شوقي يوسف بهنام : من أوراق حسين مردان السرية
رؤية سرية 2

بورتريه للشاعر الكبير حسين مردان

الهوس الجنسي أو الشبق أو النهم الجنسي Aphrodisia الذي يطفح به منجز حسين مردان الشعري لا يحتاج الى كثير من العناء . وهذا الهوس لم يكن عائقا عند حسين مردان لأن يطالعنا بجانب خفي من ذكرياته . ونعتقد ان الشاعر عد مثل هذا السلوك ضربا من فلسفة العبث التي ينادي بها . وفي عنوان اوديبي صريح يعنون به الشاعر قصيدته موضوع السطور الراهنة . والعنوان هو ”  ثدي أمي ” . وقبل ان ندخل عوالم القصيدة . لا بد من وقفة عن رمزية الثدي . يحدثنا معجم الجسد الصادر راهنا من المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع في عدد من الصفحات عن هذا الجزء الحيوي من الجسد ولكن سنقف عند الفقرة التي تحمل عنوان ” الثدي والتحليل النفسي ” ليقول ” ان التحليل النفسي ، وبشكل رئيسي التحليل النفسي للطفل في أثر ميلاني كلاين ، قد منح للثدي مكانة هامة إلا انها محدودة ،بعدم الاهتمام به إلا بوجهة نظر الطفل (وبوجهة نظر الطفل في الراشد ) . ظهر الثدي في نتاج فرويد ، من جهة (1925) كعامل إدراك وتعلم الحقيقة بواسطة ” خسارته ” (سحب الثدي) في بعده الدقيق  ” والفطام” في بعده الوقائعي والتاريخي ، المكون ” لتجربة صدمة ” بالنسبة للطفل ” المقتنع دوما أنه رضع قليلا جدا وخلال وقت قصير جدا “؛ ومن وجهة نظر أخرى كعامل نمط من العلاقة الوجدانية التي بسبب قدرتها على إشباع ” الجوع والمحبة ” في آن واحد ، تصبح فيما بعد نموذج كل علاقات الحب اللاحقة وموضوع تركيز نفسي حنيني شديد (1905؛ 1938). النوم الذي يغرق فيه الرضيع الشبعان بين ذراعي مرضعته هو نموذج النوم بعد المضاجعة المولد للحلم الأبيض الذي” شاشته هي الثدي ” (لوين ،1949) . إن” فقدان الثدي ” ، مثال فقدان الموضوع المحبوب ، هو قالب التنظيمات الاكتئابية (كلين ، 1968) .من اللافت للنظر أن الثديين ، العضوين الرمزين للمرأة ، لأنهما يشكلان منطقة مثيرة للشبق يلعبان دورا هاما في حياتها الجنسية وفي علاقتها بالطفل بقدر ما لأنهما ‘ينتظر‘ بروزهما ، مع كل النتائج النفسية المرتبطة بهذا الانتظار (ماذا بشأن ” رغبتها بالقضيب” لو كانت موهوبة بثديين قبل البلوغ؟ ) ، وهذان الثديان استبعدا من التفكير التحليلي النفسي . أسباب هذا الاستبعاد متنوعة ويجب البحث عنها في تطور نظرية التحليل النفسي ذاتها ، في المكان المعطى للجنسية الطفلية ولعواملها ، في ما يسميه (لابلانش ،1993) “ظلال الجنسانية ‘المضفى عليه الصفة الإحيائية عند فرويد ” وهذا قاده الى تناول مسألة الثدي بصورة مكررة ،من وجهة نظر مختلفة . ربط لابلانش هذه المسألة بقضية الإغراء (وليس بإغراء محتمل بل ” بإغراء معمم ” ) وبأصل الجنس ، معرضا تصورا داخلي النمو لدى فرويد بتكون خارجي النمو حتما للجنسانية النفسية البشرية ،تسندها مفاهيم ” الرسائل الملغزة ” و” المواضيع – المصدر” .لأن الثدي ، كما قال ، هو منطقة مثيرة للشبق عظمى لدى المرأة ،و لا يمكنه الا يلعب هذا الدور في علاقتها بالطفل ، دافعة الى التساؤل :ماذا يريد مني هذا الثدي الذي يغذيني لكنه يثيرني أيضا ؟ ماذا يريد ان يقول لي ، شيئا لا يعرفه هو ذاته ؟ أسئلة غامضة للرضيع تبحث عن معنى ، هذا الرضيع الذي طفح بفيض من ” الرسائل ” الصادرة عن هذا المورد الثديي ؛ أسئلة غامضة متوازية لدى الأم – الثدي ذاتها ، التي طفحت بفيض من انفعالاتها واستيهاماتها .الكشف عن ثدي آخر خلف ثدي أمه مكرس للحماية وحدها وللحفاظ على الحياة، عن ثدي جنسي ‘ يهيج وبالتالي متهيج في ساحة أخرى يطرح الإرضاع كوضعية نموذجية “لأغراء أصلي ” للكائن البشري . العلاقة بالثدي ، المثال الأصلي للعلاقة بالطفل ، أفادت لابلانش – الذي أوضح ان”مثال الثدي ليس ربما سوى خرافة حكمية” – لتأكيد ” أولية الآخر “في تكون الجنس ، في ” انغراسه ” عند الكائن البشري .وعلى اثر لابلانش ، ستخضع مسألة الثدي من وجهة نظر الفتاة ، المرأة والأم لأفكار نفسية وتحليلية (لانوزيير، 1988؛ 1990بارا ، 1999) (1) . والحقيقة ان هذا المعجم قد توسع في دراسة الثدي بصورة قد لا تهمنا كثيرا في موضوع سطورنا ولكنها مهمة في تسليط الضوء على رمزية الثدي . ويرى الباحث اللبناني الدكتور خليل أحمد خليل في رمزيات الثدي ما يلي ” رمز الحماية والقياس . يدل في آن على الصبية / الشابة وعلى مكيال السوائل أو مقياس الطول “.
1-  النهد ينتمي إلى المبدإ الإنثوي ،القياس بمعنى الحد ؛ فهو ليس قياسا الا بفعل هذا الحد .فهو بخلاف المبدإ الذكري الذي لا يحد ،والذي ينفلت من كل عقال .
2- يرمز النهد الأيمن الى الشمس ، والنهد الأيسر الى القمر . كأنما صدر الأنثى فلك يدور فيه كوكبان .لذا يقال في العربية تفلك النهد ، إذا طلع .
3- النهد رمز الأمومة واللطافة والرهافة والطمأنينة (الأمن والأمان) والينبوع . فهو يتعلق بالخصوبة واللبن ، الغذاء الأول للوليد ؛ ويتصل بصور الحياة الحميمة (حضن الأم ) والقربان (معنى القرابة) والعطاء (معنى التضحية) والملاذ (معنى الوقاية والحماية) .
4- النهد كأس مقلوبة ،مثل السماء ، تسيل منه عيون الحياة . وهو وعاء مثل كل رمز أمومي (الأم وعاء الوعي واللاوعي ،يمتلئ ويفرّغ)؛ووعد بالتجدد والنهوض .
5- ثدي إبراهيم يدل على مكان راحة القاسطين ، العادلين . القبول في حمى إبراهيم يعني الحصول على نعمة النشور الأول . ففي حضن إبراهيم لا يوجد ألم ولا عذاب ولا تأوه (برد وسلام) (2) . لنعود الى شاعرنا حسين مردان الذي كشف لنا عن ذكرى سرية ، كما قلنا ، من ذكرياته . هناك تعليق قبل القصيدة يعد بمثابة حدث تلك الذكرى . حيث يقول :-
رأيتها عارية فوددت
لوعدت طفلا مرة ثانية
( الأعمال الكاملة ، ص 20 )
***************
هذا التعليق هو للشاعر نفسه . لم يجبره احد على كتابته . معنى هذا انه نتاج لملء الارادة . المتلقي ؛ ناقدا كان أم متذوقا أم محللا سوف يأخذ الكلام على ما هو عليه من خطاب وفعل زمكاني محدد . متى رآها وأين وكيف و..و.. ؟ هذه أسئلة متروكة للشاعر . إذن هناك ، بناءا على هذه العبارة ، فعل ورد فعل . الفعل يتجلى في رؤية الشاعر لامه وهي عارية . بينما رد الفعل يتمظهر في أمنية الشاعر ورغبته لان يكون طفلا مرة أخرى . الفعل الأول أمر واقعي لأنه تم في زمان ما ومكان ما . اللامعقول في الأمر أو المستحيل فيه هو في رغبة الشاعر وأمنيته ليصير طفلا من جديد . وكما يعرف العاملون في مجال التحليل النفسي بان العبارة المكتوبة أو المنطوقة تعد تعبيرا عن رغبات تعتمل في لاوعي قائلها أو كاتبها . قلنا ان الشاعر لم يك مجبرا على كتابة هذا التعليق . وهذا يعني انه على وعي بهذا الحدث الذي أصبح ذكرى عالقة في ذهنه لسنوات طويلة . وهذا التعليق سوف يكون بمثابة سندا لمنطق القصيدة . لا يمكن ان يصير طفلا من جديد الا في حالة واحدة هي التثبيت    Fixationالنفسي ومن ثم السلوكي على فترة من فترات النمو في الطفولة . في الحالة سوف نصف سلوكه على انه حالة نكوص  Regression على تلك الفترة من فترات النمو . وهذا ما يفسر لنا هذا التعلق الشديد بالثدي عند الشاعر سواء في هذه القصيدة بالذات أو في قصائد أخرى غيرها . لنقف عند القصيدة التي حددناها في هذه السطور ثم قد نقف عند قصائد أخرى للتدليل على تصوراتنا .  يقول الشاعر أثناء رؤيته لأمه وهي عارية :-
آن للحب ان يموت ويفنى
حلمي العذب في بريق السراب
أنت من أنت ! شهوة تتلظى
وجحيم أحرقت فيه شبابي
فاذهبي : اذهبي بعيدا فقلبي
لم يعد غير حفنة من تراب
وظلال تغيب شيئا فشيئا
(المصدر نفسه ، ص 20)
**********************
انه نداء للثدي . سواء أكان ثدي أمه أم ثدي غيرها . لقد أجبرنا الشاعر من خلال عنوان القصيدة الى ان نتمحور حول ثدي الأم على وجه الحصر . لا اعتقد ان الشاعر عنون هذه القصيدة بهذا العنوان اعتباطا وكيفما اتفق . ليس العنوان عبارة عن هذيان لغوي تحت أعباء نوبة مرض كالفصام مثلا . لقد وصف الثدي بالجحيم . الجحيم نار لا تنطفئ . همها الأكبر وشاغلها هو الالتهام . لقد احترق شباب الشاعر في لهب والسنة تلك النار الخالدة . الشاعر وصل الى نهاية المطاف مع ذلك الجحيم …انه المحترق تماما . لم يعد سوى حفنة من تراب وظلال آيلة الى المغيب . والثدي كان وراء كل ذلك . الشاعر يطلب منها ان تتركه وتغادره . ترى هل غادرته ام هو الذي غادرها ؟ يقول الشاعر :-
قد رضعت الفجور من ثدي أمي
وترعرعت في ظلام الرذيلة
فتعلمت كل شيئ ولكن
لم أزل جاهلا معاني الفضيلة
فدعيني أعيش وحدي غريبا
بين أحلام قلبي المستحيلة
يصرخ الكأس فارغا في يديا
(المصدر نفسه ، ص 20-21)
**************************
لا أريد ان اعلق أو استنتج على وجه أدق خفايا تنشئة الشاعر الأسرية . وعلى الرغم من ان الاعتراف واضح من الشاعر على تلك البيئة الأسرية التي ترعرع عليها الشاعر هي بيئة لم تعلمه غير الفجور . لا اعتقد ان هناك تفسيرا أو تأويلا لعبارة واضحة كهذه . ينشأ التأويل من غموض الظاهرة وتعدد اشكالياتها واحتمال قراءتها بقراءات مختلفة . ما حاجتنا إلى التأويل ولوي عنق النص إذن . وبحوزتنا هذا الاعتراف والإقرار الصريحان عن حياة الشاعر الذاتية . لقد تعلم كل شيئ الا انه ما زال يجهل معاني الفضيلة . في هذا المقطع أيضا رغبة الشاعر بالفرار من ضغط ما حوله له والرغبة في العيش وحيدا ليسمع  صرخات كأسه الفارغ طالبا المزيد من الجرعات حتى ينفلت من وعيه . ترى كيف يرى حسين مردان من حوله ؟ سؤال يجيب عليه المقطع الثالث . ها هو يقول :-
كل ما في الوجود شيئ قبيح
وقبيح حبي لهذا الوجود
وشربت عمري الليالي ونامت
بين جنبي ثورة المعمود **
فكرهت الهوى – كرهتك أنت
فابحثي اليوم عن عشيق جديد
يصطفيك الغرام عذبا شهيا
يا فتاة الضباب لم يبق ألا
جسد متعب يحضن المنون
وشفاه زرق عليها بقايا
حلم النار والهوى المجنون
فاتركيني … لا لا تعالي فإني
لم أزل عبد شهوتي
فكلي كل ما تبقى لديا
(المصدر السابق ، 20)
*******************
تلك إذن هي صورة العالم عند الشاعر . ليس في الكون غير القبح . من هنا هذا التوجه نحو العبث فيه .. اعني في العالم . في داخله ثورة جامحة . حسين مردان مسكون بالشبق . وفي المقطع تذبذب عاطفي واضح تجاه موضوع الحب .. أيا كان هذا الموضوع وتحت أي مسمى . لقد اجتمعت في دواخله الحب والكراهية في آن واحد . ربما لأنه لم يجد من يفهم حسين مردان من النساء والرجال على حد سواء . حتى الأم التي يخاطبها بخطابات مختلفة . واصفا إياها بفتاة الضباب . ونعلم من تكون مدينة الضباب وماذا ترمز . وعبارات أخرى تقلل من شأنها . الشاعر وقع في حيرة بين التعلق الرمزي بالأم أو مثيلاتها من النساء وبين الانعتاق من هذا التعلق . فتارة يطلب منها مغادرته للبحث عن عشيق جديد ويصف جسدها الواهن اللاممتع بعد وتارة أخرى يطلب منها العودة لأنه ما يزال عبدا لشهواته . حسين مردان لم ينضج النضج الجنسي السليم لا زال يبحث عن ثدي يشبعه الحليب والأمن معا وهذا ما يطلق عليه بالجوع العاطفي .

الهوامش :-
1-  مارزانو، ميشيلا ، 2012 ، ” تحرير ” ، معجم الجسد ، ترجمة : حبيب نصرالله نصرالله ،  المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان ،ط1 ، ج1 ، 513- 514 .
2- د. خليل ،احمد خليل ،  1995 ، معجم الرموز ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، لبنان ، ط1 ،ص 177 .ولا يذكر  فيليب سيرينج ، أي شيء عن رمزية الثدي عندما يستعرض رمزيات أعضاء الجنس البشري . راجع كتابه : الرموز في الفن والحياة والأديان ،1992 ، ترجمة : عبد الهادي عباس ، دار دمشق ،  دمشق ، سورية ، ط1 ، ص 508 . وراجع أيضا كل من:-
ا- د. الحفني ، عبد المنعم ، 1992، الموسوعة النفسية الجنسية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، مصر ،ط1 ، ص401 – 405 .
ب – حمزة ، على عبد الحليم ، 2002 ، القاموس الجنسي عند العرب ، رياض الريس للكتب والنشر ، بيروت، لبنان ، ط1 ، ص123- 130 للتعرف على المسميات المختلفة للثدي في اللغة العربية .
** هكذا وجدنا هذه المفردة في الديوان .  

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.