د. باسم الياسري : علي الوردي .. والإزدواجية المُسقطة

لم ينشغل الناس في العراق- المثقفون منهم وعامتهم- كما انشغلوا بعالم الاجتماع الشهير الدكتور علي الوردي، الذي رحل عن عالمنا عام 1995، وما زال يثير اسمه وأفكاره أحاديث المجتمعين في جلساتهم كلما اجتمعوا. فالوردي يمثل نمطا خاصا من المثقفين قلما تتكرر خصوصا عندنا نحن العرب. فقد كان القراء ينتظرون الحصول على كتبه قبل صدورها، رغم غلاء سعرها نسبيا عن باقي الكتب، فيما يرفض صاحبها زيادة عدد نسخها المطبوعة، وأعرف كثيرا من الناس لم يقرؤوه لكنهم يعرفون أفكاره ويترددون في قولهم بعدم اطلاعهم على كتبه، لقد شكل فعلا علي الوردي ظاهرة اجتماعية ثقافية خاصة، فلا شك أن الحديث عنه لن ينتهي بسهولة.

لقد أمضى هذا الباحث أكثر من ثلثي قرن على هذه البسيطة، فتجاوز الثمانين عاما، أصدر خلالها عددا من الكتب، كان بعضها قد أثار جدلا ونقاشا وحراكا، في بعض القناعات القيمية، فتصاعدت دعوات ضده وصلت إلى إهدار دمه، مثلما حصل مع كتابه (وعاظ السلاطين)، وسلسلة كتبه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث).

بين يدي كتاب صدر العام الماضي، وسعدت باطلاعي عليه، ذلك هو (علي الوردي.. الازدواجية المسقطة) الذي وضعه اثنان أثريا كثيرا القارئ بما طرحاه في كتابيهما هذا، من معلومات تخص الدكتور الوردي، مما لا يجده القارئ في كتاب آخر، فالدكتور حسين سرمك حسن، طبيب متخصص بالطب النفسي، وهو ناقد أدبي مثابر غزير الإنتاج بينما الأستاذ سلام الشماع، إعلامي معروف، وكان صديقا وتلميذا ملازما للراحل الوردي.

اجتهد الباحثان في كتابهما فلم يكن كتاب سيرة تقليديًا، أو كتلك الكتب التي يشترك فيها أكثر من مؤلف. فهو يقع في ثلاثة فصول جاء الأول عبارة عن حوار بين المؤلفين يتناولان شخصية الدكتور الوردي بتساؤلات يثيرها الدكتور سرمك ويرد عليها رفضا أو تبريرا أو تأكيدا من خلال ملازمته الطويلة للوردي، ولا تخلو أسئلة المحاور الدكتور سرمك من ولعه باختصاصه فضلا عن كونه أحد النقاد المهمين في الوسط الثقافي العراقي في إثارة ذاكرة ونفسية الشماع لتفيض بما لا يعرف ولا يسمع من قبل، فجاء هذا الفصل ليعرفنا على جوانب كثيرة من شخصية الوردي التي لم تصلنا من خلال كتبه، وكان منها المثير والغريب والمستهجن أحيانا، وهو ما يطرح التساؤل القديم عن العلاقة بين أطروحات المثقف وسلوكه.

وإذا كان الفصل الأول مشتركا بين الاثنين، وجاء بعنوان (لمحات خفية من حياة صاحب اللمحات) في إشارة إلى كتابه الشهير المذكور آنفا، فإن الفصل الثاني انفرد به الدكتور سرمك، وجاء بعنوان (محاولة في تحليل شخصية محلل الشخصية العراقية)، فكان دراسة نفسية معمقة لشخصية عالم اجتماع مثيرة للجدل، في تحديد توجهاته الفكرية وقناعاته التي مررها خلال كتبه الكثيرة، هذا العالم الذي اتهم كثيرا، وبتهم متناقضة، فهو عميل أميركي وبريطاني مرة، وشيوعي وملحد مرة أخرى، وهو لا هذا ولا ذاك، فقد كانت شخصيته تتمتع بالخصوصية كما أنه يتمتع بالشجاعة الفكرية فيما يطرح من أفكار.

أما الفصل الثالث (ليس دفاعا عن الوردي) فهي رؤية سلام الشماع للكاتب الراحل، وواضح من عنوانه، أنه يريد أن يبعد فكرة أنه تلميذه ومرافق له في تنقلاته وأنه موضوعي في أطروحاته. ولا يمكن أن يخفي إعجابه به، غير أنه بدأ الفصل بطرح جميل أشاد به بالدكتور سرمك وبإقدامه على هكذا محاولة ربما لم يسبقه إليها أحد في عالمنا العربي، وهذه المحاولة بفرادتها وجرأتها لابد أن تثير حفيظة محبي الوردي، وتريح خصومه الذين سيجدون فيها مداواة لكلومهم من أطروحات الوردي، غير أن الدكتور سرمك غير معني بالطرفين، وهو رجل عالم وأديب استخدم أدواته العلمية وثقافته الأدبية للخوض في هذه التجربة.

المجال لا يتسع لعرض نصوص من الكتاب والاستشهاد بها، كما أني لا أريد أن أفسد على القارئ متعة القراءة لكتاب متميز عن عالم متميز فيه جرأة على رمز ثقافي كبير، عكف سنوات على تحليل المجتمع العراقي فجاء من يحلل شخصيته.

DEFAFPUB@HOTMAIL.COM

شاهد أيضاً

خالد جواد شبيل: مع العلّامة حسن الأمين في حِلِّه وتّرحاله – 1

أول الكلام: بين يديّ كتاب هام وإن قلت أنه فائق الأهمية ما جافيت الحقيقة بل …

التعريف ببعض مؤلفاتي المنشورة
الكتاب الخامس: (دراسات في الشعر العربي واماراته)
د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

الكتاب في صيغته النقدية يبحث في منهجية الشعرالعربي منذ العصرالجاهلي وحتى المعاصر ويثبت لكل عصر …

ذكريات باريس
مهدي شاكر العبيدي
اوستن- تكساس

كتب إليَّ صديق بمناسبة فراغه من قراءة كتاب ( ذكريات باريس ) تأليف الدكتور زكي …

تعليق واحد

  1. هشام القيسي

    لاشك فالراحل الوردي ، العالم الجريء شكل ظاهرة حادة وصارخة ازاء جمادية الرؤية للمجتمع ولصيروراته وبالمقابل فان تناول شخصية من هذا النوع يتطلب وعيا وتحليلاً يكون الجدل فيه فنارا في الوصول الى المبتغى من خلال مستويات التحليل ، واعتقد ان كل من الاستاذين يمتلك من العدة ما يجعل عملهما بمستوى اسميهما فالناقد الدكتور حسين سرمك يعد قامة أثرت المكتبة العربية بمعطيات غنية في حقول الأدب والثقافة والعلم والكاتب الشماع له باع في العمل الأبداعي وبموجب ذلك يكون المنجز ثرياً بكل تأكيد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *