عيّال الظالمي : حسين القاصد في مضيق الحناء
الحدود الغائبة بين الحلم والواقع

المدن المكتظة تحتاج إلى شاطئ مياه هادئ،أما الأرواح القلقة تحتاج لوقت استراحة. لأول قدم عند العتبة الأولى من مضيق الحناء آخر باب قد لوّن لكي يكون عنوان الوصف ومحور السرد والدالة الأولى لبيت كبير بعائلته، وأسراره وتأريخه وديمومته وتكوينه وتكوّنه فهو جملة من كلمتين.المضيق وهو الممر الضيق ربما تحْتّكُ فيه الأجساد حين مرورها، لقلة مساحته وإقتراب جدران البيوت في الأحياء الفقيرة وما يسمى في اللهجة الشعبية أحيانا الدربونة أو ربما كانت المساحة الضيقة لحيّه أو منطقة القطاع الذي تربى به، وليس المضيق الجغرافي. لكن عملية إضافته إلى الحناء وتسمى أيضاً بالحنة واليرناء والرقان والرقون والأرقان وهي نبات من الفصيلة الخثرية التي تتبع رتبة الآسيّات. وكمادة تتكون من طحن أوراق شجرة الحناء أضفى عليه قدسية، وتمائم روحانية، وعقائد، واعتقادات. فالحناء شجرة مباركة استعملت هذه المادة للخضاب الرؤوس، وشعر الذقون، والأقدام والكفوف منذ الألف الأول لإطلالة إبراهيم الخليل ع وانتقل إلى تخضيب المزارات حيث الأولياء والصالحين والأسياد، وأصحاب البخت الكبير أي أصحاب الحظوة بنصرة الخالق. مضيق الحناء رواية للشاعر الكبير حسين القاصد صادرة من دار الينابيع سوريا إسترجع من خلالها نشأة مدينة كل من يطأ عرش العراق ينسبها بإضافتها إلى اسمه، فاقترنت عبر عصور أو كَمٍّ من السنين تاريخيا بقادة العراق السياسيين والدينيين فهي مدينة الزعيم،ومدينة الثورة، ومدينة صدام ومدينة الصدر…الخ .ومن عتبة الإهداء
إلى» شقيق الثلاثين جمرة ها أنا أتوهج دمعا خفيا
إلى» أمة مازالت حين تجوع تأكل أبناءها
إلى» العراق دام ظله إليك لكي تختزل كل إلى أقول
الموت أقدمُ آدمٍ سكن العراق فلم يزل تفاحُهُ قرآنُه.
ففي روايته البكر جعل من الإهداء خطابا جماليا مناظرا لحركة العصر، ومستجيبا لمنطقها الحيوي في التدليل والتصوير والتمثيل. استحدث بدائل نوعية تعلل من المساحة الغنائية بالقدر الذي يبقي الكلام في دائرة جنس السرد.إنحرافه تخييلي محددا يتعلق بنسق انفعالي ذي مرجعية نفسية.عند الخطوة البادئة لحركة قطار السرد . [وهو لم يفكر أبدا بترك مجده وجاهه، وهناك حيث كانت مياه الهور تحيط به وكانت كل أنواع الطيور تزوره كل عام وهو يفهرس ويتفقد كل نوع منها إذا غاب في موسم إقبال طيور الكون على مثلث الأهوار، وهو في الطريق إلى بغداد كان يتصفح ذاكرة الماء ويتألم لدرجة لم يشهدها من قبل كانت محطته الأولى ليباشر حركته التعبيرية في نسق مكاني مشحون بعاطفة رعوية الأهوار القرى إتسم في مضاعفة قوة المتخيل في الصورة من اجل اختراق الحجب الكثيفة من صوت الماء حين يشقه المشحوف ويتركه مبعثراً بشكل مثير ليعود ويلملم جرحه ويلتئم ، فيأتي مشحوف آخر ليعيد الكرّة ]هنا وضعنا على تخوم الذاكرة كي تصبح بمواجهة القراءة البصرية تماماً.
استثمر الكنز الدلالي الإستثنائي،الذي أفرزته انبثاقاته وكوّنت صورة الضمير بحركتها التعبيرية الهائلة لتمكنه، وامتلاكه لذات شاعر تنفتح على فضاءات الحكاية، فهو سارد موجز برؤى جمالية توظف الفتنة، ومعتمد على الاسترجاع الفلاش باك، بصياغات أخّاذة، لقد وصف علاقة المستفيد مع المحتل غير المتكافئة مع الرجل الإنكليزي ومقدار التنازل في القيم حين كان يرسل الطعام اليه تحمله زوجته.   .[ كان فأر الشك يدور في صدر مهموش ويعبث بهواجسه ويدغدغ البعض الصالح من الظن إذ ليس كل الظن إثماً ــ فترتبك دواخله ويشتعل الوجه قلقاً ويفكر ان يحدثها في الأمر أو يتصرف أي تصرف يرد له اعتباره النفسي] .
ابرز خصائص السارد يفيض نضج تجربته من وعي في الأداة ووعي بالتشكيل والمفاجئة، فقد سعى القاصد دون جهد لإيجاد الموائمة بفنيّة عالية المستوى بين خصوصية تجربته وتأريخ مكانه، لمّا يختزنه من مواقف وصور تنوعت وتعددت وتمظهرت عبر مرتحل تعددت سنينه بل جمراته. حرث وكشف مناطق الظل والضوء بعفوية، وسخونة أحداثة.وقد استعمل استعاريا شحنات الإتساع والإمتداد والانفتاح والغموض معاً. لكي يستدرج القارئ لمضيقه الذي إتسع حتى عبر الحدود، فهو المتلقي والمشتغل والمفسر والممول. فكان مكانا جيدا ضمن محيطه الوصفي وعودته كراوي مخرج من عباءة شعره، ليبحر في زمن الذاكرة مستبعدا الأمكنة والأزمنة والحالات والرؤى بكل عفوية، ببساطة وتشبيه عاطفي حيث منطقة الينابيع الأولى. وضح لقارئه صراع التنوع بين قيم الأمس المقدسة والإنفتاح الذي عرّى تلك القيم حيث بانت هشة فاقدة للود والمحبة،حين فقدت للواعز الديني، انحدرت هذه العائلة من علياء المكان المرموق وسطوة الأب إلى سطوة التحالفات والتنازل، وتشتت الأبناء في مجاهل اللذة والرغبة، الجحود والشذوذ العاطفي لأن المخرجات أتت من أسس خاطئة.  [ ولأن مظلوم كان يخرج صباحا و لا يعود إلا صباحا ليخرج ثانية، إما مهموش فقد دخل عصر المدينة الحقيقة فقد جلب له احد ابناء بلور مذياعاً لكنه لم يستمتع بأغاني داخل حسن التي كانت تنقله إلى سحر المشاحيف ومملكته الرملية في ضفاف الهور لأن نطحة خريبط ومضاعفاتها سارعت برحيله إلى العالم السفلي .] لحركية التعبير انبثاقا في أوج عنفوان عطائه من بؤرة التمثيل الأسطوري عند عباس بن فرناس ليبرق رمزيا وسيميائيا بأبعاد طقوسية واعتقاديه صوّر لنا قطاع 36 من المدينة والتحولات به كجزء منها ودلالته كانت سيارة نقل الركاب تدور حول المدينة التي من أهم رموزها هو تمثال ومدرسة ابتدائية يحملان اسم عباس بن فرناس لإيجاد قوة طبيعية قرائية داخل القوة الإدراكية لما تنتهي به العتبة القادمة من عتبات روايته. أدار شخوصه كحكّاء بصور حركية على جملة أفراد في فريق ينضوي تحت أجنحة التمثال، فصار رمزا لمنطقته.
لغة الحكاية عند حدود السرد اللفظي لم تقوض لعبة الحلم وتترك آثارها رذاذا لغوياَ كثيفاَ يغطي مرايا الصورة المنقولة كعلامة متجددة على مدلول غائب. فهو حين يعود لنسائم الحب الأولى تراجعياً . [ كان تعلقي بـ أمل يمثل أول تفتح حقيقي لأزاهير القلب، بل أول تفتق للمعنى في ذهنيتي لأنها منحت اغلب الكلمات معانيها وصار لكل حرف مذاق، كنت اشعر بان مشاعري تجاه الآخرين ليست حبا لأني عرفت أخيرا إن كلمة حب تطلق على العلاقة التي تجمع خافقين لا يكفان عن الخفقان حتى يحتشد الدم احمرارا في الخدود وتزدحم الكلمات تلعثما في الشفاه ] أمل التي غيبها ضمن فتنة إيقاعية جميلة ولذة قُبلتِها، تحت سخونة الدخان الطارد للبعوض.يتجلى صوت الزمن الموحش المتوحش بحركة شخوصها ومسمياتها مشحونا بذاكرته عاطفة تنفتح إيقاعيا لأمس محمل بالأسى والحب والصحب ثم الالتحام إلى حد التماهي.
احتفلت الرواية بصورة الفلكور الزمني ما بين العائلة القادمة بالفلاش باك.لأمس تلونت صوره السياسية »الاجتماعية وحاضر لا لون له، ربما احمرَّ بإسطورة الإبتلاع عند الحدود الفاصلة ما بين الجسر و أم الطبول وعدم عودة الأطفال أي قطاف النبت الجديد قبل أنْ يشب، ويشتد لكي يثمر. لقد وضع ظلامة على الجانب الآخر أو نقل صورة الظلامة بغربة واغتراب عن أهل أو جوع أو خوف. [ ومازلت اذكر ذلك الطفل الصغير الذي فقد في غيوم أم الدخان ولم يعثر عليه احد، فنسجت حول غيابه الكثير من الحكايا وقد أقسمت بلور أكثر من مرة أنها شاهدت أم الدخان تلفه بدخانها حتى اختفى بينما تقول دهشة إن الطفل لم يختف لكن أهله خافوا عليه من الحسد والاختلاط بالشروكية فمنعوه من الخروج……بينما فكرت دهشة بان تمنع الأطفال من النزول إلى الشارع خوفا من اعتداء خارجي ]وقد يكون من جهة أم الطبول فهي المنطقة الوحيدة التي وصل الخوف القادم منها حد الأساطير ، تأويل رموزه نظم تعبيرية وحساسية تصويرية بالغة الدقة لأن عيونه واسعة احتوت جدل الحياة وانتظار الصوت، لم يحشد لها لغة شعرية باهضة في هيكلية عتبات النص.[ يقال انهم دخلوا عليه فوجدوه مرميا تحت رفوف كتبه التي كسرها وحين سألوه قال إنها اللاجدوى ويقال إن أمه أخذته إلى المشفى مغمى عليه وحين سألوها مما يشكو ــ قالت لهم انه يعاني من شيء في رأسه يؤلمه كثيرا ــ أنا لا اعرفه ــ لكني اسمعه يئن من شيء يطلق عليه اسم اللاجدوى.] لم يستبق السير الذاتي للزمن لكنه وصفه رائياً عاشقاً لبلاده ينظر إلى سهم الزمن كيف يبدل ألوانه، وكيف تتقبله أجساد ناسه الذين توارثتهم منذ الصيحة الأولى لفطرة البردي ونقيق ضفادع الهور وأسماكه التي هجنت متشكلاً بدلالة أحلامه وانكساراته وهو يراها لابسا ثوب التمرد، هي تتقطر كقطرات كوز على قاعدة زمنه الراهن.ثم تمحى لتبلل ثغر رماله العطشى أن تطأ غدا أكثر ارتواءاً وأقل جفافاً، ومازالت سحب الرمل تعرّش على أجفان الأوراق باعتقال الندى لمخالفته ألوان الأضواء الممنوعة. ينتابني مشهد الأزمة، هل كان الراوي يرثي آماله وتطلعاته وصورة مستقبله القادم؟؟ أقحم القاصد شخصيات معقدة حيث امتلكت هذه الشخصيات المثيرة للاهتمام قيمتين أو رغبتين متضاربتين على رأي نانسي كريس كذلك نختلف من حيث الإعجاب لأننا من خلال سيرنا القرائي عرفنا هوية الشخصية ومعتقداتها، فتحملنا بإستغراق إلى أن تختض الغرفة المحيطة بنا، وربما تغير الوقت وانتشينا، وكلما أنهينا صفحة حثنا الإهتمام لا بل الشغف بالتواصل، وربما لا تعجب الآخرين، لأننا نختلف من حيث تكويننا ورغباتنا القرائية للشخصيات الخلفية التي وظّفها معرفة حقيقية بكل ما تحمل من أيدلوجيات ورغبات وامرض نفسية ولعلّي أجد أن سلاما أكثر شخصياته ثراءا، فهو الرجل المثقف كـ صالح في ثمود ارتوى من نبعه مشاكسة مسار التخلف الدعائي عن نهج القال والقيل، أورثه فلسفة المشاكسة التي تعارض الموروث الخاطئ حتى في الحياة العامة وكأن اشخاصة هم هم، الذين يعايشهم كل وقته، أبناء بيئته الهشة لأقامتها على مفاهيم خاطئة، أو متخلفة أسست على هياكل ممسوخة لم يأكل عليها الدهر ولم يشرب لتهلهل ثيابها الرثة بأفكارها وقيمها البالية. التي تؤمن حتى صباحنا غير المنبلج بـ السعالي .  [ وعرفت ماذا كان يريد سلام من معادلاته ولماذا أدخلني في متاهة القسمة على الصفر،ها قد اتضحت ملامح القسمة حيث صار الجميع يساوي واحدا  .]وقد استند على أو قام بتوظيف الفلكلور الشعبي بواسطة الأغاني الشعبية الشهيرة لـ فيروز وداخل حسن ومدلولاتها بإزحة صورية عكس من خلاله ا الرواي القاصد ليختزل سردا قد يفيض على حواف روايته، فيستهلك أوراقها، ويذيب لون حبرها، ونشوة صورة مرآتها.
رواية مضيق الحناء لم تكن مبتكرة بل هي عائدة بالأمس كماض يتدرج حتى أعاد نفسه بثوب آخر مسلحاً بعوامل حديثة، حيث كانت الأرواح تختطف تباعا لحركة أجسادها الموافقة أو اللا موافقة. وأم الطبول كرمز هي بعبع الخوف، والجسر الجديد الذي أخذ تحت فرح تشييده معلماً، وكانت له مكانة روحية، كما انه الحد الفاصل بين العبور واللا عبور من حيث السلامة واللاعودة وبعد قرن من الزمان،عادت أم الطبول وعاد الجسر وأصبح عبوره مخيفاً ، حركة شخوص الأساسية والخلفية الفاعلة وغير الفاعلة، كلهم الأهل وهم عمر طفولة بائسة ينقصها كل لهو الطفولة، ويفاعة لا ظل لها سوى جناحي عباس بن فرناس وقد شحَّ الزمن به ليختفي ويصبح أداة رمزا للتوديع و الإستقبال، كذاك سقط من عليائه في الجهة المخيفة.وحبه الذي سرق من بين الدخان إلى شظايا الموت، ثم وقوفه وهو عاقل عند المثقف سلام ليتذكر علمه وذكائه وثقافته الذي كان سبب اغتياله ورميه بالإلحاد. كيف حول ناتج محصول الموت ومحصول القيم بعمل مناجلهما الخائبة. تركت الجثث عبر منعطف القتل ولم تقتل مواطن أجنبي،هم الأهل خلال الفصول أطفال وشباب وشيوخ،أدباء وأصحاب الزنود السمر فوثق عبر سرده نزف جرح العراق.
لم يبخس النسوة ريادة التحمل الجزء الأكبر من الألم والوجع، حينما حملن الحناء الأحمر واصطبغن أركان الأحياء الفقيرة التي لا ناقة لها ولا جمل في لعبة المناصب، ودماء أبنائهن مرّة دم ولحم، ومرّة لافتات وثقت عليها أسماء المفقودين بخطوط حمراء. طغت لغته الراوي الإشارية لصراع منذ فجر المذاهب يرتدي ألبسة عدة وخيّاط واحد.عملية تشظي عمر القاصد يرى ويصاحب، يصادق ويؤاخي ويحب، ثم يختفون.وحين عودة صاروا يأتون على حمالة الحدباء أو بقايا في مقابر الطمر الجماعي التي لليوم لم تشق عن بعض أهله، وهو في كل مقاطع حياته خاسرا يردد بصوته الحزين :
أنا عندي حنيـــــــــــن
ما بعرف لميــــــــــــن؟؟؟
………………………………..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.