عايدة الربيعي : جسد الأنثى والنص البصري

ان تطور الدراسات النقدية والفلسفية  وتقدم الفن غير بعض المفاهيم القديمة التي ترتبط بالجمال ورهافة الحس ورقي الذوق في الحركة والنغمة واللون ؛ فتعطي تعبيرا عن خبرة الإنسان بأشكال عدة تعبيرية وتشكيلية  “ان الذهنية والفكر قد تغيرا  خاصة بعد الحرب العالمية الاولى حيث سقطت انظمة و ظهرت اخرى جديدة تتسم بروح الحرية و الفكر و الديمقراطية والتي قد ساهمت في تغيير الذوق الاجتماعي العام و نمط الحياة ” ومنها البيئة الفنية الثقافية. فالعلاقة لم تبق علاقة جمالية او استمتاعية تأملية، يقول الدكتور شاكر عبد الحميد  “ان العلاقة بين العمل الفني والمشاهد في جوهرها علاقة موقفية  تعتمد على طبيعة التفاعل ” وذلك يعني مدى قدرة العمل الفني على احداث التأثير والحركة والنشاط في مواقف تتعدد فيه التفسيرات والتأويلات في مستوياته .خاصة بعد ان تقدم الفن، لم يبق هدف الفنان هو (انتاج شئ ما يتسم بالجمال) بل تطورالهدف ليأخذ معنى اخر، هذا المعنى هو اتجاه معاكس على قول الشاعر الايطالي مارتيني “الجميل ليس له علاقة بالفن” وان الجمال يجب ان يختلط بالقبح والعكس بالعكس على حد قول الفيلسوف كولنجود. وكل وجهة لها مايبررها. ينفرد الأثر الفني  بخصائص ذاتية تميزه عن غيره من أوجه النشاط الإنساني. أن الحديث عن مفهوم الجمال في العمل الفني في الفن البصري لايعني مطلقا اخذ الكلمة بمفهومها التقليدي،  ولكن في ما يكمن في النواح الاخرى،  كالموضوع، والاسلوب، وقدرة العمل على جذب المتلقي له بمعنى (خلق علاقة)؛ لان الرسم : هو ممارسة انسانية تخلق علاقة وموقف بين المتلقي والعمل على ان يحمل -العمل الفني- تفسيراته وتأويلاته، بل تتعدد فيه التفسيرات .. الفنان العربي عامة كان بالغ التأثر في لاوعيه الثقافي بالمفاهيم السائدة عن رفض الصورة اصلا، أي صورة  في المجتمعات الاسلامية، وتحريمها وقد تناول الدكتور احمد رأفت هذا الموضوع بشكل موسع في كتابه (هكذا رسموا انفسهم ) موضحا رأي شيخ الازهرالدكتور عبد الحليم محمود مبينا وجهات الاختلاف في الاراء حول ذلك، ومثار النزاع الحاد محتكما إلى حكم التاريخ مؤيدا في وضوح “ان التصوير لم يكن محرما بالرجوع الى الوثائق” (ولامجال لذكرذلك الان).
وقد تناول الكثيرمن الفنانات والفنانين جسد المرأة الأنثى كأيقونة في اعمالهم، بما يحمل من قيم تعبيرية في اللوحة  لتوصيل وتأكيد رسالة بما يحمله – عالم المرأة- من مشاعر وأحاسيس * يقول  كونفوشيوس الفيلسوف المعروف : * إن الصورة أفضل من ألف كلمة ” وعلى الفنان ان يهتم بتأويل المحتوى الرمزي للصورة وشروط إنتاج العمل الفني في تصوير الموضوع تشكيليا ..فكل واحد  منهم – الفنانين- أراد ان يبحث عن المرأة ليقول لنا : انا وجدتها هكذا .. ابحث أنت عنها. دون التجرد التام من تأثير العوامل الفردية . الرمزية في الفن يجب ان تخضع لقواعد الفن كي تأتي بقيمها. كل فنان نقل لنا رؤيته ولكن بإختلاف الاحاسيس التي ينقلها الى اللوحة بريشته .هناك من تأمل عالمها واحلامها بهدوء وسكينة، وهناك من تجاوز الخط الأحمر ليكون للجسد الأنثوي حضوراً طاغياً لدرجة الجرأة، وبألوان صارخة مقصودة تكون مفعمة بالحياة والحيوية والتفاؤل حسب تعبيراتهم على كونه- جسد المرأة-  يحمل صفة الجمال (الغاية تبرر الوسيلة)، لان الفن يبقى قضية فكرية وفكر ثقافي عال عليه ان يتحول الى ذلك كي يسمو الى غاياته .
لقد ظهرت صور المرأة العربية بالظهور جليا في الفنون التشكيلية  مع ازدهار الفن الاستشراقي في القرن التاسع عشر ،وشكلت موقعا واسعا وفضاءا رحبا في ذهن الفنان الغربي من خلال رصد الجاذبية والسحر الشرقي في حالة من التعبير في التوق إليه، وتجلت في صورة “امرأة الحريم” او الاوداليسك المرأة الشرقية المتلفعة بالاردية الحريرية والثمينة حتى اصبحت هذه الصورة أيقونة لامرأة الشرق على الفنين الغربي والعربي بإضفاء بعض الملامح الاسطورية الاغوائية .”كان الالتقاء بالغرب وبثقافته واساليب تعبيره الفنية المسرب الاساسي لنمو الفنون التشكيلية، ولذا تفاوت تاريخ البدايات في البلدان العربية ، انطلاقا من مرحلة التأثر والتعرف والنقل والاستحياء الى مرحلة نشوء القوميات والاستقلال والسعي نحو لوحة محلية متفردة.” هناك من نقل مباشرة شكل الجسد، وهناك من حور بوعي على شكله وغير في قوانين المنظور او التشخيص، ليعالج فنيا الفكرة والموضوع بعيدا عن التقليدية الواقعية.
كان الجسم الانثوي عند قدماء الفنانين مقدسا لما فيه من طراوة في انحناءات خطوط الجسم وجمال الاعضاء والتناسب الاغريقي ومسحته الالهية عندهم . كما هو ظاهر في لوحات روبنز وانجلس وديلاكروا وغيرهم .. لكن مجئ بيكاسو غير ذلك حين رسمها فكسر هذه القداسة والاطر القديمة ليعلن مفهوما ومعاني جديدة للجمال وذلك  في لوحة (آنسات آفنيون). اللوحة تحتوي على مجموعة من الاشكال التي تمثل خمسة نساء رسمت بأسلوب تكعيبي غير مألوفا في الساحة الباريسية في ذلك الوقت، بيكاسو ذهب ابعد من ذلك في قساوته مع الاشكال واحالتها الى سطوح ونقاط ،وقد هرع إليها النقاد والمؤرخين تحليلا ونقدا وتفصيلا واعتبروها ليس لها سابقة في تاريخ الفن العالمي، وقد عمد بيكاسو الى تحويل الأشكال الى سطوح و خطوط وحشر الاجسام بعضها الى بعض مشوها و محرفا ومحطما لها. ان الفنان في مثل  هذه الاعمال لايعني بتسجيل الظواهر المرئية كما هي وانما اندفع الى الداخل للتعبير عن صيغ  جديدة يراها مناسبة لنقل خوالجه تجاه الموضوع والفكرة . لم تكن  فينوس مجرد عادة إغريقية جميلة ولا الجيوكندة مجرد فتاة حسناء..فالمهم في الحالتين وفي كل فن هو الشحنة الوجدانية التي يفرغها الفنان في صورته (لوحته).
المرأة الفنانة  لم تكن تمتلك امكانية التعبير عن موهبتها في مجال التصوير فتجلت إبداعاتها في اعمال الابرة والمنسوجات التراثية. سوى اوائل الفنانات في مصر ولبنان واللواتي  ارسين البدايات في النهوض الفني،  فقد اتاح لهن موقعهن الاجتماعي والبيئي في اختراق المألوف. اما الفنان  المصري فقد ابدع منذ بداية حكم الأسرات في تصوير تقاسيم اجساد النساء، وإظهار تناسق اعضائها في غير ابتذال اسفل ثوبها الشفاف او المحبوك على جسدها، منقوش عليها باللون الوردي أو المشوب بالصفرة وبالبني الشاحب احياناً، وصورها في صورة ربة ذات جبروت وقوة ، بل وقسوة لايجرؤ عليها الرجال .
يجد الباحث في هذا الموضوع بأن المراة كانت دائما وراء اللوحة ، وان المرأة الوحيدة التي رسمت انذاك هي اما صور لنساء الوجهاء واصحاب النفوذ الديني او السياسي وباللباس التقليدي او بصورة البدوية والغجرية ، وتوالت عبر التاريخ لتظهر صور المرأة الريفية في مهماتها المتنوعة والتي تحمل ( الى الناظر اطمئنانا لتعبيرها عن مفاهيم التراث بالثوب الريفي وبإطار اليف هادئ ). .حتى دخلت المرأة ” الموديل ” الى محترفات الفنانين والتعري امام الرجال الرسامين الغرباء، كانت نادرة الوجود بحيث ان  اجيال كاملة كانت تعتمد نفس الموديل،  وهذا شكل مرحلة جديدة بالتوازي مع تبدل التقنيات والتيارات الفنية (رغم انها بقت امرأة سرية – امرأة الموديل –  لاتجرؤ على الأعلان عن نفسها او مهنتها)  هكذا حصل اللقاء الواقعي بين الفنان والمرأة. ان عري المراة حمل العديد من التأويلات : الخصوبة، الجنس،  الحب ..الخ لتاخذ موقع الرموز الانسانية كافة ولكن بموقع الالتباس والتحريم في أي شكل سواءا اثيرية الجسد أو حسية أو مثالية الجمال. وكان كل فنان  ينفذ اقتراحاته النظرية في انجازه. فمثلا ، نرى الجسد عند الفنانة عفيفة لعيبي على سبيل المثال هو الايقونة التي اشتغلت عليها؛ لانه يمثل الشكل الجمالي الأكمل، لقد اشتغلت لعيبي على جسد المراة بشئ من التمرد على كل التأطيرات التقليدية له بتضخيم وتدقيق وتكرار لاجزاء الجسد الانثوي وإعادة اكتشافه برؤية فنية مختلفة عن واقعيته .استفادت من التقنيات الاوربية -مكان دراستها – كوسيلة فنية للتعبير. وبالتأكيد فان هناك قصد فكري وهدف فني قادا الى هذا الاتجاه. اما الفنانة غادة عامر فقد اقتحمت المحظور والممنوع بالنسبة للمرأة الشرقية خصوصا تناولاتها بعد عام  1993 يقول محمد حمزة  عنها : ” ان لوحاتها جاءت بشكل يتناقض مع اصول ثقافتها وتقاليد مجتمعها الأصلي في الكشف علانية على ماخفي من جسد المرأة كانت اعمالها ( اجساد وحيدة ومتكررة دون ملامسة الجنس الاخر “).  وذلك بإدخالها صورا مثيرة للشهوة الجنسية ..تلك الصور التي استعارتها من مجلات الجنس الشعبية المنتشرة في الاوساط الغربية، بإضافة بعض الخيوط المتدلية والمتشابكة التي تحجب بعض الشئ هذه الصور الفاضحة الإباحية.. كما تعاملت فنانات سيرياليات مع صور فاضحة متهتكة لها اثر كبير في إحداث ثورة في الفنون السيريالية في هذا العصر، نخص بالذكر هنا الفنانة ” لينو فينى ” في رسوم موضوعها قصة جوليت التوضيحية.
وفي وسط هذه الحياة المضطربة يبقى  بناء العمل الفني، عملية تتداخل فيها مؤثرات متعددة لاتخضع لنسق واحد في أي مرحلة من مراحله المتوالية ..ففي كل مرحلة من مراحل بناء العمل يكون امام الفنان بدائل متعددة ورموز يختارها تستوجبها الفكرة وقرارات يصعب توقعها لكن قد تكون اساسية وحاسمة على نتيجة عمله النهائية وماتبعثره ارهاصاته الوجدانية الداخلية والفكرية على سطح اللوحة ..لكن في الفن قوة كبيرة قادرة على إختراع الرموز وإيجاد  الحلول التي تساعدنا على تنظيم عواطفنا المضطربة  ومن خلال التجارب السابقة نخلص الى ان الجسد الانثوي ( نص بصري يمتلك محتوى دلالي قادر على خلق استجابات سلوكية لدى المتلقي) وعادة تتجاوز مخيلة الفنان التقاليد السائدة للبعد المألوف في طرزه الفنية في الاسلوب والشكل والغرض في صلب تجربته الخلاقة ، فيعنى بالمعاني الخافية وراء ذلك الرمز فيستخدم بشكل واضح احيانا وغامضا في احيان اخرى. هذه الرموز قادرة على ان تخرج من داخلها المعنى، و ذلك يتوقف فهمه على ثقافة المتلقي نفسه وادراكه لرمزية هذه الإيقونة في تجربة الفنان الفنية .
وتبقى  ثمة اسئلة في في ذهن المتأمل .. كيف صور الفنان الرجل  المرأة في لوحاته، وكيف صورت المرأة جسد المرأة في لوحاتها ؟ هل اتسم ذلك  بالذكاء ام بالدهاء ام بالحكمة، ام بالجمال؟  وهل ان الجمال  حكرٌ على الأنوثة ؟ هل اعتمد بناء العمل في لحظته على مدى وحدّة الصراع بين الأنوثة والذكورة حين يتحوّل هذا الصراع من الصراع التكاملي إلى الصراع التناحري حتى في الفن وتصويراته؟  ام ان القضية تختلف عند الانسان الفنان فجاءت في حالة من الانسجام ؟
2012م

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين: رواية (مصير بلقيس)… صرخة احتجاج بوجه العنف

عن دار ميزر للنشر في السويد صدرت للكاتب العراقي المقيم في الدنمارك ” كريم عباس …

التقنيات السينمائية في مجموعة (محو مؤجل) لرزاق الزيدي
أحمد الشطري

بدءا لا بد من الاشارة الى ان تداخل الفنون هي عملية حتمية، باعتبار ان كل …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (8)

طاقة المفردة وإشعاعها في (مواسم) شاكر مجيد سيفو تثير عنونة مجموعة (مواسم) للشاعر هشام القيسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *