتيق كعتق العالم، ولا الشاعر حين ترهص وتتأزم مفردات الكتابة على شفتيه يعبأه بملايين الشعراء من قبله، حتى وإن كان قد قرأهم وأحب غالبيتهم. هل يختلف الأمر في السياسة التي تفكر، الإبداعية هي أيضاً على طريقتها الخاصة، عنه عما قلناه عن الحب والشعر؟ كلا. ففي كل مرة، يقول كافكا “تنهض فيها جماعة ثورية تنهض وكأن لا حركة ثورية قد سبقتها في العالم”. ويضيف “من حقها”. ماذا يعني من حقها؟ يعني بأنها قديمة وجديدة في نفس وذات اللحظة، كالحب والشعر. كقدم وجدة الحقيقة. أو الواقعة التي تظهرها. تظهرها، لا لأنها كانت مخفية ومغطاة تحت البرقع، أو قابعة في زاوية من زوايا الموقف، لكن لأنها، ببساطة غير قائمة، ولا موجودة كوجود بقية الأشياء، غير أنها تظهر، وتظهر بفضل الضربة أو الفعل : فعل لقاء الحب، فعل الكتابة المبدعة، فعل السياسة حين تفكر وتطلع من ميزة التمثيل المزيف الذي تفرضه، بالضرورة، بنية الموقف. ثمة تماثل غريب ما بين الحقيقة، الحرية أو الفراغ. ليس ثمة من علاقة حبية تغيب عن سمائها الحرية، ولا كتابة أو سياسة مبدعة بدونها. فيما نعيش في زمان ينكر، يتنصل ويسخر من الثلاثة في آن معاً : من الكتابة، من الحب والحرية. مادام كله ينبغي إخضاعه لمشيئة السوق. حرية السوق والتسويق، حيث يُحرم التعلم، قبل أي شيء آخر : عصر المعلوماتية لا يعلم أي شيء ولا يتعلم منه أي أحد، فهو قد خُلق، أو تم صنعه من قبل عقول مخيفة في معرفتها وعلمها، من أجل خلق فوضى عارمة، أو حركة في الفراغ تفيض بعنفها ما يفوق عنق السنامي على القرية الصغيرة، العالم : “الفوضى الخلاقة “، التي لم تخلق أي شيء آخر سوى الجثث الملقية على الأرصفة والذباب يتغذى من لحومها، والمشردين مع القتلة يغطون الأرض التي “تقاومنا”.
منْ لا يكتب لا يتعلم؛ ما يظن تعلمه من الأرض يأتي ويزول كالزبد. ثمة من طوبوغرافيا متعددة للكتابة، وذلك يعني استحالة التعرف على موقعها، مع أن إغوائها لا يكف عن النداء علينا للاقتراب من ذلك الموقع. هنا مكمن الخطر الأكثر إيلاماً : وهم التعرف، وهم الاقتراب من الموقع، الذي لا يكف، بدوره، عن الابتعاد والتلاشي كابتعاد وتلاشي النداء. لكي ينبثق صمت الكتابة الفاعل.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــــــري بـمـوقـعــنــــــــا
| د. صالح الرزوق : المرأة والكتاب المقروء / سارة هول.

آرا. اسم غير عادي. وإلا لما تعرف عليها. ولو مرت بجانبه في الشارع، وحتى لو …

| د. زهير الخويلدي : مقابلة مع جاك بوفيريس حول الأسفار الفلسفية .

“يروي الفلاسفة الكثير من القصص” اختفى جاك بوفيريس في عام 2021، وساهم في جعل عمل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.