الرئيسية » نقد » ادب » عبد العزيز لازم : الغرائبية في رواية “جدد موته مرتين”
اختزال النص السردي أم انفتاح على فضاءات ممنوعة ؟

عبد العزيز لازم : الغرائبية في رواية “جدد موته مرتين”
اختزال النص السردي أم انفتاح على فضاءات ممنوعة ؟

يواظب الروائي حميد الربيعي مدفوعا بروح المغامرة الفنية على ارتياد مجاهل عصية على الظهور في السياق التاريخي لتطور الحياة . لكنه منذ روايته الثانية ” تعالى وجع مالك ” ومرورا بقصته القصيرة ” تل حرمل ” وجد بذوره النشطة التي غالبا ما تتفتق عن امصال تزيح عوالق انتظام حركة الحقائق الجديدة في الجسم السردي. لقد اكتشف حميد الربيعي الذي عاش هامشا مهما من خيبات الحياة الطبيعية في تاريخنا الحديث ان ثمة حقائق قد يعتريها الصدا أويغطيها الغبار اذا بقيت تنتظر دورها في ظهور غير مؤكد وغير موثوق . لذلك تجده في عجلة من امرة في تقديم إضاءات شديدة الحضور لتقدح وعيا لشعب مازال يتعرض لتكبيل مرعب بغية اعاقة انطلاقته الحضارية الممكنة . لقد كان المجتمع العراقي حاضنة نشيطة للأساطير والملاحم التي ضمت كشوفاته المعرفية كنتائج صريحة لنشاطه اليومي على صعيد الانتاج المادي والروحي وعلى صعيد صراعه من اجل ادامة احلامه التي تسبق واقعه اليومي . بل ان حياته اليومية الحاضرة تخفي في طيات ظاهرها عناصر ملحمية لا تظهر باليسر الكافي لجميع الناس حتى لبعض المتابعين من اصحاب الراي. ان روح التمرد على الراهن في حياتهم صنعت من العراقيين منتجين بارعين لحكايات اسطورية وملاحم تملأ حياتهم اليومية . وخير من يعكس ذلك ، ملاحم الاقوام التي استوطنت وادي الرافدين كالسومريين والاكديين والبابليين والاشوريين والاقوام التي جاءت من بعدهم فيما بعد التاريخ وما قبل الميلاد وما بعد الميلاد ايضا . تبرز في هذا الشأن ملحمة “جلجامش” وكتاب “الاغاني ” لابي الفرج الاصفهاني وقصص الف ليلة وليلة التي وضعها الناس انعكاسا لاحلامهم اليومية . لقد اعتمدت جميع تلك المبتكرات السردية الملحمية على الغرائبية في التعبير عن مكنوناتها الفكرية والمفاهيمية بسبب الطبيعة الاسطورية للملاحم . لقد ارتبطت الغرائبية بقدرتها على انتاج العجائبية ، فظهور الانسان مثلا بشكل ثور او فأر او سمكة كما يجري في قصص الليالي صارت وسائل لاثارة العجب وبالتالي تحفيز عنصر التامل في مغزى هذه التحولات . لقد اكتشف الادب العالمي المعنى العميق لغرائبية  الاشياء وكيف ان تلك الغرائبية تتحول الى بؤر تحريك بله تفجير للمعاني المتوارية وراء الاشياء والعلاقات . وقد بادر الى تلك الاكتشافات كل من ادكار الان بو وفرانس كافكا وقبلهم وليم شيكسبير وديستويوفسكي وغوغول . ان رواية “المسخ ” لفرانز كافكا التي تقدم شخصا يعيش حلما كابوسيا ثم يجد نفسه وقد تحول الى حشرة ، قد الهمت واحدا من رواد الواقعية السحرية الكبار في عصرنا وهو الكولومبي غارشيا ماركيز على ان يحزم امره ويكتب روائعه المعروفة . كما ان الادب العالمي في القرن العشرين قد بات يقتات على الاسطورة كمعطى معرفي لا نظير له ، وهناك مقولة في غاية الاهمية اطلقها جيورجي لويس بورخيس حول ذلك هي :” ان الادب يبدا وينتهي بالاسطورة ” . لكن الغرائبية التي ارتبطت بالاسطورة والملحمة تعرضت لتطورات مفاهيمية وفنية كبيرة في عصرنا السردي ، فلم تعد تعني غير المالوف او الغريب من الظواهر ، او الجنون او الحداثة ، بل يمكننا تاشير ابرز مظاهر التطور  كما يلي :
1-انها تحولت الى تقنية فنية ذات طاقة حركية هائلة في الجسم السردي ، مثلما تحول الجنون الى وسيلة لتعميق الوعي في دلالات النص لدى شيكسبير وارثر ميلر وسرفانتيس وغيرهم .
2-بناء على ذلك اعتبرت الغرائبية جزء من السرليالية ، بسبب قدرتها على  اختراق حدود المالوف والعبور الى ما وراءه للتنقيب عن حقائقه .
3- يمكن للغرائبية استهداف المالوف والمتكرر لاكتشاف الجانب الغرائبي فيه عبر تظليله واخراجه عن غطائه الظاهر وكشف تناقضاته .
حاولت رواية “جدد موته مرتين ” اكتشاف مثاباتها الخاصة كي تتمكن من الحركة عبر محطات محسوبة من خلال اكتساح المالوف وفض بكارته لكشف عورته التي جاهد حماته من اجل سترها عن الانظار بسبب الطابع المشبوه لمقاصده . فلجات الرواية الى الاساطير التي  انطلقت في بلاد الرافدين تحديدا لتنسج رداء يوصل الماضي بالحاضر لكشف الحاضر مع المرور بمحطات من الماضي لم يجر كشفها كما يجب. لقد حدد الكاتب ثلاث ساحات لتفعيل عنصر الصراع  وإيصال المرامي المتشعبة الى ذروتها المحتومة وهي ” الارض ، والسياسة ، والموروث الشعبي “. تحولت الارض بكل ما تحمل من اشجار وطيور ورنين اثيري بعيد الى سجل ناطق لكل ما جرى على اديمها . الارض هنا ليست ترابا محايدا ولا تستطيع ان تكون محايدة كتلك التي تحرك على سطحها جلجامش . فهي تبدو عند حميد الربيعي وكأنها تعبت من الكتمان وتريد ان تنطق بما خزنته في تضاريسها لشدة مرارته ، من هنا اضيفت الأرض الى شخصيات السرد في حرها وبردها ومياهها وجبالها وطيرها الغامض . لقد كشفت هذه الساحة ان هناك شخصيتان رئيسيتان تحملان كل الرسالة التي من شانها قلب تضاريس الحياة المالوفة والرحيل بها الى مرتقيات درامية عالية الشجن ، هما شخصيتا “نجم الفحام” و”مريم ” . إن شخصيتي نجم ومريم مرادفتان لشخصيني تموز وعشتار في الاساطير العراقية فيما قبل التاريخ وما بعده ايضا . لكنهما هنا ارتديا  حلتان  جديدتان تناسبان عصرنا . وقد استمدتا نسيجهما من نسيج احداث هذا الزمان مع احتفاظهما بروح نسقهما الوظيفي التاريخي وإن بحساب زمانهما الراهن . لقد تصرف نجم الفحام ومريم بناء على دور يوازن بين انتمائهما للكتلة البشرية وبين انتماءهما الى وجود ماورائي عالي الجبروت . تقول الرواية في صفحة 7 من فصل “رحلة عزيز” : لكن نجم الفحام لم يك هو . انه احد قوى الطبيعة ، الباعثة شررا والمدمرة والتي تعيد التوازن .” ويصفه في اسفل صفحة 82 ب” فتى المياة ….” ، هذا اصافة الى الاشارة الى منطقة “دلمون” الواردة في قصص جلجامش وهي منطقة البحرين الحالية والتي رحل اليها جلجامش في رحلة البحث عن الخلود وكانت تشكل حدود العراق مع الخليج . اذن يتعامل الكاتب مع شواغل روايته بحذر مطلوب فيقدم شخصيته الرئيسية بأعتبارها طاقه ماورائية اكثر منها بشر عادي يمتلك قدرات البشر من الضحايا وهذا سيكون متناسبا مع ما سيقوم به من اعمال عقابية خارقة لقوى او طاقات اخرى امتهنت اضطهاد الانسان وانزال العذاب بالناس وخراب الحياة . فنجم الفحام بالمقابل امتهن وظيفة الاقتلاع من الجذور لاولئك الطغاة عن طريق وظيفة ” الاخصاء ” لرموزهم . ان نزوع الشخصية الرئيسية لهذا النوع من العقاب الجذري الفانتازي يفسر امرين رئيسيين هما اولا حجم الظلم الاجرامي الذي انزله الطغاة بالناس وثانيا فشل امكانية ازاحتهم عن الحكم بالوسائل التقليدية بسبب ما يمتلكونه من وسائل حماية مستمده من وسائل القمع ذاتها وهذا الأمر ينطبق على نظام الحكم المباد فيما قبل تغيير 2003 في العراق . إن العمل يحاول ان يكون منطقيا ضمن زمانه ومكانه ليحقق ما نسميه بالاحداث المشروعة فيستعين باحداث من التاريخ الحديث التي نفذها معارضون لنظام الاستبداد شن هؤلاء حرب مقاومة في” عكد الأكراد ” لكنهم لم يستطيعوا اقتلاع النظام ورموزه فكانت انتكاسة تاريخية للثورة أدت إلى تشتيت الناس بعيدا عن أماكن استقرارهم وسبي نسائهم ومنهم مريم وأم خليل ومناطق سكانية أخرى بأكملها . الشخصيات الفاعلة في الرواية التي بقيت تحرك أحداثها هي نجم وميرزا وسعدون ومريم إضافة إلى شخصيات كانت فاعلة مثل خليل الحاج إلا إنها استهدفت من قبل أجهزة نظام القمع وجرى التنكيل بها وتصفيتها . لكن عودة نجم الفحام إلى الحياة مرة أخرى بطريقة رمزية وكأنه عائد من العالم السفلي الذي يتحكم به الآلة ” أدد” ولقاءه  بمريم قد أذن بإنهاء حكم الطاغية عن طريق الاقتلاع من الجذور وانبثاق فجر جديد . إن نشاط نجم الفحام باعتباره معادلا للإله تموز وشخصية مريم باعتبارها معادلة للآلهة عشتار يحقق اختزالا معقولا لمساحة النص الذي يمكن أن يملأ مساحة اكبر في غياب التكثيف الذي يوفره العنصر ألغرائبي المتجسد فيهما . وقد فتح ذلك ( أي العنصر ألغرائبي) بصورة حاذقة توسعات عريضة أمام النص كي يحقق وظيفته في الإيصال والإمتاع والتعليم مع وسائل توظيف الأسطورة لصالح كل ذلك . ظل الكاتب متمسكا بالراوي كلي المعرفة , اي ضمير الشخص الثالث وهو أمر ينسجم مع اسلوب رواية الملاحم فهي ليست رواية نفسية ، رغم انتقالاتها السريعة التي عكست انشغال نجم الفحام في تنفيذ خطواته  على عجل . إن الفحام على بينة اكيدة من طبيعة الارض والبيئة التي يعمل فيها ، وهو واسع الادراك للبنية الداخلية لنظام القهر متعدد الاشكال . لذلك هو يعرف ما يريد وما يجب ان يفعل ضمن عمل وظيفي اشبه بالرسالة . وفي جوانب اخرى استعان الكاتب بتقنية التناظر غير متماثل الوظيفة ، فالثور في اسطورة جلجامش كان ارسل من قبل كبير الالهة لقتل جلجامش وكان ثورا الهيا ، بينما اصبح الثور الذي استخدم في الرواية ثورا ادميا متوحشا وظيفته انتهاك كرامة المرأة التي تمثلها مريم ” عشتار ” . الملفت ان ” سعدون” لم يتعرض للاقتلاع ، وكان الكاتب يتوقع استمرار وجوده حتى بعد نهاية النظام الاستبدادي ، وهو امر بقي خارج نطاق التصريح .
لابد أن نلاحظ أيضا إن اتجاهات حركة السرد تعاني قدرا من الالتباس ألمضموني والفني . ففي الوقت الذي يتجه كل السرد نحو التصدي لمشكلات حياتية صادمة تقوم على خلخلة نظام القمع المادي والروحي الذي تمارسه تشكيلة من المؤسسات  التي أقامها رأس النظام ، نراها  تعتمد وسائل العقاب ومن ثم الحل بواسطة قوى ماورائية تمارس تقرير مصائر الناس وكذا مصير بؤرة الاستبداد . هذا لايعني إن النص يعاني خللا كبيرا ، لكن الحركة الجمعية للناس هي التي تتعرض للقمع والاضطهاد فلابد لهذه الحركة أن تعطى دورا يناسبها في إسقاط النظام الاستبدادي وفي نفس الوقت تعطى فرصة لإثبات إن تموز ” نجم الفحام ” وكذا  عشتار” مريم”  ينتميان اليها حاضرا أيضا وليس ماضيا فقط . ومن شأن هذا إكساب السرد شهيقا إضافيا لصالح مشكلته .
إن حميد الربيعي قفز إلى باطن التاريخ وعاد إلينا بمحارة ثمينة تضم لؤلؤة يتعين حساب ثمنها بأسعار اليوم  . وهي حتما ليست أسعارا سهلة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *