ليث الصندوق : أليات استدعاء الماضي في “أطراس الكلام” ( 1 )

تشرح أيسر المعاجم اللغوية وأكثرها تداولاً كلمة طرس ( بالكسر ، ألصحيفة ، ويُقال هي التي مُحيت ثم كُتبت ، … ، والجمع أطراس ) ( 2 ) وقد اختار المؤلف عنوان روايته بصيغة الجمع ( اطراس الكلام ) ، إلا إنه وضع لكل فصل من فصولها الثلاثة عنواناً بناه من الحرف الأول لكلمة طرس ( بصيغة المفرد ) مضافاً إلى مفردة لها في الفصل ذاته دلالتها الموحية .
– فالفصل الأول ( طاء الطريق )
– والثاني ( راء النذير )
– والثالث ( سين السؤال ) .
وسواء كانت المفردة ) بصيغة المفرد ) أم ( بصيغة الجمع ) فكلا الصيغتين تحيلان إلى حدث مهم يعود لأيام فتوة الراوي ، وترك أثاراً على مستقبله ، يوم كان طالباً مولعاً بقراءة الروايات ، والكتابة على غرارها ، والنقل منها أحياناً إلى الحد الذي كان مُدرّسهُ ينبهه إلى ذلك – كلما إطّلع على نصوصه – مستخرجاً منها الهِنات والتناصات والصور والافكار والنصوص الغائبة التي جاءت من قراءاته الخارجية ، لقد كان ذلك المُدرّس هو الناقد الأول الذي سيغضبه دائماً ، لكنه سيضعهُ في النهاية على الخط الصحيح حين جاءه بالقصّة التي كتبها بعد أن كان قد سمعها من أبيه عن شجاعة جدّه الراحل ومدى تمسكه بارضه وغراسه . بيد إنه لم يختر يومذاك لقصته عنواناً واكتفي بان افتتحها بالآية ( 35 ) من سورة النور من القرآن الكريم ، ولشدة إعجاب المُدرّس بالقصة نشرها في النشرة الجدارية للمدرسة بعد أن اختار لها عنواناً غريباً هو ( طرس الكلام ) ، ولم يكن اختيار مفردة ( الطرس ) بدوافع ذوقية سطحية بقدر ما كان اختياراً نقدياً واعياً لظلالها الدلالية ، ( فالطرس – كما قال المدرس – هو الكتاب الممحو الذي تعاد عليه الكتابة ، وذلك هو شأن كل كتابة إبداعية حقيقية ، ما من نص قُيّض له الخلود إلا نتيجة تراكم نصوص سابقة له )  وستكون هذه القصة بعد سنوات طوال هي اللبنة الأولى لرواية أطراس الكلام ( بصيغة الجمع ) ألتي سيفتتحها هذه المرة عبد الخالق الركابي بالآية ( 35 ) من سورة النور ، في تماه لافت ما بين شخصيتي الراوي والمؤلف .
أقدار أوديب
في أبسط توصيف للرواية إنها نداء العودة إلى الأصول ( ألحب الأول ، والمدينة الأولى ، والبيت الأول ، واحضان الأم ، والقصّة الناضجة الأولى  ) وبدون تخطيط مسبق يباشر الراوي مواصلة كل تلك ( العودات ) بعد أن تلقى مكالمة هاتفية مبهمة من أحد أقاربه  يستدرجه للعودة إلى مدينته الجنوبية التي كان قد غادرها منذ سنوات طويلة ليسكن بغداد ، وقد جاءت المكالمة بعد شيوع نبأ الهجوم الجوي الأمريكي على المدينة وتسببه بكارثة إنسانية ، وهذه الكارثة على ما يبدو ليست سوى نداء سرّي موجه للراوي من القدر للعودة الى اصوله المقطوعة ، وتتردّد أصداء ذلك النداء الغيبي في التركيز على مسرحية سوفوكليس ( أوديب ملكاً ) في محاولة لافتراض علاقة ما بين مصائر الأبطال في النصّين ( أقدارنا تقرّرت سلفاً مثلما نطق العراف باللعنة على – أوديب – قبل أن يولد ) ، وبذلك كان الراوي يلخص لرؤى ( ما قيل ) عن المسرحية منذ أرسطو حتى فرويد ، ولكن ( ما قيل ) هو غير ( ما حدث ) ، ففي حين يلخص المقبوس صورة أوديب سوفوكليس أو ( أوديب ما قيل ) المستسلم لقدرية قاهرة ، فإن أوديب عبد الخالق الركابي ( أوديب ما حدث ) يبدو أكثر ارتباطاً بإرادته الحرّة ، وأقرب للصورة التي وردت في تحليل الدكتور طه حسين  ( لا يرى نفسه منهزماً ، ولا مسؤولاً عمّا تورّط فيه من الإثم ، فهو يؤمن أن التبعة يجب أن تكون للحرية ، وأن يكون حظّ الإنسان من هذه التبعة ملائماً لحظه من الحرية ) ( 3 ) وآية ذلك أن التناقض ما بين ( ما قيل / ما حدث ) تمخض – بعد سنوات من الحرمان والمعاناة – عن تحدّي الراوي ورؤى لظروفهما الاجتماعية القاسية وتفوّقهما في حياتهما العملية .
منذ اللحظة التي ردّ فيها الراوي على المكالمة الهاتفية المبهمة يكون الكاتب قد رسم خط الانطلاق لرواية تكاد تغلب عليها التداعيات التي تمر بذاكرة الراوي وهو في سيارة نقل متوجهة جنوباً تقلّ – إضافة إليه – عدداً من الركاب ، ولكل واحد منهم قصة …  وفي جو السفر المثير للشجون يسرد كل مسافر جوانب من قصته تاركاً للأخرين التعليق عليها أو التسلل عبر خيوطها إلى قصصهم هم ، ليعكس ( الراوي ) من خلال تلك القصص والتعليقات طبيعة الشخصيات ويحدّد مواقعها ضمن خارطة القصّ ، وليتخذ منها مسوغاً لتداعياته . لكن إعفاء الراوي من مهمات الراوي العليم ، واقتصار دوره على رصد ما يرى وما يسمع جعله محور الرواية ، وأداة تشكّلها الأساسية  ، فكل احداثها تمرّ من خلاله ، وحتى ما يسرده الأخرون يعاد ليروى على لسانه ، فهو المصفاة التي تتخلل عبرها الأصوات والأحداث الأخرى .
يقدم الكاتب بطله للقاريء من خلال قصة حب ملتبسة وغير متكافئة ( هي الثانية له في حياته العاطفية ) مع ( أسماء ) المنتمية إلى أرستقراطية المدينة والتي تسكن مع عائلتها في أرقى مناطق العاصمة ( شارع الأميرات في منطقة المنصور ) وهو الجنوبي ذو الأصول الفلاحية العريقة أباً عن جد . وقصة الحب هذه لم تفلح على ما يبدو ان تعوّضه عما افتقد من دفء حبّه الأول مع ( رؤى ) في مدينته الجنوبية الأولى ، ولم تفلح أن تُنسيه إياها ، بل إن الفوارق الطبقية والثقافية بينه وبين ( أسماء ) كانت حجر العثرة امامهما لوضع نهاية سعيدة لهذا الحب ، فبقى معلقاً في منطقة انعدام الجاذبية وعيناه ترنوان باتجاه الماضي .
الحياة في ثلاث محطات
أنّ فصول الرواية الثلاثة أشبه بمحطات عمر الإنسان الثلاث كما وردت في اللغز الذي طرحه ( أبو الهول ) على ( أوديب ) يلخص فيها الراوي مسيرة حياته من قبل ان يُبصر ضوء الحياة ( يوم كان لم يزل جنيناً في رحم إمه ) مروراً بسنوات الطفولة ، ثمّ النضج والشباب ،  ويُنهي روايته عند هذه المرحلة ولا يتعداها – كما تعداها اللغز – إلى المرحلة التي يمشي فيها الإنسان على ثلاثة . وفي حين تبدو الفصول وتسمياتها ( الحروفية ) متناظرة دلالياً ، إنقسم كل فصل إلى خمسة أجزاء مرقمة ( بدون عناوين ) وكأنها تتناظر مع بعضها ( إيقاعياً ) مثل قصيدة من ثلاثة مقاطع ، في كل مقطع خمسة أبيات .
أغلب أجزاء ألفصل الأول ( طاء الطريق ) ضمّت أقاصيص رفاق الطريق الذين اجتمعوا في سيارة النقل – دون معرفة مسبقة ما بينهم – للتوجه إلى مدينتهم الجنوبية التي تقول الأخبار إنها تعرضت لضربة جوية أمريكية ( وقد تعمّد الراوي تركها غُفلاً من الإسم ، بل غفلاً من اية إحداثيات تدلّ عليها ، وكانه أراد لها ان تتحوّل إلى رمز لكل مدن العراق في تعرضها لهجمات العدوان الأطلسي ) ، ودارت احدث الفصل في اكثر من مكان ( بناية الجريدة ، الشارع ، كراج النقل ، داخل سيارة النقل ) كما تحركت في الفصل اكثر من شخصية نوعية ، وأكثر من راوٍ ، بيد أن الفصل الثاني ( راء النذير ) اقتصر على الراوي الرئيس وتداعياته وهو ما زال في السيارة فالرحلة لم تنته بعد ، والركاب ما زالوا معه في ذات السيارة المتوجهة إلى (المدينة / الرمز) دون أن تبدر منهم سوى أحاديث مقتضبة تضعهم في صلب الرواية دون أن تُشركهم في صناعة أحداثها المركزية ، حيث يلفت الراوي إليهم الانتباه أحياناً بمنحهم فرصة للكلام والتذكر والتعليق متخذاً من ذلك – كما سبق التوضيح – مسوغاً لتداعياته ، دون أن يمنحهم فرصة تعدّي أدوارهم الحياتية الخاصة للاندماج في خط سير الراوي باستثناء واحد منهم هو ( رمزي ) الذي يقفز من سياق الهامش ليدخل في نص الراوي ويتلاقى مع خط سيره عندما يكشف لنا النص أخر مفاجآته فإذا برمزي هو أحد أشقاء ( رؤى ) .
إنّ الرواة الفرعيين الممثلين برفاق السفر هم الذين منحوا الرواية خاصية تعدد الرؤى والاصوات ، وحرّروها من هيمنة الراوي الفرد ، وأضفوا عليها إيقاعات جديدة تعبر عنها تجاربهم المغايرة واتجاهات حيواتهم المتشعبة الاتجاهات ، وبذلك فإنّ كل واحد من هؤلاء يشكّل نصّاً فرعياً في شجرة السرد الكلية ، فكل نصّ ذي طبيعة مركّبة هو ( مجموعة من البنيات الداخلية تتوحّد في النص الأكبر الذي هو النص قيد الإجراء ) ( 4 ) وهذه النصوص لا علاقة لأيّ منها بنصوص الأخرين من جهة ولا علاقة بها مجتمعة  بنصّ الراوي ( ألثيمة ) إلا من حيث أنها جميعاً تتلاقى مع خط السرد العام في نقاط  معينة وتذوب فيه .
وهذا الفصل حفل بمعارف في تربية الخيول وأصنافها وفي الزراعة والطوبوغرافيا إضافة لخبرات عميقة وصفها الراوي بدقة بالغة وهو يتابع مغامرات جده المجنونة وهويرتاد على صهوة فرسه المناطق النائية والوهاد العميقة التي تغمرها مياه السيول الجارفة . وفي واحدة من جولات الراوي مع جده وهو ما زال في عمر اليفاعة ، إكتشف رجولته المبكرة ، ويعبر الراوي عن هذا الإكتشاف في فقرة غاية في الإبهار ( سارعت بالهبوط وأسناني تصطكّ في فمي ، ليس بسبب البرد ، بقدر ما كان بسبب تلك النشوة الغريبة التي أكتنفتني وأنا أتطلع على امتداد المياه المزبدة نحو الأشجار المنتصبة على الحافة الأخرى للوادي كأنني ودعت عندها طفولتي إلى الأبد ) وهذا الإكتشاف ليس مجرّد نموّ طبيعيّ لفعاليات بايولوجية بقدر ما هو النقطة الفاصلة ما بين زمنين لكل منهما سردياته التي تتناسب مع وعيه ، وتترتب عليه أحداث تضع الراوي على مفترقات طرق ، وتوردهُ منزلقات لا مفر منها وهو يبني لنفسه شخصية مؤثرة وقوية .
في الفصل الثالث والأخير ( سين السؤال ) يخرج الراوي من صندوق تداعياته عائداً إلى رفاق رحلته ليسرد بعضهم حكاياته المحزنة ، حكايات الغائبين ، ولينتهي السرد الخارجي بربط ما كان قد انقطع من سرد داخلي . ومثل الفصل الذي سبقه يمنح الراوي رفاق رحلته فرصاً قليلة لملء فراغات الذاكرة ، ممهداً من خلال حواراتهم الطريق للانفراد بتداعياته متواصلاً مع ما كان قد انقطع مع نهاية الفصل الذي سبقه ، ليعود من جديد إلى تفكيك قصة الحب الأول مع ( رؤى ) وانقطاع الاتصال المباشر بينهما ليتحوّل الماضي إلى ملاذ يهرب إليه بحثاً عن السلوى ، فهاهو بعد فشل التجربة ، وفشل الراوي ووالدته في تليين صلابة أبيه وإقناعه بخطبتها له يأوي إلى خرائب بيت جده ليستحضره من طيات الذكريات ، لكن الماضي لا يعود ، والذكريات أعجز من أن ترمم ما انهدم ، وأعجز من أن تُبريء جراح الحاضر ( نهضتُ ملتقطاً المنديل ، نافضاً أياه قبل أن أعيده إلى جيبي ، نافضاً بذلك يدي عن كل ما يمتّ إلى ذلك الماضي العزيز بصلة ) هذا الخروج الفرعي عن الاستقامة المنطقية للأحداث لن يمكّن الراوي من العثور على حلول واقعية لمعضلته ، فأية حلول ترتجى من الأطلال ، والراوي على صغره يعرف ذلك بالتأكيد ، ولكنه اصر على التوجه إلى حيث الصمت وغبار الماضي والأطلال لا ينشد اكثر من الطمأنينة لروحه القلقة والدواء لنفسه العليلة ، أما الحلول الواقعية فهي بعيدة المنال .
ومثلما نفض الراوي يديه من الماضي العاجز عن نجدته في أحلك ساعات العُسر نفضتْ ( رؤى ) يدها من حياتها بعد أن يئست من إحتمال الانعتاق من الهوان الذي تعيشه مع  إخوانها القساة بعد افتضاح سر حبها ، وبعد أن يئست من إمكانية الراوي بنجدتها ، فتحاول الانتحار بإحراق نفسها . وكما يُبعد ( لايوس ) وزوجه ( يوكاسا ) إبنهما ( أوديب ) ويأمران بقتله في الجبال كي لا  تنتصر إرادة القدر وتتحقق نبوءة الأله ( أبوللون ) يطرد الأب القاسي إبنه ( الراوي ) من بيته كي لا يقترن ب ( رؤى ) .
في هذا الفصل يُجاب على كل الأسئلة التي ظلت بدون إجابة طيلة فصول الرواية ، وتُملأ كل فراغات السرد ، وتنتصر إرادة الحرية على إرادة القدر : ف ( رؤى ) لم تمت بمحاولة الانتحار حرقاً ، وانها قد أنقذت ، وعاشت تتحدّى ظروفها القاهرة بعناد لتكمل دراستها بتفوّق وتُقبل في كلية الطب . والشاب المرح المفتول العضلات الذي رافقه طيلة الرحلة بسيارة النقل من بغداد إلى مدينته ، والذي شكّ أنه سبق ان التقاه لم يكن سوى احد أشقاء ( رؤى ) كما سبق توضيح ذلك . والنعش الذي رآه ملفوفاً بعلم ، ومحمولاً على سيارة مغادرة للمدينة في ذات الوقت الذي كان هو في طريقه إليها هو نعش أبيه الذي راح ضحية ضربة جوية أمريكية . والأب المتصلّب ليّنه الزمن فندم بعد سنوات على التفريط بولده الوحيد وعدم تحقيق أمنيته بالاقتران بحبيبته ، والقصّة التي كان قد كتبها عن سيرة جدّه ، واعطاه نسخة منها وهو لا يجيد القراءة ، سيجدها مع المخلفات العزيزة التي تركها جدّه بعد وفاته ، وستكون تلك النسخة نواة روايته الجديدة التي سيكتبها مضيفاً لها ما استجدّ .
إستدعاء الماضي
ألزمن هو البطل الحقيقي ل ( أطراس الكلام ) إنه كما يقول فورستر ( يُنصّب وكأنه ربّ الخليقة ) ( 5 ) وزمن الرواية هنا يتحدّد بإطارين متداخلين ، ألاطار الأول : يمثله زمن الحدث الحاضر ، وهذا الإطار يتشكل منذ الصفحات الأولى لينتهي في اخر صفحة . وعلى زحمة ما يدور ضمن هذا الإطار من أحداث إلا إنه لا يمتد لأكثر من ( 24 ) ساعة ( أي منذ أن استلم الراوي المكالمة الهاتفية المبهمة + وداعه لأسماء + السفر بسيارة نقل + وصوله إلى مستشفى المدينة + لقاؤه ب ( رؤى ) + وصوله لبيت عائلته ) أما الإطار الزمني الثاني : فهو يتجسّد من خلال تداعيات الراوي ويمتدّ لأكثر من جيل رابطاً ما بين حياة الجد ، ثمّ الأب ، ثمّ الأبن ( الراوي ) ، متداخلاً مع سرد الأحداث الماضية التي يستغرق بها الأشخاص الأخرون ( رفاق السَفر ) .
لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن تذبذب إيقاع الزمن ما بين منطقتي الماضي والحاضر في الرواية لا يعدم توفير إشارات مبثوثة في طيات السرد إلى المستقبل ، ففي سيرة الجدّ إشارة إلى حرصه للاسراع بزراعة حقله بالمغروسات توقعاً منه لإحتمال صدور قانون – في المستقبل القريب يأخذ المغروسات بالاعتبار في حالة تمليك الأراضي الزراعية لشاغليها ، وكذلك توقع ( رؤى ) وهي في سنوات فتوتها انها ستتفوّق مستقبلاً وتصبح طبيبة .
ولأن التركيز هو بالدرجة الأولى على التداعيات ، فذلك هو ما يجعل من الماضي حاضراً في كلّ فصول الرواية ، فهو وحدتها البنائية الأساسية يحضر دائماً بطريقتين ، الأولى تكوينية : تتمثل في كون الماضي ما زال فاعلاً بالرغم من انطواء صفحاته فهو الأساس الطبيعي للحاضر ، وتأثيراته ما زالت بائنة على مسيرته ، وإنه المحرك  للكثير من احداثه ، فماضي الأب المتصلب ما زال يُرعبُ الراوي حتى بعد انفصاله عنه ، وإعجابه ببطولة جده ما زال المحرّك لدوافعه في الكتابة ، وهكذا تعود وحدات الماضي لتتشكّل في بنية الحاضر دون ان تموت أو تتلاشى مثل عملية احتراق السعرات الحرارية والتمثيل الغذائي ( هدم وبناء ) .
أما الطريقة الثانية فهي إجرائية : فالتطبيقات التي اعتمدها الكاتب في تحقيق رؤاه الفلسفية لعمله الروائي كانت وراء تلاعبه بمسار الزمن ، وتحريفه عن استقامته واعتراض توجهه للأمام ، فبدا متعرّجاً ، ومتقطعاً ، وطالما تراجع للوراء ( لكنه لا يبدو مطلقاً خارطة كرونولوجية ) ( 6 ) ، إنها لعبة الذاكرة التي تفكك خطاب الزمن لتصوغ للنفس زمنها ومنطقها بعيداً عن قوانين الفيزياء . ووفق أليات الذاكرة المتجددة يتشكّل الجزء الأكبر من الرواية ضمن تداعيات يستغرق بها الراوي وهويستحضر قصص ماضيه في مدينته الجنوبية ليكون في التالي زمن تلك التداعيات جزءاً اساسياً من الزمن الكلي للرواية .
أليات استدعاء الماضي
لكن الماضي يتداعى في ذاكرة الراوي وفق نظام يأخذ بالاعتبار تسلسل الاحداث وطبيعتها ، ففي الفصل الأول تأخذ التداعيات شكل إيحاءات وتلميحات يبثها الراوي هنا وهناك زارعاً أولى بذور روايته ( ها هو وجه جدي يطل من بين تلك الوجوه ليذكرني – من وراء وحشة القبر – بعبث مسعاه معي ، فلا خيوله التي درجت بي على درب طفولتي نحو تخوم الرجولة ، ولا أرضه التي غرسها بالفسائل ليلاً برغم الرصاصات المنذرة الصافرة فوق راسه في الظلام قد افلحت في إداء مهمتها معي ) وما ( خيول الجد ) و ( الأرض المغروسة بالفسائل ليلاً ) و ( ( ألرصاصات المنذرة ) إضافة إلى ( رؤى ) و ( أخوتها الذكور الطائشين ) و ( أللقاءات السرية البريئة ) و ( الأفلام الهندية ) … وسواها كثير ، ما هي إلا نماذج لتلك البذور التي سيبقى أكثرها في هذا الفصل محض إشارات تبحث لها عن معنى ، بينما ستفتح مناطق اخرى للتداعيات يستعيد من خلالها الراوي علاقته المضطربة بأبيه ، ويعرّج على المعارف التي تلقاها منه ، وسيوسع من منطقة تداعياته بدخوله إلى منطقة لا تمت لذاكرته ولا لعمره بصلة ، وليس من المنطقي أن يكون قد وعى زمنها أو أحداثها ، وذلك يوم هربت به أمه ليلاً عبر الحقول المظلمة باتجاه القرية وهو لم يزل جنيناً في رحمها ، هرباً من بطش ابيه الذي كان قد أنذرها بأوخم العواقب إن هي ولدت له كالعادة بنتاً أخرى .
والتداعيات في هذا الفصل تنتمي إلى مستويين ، الأول ، هو تداعيات الطبقة العميقة من الذاكرة التي تشمل الأحداث البعيدة زمنياً ، والتي وجدنا نماذج لها فيما سبق . إلا أنه هناك مستوى أخر من التداعي ينبش فيه الراوي طبقة المنطقة السطحية من الذاكرة التي تشمل الأحداث القريبة زمنياً ، ليبحث فيها عن إجابات لأسئلة الحب المضطرب  الذي ما زال يخوض تجربته مع ( أسماء ) ، وهنا يتذكر بدايات هذه العلاقة ، والمحطات التي مرّت بها ، وتحليل زملاء العمل لأسباب اضطرابها .
وفي حين تستوعب تداعيات المستوى الأول كامل الشريط الحياتي للراوي بكل ما يضمه من أشخاص واحداث تشغل الرواية برمتها تقريباً ، تقتصر تداعيات المستوى الثاني على علاقته المضطربة ب ( أسماء ) التي لا تشغل من الرواية سوى صفحات قلائل ، أو بضع إشارات في دلالة ضمنية على تمسك الراوي بانتمائه إلى تاريخه ، وطبقته الاجتماعية ، ومدينته ، وأهله ، بل وإلى حبيبته الأولى ( رؤى ) بينما ستتلاشى وتختفي إلى الأبد تداعيات المستوى الثاني .
في الفصل الثاني تبحث التداعيات عن ذريعة للانبعاث ، ومع انبعاثها تتشكل حلقات ، كل واحدة منها تختصّ بذكرى محددة من جهة ، ومن الجهة الأخرى تكون تلك الأخيرة ذريعة لانبعاث تداعيات تالية حتى لتكاد تتسم التداعيات في هذا الفصل بالسلسلة المترابطة الحلقات ، والذريعة الأساسية التي أطلقت سلسلة التداعيات هنا هي المثل الشائع الذي كثيراً ما كان يردده والد الراوي ( قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق ) والذي تذكّره الراوي في حمى نقاش بينه وبين بعض رفاق السفر . هذه الذريعة لإطلاق سلسلة التداعيات ستكون في الوقت ذاته الحلقة الأولى فيها ، فمع تذكر المثل تذكر أباه ، ومع تذكر أبيه عادت سلسلة التداعيات تطلق حلقاتها المماثلة لمواصفات الحلقة الأولى ( المثل الشائع ) فهاهو يتذكر شجاعة جده في الدفاع عن أرضه وغراسه ( مصدرا رزقه ) لتكون قصة الجد الحلقة الثانية في السلسلة المتماثلة الحلقات ، وتقوده هذه القصة إلى الحلقة الثالثة متمثلة بقصة توجهه لممارسة الكتابة الإبداعية لتخليد بطولة الجدّ دفاعاً عن مصادر رزقه ، وتستمر التداعيات بالتدفق لتنتهي بالحلقة الأخيرة من السلسلة متمثلة بقصة حبه  مع ( رؤى ) فكأنّ التصنيفين الدلالي والعاطفي للحب يضعانه في خانة الأرزاق .
وكما يتلاعب المنتج السينمائي بشريطه حذفاً وتقديماً وتأخيراً ، ثم ربطاً من جديد مع ما كان قد انقُطع ، تشتغل الذاكرة في الفصل الثالث ( الأخير ) على المبدأ ذاته ، فها هو الراوي يُباشر عملية ربط ما تقطع من شريط التداعيات والبحث عن ذرائع للإخفاقات ، فهو يتذكر ( أسماء ) تذكراً باهتاً ، فعلاقته بها محاولة لترقيع فتوق الماضي التي تخلفت عن تركه مرغماً ل ( رؤى ) ، لينتهي بالنقطة الحرجة التي انقطعت فيها علاقته البريئة ب ( رؤى ) وتحولت ذكرياتها إلى كابوس يغير مجرى حياته وعلاقته بأبيه .
وتستغرق تداعياته عن زمن الحب الأول كامل هذا الفصل لتنتهي بوصول حافلة النقل إلى مستشفى المدينة ويكون القدر الذي لم يرحم أوديب قد أعد له هناك مفاجأتين متناقضتين ، الأولى : موت ابيه في الغارة الأمريكية ، والثانية : لقاؤه بحبيبة العمر الأول ( رؤى ) طبيبة في مستشفى المدينة . وكأنّ القدر اراد من خلال المفاجأتين المتناقضتين أن يوازن ما بين نجاحه في التلاعب والهيمنه على أعمار البشر من جهة ، وفشله في أن يجرّدهم من حقهم في ممارسة الحرية من جهة أخرى .

_________________________________________________
( 1 ) اطراس الكلام – عبد الخالق الركابي – 2009
( 2 ) مختار الصحاح – محمد ابو بكر الرازي
( 3 ) أوديب وثيسيوي – اندريه جيد – ترجمة الدكتور طه حسين
( 4 ) تأويل النص الشكسبيري في الخطاب السينمائي – بان جبار خلف – وزارة الثقافة السورية – 2008
( 5 ) أركان الرواية – إ . م . فورستر – ترجمة موسى عاصي – جروس بيرس
( 6 ) أالمصدر السابق

شاهد أيضاً

الذباب والزمرد
رواية القاص عبد الكريم العبيدى
رؤية نقدية: عبد الهادى الزعر

هل يمكننا استنطاق النص ومحاولة تفسيره ؟ فالعنونة أحيانا تكون العتبة الاولى لولوج متاهة القص …

قرآءة في قصة “قريني” للقاص “دليل يوسف”
مروه العميدي

للكاتب والقاص دليل يوسف، تولد الجزائر عام 1985م، وهي أحدى قصص مجموعة “فلسفة تحتاج الإبداع” …

شوقي كريم حسن: نصيف الناصري… وظيفة السرديات الشِعرية!!

* نصيف الناصري، الولد المرتبك دوماً، الحاس الى حد الهلع بالخوف من مجهولات كانت ترافق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *