الرئيسية » مقالات » حسين سرمك حسن:(( تأملات في طبيعة ( سعد هادي ) الصامتة))

حسين سرمك حسن:(( تأملات في طبيعة ( سعد هادي ) الصامتة))

إشارة من الناقد حسين سرمك : وداعا ” سعد هادي ” … ولا يجزعن أحد من القراء.. فلم يحصل لسعد أذى ما .. لكنه رحل لاجئا مع عائلته إلى فنلندا ، وحسب الحكمة القديمة فإن الرحيل يعني قليلا من الموت . اتصل بي سعد ليلة أمس وقال بشكل مفاجيء : الليلة نطير إلى فنلندا . أنا أعرف أنه لا يمكن أن يودعني وجها لوجه . هناك حساب مرير وعسير من الذكريات والعهود والمرارات تشهد عليها ” بغداد الجديدة ” و ” السعدون ” و ” الكرادة ” ، وكلّها لها حوبة . قلت لسعد وأنا أعرف ما الذي يحصل على الجانب الآخر من الهاتف : أبو محمد .. ستتركني وحيدا . قال بتردد : لا … سنتواصل من خلال الإنترنت .. ولك سعد يا إنترنت .. كنت أعتقد بأنك تمزح .. وذهبت في اليوم التالي غائم الوعي .. ووقفت أمام باب شقتك .. وخجلت فقد فتحت ” أم محمد ” العظيمة الباب ، وكانت يداها ملطختان بمونة ” الدولمة ” التي أكلتها من يديها الكريمتين قبل أسبوعين . وتأكدت أنك كنت تكذب .. بعدك حيّال وتضحك عليّ .. ما تجوز . وأجهشت في البكاء .. خرجت من شقتكم المجاورة عجوز سورية بدينة بإحرام أبيض مثل إحرام أمهاتنا .. أمسكت برأسي .. وقالت : أنت عراقي .. أيش عملت الدنيا فيكم .. دول سافروا امبارح لفنلندا … حينها تأكدت أنك صادق حدّ القسوة .. وأن الرحيل يعني كثيرا ، وليس قليلا من الموت .. أرسل معك – بعطف الهيأة المشرفة – ما كتبته عن ” طبيعتك الصامتة ” .. أيها الصامت العذب المهذب الباحث أبدا عن الدفء .. هل ستحصل عليه في فنلندا الجليد والظلمة والوحشة ؟ .. قلبي عليك أبا محمد ..
—————————————

hussein_sarmak((رفعت الورقة وقد قررت الاحتفاظ بحيوانها الخرافي وتطوير هيئته وربما إعادة صياغتها ….حين قلبت الورقة على وجهها الآخر تجسدت أمامي صورة امرأة فتية كان أحدنا قد رسمها منذ زمن قصير وتركها لتجف أو ربما ليختبر ثبات ألوانها ورسوخ الملامح …. وضعت الورقة بشكل أفقي أمام بصري وبدأت المقارنة بين وجهيها كأنني أتلصص على حدثين متناقضين من ثقب في جدار ، صورة المرأة في اكتمالها ونزعتها إلى التجسد العياني ، وصورة الحياة الخرافية الناتجة عن رغبات مؤبدة في الأعماق . وكان على أن أختار بين شكلين لا حدود بينهما ولا فواصل ، وأن أساعد في بعث أحدهما من الظلمات إلى النور )).
القاص (سعد هادي ) – قصة ( الاختيار)
…… هذا هو المقطع الأخير من قصة (الاختيار ) التي هي آخر قصة في مجموعة القاص المبدع (سعد هادي ) : ( طبيعة صامتة ) .ولو أخذت بصورة عشوائية وحتى دون اسم القاص – فستجد (طريقة) جديدة في الكتابة القصصية ميزت سعد هادي في القص العراقي في مجموعته الأولى آنذاك أصدر بعدها مجموعة بعنوان( الأسلاف ) في عام 2004 أي بعد أربعة عشر عاما ،وروايتين (ليلى والقرد ) في عام 2005 و( تجريد شرقي ) في عام 2006 – . وقد جاءت (طبيعة صامتة ) هادئة حيية في دخولها الوسط القصصي عاكسة جانبا مهما من طبيعة صاحبها ( الصامتة ) المتأملة والمنسحبة بعيدا من صخب علاقات ترويج الذات اليومية وتسويق المنجز عبر علاقات لا تتصل بجوهره المقدس .قد يكون هذا من العوامل التي لم تتح لهذه المجموعة أن تحفر سعد هاديأثرها عميقا في المسار القصصي ، وقد يكون طبعها على النفقة الشخصية وبعدد نسخ محدود عاملا آخر لكن العامل الحاسم هو( عصابية ) النقد عندنا التي تتمثل في الانبهار بل الإنسحار بمنجز (الآخر ) – الغربي تحديدا – إلى حد ( الإنخصاء ) بفعله وتبخيس الذات المحلية المبدعة من ناحية والإنخطاف السريع ب(حجم ) و(مظهر ) النتاج الاستعراضي – التأثر الإيحائي الهستيري -من ناحية أخرى .ولهذا فإن الإهمال أو القراءة السريعة المستخفة أو السطحية أو المتعالية هو ما نتوقعه من ناقد معصوب مثل هذا تجاه مجموعة متواضعة المظهر – غلاف كرتوني بسيط وتصميم لم يدرك علاقة الشكل بالأرضية فوضع اللون الأصفر على خلفية بيضاء – وصغيرة الحجم، صغيرة فعلا : (68) صفحة من القطع المتوسط لكن إذا طرحنا منها عدد الصفحات البيضاء وصفحات العناوين ومجموعها (24) صفحة يكون الحجم الفعلي للمجموعة هو (44) صفحة ضمت السرد الفعلي . عنوانات أغلب القصص تتكون من كلمة واحدة (إتصال )،( عناق )(المظلات ),(العنقاء)،(العاصفة)،(الاختيار)…………
وثلاث قصص فقط من بين عشر قصص تتكون عنواناتها من كلمتين :( طبيعة صامتة )،(المرآة السوداء)و(لحظة الأبد). ولهذه السمة أهميتها لأن السرد في هذه المجموعة قائم على التكثيف و التركيز ،حيث لا توجد أية استطالات سردية في الوصف أو في حركة الشخوص أو في تأثيث المشهد. يصيب القاص أهدافه السردية بأقل عدد من سهام الذخيرة اللغوية .والكلمة المفردة لأي عنوان اختيرت بعناية و بقصدية عالية بحيث إنها تهيؤك ذهنيا ونفسيا لما سيطرحه القاص من أفكار وصراعات و إسقاطات كثف إيحاءاتها الرئيسية في مفردة العنوان. وتستمر الإحالة إلى مرجعية العنوان بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال تكرار مفردة العنوان ضمن سياق السرد (قصة عناق مثلا) أو من خلال الحركة العامة في (قصة العاصفة أو العنقاء مثلا ) أو من خلال مناخ كلي يوهمنا بخلاف ما يشي به العنوان (قصة اتصال وقصة طبيعة صامتة مثلا ) .لم يعد العنوان لازمة جمالية أو مدخلا صارما يثير الدهشة ويحقق إغواء الاستدراج بل أساسيا من الصورة الكلية (الجشطلت) gestalt- لكن ليس على طريقة أن العنوان هو (ثريا النص) و أن الرسالة تفهم من عنوانها ،فهذا مفهوم خاطئ .
إن أغلب استهلالات النصوص العشرة هي استهلالات فعلية – تبدأ بفعل :
-(( سأنتظرها في موقف الحافلة كما تعودت كل صباح , و خلال دقائق الإنتظار سأحاول تخيل ألوان ثيابها و أي حقيبة ستحمل من حقائبها الثلاث )) – قصة (( إتصال)) –
– (( يغطي العشب قدمي الرجل و عصاه و يده الحرة الملقاة بخمول على المصطبة الحجرية … )) – قصة (( عناق )) –
– (( تسقط زهرة البنفسج من يد الفتاة – اليد الشبيهة بملقط معدني ذي خمسة أصابع – تسقط الى الأسفل , الى القاع , قاع الإناء .. )) – قصة (( طبيعة صامتة )) – .
– (( يبدو وجهه في المرآة كأنه مرسوم بقلم الرصاص خطوط طويلة ليست بنهايات واضحة يتخيلها من مكانه … )) – قصة (( العنقاء )) .
ولو انتبهنا الى أفعال الاستهلالات هذه فسنجدها أفعالا مضارعة (( للزمن الحاضر و الزمن المستقبل كما هو معروف ))وظفها القاص بدراية للتعبير عن رؤياه – لنقل (( فلسفته )) – الى فن القص و دور القاص الذي لم يعد – بالنسبة له – حكّاء يستل الوقائع و الأحداث من ( الذاكرة ) ليسردها على المتلقين , و هو دور يحتفظ بالملامح المركزية لدور الحكّاء القديم , القاص , بالنسبة لسعد هادي , يقص ما يجري و ليس ما جرى . إن الفعل الماضي يدخل في ذمة التاريخ القصصي , ولا ساحة للقص الفعلي إلا على أرضية الحاضر , و هنا يحتفظ القاص بالدور الجوهري للحكاء القديم كسارد حوادث ولكن مع فعل ( العين ) الراصدة الماكرة لا ( الذاكرة ) التسجيلية المؤرخة , و هنا يضطلع القاص بمهمة – بالغة الجسامة لأن عليه أن يروي لنا ما لا نراه من جوانب وقائع الحاضر , و هنا – بالضبط – يستثمر ( سعد هادي ) الذاكرة اللاشعورية و مخزونها المتناقض المتآلف و لعبها الخلاق على حدود الأزمنة و تداخلاتها لمصلحة الزمن الحاضر الـ(هنا) و الـ (آن ) و استخدامها الباهر للغة , لما لم تُبنى له أصلا (المجاز اللغوي ) , و كل ذلك يقف مناقضا لآليات الذاكرة الشعورية المتعقلنة . مثلا : يستهل القاص قصة (( طبيعة صامتة )) بالقول : (( تسقط زهرة البنفسج من يد الفتاة – اليد الشبيهة بملقط معدني ذي خمسة أصابع – تسقط الى الأسفل , الى قاع الإناء الزجاجي المملوء الى منتصفه بالماء ثم ترتفع ببطء مع الفقاعات التي تعكس الضوء و الظلال في جزيئات متحولة باستمرار ).
و هو استهلال توفيقي بين الشعور , أو (ذاكرته) التي ترصد سقوط الزهرة بآلية ( فوتوغرافية ) حيوية إذا جاز التعبير , و بين ذاكرة اللآشعور أو (عينه ) الهاضمة المتمثلة المستبطنة ( المجازية ) التي يمكنها أن تتقبل تشبيه اليد بملقط معدني ذي خمسة أصابع , ثم العودة الى عين الشعور السينمائية قليلا ( الآن ) التي ترصد حركة سقوط زهرة البنفسج الى قاع الإناء الزجاجي و كيف تعكس الضوء و الضلال في جزيئات لا تكاد ترى – ليصل الوصف المشهدي الآني – الزمن الحاضر لاشعوريا – حده الباذخ حين يصف القاص تصاعد الفقاعات الشبيه بمشهد متكرر لناقوس معدني , ضخم , مقلوب , يطفو في هواء ثقيل يخترق السقف في لحظة ما و يحلق في الريح بين الغيوم و دخان المنازل و الفراغات التي يحدثها مرور وهمي لطيور زجاجية شفافة ينبعث شرر ضوئي عن تدفقها بأسراب متلاحقة , تدفق لأجنحة و رؤوس و مخالب من القش و الورق كأنه تجسيد للرنين المكتوم الذي يصدر عن انهيار آنية من النحاس في الغرفة المجاورة )) في قصة ( إتصال ) و أنا لا أقتنع بأنه ضمير آخر غير ضمير القاص – كمثل تطبيقي آخر – يتحدث في البداية عن تصميمه – فالقصة تُروى بضمير المتكلم الآن – على أن ينتظر الامرأة المرتجاة في موقف الحافلة كما تعود كل صباح , و سيحاول – خلال دقائق الانتظار – تخيل ألوان ثيابها و أي حقيبة ستحمل من حقائبها الثلاث … و … و يستمر في هذا الوصف الراصد لمشاعره الذاتية بصورة ( محايدة ) _ بالعين الفوتوغرافية الشعورية – لأكثر من صفحتين و نصف – و لتوقعاته عن الكيفية التي سوف تسرح شعرها بها .. و كيف ستبكي أو تدخن – و ماذا ستضع في حقيبتها . في لهاث سردي لا يتصاعد من أرضه و يحلق سماوات الفن إلا عندما يتيح لمنطق الرغبة ( المنضبط ) – ( و هل هناك رغبة منضبطة ) أن يصمم مسارا ( فنطازيا) لحركة الفتاة ككائن (يتحول في لحظات مشحونة خلال بكائها و تضرعه و توسلاته من الظلمة الى النور و هو في إنحسارات لوعته و تدنيها من محنة الكلام العادي يفتح بابا سريا يؤدي من السرير مباشرة الى موقف الحافلة ) . ثم يصل الجموح اللاشعوري منتهاه حين تقتطف الفتاة – بعد أن تجتاز حقلا من النباتات السامة , حلميا طبعا – ( ريشة طاووس و تلقي بها فوق رؤوس مريديها و أصدقائها ركاب الطابق الأسفل فيتابعونها بأنظارهم و هي تحلق ثم تسقط و تتهشم متشظية بين أرجلهم ( و بعد ذلك سأراها و هي تتحرر جسديا من ألامها و بكائها و تمضي الى الطابق الأعلى ) .
في قصة ( المرآة السوداء ) يستهل القاص قصته بتقرير واقعي لفعل بطلها : ( حين انتهى من كتابة الرسالة و أيقن أن كل شيء قد انتهى ), لكنه ينتقل فورا الى حركة ( فنطازية ) مستثمرا فيها ثقافته السينمائية الواسعة ليضعنا وسط مشهد درامي يشبه ما نراه في سينما الرعب من صمت مسموم و حركة شبحية مهددة و أرواح متآمرة تحرك الستائر و مزاليج الأبواب و السكاكين . و هو مشهد فذ أجد لزاما علىّ أن انقله كاملا : ( انتبه الى وقع خطى شبح المرأة الغريب و هو يجتاز الممرات بين الغرف , صانعا دوامة من ريح خفيفة اهتزت لها ستائر النوافذ و زجاجها و مزاليج الأبواب و أرجل الأرائك و أسلاك المصابيح و تحركت بتأثير منها صحائف الطعام و الآنية و القدور و الملاعق و السكاكين في المطبخ في نواح حزين كأنها تودع المرأة لأخر مرة و تشيعها الى مثوى مجهول . و بعين خيالية رأى الجسد الهلامي للشبح و هو يطفو في الموجات المتلاحقة للأصوات و الظلال وروائح الأشياء ثم يحلق في الفضاء بعيدا فوق سطوح البيوت و المداخن و الثياب المهجورة على الحبال منذ أيام و يتحول الى نقطة سوداء ما تلبث تختفي ) لكن القاص ليس معنيا , بالدرجة الأساسية ,بتقديم حركة سينمائية متقنة و فريدة أو مشهد محكم من الغرائبية الواقعية أو تصعيد موغل في فانتازيا المخيلة الخلاقة . هذا كله مهم , لكن ما يقوم به القاص هو من سمات خط استراتيجي شديد التحديد اختطه في قصصه كلها. إنها تقنية سردية تنطلق من (فلسفة) القاص في أن الفانتازيا و الواقع يمثلان طرفي متصل – continuum , يمثل الواقع أحد طرفيه في حين تمثل الفانتازيا طرفه الأخر , و هناك منطقة انتقالية غائمة يتداخل فيها العالمان لنصل , بصورة متدرجة , الى عالم الفانتازيا الحرة التي , في الوقت نفسه , تأخذ مادتها من طينة الطرف الأخر . و إذا أردنا ترجمة هذا التصور الى لغة نفسية تحليلية , نستطيع القول أن القاص ينتقل من عالم الشعور بعينه أو ( ذاكرته ) الوصفية التسجيلية الى عوالم اللاشعور بذاكرته أو ( عينه ) الحلمية التي تتداخل فيها الأزمان و الأمكنة و تتعايش المتناقضات و حيث التفكير الأولي – primary thinking – الذي تشكله الرغبة و تسوقه وفق منطقها الذي يطلب الإشباع الآن و هنا و حيث كل شيء حي – حتى لو كان ميتا أو جامدا بلا روح – ينفعل و يستجيب بمشيئة الرغبة الملتهبة , اللاشعور هو الذي يقول للشيء كن فيكون . في قصة ( المظلات ) تصل الفتاة في الموعد تماما و تقطع الطريق القصير المتبقي بأنفاس متلاحقة كأنها تدخل الى رواق غامض لا ندري الى أين يؤدي . تقترب من واجهة المحل الزجاجية فتجده مغلقا بإحكام تنقر على الزجاج فيرتد الصدى الى الخارج دون أن يخترق الحركة الصلبة الجامدة للأشياء في الداخل أو يقطع مسار النهر الصامت المتدفق حول العصافير و الأسماك و أصص الزهور … و لأن الإحباط يصل منتهاه بسبب إجهاض الرغبة اللائبة فإن العدوان المحتدم في أعماق اللاشعور يفرض منطقه ( اللامنطقي ) عبر تشكيلات ثأر فانتازية تمنح القصة مستوى جماليا أخاذاً يمنع انتباهة المتلقي من التقاط الطبيعة الحقيقية لهذه الحركة : ( – و كانت صورة الرجل الغائب تسبح هي الأخرى أمام عينيها و تتمزق و تتحول الى قطع صغيرة تختفي بين الآثار الرطبة فوق نشارة الخشب ثم تظهر ثانية و ترتفع في الفراغ ثم تسقط و تتبعثر أجزاؤها مثل دمية هشة من الورق ) .
إلا أن المسار الأكثر خلاقية في استراتيجية القاص السردية هو ذلك الذي ينطلق فيه من رغبة لا شعورية ضاغطة ليمر بها عبر البوابة قبل الشعورية حيث عين الرقابة الراصدة و قبضة الكبت الحديدية التي تفرض تنكر الرغبة و تشويهها – وحتى إنكارها – للسماح لها بالمرور يمكننا ( أن نشبه جهاز اللاشعور بغرفة انتظار واسعة فيها الميول النفسية , شأنها شأن الموجودات الحية وتتاخم غرفة الإنتظار هذه غرفة أخرى , أضيق , ضرب من الصالة , يسكنها الوعي . ولكن ثمة , في مدخل غرفة الإنتظار الى الصالة , حارس ساهر يفتش كل ميل نفسي , و يفرض عليه الرقابة , و يمنعه من الدخول الى الصالة إذا كان لا يروق له . فأن يعيد الحارس ميلا معينا منذ العتبة أو أن يجعله يتجاوز العتبة بعد أن يكون قد دخل الصالة , فارق ليس كبيرا جدا و النتيجة واحدة . و يناط كل شيء بدرجة تيقظه و فطنته . و لهذه الصورة فائدة لنا مفادها انها تتيح تنميه قائمة مصطلحاتنا فالميول الموجودة في غرفة الإنتظار , المحجوزة للاشعور تفلت من نظر الشعور الحارس الذي يسكن الغرفة المجاورة. إنها كلها لاشعورية إذن أول الأمر . و عندما يعيدها الحارس , بعد أن تكون قد وصلت إلى العتبة , ذلك يعني أنها عاجزة عن أن تصبح شعورية . و نقول عندئذ أنها مكبوتة . ولكن الميول التي سمح لها الحارس أن تعبر العتبة ليست لهذا السبب شعورية بالضرورة , و يمكنها أن تصبح شعورية إذا أفلحت في أن تجذب نظر الوعي . و سنسمي إذن هذه الغرفة الثالثة منظومة قبل الشعور ) . مهم جدا هذا الوصف التبسيطي الذي قدمه معلم ( فيينا ) و هو يصور عمل الحلم و الكيفية التي يحول بها أفكار الحلم ( الرغبة اللاشعورية ) الى صور تشكل المحتوى الظاهر . و لكننا لفهم النص الأدبي – و هو حلم أيضا / حلم يقظة / و نموذجنا التطبيقي هنا هو نصوص (سعد هادي ) في طبيعته الصامتة , نحتاج الى قدر من الجسارة لتحقيق تغيرات جوهرية . فحلم الكاتب ينسج في لحظات يقظة لا تتراخى فيها قبضة الرقابة ( الحارس ) كما يحصل في النوم . و هو أيضا – / الحلم / النص – يشوه الرغبة وينكرها عبر حركة ثلاثية المستوى من الرغبة الى الصورة ثم الى الكلمة التي تجسد- في واقعها – صورا . النص هو حلم بالكلمات , و عليه فان اللغة هي مطية اللاشعور وليس صحيحا أن اللغة هي التي تخلق العقل و الإنسان و تحدد بناه اللاشعورية , في قصة ( إتصال ) تحرك رغبة الراوي الملتهبة إندفاعته الساخنة التي تتمظهر في الخيالات التي يكونها عن ألوان ثياب المرأة و حقيبتها وما تحويه و طبيعة أفعالها الليلة التي تسمها الكآبة و الأسى ( صورة إمرأة بعينين كليلتين ( … ) تزيح الغطاء عن جسدها و تبدأ بالبكاء . سيستمر بكاؤها لدقائق ) ( سأبصر أثار النوم و البكاء فوق ملامحها و سأراها تندس متعجلة بين العجائز و الشيوخ و بين ظلالهم .. ) و إذا كانت ميول الراوي – حتى الآن – تبصصية عائمة في تخيلاته فان استطالات الرغبة و اذرعها الأخطبوطية تنفلت لتلتقط فرص الإشباع المتاحة مهما كانت بسيطة في ظاهرها : ( ثم تفتح حقيبتها عندما أكون قريبا منها الى الحد الذي يكون عليه إثنان في السرير , أعني في الحيز الضيق المتاح لجسدين يتشكلان في صورة واحدة )) إن هذا اللعب اللغوي الذي يجعل المفردة مشحونة و متوترة و مخاتلة في الوقت نفسه تزداد درجته كلما كانت الضغوط الرغائبية أكثر تعرضا للكبت و كلما كانت مهمة نقل الخفرات من ( صالة ) اللاشعور الى الشعور أمام رقابة الحارس القبلشعوري أكثر صعوبة . و هنا يكون الإخراج السردي الملائم هو الإخراج الحلمي و الفانتازي حيث يصبح للنص معنى ظاهرا – manifest content – و معنى باطنا – latent content – المعنى الظاهر يكون أحيانا هش التماسك و قد يثير الدهشة بغرابته الصادمة للمنطق ( سأتخيلها و هي تجتاز حقلا من نباتات سامة فتحاول أن تتخلص مما يعلق بأطراف ثيابها بأن ترفع تنورتها السوداء المنسوجة من قطعتين عن ساقيها ثم تقتطف ما يشبه ريشة طاووس و تلقي بها فوق رؤوس مريديها لتسقط و تهشم) ولكن بعض جوانب الثياب في الرمزية الحلمية مأخوذة بالإرتباط مع( التاريخ النفسي ) النصي للشخصية قد يساعد على كشف المضمون الكامن الذي يعكس الرغبة اللاشعورية فيمنح ما يبدو غير منطقي منطقا. إن مشكلة الراوي في القصة هو انخذاله و خيبته في تحقيق (( إتصال )) مع المرأة – المثال كما يسميها . و ما وفرة خيالاته عن هيئتها و ألوان و محتويات حقائبها و حالاتها النفسية الليلية إلا مظهر من مظاهر القصور في مهارات ناضجة مطلوبة لتحقيق ذلك الإتصال . و إن انهمامه بحقيبة المرأة – و الحقيبة رمز أنثوي جنسي – هو أيضا انعكاس لشلل الإرادة القادرة على التواص التلقائي . يظهر هذا جليا في تصوره ( تخيله ) المستقبلي للكيفية التي سيجلس فيها الى جانبها في الحافلة ( و أعيد تأليف حكايتي اليومية معها ثم اقتطع الصفحة التي ستكون الخطوط فوقها مرتبكة و مشوشة و دون معنى محدد و أدسها في يدها القريبة التي ستكون مهيأة للإصغاء لنشيجي و هلوساتي وألمي ) …
أي أن خيالاته المتكررة عن كآبة المرأة الليلية ووحدتها و نشيجها المعذب ما هو الا إسقاط لاكتئابه الذاتي و أساه هو نفسه , فالورقة المجعدة ملطخة بالعرق و الغبار و الدموع الليلية . ولكن المرأة ستفتح النافذة و تلقي بالورقة فوق رؤوس مريديها و أصدقائها و تشير اليه أن يتبعها , و سينهض – كما يقول – مخدوعا و متواطئا في ظلال إرادة مرتجلة أنها تلغي – و بسهولة – محاولة ( الإتصال ) الوحيدة ، و هي تصوير يقظة لما قامت به المرأة في اللحظة الفانتازية حين ألقت بريشة الطاووس – و هي رمز للذكورة – فوق رؤوس المريدين فسقطت و تهشمت . إن هذه الإرادة المنخذلة المرتجلة تحاول مداراة جراحها من خلال بناء مشهد ركاب الحافلة من رجال متشابهين – تكثير للأنا – يعيدون كتابة ألامهم الليلية في أوراق و ينتظرون لحظة مناسبة لوضعها بين أيدي الفتيات اللائي يصفهن بأنهن باردات ممسكات بحقائب مترهلة تفوح منها روائح الخبز و اللحم . و تأتي خاتمة القصة – مع كل مشروع لقصة – الرغبة المعطل و المرجأ حيث تستمر ( سين ) الإنخذال و الإرادة المعطلة : ( و سألمح ظلا شاحبا لرجل شبيه يهبط قبلي , ربما سيشاركني رحلة البحث عن ورقة ضائعة قد تعود الى رجل أخر فيحاول كل منا اقتناصها و تفسير مقاصدها الشائكة و إعادة أصولها الى سحر آلامه و مرايا قدره ) إن هذا الإنخذال الشخصي يتوسع في ما تبقى من قصص المجموعة ليصبح خذلانا عاما يتأسس عليه جانب مهم من ( فلسفة ) القاص و رؤياه الوجودية المهيمنة . إن نصوصه جميعا هي أفعال دفاعية نفسية في التعاطي مع الحقيقة المطلقة الوحيدة في الحياة و هي : الموت , هذا الحي الذي لا يموت . في ( عناق ) يمثل العجوز الذي تنمو الظلال الحادة في ثنايا سترته القديمة و سرواله المترهل , حالة الإنحطاط و ضمور الحياة و تآكل القوى و خيبة الأمل , لكنه يحتفظ برغبة وحيدة تتمثل في أن يخلي مكانه المألوف لعاشقين عجوزين في مثل سنه يتأهبان لعناق طويل فتزهر بين ظلالهما التنهدات و الرغبات .في ( العنقاء ) تبدو سطوة شبح الموت شاملة من خلال الفراغ الأسود الحاقد الذي يلف المقهى – التي هي أشبه بمتحف للخراب – و الدخان المنبعث من الأجساد و الأرائك . ووجوه الرجال في الإطارات المعلقة التي تنمو خلال ساعات النهار إذ تولد في الصباح و تصل الى البلوغ في الظهيرة و يدركها الاكتمال الذي لا بد منه في الأصيل ثم تجنح الى الشيخوخة و الموت في الليل ( هل هذا تنويع على سؤال أبي الهول الذي كان يوجهه لزوار ( طيبة ) و يقتلهم لأنهم لا يعرفون الجواب الصحيح الذي قدمه ( أوديب )؟ هذه الوجوه ( تموع ) مثل كتل شمعية ثم تتسرب الى الأرض تاركة أبعادا لا نهائية فارغة على الورق القديم الذي رسمت عليه . و في ( الأقنعة – أو فانتازيا من الشرق ) تكون ساحة الفعل لمشتقات الموت أو مظاهره: غرائز العدوان التي يوظف القاص تحولاتها و استحالات أشكالها بمناوبة بارعة بين الواقعي و الفانتازي اللذان تجسدهما تعبيرات وجهي الرجل الثمل و المرأة و تحولات ملامح قناعيهما :
– لماذا تنظرين الى الأرض ؟
– أحاول تخيل شكل قناعين تدب فيهما الروح فيتشاجران .
( … ) تمضي وحدها .. و تترك له على المائدة قناعين من الورق و الدم , يكشر أحدهما في وجهه بأنياب مفترسة و يبدو الأخر حزينا بملامح مظلمة مثل وجهه في مرآة الحائط )
و عندما قلنا أن نصوص ( سعد هادي ) هي أفعال نفسية دفاعية في التعاطي مع حقيقة الحياة المطلقة والوحيدة وهي الموت فان قولنا هذا يستند إلى نظرة تحليلية ترى أن الإبداع بأكمله هو فعل دفاعي لتأمين الامتداد ألخلودي للإنسان المحاصر. في القصص التي يعالج فيها القاص مظاهر الموت والخراب في حياة شخوصه وفي تقصفات و انحلالات طبيعته الصامتة نتسلم بفضله – جرعة تطعيمية تعزز مناعتنا اليائسة بفعل تكرار التعرض المتخيل الفنطازي الذي هو واقع فعلي بالنسبة لمنطق اللاشعور .أما القصص الأخرى فانه يسلحنا بشعور بالإقتدار من خلال تما هينا معه وهو يتصدى – كالموت – لرسم الأقدار والتلاعب بالمصائر وممارسة (قدرة كلية – omnipotence ) في أن يحيي ويميت بكلمة …يتحول في ختام قصة (العاصفة) إلى إله ميثولوجي ( فانتازي) للعواصف بعد مسار تمهيدي متصاعد الإيقاع حشد فيه الحركة اللائبة لروح الفتاة التي خنقتها مخالب الضجر فأسقطت طاقة نزوعها المستميت – وامتزجت وتغلغلت – على حركة الفقاعات – التي من شتى الألوان و الحجوم والمصادر والتي اختنقت بها سماء البار الصغير في ثرثرة حركية لانهائية : ( …وكانت الغابة المرسومة التي استيقظت فيها الروح النباتية الكامنة تهيج بشكل مفاجئ وتنفض عنها الأوراق اليابسة والزهور الميتة والأغصان الخفيفة المتكسرة وبقايا الثمار وتدفعها باتجاه القاعة الفارغة وكان هواء المروحة يحمل كل ما لفظته الغابة مختلطا بالفقاعات المطاطية اللزجة وشبح الفتاة المتكرر ويدور بالخليط الفج فوق الموائد وفي ثنيات الستائر والأغطية المبعثرة في دورة لانهائية تذكر الشاب بزهرة ندية متخيلة في يده يبحث عنها فلا يجد سوى الفراغ ) . أما في قصة (الإختيار ) فأن القاص يضعنا وسط لعبة يمكن أن نصفها ب(فانتازيا الخلق) من خلال مجموعة من الرسامين يمارسون طقوسا يومية من بينها اقتطاع رؤوس و أعضاء الكائنات الحية من المجلات والجرائد القديمة وإعادة تشكيلها لتؤلف رموزا صورية تثير الدهشة أو تبعث الحزن أو تثير إلى اللذة والانكسار الذي يليها. والنماذج المتحققة التي سيرى القارئ في النظرة السريعة والسطحية أنها تقع في الطرف الآخر للمتصل (متصل الواقع -الفانتازيا) الذي تحدثنا عنه ،لكنها تقع الآن – في حقيقة الخالق الفلسفية والمطلقة – خلف ،أو بصورة أدق -في أحشائه إن المظهر الواقعي هو (جلد) هذه العملية الأبدية في حين أن ما يبدو فانتازيا مستنكرا هو (لحم) هذه العملية وجوهرها الفعلي وروحها النابض .وهي حقيقة نتهرب من مواجهتها بكل الوسائل لأنها صادمة ومروعة وتشرخ اعتبارنا الوجودي وتهز أركان احترامنا لذواتنا : (أن وجوه المهرجين تختلط هنا بأصابع النبلاء ورؤوس القردة الجوفاء وتختلط بأحذية أمراء الماضي ،أما خرائط المدن القديمة فتؤلف إطارات لرسوم الأحشاء الداخلية وتلتحم رسوم الطبيعة بصورة أثاث من طراز عصر الحكمة .إن الأشياء تحتكم إلى منطق نقيض في تجاربنا ومحاولاتنا الرمزية أنها صور في مرايا معتمة أو تخيلات مقلوبة في أذهان مسكونة بالسحر وتعاليم الصناع المهرة ) ومادام القاص مولع بالأقنعة (ويجوز أن لعبة الخلق المحركة بقلق الموت هي التي دفعته إلى التخصص في فن النحت الذي (يخلق) ويشكّل ويؤبّد فأن لا أحد يستطيع التصدي لتمزيق القناع الجلدي المزوق ويكشف تكشيرة الأنياب الدموية المرعبة سوى مبدع جسور وشرس في تحرشيته مثل رسام قصته هذه الذي استوى الآن على كرسي إبداعه ليمارس طقسه اليومي المألوف كما يسميه حيث يشرع أولا في إصلاح شرخ مفاجئ في إحدى الصور التي ظلت مهجورة في خزانته لأيام عديدة (شرخ في مكان بين نسيج عين عميق المحجر وجفن هلامي تظهر من خلاله حزمة الأعصاب والأوعية الدموية. لكنه إذا يبدأ بتجربة الألوان من خلال خطوط عشوائية يضيفها على سطح الورق الخشن ودون أن يقصد يتشكل من هذه الخطوط شكل هلامي لحيوان خرافي ذي أطراف عديدة تحاول اختراق سكونية الورقة والتشبث بالسطح الثابت لمائدة الرسم .وتبرز الروح التحرشية في أن الحركة العشوائية التي لا تسوقها نية الخلق وتعقيداتها في الظاهر قد أنتجت كائنا من خطوط وألوان وورق وضوء …….وهذه هي مادة الخلق عند الرسام التي شكلت مادة جسد وروح الحيوان الخرافي الذي هو قادر على تطوير هيئته وربما إعادة صياغته. إلا أن الروح التحرشية تصل ذروة جسارتها ويصل الإيغال في التمارين في فأنتازيا الخلق الموازية حدودها القصوى حين يقلب الرسام الورقة على وجهها الآخر فتتجسد أمامه صوره امرأة فتية، كان أحدانا قد رسمها منذ زمن قصير وتركها لتجف أو ربما لتختبر ثبات ألوانها ورسوخ ملامحها ) .وأمام عملية اتساع قدرته الكلية في تحديد مسارات التحقق العياني يقول برهاوة : (كان علي أن اختار بين شكلين لا حدود بينهما ولا فواصل وأن أساعد في بعث أحدهما من الظلمات إلى النور ).
وفي سبيل أثراء عوالمه وتعزيز وقع وامتدادات إيحاءاتها في نفس القارئ يوظف القاص – بوعي ثاقب – مجموعة من الرموز المادية والمعنوية التي يحملها جوانب من رؤاه ويكثف من خلال حظورها اشتراطات حركة شخوصه وانفعالاتهم .ومن هذه الرموز : الظلمة والنور ،الأشباح ، الظلال، الأقنعة ، والمرآة التي تخلو قصة واحدة فقط هي ( المظلات ) من حضورها المؤثر. أن فصص سعد هادي في (طبيعة صامتة) هي درس في القص الحديث ينبغي استعادته وتأمله.

تعليق واحد

  1. الحبيب ابا علي.. لقد أدميت قلبي هذه المرة، أهكذا نتوزع على الشتات، ساعدك الله ، فسعد حبيبي وانا الآن اقدر حجم ما تركه من فراغ لديك .. سلمت لي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *