أ. د. صبري مسلم* : المهاد الشعبي لفضاء السرد القصصي
قراءة في “حنين بلا ضفاف” للقاص فاروق أوهان

*عميد كلية الآداب والألسن- جامعة ذمار
لا بد للبطل الشعبي أن يرحل صوب المجهول والغريب والجديد، معبراً عن مغادرته حياة السكونية والرتابة وباتجاه عالم سحري يزخر بالمغامرة وخرق المألوف، إذ أن المكوث في البيئة المكانية التي ولد فيها البطل الشعبي، لا يمكن أن يهبه مزيداً من التجربة الحية والتفاعل المباشر مع جوهر الحياة، وروح الوجود.
وتبدو الفنون القصصية المعاصرة كافة، امتداداً لتلك التجارب التي حفظتها ذاكرة الإنسان الأول، ألم يغادر الملك غلغامش أسوار أوروك باتجاه المجهول، ومن أجل أن يعرف سرّ الخلود(1)؟ واضطر أوديسيوس إلى مغادرة إيثاكا كي يعود إليها منتصراً في آخر المطاف(2). وهرب إينياس بطل إلياذة فرجيل من طروادة إلى روما، وأسس إمبراطورية هناك تعوّضه عن العودة إلى طروادة التي أطاح بها الإغريق(3). إذن لا بد للبطل الشعبي من أن يغادر المكان ويشّد الرحال باتجاه أمكنة جديدة كي يستكمل تجربته في الحياة، إذ تظل تجربته الحياتية فجّة وعقيمة ما لم تهبها الغربة طعمها اللاذع، ولونها الخاص.
وقد لا تتحقق هذه الرحلة الرمزية في الفن القصصي المعاصر على صعيد المكان، ولكنها تنجز عبر الإبحار في عالم الذات، واستكناه أسرارها، وسبر أغوارها، وربما ترافقت الرحلتان على الصعيدين الذاتي والمكاني في كثير من نماذج القصص المعاصر. وإذا كان البطل الشعبي وفي معظم الحكايات الأسطورية، والخرافية الشعبية يقفل لا محالة إلى حيث انطلق أول مرة، فإن بطل قصة “حنين بلا ضفاف” للقاص فاروق أوهان يظلّ معلقاً في فراغ الغربة دون أرض يستقر عليها، متخذاً من ممالك واهية ملاذاً له. وتلفظ إحدى المدن الأوروبية شخصية رئيسة أخرى في القصة مع أسرته صوب أصقاع أكثر برودة، وأشّد غربة.
يدلج يونس سارد القصة وبطلها في نمطين من الابحار أحدهما في أقاصي الغربة المكانية، وفي أحد البلدان الأوروبية التي ينتقيها السارد بعناية، لأن فيها نهر الدانوب وضفتيه (بودا – بشت) التي تذّكره بدجلة وضفتيها (الرصافة – الكرخ) في بغداد، والساحلين  الأيسر والأيمن في الموصل، في أعماق الروح حيث زخم الذكريات، وحشد التجارب الأثيرة زمن الطفولة والصبا، ولكي يتقمّص السارد المندمج بشخصية كاتب القصة فاروق أوهان مكابدات الغربة، فإنه يشكّل شخصية رئيسة تقاسمه البطولة (عمر يوسف سلمان)، وتعيش معاناته ذاتها لاسيّما أنه يعكس عليها رؤاه، وأفكاره، وقد وهبها مدىً واسعاً من خلال أسرته المؤلفة من زوجه، وابنيه، وهو يتحرك على مساحة مكانية عريضة حين يكون انتماء أحد الزوجين لشمال العراق، والآخر لجنوبه في تشكيل واع هدفه أن يستوعب النص تفاصيل البيئة الشعبية في الوطن كله.
وثمة قسيم رمزي للبطلين كليهما في غربتهما، إنه الروح والمعنى وقد جسمه النص بطائر غريب لعله مهاجر من الوطن باتجاه أفق الغربة، وقد شكلّت نهايته بؤرة القصة، ومحورها حين يبطش نسر أقرع غريب جائع “هاجم الطير وهو يتمشّمس على الشجرة المقابلة للبناية، ولأنها ظاهرة غريبة لم تحدث إلا منذ بدايات هذا القرن مرة، وقبيل منتصفه مرة أخرى، فقد فزع الرجال المسنون متذكرين كلتا الحادثتين، فحثوا الصغار على إحداث ضوضاء عالية، وصراخ، ومن فزعه ارتبك النسر الأقرع…  وترك الطائر الذبيح يتلوّى، فعطفوا عليه بذبحه، ولم ينتظروا صاحبه الغريب. وهاهم الآن يطلبون مساعدته لهم على دفنه”.(4)
وفي المعتقد الشعبي تتماهى الطيور مع الأرواح نظراً لخفتها، وقدرتها على الانطلاق في الأفق، بل إن المخيلة الشعبية تطلق الروح من إسار الجسد، وتهبها سجية الطير في الخفة والبراءة واحتضان الفضاء، وامتلاك سعته واختراق آماده(5). وقد انتقى النص أنثى الفخاتي – كما تدعى في وطنه -. وهي ترتبط بمجموعة من الأفكار الشعبية، تحدّث الأم صغيريها فتقول:” والآن كيف لكما أن تستضيفا طائر الوطن المهاجر إلى هذا البلد مثلنا، وقد جاء يستجير بنا، وبدارنا؟ .. إذن يا أولاد اسمعوا جيداً. تقول أنثى الفخاتي لصديقتها، أو جارتها التي حضرت لتجاور عشها على الشجرة: كوكوختي منين أختي؟ وترد عليها جارتها التي جاءت تستجير بها: من الحلة، وأين تنامين؟ تجيبها رفيقتها عند الله، و(شتاكلين)؟ رزق الله، و(شتشربين)؟ ماء الله .. إلخ”.(6) وهذه حوارية شعبية معروفة يؤديها الصغار في الوطن.
ولا يدع السارد سانحة إلا ويغتنمها من أجل أن يشذّرها بلقطات من عمق التراث الشعبي، فهذا سارد القصة يونس – وهو اسم شائع في مدينة الموصل التي تحتضن ضريح النبي يونس ذي النون عليه السلام – يسترجع عبر مونولوغه (حواره الذاتي) أفكار أمّه وجدّته إزاء غربته التي طالت “وكثيراً ما قارنت أمّه بين ما يحصل له، وبين ما كان قد حصل مع النبي يونس الذي سمّي هو على اسمه، حين اصطاده الحوت، ولفظه سالماً. غير أن حوت الغربة لم يلفظ يونس العصري من منافيه، ولم يزل يسكن جوف التجوال بلا قرار، رغم النذور التي ما تزال جدّته ووالدته تقدّمانها إلى ضريح النبي يونس في حيّ نينوى مطالبتين بعودة الابن والحفيد، كما وهبهم إياه طفلاً الشفيع يونس يوم ذهبتا تطلبانه من النبي، وقد حملتا شمعة صفراء ابتاعتها الجدّة من سوق السراي”(7). فيحيل النصّ إلى طقس شعبيّ وهو زيارة أضرحة الأنبياء والأولياء والصالحين، واشعال الشمع تقرّباً لهم، واتخاذ مكانتهم عند الله سلّماً لحاجات، مطالب ورجاءات لا نهاية لها.
ولأن الوطن يسكن أعماق بطل القصة وراويها، لذلك فإن حواسه جميعاً تذّكره به وبخصوصيات ارتبطت بذكرياته “نهض ليفتح الثلاجة، ففاحة رائحة غريبة ذكّرته بروائح سوق السراي في مدينة الموصل، فانتصبت دكاكين البقالين أمامه، منبعثة من خلال رائحة ماء (عين كبريت) وقد امتزجت فيها روائح (الهال، والعطرة) والمستكي والجوري … وتذّكر أيام كان فتىً، وقد صار دوره في العائلة لكي يستيقظ من الصباح الباكر فيشتري للأهل الخبز الحار والقيمر من سوق (الشعيرين) الذي عاش لفترة طويلة في حاراته، يمرّ كل يوم أمام جامع النبي جرجيس … وفجأة تذّكر يونس سوق (باب الطوب) وباعة الخبز الحار إلى جانب ما في السوق من متناقضات، خصوصاً محل بيع حوائج أكلة (الباجة) وكم اشتهى أكلة الباجة في مطعم الحاتي بشارع الشيخ عمر في بغداد”(8).  إن مثل هذه اللوحة القصصية تشي بصورة الأسواق الشعبية والجوامع والأضرحة وطعوم الأكلات الشعبية وروائحها وهي تسكن جميعاً في أعماق بطل القصة. ومثل هذه التفاصيل تدخل في الدائرة الأوسع للتراث الشعبي الذي يمكنه أن يضّم بين جناحيه الواسعين: وكما عبّر الدكتور عبد الحميد يونس عن المعتقدات والتقاليد والمراسيم والممارسات الشعبية والفنون والحرف اليدوية التقليدية وأغاني الأطفال والنوادر والحكايات ولعب خيال الظّل والفوازير والبكائيات ورسوم الجدران والمنسوجات المرقمة والحلى التقليدية .. إلخ(9).
وينفذ النص من خلال ذلك الشريط (الكاسيت) الذي وجده يونس في تلك الشقة المهجورة كي يضّخ مزيداً من الأغاني الشعبية والتفاصيل التي تحيله إلى وطنه وبيئته، صحيح أن بعضاً من الأغاني الحديثة الشائعة “يا طيور الطايرة مرّي بهلي” أو “ويّه الطيور الطايرة أبعث سلامي إلكم”(10). وهي جميعاً مما ينّم عن الحنين إلى الأهل والأحباب حيث لا توجد وسيلة للتواصل مع الوطن سوى طيور الفضاء. ونلمس هذا التوحّد بين القاص فاروق أوهان وثقافته، وبين وعي سارد القصة وبطلها، ومن خلال الأغنية الشعبية التي وظفها الشاعر بدر شاكر السيّاب (شناشيل ابنة الجلبي) فهي متكئة على أغنية شعبية معروفة “مطر مطر يا حلبي، عبّر بنات الجلبي، مطر مطر يا شاشا، عبّر بنات الباشا”(11). ويردد الأطفال هذه الأهزوجة الشعبية على إيقاعات قطرات المطر النقية التي تعيد إلى الحياة نسغها ورونقها، وديمومتها.
وتطالعنا شخصية أبي نازلي الرواي التركماني الذي يرقّص الدمى “على أسياخ فوق طاولة مستديرة يحرّكها بأصابع قدميه من أسفل تحت غطاء الطاولة، نتلهّى بالزحف تحتها لنرى فنّه المتوزّع على مختلف أطرافه بتناسق، بينما تلعب أصابع يديه من فوق على أوتار (طنبوره)، وقد راح يروي لنا قصصه التي لا تنتهي”(12). وترد أسماء الأغاني الشائعة مثل (خدري الجاي) والمقام البغدادي، ويا (صياد السمك) لصديقة الملاية، وأغنية (وين رايح وين) لزكية جورج وسواها من الأغاني المحببة التي توقظ الحنين إلى فضاءات الوطن، وتوقد شآبيب الذكرى وتفعم الروح بمزيد من المكابدة والمعاناة.
ومنذ عنوان القصة “حنين بلا ضفاف” نلمس اهتمام النص باللغة الانزياحية ذات الطابع المجازي، إذ يتجسّم الحنين بحراً بلا حدود في سياق استعاري انسجاماً مع فضاءات الغربة التي تشخص في كل لحظة أمام ناظري البطلين (يونس وعمر) مذكّرة إياهما بتفاصيل مشابهة، أو مقاربة في الوطن لاسيّما انه اقترن بمراحل العمر المبّكرة التي تنقش أثرها بعيداً في الروح والذاكرة والقلب، فتبدو مثل وشم لا سبيل إلى مفارقته بل إنه مثل بصمات الأصابع ونبرات الصوت.
ويتخذ النصّ من مظاهر الطبيعة أداة فنية حين تٌنسج استهلالته المتكئة على إحساسات بطل القصة وهو يشهد خريف الغربة “تراكمت الأوراق المدرجة الاصفرار على أرضها، بينما تعرّت الأشجار من أوراقها لتفسح المجال لرؤية أعشاش الطيور، ولفتت نظره شجرة قريبة خلعت أوراقها ولم يبق عليها سوى وريقات تعمّقت صفرتها حتى اقتربت من اللون البني الغامق”(13). فيتسلل اللون الأصفر إلى نسيج الجملة السردية منذ البدء منبئاً عن الخاتمة المفجعة للقصة، وعلى الرغم من أن اللون الأصفر عامة قد يشّع بدلالات مختلفة، وقد استثمرته الشعوب عبر تأريخها وفي مواسم متباينة قد يفصح بعضها عن معنى الموت والهلاك (14) فإن السياق القصصي في قصة حنين بلا ضفاف يعطيها معنى الشحوب والأفول الذي يسبق الغروب، ويشي بقرب الانغمار في دياجير الظلمة النفسية الخانقة. وتشيع رموز الحياة الآيلة إلى اليباس والجدب في كل مفصل من مفاصل القصة، بيد أن بصيصاً واهياً ينبعث من ذلك الأصيص الذي وجده في سكنه الجديد “فقام على الفور يجسّ التربة، فوجدها جافة، وعروق النبتة يابسة، فعمل على لملمتها عساه يستطيع علاج الأمر فلعل الحياة تعود للنبتة عندما يكون الربيع على الأبواب .. وحنّ لتك المشاعر الجميلة التي تتركها في النفس تلك الحارات الملّونة بالأزهار لكن ظن يونس خاب عندما وجد النبتة جافة”(15). ولأن منطق الحياة أملى على الإنسان أن لا يذعن لليأس فإنه سرعان ما يدخل مسرعاً إلى مصدر الماء ليسقي النبتة علّ بصيلات تحت الجذور لم يلاحظها تنبت على حين غرّة. إن الاصرار على الحياة هو الذي يزود الإنسان المغترب – بالرغم من انكسار روحه – بطاقة هائلة من المرونة في عقد الصلة مع الحياة والصبر على جفافها، وبخلها معه، لأنه نبات غريب لا جذور له في البيئة المكانية الجديدة، وعليه هو أن يتكّيف لهذه البيئة الغريبة، وإلا فإن البديل هو أجواء العدم والغياب في طيات الأبد.
ويجيد النّص التقاط الجزئية التي تكشف عن مكنون ذاته المفجوعة بالاغتراب الحاد، وعبر تداعي صور الذكرى في تلك البيئات الشعبية التي عاشها بطل القصة في مدينة الموصل زمن عنفوانه وصباه، وكم اشتاقت نفسه للاغتسال بل “لغطسة في ماء النهر، يعوم من ضفة دجلة اليمنى في محلة الفيصلية حتى إذا ما سحبه التيار يخرج عند الضفة اليسرى في محلة الدوّاسة، ويكون قد وضع ملابسه على رأسه طوال قطعه المسافة بين الضفتين، كما يحمل بحقيبته طوال مدة غربته”(16). فيستبدل البطل المغترب وطناً مترامي الأطراف بحقيبة يدوية صغيرة تلّخص وجوده الهزيل أنّى حلّ وحيث حطّ في ديار الغربة.
ويلمح النصّ قسوة الاغراب وأسلوب تعاملهم في إحدى الدول الأوروبية “لأن السلطة هنا قد قررت ترحيل المشتيه بهم بناءً على الأحداث الأخيرة الحاصلة في بلدهم ودون حساب ولا سابق إنذار”(17). وإذا كانت قوانينهم ودساتيرهم رؤوفة بهم تنظّم أدق جزئيات حياتهم، فإن هذا لا ينطبق على الغريب، لأنه في اعتقادهم لا يأتي إلا لكي يتلف عليهم نظام عيشهم ومفردات حياتهم، وهذا هو الانطباع الأساس الذي يسود أكثر البيئات الأجنبية انفتاحاً إذ اعتاد المغترب على أن لا يلقى ترحيباً من أحد.
وتنزاح الشرفة والباب من وظيفتيهما المألوفة باتجاه بؤرتين دلاليتين يعرب عنهما النص حين يرد “تجلس صباح كل يوم وتذهب إلى الشرفة كأن هاجساً يدعوها لأن شيئاً ما سيأتي من الشرفة وليس من الباب، فقد أٌقفلت كل منافذ الوطن بوجهها، لا رسائل ولا هدايا، لذلك ليس للباب أهمية لديها لأنها لن تنتظر لا ساعي بريد، ولا صديقاً سيكون قدومه علينا سعداً، إنما أملها في هذا الفضاء الواسع الذي لا تحدّه حدود”(18). فتتجلّى سجية الانتظار – منعكسة على وعي الزوجة – وهي تشبه الهاجس الدائب حين يسكن روح المغترب واحساسه لعل طارئاً ما ينقذه من هذا الراهن البائس.
وإذا كان النصّ يعي الحواس كافة، ويوظفها بوصفها أدوات فنية مؤثرة “لكن الحواس لا تتحّدد بما يقاس، فحدودها مواقع الاستثارة ومفاتيحها الربط والاقتران”(19)، فإن ثمة اهتماماً خاصاً بحاسة الشّم “يا لله، يا لها من رائحة، رائحة عبق الوطن الزكية التي تزكم الأنف، روائح مركبة من زهور (القدّاح والشبّو الشجري والخزّام والاثل) تأتي وكأنها رائحة غبار طلع النخيل على ضفاف الفراتين”(20). حيث تتوغل حاسة الشمّ إلى كينونة بطل القصة وتتخلل وجوده وأعماقه عبر طيوب الذكرى ورجعها البعيد.
ويكرر النص هذا التراسل الواعي بين الحواس من خلال آليات (المونولوج) وعودة الروح إلى مواطن صباها وبهجتها التي يوقدها طعم التوت “هذه حلوة، وهذه حلاوتها ممزوجة بالحامض المزّ ، وتلك فجة، وتلك بأربعة خدود”(21) وهنا يوظف النص ثقافة السارد حين يفكر يونس ” حينها بأن هذه الألوان تشبه ما جاء في رؤى حزقيال النبي للوجوه الأربعة التي تخيلّها بخدود ملوّنة هي خدّ أبيض، وخدّ وردي، وخدّ أحمر، وخدّ رابع شرابي اللون”(22) وتكاد تكتمل الحواس بحاسة السمع حين تشارك (الفخاتي) يونس وأهله ابتهاجهم بترداد صوتها الأليف: لكنها تزيد من غنائها وترديداتها الواحدة للأخرى، عندما تبدأ الأولى فيأتي الجواب من الثانية إلى الثالثة إلى رابعة فالعاشرة، وتنقلب الحديقة الخلفية للدار إلى عرس مجلجل”(23).
ويغتنم النص سانحة الرؤيا فيسرد علينا ذلك الحلم مستثمراً آلياته في اقتناص صور تتداخل فيها الأمكنة والأزمنة والأشخاص، وتفضي الرؤيا إلى كابوس يكرّسه واقع الغربة المعتم “الأبواب مغلقة، والجدران مهدّمة والمهملات كثيرة، ولكن لا ماء فالعطش قاتل، وكلما يقترب من أمل في وجود منفذ يرى أمامه حارساً يرصده بزاوية عينه من بعيد، ويتمنى أن يتعلق بجنح طائر مهما صغر حجمه ليخرج من هذا الحصار، وإذا ما سقط خارجه لا يهمه إن مات، أو تكسرت أطرافه، لأنه مهما سيكون حاله، فهو خارج جدران السجن”(24). لذلك تأتي العلاقة الحميمة بين يونس والطائر الغريب لها ما يعززها في نسيج السرد القصصي.
وآية ما ذكر أن قصة حنين بلا ضفاف للقاص فاروق أوهان تنتمي إلى نمط من القصّ يبدو أكبر من حجم القصة القصيرة المألوف فقد استوعبت أربعاً وثلاثين صفحة من صفحات المجموعة القصصية الموسومة “هديل على الحدود” فهي إذن قصة طويلة بيد أنها دون حجم الرواية التي تتطلب تشعباً في الشخصيات والأحداث.
وقد بدت حرفية القاص ومهارته من خلال هذا النص إذ أفاد من عناصر التراث الشعبي وموتيفاته وأجوائه مازجاً إياها بجملته السردية الرصينة من أجل تأصيل البيئة الشعبية التي نمت شخصياته القصصية تحت سقفها وفي سياق لوعة متصلة مسكونة بفجيعة الغربة التي أجاد التعبير عنها مستثمراً مظاهر الطبيعة وسطوة الحواس جميعاً وتأثيرها من أجل بناء قصصي يقوم على تشكيل من الأحداث القصصية المقنعة وفي إطار حبكة متقنة. وبما أن هذه القصة وسجية سردها تحيل إلى خزين الذكرى، لذلك فقد غلب عليها الحوار الذاتي وتداخل مع تقنية سردية هي تقنية تيار الوعي في انسجام سردي ييّن استوعب هاجس الحنين إلى فضاءات الوطن وآفاقه الأليفة وملامح أناسه، وقد وهب تراث البيئة الشعبية هذا العمل القصصي جذوراً ترسخ في الذهن والقلب معاً بحيث يصعب على الذاكرة أن تنساه.
الهوامش:
* وردت قصة “حنين بلا ضفاف” في المجموعة القصصية “هديل على الحدود” للقاص الدكتور فاروق أوهان، سينا للنشر، القاهرة 1997. وقد رأس المؤلف جماعة المسرح والتراث العربية في القاهرة منذ عام 1994، وله قصص قصيرة وروايات، ومسرحيات، ودراسات نقدية، وبحوث أكاديمية ذات رؤى متعددة واهتمامات متشعبة.
1  – ملحمة غلغامش، ترجمة طه باقر، دار الحرية – بغداد 1980، ص128.
2 – ينظر: هوميروس، الأوديسة، ترجمة: عنبر الخالدي، دار العلم للملايين، بيروت 1974، ص5.
3 – فرجيل، الإلياذة، ترجمة عنبرة سلام الخالدي، دار العلم للملايين – بيروت 1975، ص261.
4 – قصة حنين بلا ضفاف، ص69 – 70.
5 –  ألكزاندر كراب، علم الفولكلور، ترجمة: رشدي صالح، دار الكاتب العربي، القاهرة 1967
ص 399
6 – حنين بلا ضفاف – ص53.
7 – نفسه، ص64.
8 – نفسه، ص42.
9 – مجدي وهبة وكامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، بيروت
ط2، 1984 – ص322.
10 – حنين بلا ضفاف – ص51.
11 – نفسه، ص52.
12 – نفسه، ص56.
13 – نفسه، ص39.
14 – د. أحمد مختار عمر، اللغة واللون، عالم الكتب، القاهرة ط2 1997 – ص163.
15 – حنين بلا ضفاف – ص40.
16 – نفسه، ص44.
17 – نفسه، ص50.
18 – نفسه، ص54 – 55.
19 – نفسه، ص45.
20 – نفسه، ص59.
21 – نفسه، ص62.
22 – نفسه، ص62.
23 – نفسه، ص62.
24 – نفسه، ص67.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد تركي النصار…. هوية الشعر.

*هو الاكثر صخباً، وجرأة، أيام كانت رسائل الحبيبات تصل الى المقابر، بحثاً عن عاشق حملته …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (9)

 الذات الشاعرة والإنشغال بالزمن كتاباً مفتوحاً   شاكر مجيد سيفو ما يشبه تصدير القراءة.. تثير …

فاروق مصطفى: الدكتورة (سلوى جرجيس) و رحلتها في (الف ليلة و ليلة)

كتاب (الف ليلة و ليلة) المثير في حكاياته الملأى بالغرائب و العجائب الذي يلدها مخيال …

تعليق واحد

  1. أحيي الدكتور الناقد صبري مسلم لتناوله قصة الروائي المسرحي فاروق أوهان، لقد قرأت القصة أنا ايضاً وأعجبتني كثيراً، وجاء د. صبري فحللها وأعطاها حقّها، فشكراً لجهده الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *