كمال عبد الرحمن : الرواية السير الذاتية في (قتلوا الباشا) لخسرو الجاف

القاص والشاعر كمال عبد الرحمن

المعروف ان السيرة الذاتية: هي((سيرة شخص يرويها بنفسه))(1)،ولكن هذا التعريف لايعطي السيرة الذاتية خصوصيتها  وسماتها وقواعد كتابتها ،اذ ان من الصعب ايجاد تعريف دقيق وجامع لهذا النوع الادبي الجديد،نظراً لما يثيره من اشكالات عديدة،منها ما يتعلق بطبيعة العلاقة أو الصلة بينها وبين المناهج النقدية،كالمنهج التاريخي، والمنهج النفسي ، فاصحاب المنهج التاريخي عدّوا السيرة الذاتية ظاهرة حضارية تنشأ وتتطور في ظروف معقدة وضمن سياق اجتماعي ثقافي ذي طابع محدد(2) أما اصحاب المنهج النفسي فقد ربطوا السيرة الذاتية بطبيعة الشخصية التي تؤلفها وركزوا على مشاكل نفسية اخرى كقوة الذاكرة أو ضعفها مما ابعدها عن جوهرها الادبي  والفكري(3)،وللسؤال(ما هي السيرة الذاتية ؟) يضاف احيانا سؤال آخر (ما هي سمات السيرة الذاتية الجديدة؟)، وبذلك نكون قد اضفنا مفهوما جديداً، ربما يكون مفهوما شخصيا عما يجب ان تكون عليه السيرة الذاتية،وهذا الانتقال من الحكم على الواقع الى الحكم على القيمة،يبدو حتميا في هذا المجال  الذي تدخل فيه القيمة نفسها ضمن مقاييس التعريف.
ان ما يميز السيرة الذاتية هو التوصل الى تقديم قيمة(4)،ويعرّف لوجون السيرة الذاتية بأنها))الرواية النثرية التي يروي فيها شخص ما قصة حياته بعد مضي فترة من الزمن،مسلطاً الضوء على حياته بخاصة على تاريخ تكوين شخصيته))(5) وهذا ما نراه واضحا من خلال الاعتراف الأوّلي للشاعر والروائي خسرو الجاف،حيث يذكر في بداية روايته:
((خمس سنوات وبضعة اشهر وأنا أواصل كتابة هذه الرواية،أكتب شيئاً،ثم أتوقف، ثم أبدأ من جديد،محاولا البحث عن مصادر أكثر وثوقا،بيد ان كارثتنا ـ نحن الأدباء الكرد ـوأعوذ بالله، لو أردنا حجراً نرجم به رؤوسنا لوجدناه ضائعا في خبر كان.
على اية حال،تمكنت،بعد بحث وجهد وارهاق،ومحاولات مضنية هنا وهناك، من انجازها  بهذه الصورة التي تجدونها بين ايديكم..
ان هذه الرواية،وهي كأية رواية تاريخية لايمكن ان تكون نتاج فكر وتصوير وخيال مؤلفها وحسب،انما حاولت رغم ذلك كله،وفي ضوء قدراتي ،عدم الخروج عن آخر المصادر والاحداث التاريخية.
ان اختياري لهذه المرحلة الزمنية من حياة شعبنا وامتنا  لم يجىء كون الباشا القتيل جدي  أو اكثرية الاحداث قد وقعت في مناطق عشيرتي انما اردت بعملي هذا تسليط الضوء على حياة وآلام ومعاناة هذه الامة..))(6)
ان البنية السردية لهذه الرواية تتشكل على مراحل من السيرة الذاتية، الاولى:(السيرة الذاتية للسارد ـ المؤلف) وهي في الغالب تشتغل من وراء السجوف،تغيب (ألأنا)بشكلها المباشر، وان كانت مقدمة الرواية قد كشفت نوايا( السارد ـ الأنا) من خلال اعترافه بأنه حفيد( محمد باشاالجاف)،لكن السيرة الذاتية للمؤلف لم تبرز في النص كما برزت شخصية الباشا مثلا.
والثانية: هي السيرة الذاتية للباشا والتي غلبت على معطيات السيرة الذاية للمؤلف.
الثالثة: السيرة الذاتية(لقبيلة الجاف) والتي ينحدر منها الشاعر والروائي خسرو الجاف.
ان المساحة التاريخية التي تشتغل عليها هذه الرواية تمثل ثلاثة محاور هي:
**محور الدولة الفارسية في ايران
**محور قبائل الأكراد في شمالي العراق ومنهم قبيلة (الجاف)
**محور الدولة التركية وواليها في بغداد داود باشا.
وهناك محور رابع وان يبدو انه غير مؤثر اوغير مباشر ولكنه يعمل في الخفاء على استمالة الاكراد في المنطقة لأسقاط الدولة العثمانية واحتلال البلاد العربية وما يتيسر لها من دول المنطقة مثل دولة فارس وغيرها،هذا المحور تمثله بريطانيا الاستعمارية،مما جعل الشعب الكردي في المنطقة في ذلك الوقت يقع بين نيران استعمارية وعدوانية واطماع شتى، فالأنجليز يخططون، والفرس يعتدون،والعثمانيون يقصّرون، والكُرد يتحملون كل هذه المصائب،هذا اضافة الى المؤامرات والدسائس التي تحاك بين قبائل انفسها ضد بعضها،مما يجعل قبيلة الجاف تقع بين فكي كماشة من الخدع والعداوات،الفك الاول تمثله الدول الكبرى الاستعمارية في المنطقة،والفك الثاني تمثله القبائل الكردية التي دخلت في حروب وعداوات مع الجاف،وكان من نتيجتها(قتل الباشا محمد الجاف) مما أسس لمجزرة انتقامية قامت بها قبيلته ضد قتلته ولم ترحم في الغادرين احدا:
(( ولكنهم اخيرا وحين كانت الشمس في طريقها الى المغيب رفع(الكرم ويسييون) أيديهم معلنين الاستسلام وبهذا حلت الكارثة بهم ،ففي المكان ذاته أقدم فرسان الجاف على ذبحهم واحداً اثر واحد بحد السيف دون ان يتركوا امرأة،طفلا،فتاة،عجوزا شمطاء أو شيخا قد هدته السنوات،وهكذا لم يبق ولا طفل واحد لمجرد نموذج لهؤلاء..))(7).
وهذا يدل ان قبيلة الجاف لم تكن دائما في هناء ومسرات،بل كانت قبيلة مكافحة صابرة صامدة بوجه رياح الاحداث وتقلباتها في المنطقة،وربما لم تصبها كارثة رغم كثرة الكوارث في المنطقة كما انهكتها فاجعة اغتيال محمد باشا الجاف التي تصفها الرواية بشكل مأساوي مفجع:
(( ما دمتم تتصورون انفسكم رجالا،اقتلوني قتلة الرجال،لا قتلة جبانة تافهة،اقتلوني بخنجري ذلك المعلق على العمود…..
حيئذ نزع فارس حزامه من رقبة الباشا واتجه الى العمود وتناول الخنجر واستله من غمده وغرزه في قلب الباشا …))(8)
اما الفضاء المكاني في الرواية ،فينقسم على قسمين:
الاول: المكان المفتوح: اذا كان في وجوده غير مرهون بالوصف،حيث اللغة تتوفر على علامات لغوية(( الظروف المكانية))،يمكن لها ان توحي وتومىء بالمكان في النص(9) غير ان الوصف هو الأداة الاستراتيجية في اكساب  المكان استقلالية ضمن  مسار السرد القصصي،ويضاف الى ذلك ان الوصف يدخل القارىء الى قلب المكان،بأشيائه وظواهره، اذ به ـ الوصف ـ تتحد ابعاد المكان الروائي والقصصي(10)،وعدا مجموعتي القاص أمجد توفيق(الجبل الابيض) و(الثلج ـ الثلج) فان قلة من القصاصين والروائيين العراقيين، تعرض لوصف ادق التفاصيل لشمالي العراق، بجباله الساحرة ووديانه الآسرة وينابيعه الثائرة على الطبيعة الخلابة كما تعرض لها الروائي خسرو الجاف في( قتلو الباشا):
(( ها هي اعراف الاشجار الباسقة تتلوى وتدور وتتأرجح في رقصات جنونية آخذة بالسجود على الارض بين الفينة والاخرى لتطبع على اديمها قبلات  شوق خاطفة، أما هدير الرشبا فهو بدوره مستمر في عويله وعوائه ناشرا براكين مرعبة من الخوف والرهبة في اجواء المدينة،وتبدو الصيحات الرهيبة لهذه الرياح السود وكأنها ديناصورات ضارية قد هدها الجوع والعطش..وتراءى جبل ((كويزة)) مثل عنقاء اسطوري يمارس العربدة والهيجان وهو يطبق بجناحيه على هذه المدينة التي خيم على الصمت والسكون ولم تجد امامها من طريق للخلاص سوى الاصغاء لنحيب وعويل هذا الليل المدلهم الذي اسدل ستار العتمة على الكون ونشب  زاهر بيكمخالبه في جسد هذا الجبل الذي راح يتنفس بصعوبة..))(11)
لذلك نقول ان للجبال  أسراراً وحكايات وحوادث غامضة وظواهر عجيبة نادرا ما نالت حظها من الكشف والحفر في المكان والتنقيب عن خفايا الجبال،وقد يكون الروائي خسرو الجاف واحدا من أولئك الروائيين القلة التي عاشت في الجبال وكانت أمينة على أصالة الجبل حافظة محافظة على طقوسه وعمق تراثه في الانسانية ونقلت عن جمالياته ووقائعه قصصا جميلة وعجيبة في آن واحد.
فالجبل فضاء مكاني خاص،يكاد يكون مغلقا على نفسه وفق نواميس طبيعية وطبائع وتقاليد بشرية شارك الجبل مشاركة كبيرة في خلقها وتاطيرها ومن ثم غلقها على نفسها على الرغم من ان الجبل مكان مفتوح لامغلق:
((بدأت  شجرة زاهر بيك مثل حيوان اسطوري هرم يتفرج على الطبيعة،وقد اتخذت اعرافها المشرئبة الأعناق من جلباب((زردة)) الثلجي رفيقا لبث نجواها وهمومها وما يعتلج في اعماقها،فقد كانت تحمل النسائم الرقيقة العذبة بين حين وآخر بهمساتها الشفيفة ولهفاتها آملة ايصالها الى القمم الشم التي تشملها بحنوها..فهي من سنوات خلت تضم في افيائها رفات أمير الجاف الذي مات خنقا،وهي في الوقت نفسه صارت الاذن المصغية الى عويل ونحيب النسوة ومواكب المعزين والمنكوبين من فرسان العشيرة ورجالاتها،وما أن تبدأ نسيمات كويستان الباردة بالتململ وهي تبعث في النفوس وخزات رقيقة وتأخذ وريقات الاشجار تحت الخطى لطبع قبلات الوداع على الارض،حتى تأخذ العشيرة بحمل عصا الترحال باتجاه الجنوب،نحو سهل شهرزور ووادي قرداغ حيث التوزع والانتشار..))(12)
ان بامكان الشاعر والروائي الجاف ان يؤنسن الفضاء المكاني( الجبل) ويحوله كما يقول كمال ابو من كائن جامد الى مخلوق نابض بالحيوية والدفق،مشع بالجمال زاخر بالجماليات الفذة.
ان قبيلة الجاف التي سردن سيرتها ومسيرتها شاعرها الجميل،تشكل مع الارض صنوا فريدا وتوأمين تنبثق من خلالهما الاحداث الكبرى في ذلك الزمن الذي لم يحدده لنا الروائي وكان حريا به ان يخبرنا عن زمن او تاريخ اغتيال الباشا وهذا له علاقة وثيقة مع تشكيل الفضاء القصصي أو الروائي الذي يتشكل ويتكامل به السرد.
ولاشك ان الجبل( لايوجد كردي أو تاريخ كردي بلا جبل) هو مكان مفتوح كفضاء سردي ،ولكنه مغلق كأطر حياتية وتفاصيل يومية ،من خلال قرى قد تسكن كلا منها عائلة واحدة فقط،فينغلق المكان اجتماعيا وعشائريا،بينما في الحقيقة كما قلنا انه مفتوح بأجوائه وقممه ووديانه وسفوحه.
ان قبيلة الجاف كما يبدو هي واحدة من القبائل البدوية الكردية  ــ ان صح التعبير ـ فهي الى جانب مكابداتها ومعاناتها المستمرة مع الاطماع الخارجية( الفارسية= الايرانية/ التركية/ الانجليزية) والاطماع الداخلية والعداوات التي تشعلها بعض القبائل الكردية ضد قبيلة الجاف، كان ابناء الجاف رغم هذا في حرب مع الطبيعة التي تضطرهم بين حين وآخر الى اللجوء الى خضرة سهل شهرزور ومياه قرداغ وجمالها البهي:
(( ويبقى  مقرّ أمير الجاف في ظلال شجرة جدّه عند موقع((دزي آيش)) ليراقب عن كثب مرور قوافل الأفخاذ عبر مضيق ((بيكولي)) ووصولها الى سهل(ببوار)) وشيروانه واستقرارها في أماكنها المعتادة.حينئذ يلملم المقر المضيف بقاياه ويبدأ بالمغادرة وهو مطمئن على احوال العشيرة برمتها..))(13)
ان اغفال الروائي للفضاء الزمني في الرواية،جعل استراتيجية( الزمكان) تشتغل على جانب احادي من الفضاء الروائي، وكنا نتمنى ان نطلع على كثير من التفاصيل الزمنية التي تواكب تطورات النص في التحولات المكانية العديدة ،حيث تشتغل جماليات المكان جنبا الى جنب  مع شعرية الزمن وجمالياته في هذه الاماكن السحرية الأخاذة الفائقة الروعة والجمال من شمالي العراق.
اما الشخصيات في الرواية، فتعد من اكثر العناصر فاعلية في بناء الرواية،كونها العنصر الوحيد الذي تتقاطع عنده العناصر الشكلية(14)،وتتأتى اهميتها المتزايدة من قدرتها  ـ بفعل مبدعها ـ على الكشف عن الصلات العديدة بين ملامحها الفردية،وبين المسائل الموضوعية العامة،بمعنى تمكنها من خلق فضاء  روائي واصل بين ما هو ذاتي وموضوعي، او خاص وعام،فتبدو مشكلتها انعكاسا لمشكلة انسانية(15)
يشتغل الروائي خسرو الجاف على تصنيع انواع خاصة من الشخصيات تتجرد من الخيال والفنطازيا واللامألوف،شخصيات تشتغل على الواقع قادمة من احضان التاريخ القريب للمنطقة قديتجاوز النصف قرن او اكثر من ذلك ولم يسعفنا الروائي بتحديد الزمن بدقة،تاركا مخيلاتنا تتصور تلك الاحداث وتتوقع زمن حدوثها.
ان الرواية مليئة بالاحداث التي تفور وتتقولب بقالب جديد كل يوم،فلم تكن قبيلة الجاف مستقرة هانئة في ربوع ثابتة طوال تاريخها،كان عليها ان تقاتل الطبيعة والاعداء المنتشرين حولها  في كل مكان،لذلك كانت القبيلة تخضع لنظام اجتماعي واخلاقي صارم وحديدي كان الاساس في بناء قبيلة كردية لها تاريخها الخاص وهذا ما تستقرئه من خلال هذه الرسالة الجوابية:
(( الى حضرة باشا الكرد وسيدهم احمد باشا بابان..بعد تقبيل اياديكم..كان جدي وابي وأمراء الجاف كلهم ومنذ زمن سحيق في القدم منخرطين في الجيش الباباني رماة رماح وكذلك يتلقونها بصدورهم،وبما اننا احفاد اولئك،تجدوننا سائرين في النهج ذاته..
اننا نحن الجاف ومنذ ان وجدنا على هذه الارض ننتخب رئيسنا بأنفسنا ووفق مصالحنا وهذا حقنا الطبيعي،ولم يحدث ان فرض علينا ايّ باشا من البابان رئيسا بالقوة،وعلاوة على ذلك كله فان كيخسرو بيك له من يرثه من الابناء من بعده والحمد لله…))(16)
لم تكن هذه رسالة بين صديق وصديقه او بين حبيب وحبيبته، بل كانت رسالة نارية تتفجر حمما،هي رسالة تحدٍ مبطن،لكنها على الرغم من ذلك رسالة شريفة مؤدبة، بين قائد قبيلة وزعيم قبائل،ورغم مشروعية هذه الرسالة الا ان بابان لم يرض عنها وبدأ يحوك لمحمد الجاف المؤمرات:
((هذا معناه انهم قد اجابوا على الرسائل..طيب..ما العمل الآن..وكيف اتصرف معهم؟
ـ تريث اذاً.. المسألة في منتهى السهولة
ـ كيف ؟
ـ ابعث الى محمد ليجيء لزيارتكم ثم اعتقله..
ـ اخشى من عدم مجيئه.
ـ لايمكنه الرفض فهو يرى فيه عيبا، والجاف من دونه لايذعنون لأمرٍ كهذا..
ـ بعد عودتي من هاورامان سألقنهم درسا قاسيا))(17)
هكذا تشكلت السيرة الذاتية لقبيلة الجاف ،فرادة في التصميم ،شجاعة في المبدأ، وبطولة في الموقف.
ان الشخصيات في رواية ( قتلوا الباشا) هي مزيج انساني غير متجانس،ففيهم الامير وفيهم الخادم ،وفيهم المخلص وفيهم الخائن، وفيهم التابع وفيهم المتبوع وهكذا،لذلك حاول منظرو الشخصية فهم سلوك الانسان عن طريق التمعن في العلاقات المعقدة بين الجوانب المختلفة لوظائف الفرد التي تتضمن التعامل والادراك والدافعية والبحث في الشخصية هو ليس دراسة الادراك،بل هو كيف يختلف الأفراد في ادراكهم،فدراسة الشخصية لا تركز على اهمية سايكلوجية فحسب،بل على العلاقات بين عمليات مختلفة(18).
وعلى الرغم من اختلاف تعريف الشخصية،فان هنالك شبه اجماع ـ من وجهة النظر النفسانية ـ يشير الى ان(( الشخصية هي بناء فرضي،بمعنى انها تجريد يشير الىالحالة الداخلية والبيئة للفرد))(19).
لاشك ان الروائي خسرو الجاف لم يعانٍ كثيرا في تشكيل شخصيات روايته، فالرواية ليست من الخيال العلمي او الفنطازيا او اي تشكيلات اخرى غير واقعية،شخصيات روايته جاهزة واقعية حقيقية ،لاتنقصها سوى امانة السارد وقدرته عل صنع حبكة حقيقة من الواقع الى الواقع، وان كانت شخصية الباشا هي المحور الرئيس التي تدور حولها الاحاث والشخصيات جميعها ،الا ان هناك قائمة طويلة من الشخصيات المختلفة التي تتحرك بحرية على مسامات النص، مشكلة انماطا من القصة او الاحداث في الرواية،(قصة الحدث) و(قصة الشخصية) و(القصة الدرامية)(20)،ورواية (قتلوا الباشا) تشتغل على نمطين من الحدث،الاول( قصة الحدث) والثاني(قصة الشخصيات)، فالحادثة الكبرى في النص هي (اغتيال الباشا) وما يتشكل حولها من احداث هو ليس بخطورتها واهميتها، فهي هامش او ظل، او سبب او نتيجة للحدث الاعظم(قتل الباشا) على الرغم من ان الروائي قد اخذنا في رحلة ادهاش وتعجب الى تفاصيل مثيرة  في تأريخ هذه القبيلة العصامية التي لم نكن نعرف عنها الكثير، وربما لم نكن نعرف عنها سوى اسمهافقط.
الشخصيات في الرواية هي امثلة انسانية جادة ورصينة ولها حضورها، على الرغم من توافر عدد كبير من الشخصيات في الرواية، فهناك مثلا : شخصية(كيخسرو بيك) التي كان يشير اليها الروائي دائما بلقب( الامير):
(( بعدها نهض الامير وغادر الخيمة باتجاه بيته المتكون من خيمة كبيرة/ كثيرا ما الح على الامير/ امام الخيمة بانتظار الامير/ وضع الامير رجله في الركاب/ انطلق الامير ..الخ))
وما تلبث الشخصيات الاخرى حتى تنبق وتتوالد من عمق الاحداث وتبلورها المتسارع،فتظهر شخصية(المستر ريج) ممثل ملك بريطانيا:
(( وصل المستر ريج ورفاقه..ترجلوا..نهض الامير مسرعا للترحيب بهم آخذاً((ريج)) بالأحضان وسار به الى حيث الظلال وجلسا..اما موكب النسوة فقد استمر في  مسيره الى حيث مضارب العشيرة..
التفت((ريج)) الى كيخسروبيك وقال:
ـ أظن اولادك؟
ـ اجاب الامير وهو يؤشر:
ـ هذا سليمان،وذاك قادر،وذلك عبد الله،وهذا اصغرهم محمد..))(21)
وهكذا تتبلور الشخصيات في الرواية لنتعرف من خلالها على عشرات الشخصيات المختلفة، وقد نجح الشاعر والروائي خسرو الجاف بتقديم نص روائي متفرد في الادب الكردي ـ كما نعتقد وايضا لقلة اطلاعنا على الروايات الكردية او التي تتحدث عن الاكراد في شمالي العراق بشكل عام ـ هذه الرواية التي تنتقل بذكاء السارد وعوامل ابداعية اخرى بين النص السير ذاتي والرواية التاريخية بكل شفافية ودقة،بحيث ان خسرو لم يظهر في النص السردي بشكل او آخر اذا قلنا انها رواية تاريخية،ولم يشكل شخصا او رمزا اذا كان النص سير ذاتي، اي انه لم يظهر وهو واحد من شخصيات بيت الجاف،في الرواية التاريخية او النص السيرذاتي،ولكن المتمعن المتأمل المتأني في هذا النص الروائي، سيجد خسرو الجاف حاضرا في كل حرف من حروف الرواية، فهو(السارد/الناص/ المؤلف)،وهو صانع الرواية والشاهد فيها بشكل او اخر ،مباشر او غير مباشر على احداثها ووقائعها وتفاصيلها جميعا.
ان السرد يعني الطريقة التي تروى بها الرواية وخضوعها لكثير من المؤثرات منها ما يتعلق بالعناصر الفنية(22)، ولابد من معرفة ما هي علاقة الراوي بالأحداث والشخصيات والوسائل التي يستعين بها لايصال المعلومات الى القارىء.
ان القصة او الرواية اذن لاتحدد بمضمونها وحسب ،ولكن ايضا ً بالشكل  والطريقة التي يقدم بها ذلك المضمون،وهذا معنى قول ((ولفغانغ كيزر)):
(( ان الرواية لاتكون مميزة بمادتها  فقط ولكن ايضاً بواسطة هذه الخاصية الاساسية المتمثلة في ان يكون لها شكل ما بمعنى ان يكون لها بداية ووسط ونهاية، والشكل هنا له معنى الطريقة التي تقدم بها القصة المحكية في الرواية،انه مجموع ما  يختاره الراوي من وسائل وحيل لكي يقدم القصة للمروي له))(23) وهذه المقدمة تقودنا الى التعرف الى زاوية الرؤية عند الراوي والتقنية التي يستخدمها للحكي لتوصيل افكاره وتاثيرها على المتلقي،ان السارد المتكلم يحظى بدور بارز في ادارة اللعبة السردية داخل متاهة الحكي بوصفه تمظهرا لافتا ومكوناً أصيلاً في بنية السرد القصصي(24)،وغالبا ما ترتد حركات السارد المتكلم الى وجهة نظر المؤلف(الرئي) التي هي في سياق معاينته الحيز المكاني(مشابهة لحركات آلة التصوير والكاميرا في الفيلم، التي تقدم مسحا تتابعيا مشهد معين))(25):
(( وارتفعت اصوات قرع الطبول تملأ الآفاق، انها مهرجانات الفرسان  الذين اعتلوا صهوات جيادهم وهم ينتظرون((ريج)) وأمير الجاف،وما ان بدأ الموكب بالتحرك صوب مضارب العشيرة حتى راح الفرسان اربعة في اثر اربعة في ممارسة الالعاب الرياضية، وأخذ الاخرون يلصقون اجسادهم على جهة واحدة من بطون جيادهم المنطلقة كالسهام وكأنها جرداء من اي شيء.. وترى آخرين وهم منتصبون على ظهور خيولهم يؤدون حركات دقيقة تتسم بالخفة والاتزان..)) اليس هذا تصويرا سينمائيا من خلال كاميرا ذكية لمشهد انساني خلاّب؟
واخيرا لقد كان الروائي خسرو امينا على تأريخ الجاف صادقا مبدعا في تقديم نص روائي استثنائي،فيه كل التقانات التي لها القدرة على تشكيل رواية سيرذاتية قادمة من ايام ناصعة لتاريخ قبيلته التي انجبته من عزيمتها وفرادة شخصيتها الفذة.

كمال عبد الرحمن اسماعيل النعيمي
العراق/ الموصل ص ب819
هاتف07701605027

الهوامش والمصادر والمراجع

1.    سيرة الغائب ، سيرة الاتي:السيرة الذاتية في كتاب طه حسين(الايام)،شكري المبخوت،دار الجنوب للنشر،تونس،1992،:9
2.    سيرا جبرا ابراهيم جبرا الذاتية،خليل شكري هياس،رسالة ماجستير،جامعة الموصل،كلية التربية،2000،:8
3.    أنساق الميثاق الاطيبوغرافي السير الذاتية بالمغرب،حسن بحراوي،مجلة آفاق المغربية،العدد 3 ـ 4، ـ 1984 ،:39
4.    أدب السيرة الذاتية في فرنسا: المفاهيم والتصورات،فيليب لوجون،ت:ضحى شبيحة،مجلة الثقافة الاجنبية، العدد4 لسنة 1984،:24
5.    م.ن:25
6.    قتلوا الباشا،رواية،خسرو الجاف،منشورات اتحاد الادباء في العراق ،بغداد،ط1، ـ 1995،:5
7.    م.ن:179
8.    م.ن:170
9الفضاء القصصي عند كمال عبد الرحمن،نايف سيدو قاسم،رسالة ماجستير،كلية الاداب ،الجامعة الحرة في هولندا،2010،:36
10.شعرية المكان في الرواية الجديدة،الخطاب الروائي لأدواردخراط نموذجاً،خالد حسين حسين،سلسلة كتب الرياض(82)،مؤسسة اليمامة الصحفية،2000،:120
11.الرواية:59
12.م.ن:27
13.م.ن:27
14. الشخصية الاشكالية في خطاب احلام مستغانمي الروائي،حميد عبد الوهاب،رسالة ماجستير،جامعة الموصل،كلية التربية،2009،ـ :2
15. تشكيل الشخصية في مجموعة(الاقمار الشائكة)،كمال عبد الرحمن،مجلة افكار،وزارة الثقافة الاردنية،العدد(282) تموز 2012،:96
16. الرواية:86
17.الرواية:86
18. الانسان من هو؟،قاسم حسين،دار الشؤون الثقافية،بغداد،1984،:11
19. فضاء النص الروائي،محمد عزام،دار الحوار ،اللاذقية،1996،:87
20. بناء الرواية،ادوين موير،ت:ابراهيم الصيرفي،مراجعة:عبد القادر القط،الدرا المصرية للتاليف والنشر،دار الجليل للطباعة،القاهرة ،1965،:87
21. الرواية:12 ـ 13
22.بنية النص السردي،د.حميد لحمداني،المركز الثقافي العربي ،ط1،ـ 1993 ،:45
23.جماليات المكانفي الرواية العربية،شاكر النابلسي،المؤسسة العربية للدراسات،بيروت،1994،:292
24.تأويل متاهة الحكي في تمظهرات الشكل السردي،ا.د.محمد صابر عبيد،دار الحوار ،اللاذقية،سورية،2007 ،:95
25.وجهة النظر في الرواية على مستوى المكان والزمان،يوري اوسبنكي،ت:سعيد الغانمي، مجلة (فصول)، القاهرة،مج:15،ع(4)،1997،:258
——————————————————————

شاهد أيضاً

د. أفنان القاسم: ملاحظات سريعة عن السخرية في “عجيبة بيت أبي بشارة” لنبيل عودة

أولاً) لا مكان للهزل في العالم الساخر “النبيلي”، فالسخرية تبنى بالجاد، منذ الكلمات الأولى حتى …

سميح صباع شاعر غادرنا قبل الأوان
انت حي بشعرك أيها الشاعر !!
نبيل عودة

تحل في هذه الأيام، الذكرى السنوية لوفاة الشاعر سميح صباغ الذي رحل قبل أوانه، مخلفا …

عصمت دوسكي بين الإحساس والوجود
كلستان المرعي- سوريا

* نعلم أن العدالة مستحيلة في أوطاننا فوزعوا الظلم بالعدل . !! * غنى التشابيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *