د. فاروق أوهان : عودة إلى المسرح الإليزابيثي على مسارح ستراتفورد الكندية
في مسرحية روميو وجولييت (*)هل هناك روميو حقيقي في هذا العصر؟

لقطة من المسرحية

استهلال
هذه المسرحية قد سبق عرضها لمئات بل لآلاف العروض على طول الدنيا وعرضها، ولما يقارب الخمسة قرون. لهذا لا يستطيع الناقد أن يكون محايداً، أو مجاملاً في عروض معاصرة لهذه المسرحية، مهما بلغ من تعاونه، لأن ما يمكن أن يعطيه شكسبير للأجيال المعاصرة ليس بأقل مما أعطاه في عصره، والعصور التي تلته، وحتى الآن ليس من السهل التعبير عن بعض مفردات حواراته المنفردة (المونولوغات) بغير ما يكون هناك التفاتات للتوريات التي تتضمنها تلك الحوارات.
ويبقى الكثير من العتب على الفرقة والمخرج التي تتصدى لحكاية بليغة مثل حكاية روميو وجوليت خدمت وقتها أخلاقيات الفكر الاجتماعي، والديني على صعيد واحد، من خلال التسامح المطلوب بين أسر محيط اجتماعي واحد، وإلا فالعواقب لها ضحايا من الطرفين معاً.
فماذا يمكن لناقد هذا العصر أن يكتب عن عمل مسرحي شاهده الملايين، ما لم يكن الإنتاج فريداً بنوعه، متفرداً عن غيره، لم يسبق لمخرج قبله أن طرح أفكاراً، وصوراً، وتفسيرات، وحلولاً إخراجية بصور إبداعية عالية التأثير، والتفسير، رغم أن المخرج قد ذكر في مقابلة له (مع شارن مالفيرن) بأن المسرحية لم تنتج في كندا منذ عشرين عاماً، وإنه تعامل معها بكل بساطة، فالمسرحية العظيمة لا تحتاج لتحميل كبيرة – على حد تعبيره(ب).
أذكر ولا أزال أنني شاهدت عرض لمسرحية حلم منتصف ليل لوليم شكسبير من إخراج بيتر بروك لعام 1972، وكنت ولا أزال أخشى مشاهدة أي عرض آخر للمسرحية ذاتها لكي لا تمحى من ذاكرتي تلك الصور الفذة التي حققتها مخيلة بروك في ذلك العرض الفريد من نوعه، وباعتقادي بأنه في إنجلترا ذاتها لم يجرأ على إعادة إخراج هذه المسرحية، ولم يتصد لها المخرجين من جديد حتى منتصف الثمانينات، لأن المبدأ العام يقول ماذا سيضيف المخرج الجديد على ما جاء به بروك لو أعاد هذا المخرج الجديد إخراج المسرحية، وذلك كان هاجسي وقتها عندما حضرت مهرجان القاهرة التجريبي لعام 2000، وكانت ضمن المسابقة مسرحية حلم منتصف ليلة صيف الإسبانية، فخشيت مشاهدتها، ولما فازت بالجائزة الكبرى، وعرضت في ختام المهرجان من جديد، لم تستقر في مخيلتي الصور البديلة التي اقترحتها المخرجة، فكل ما تبقى هو الأسلوب التفسيري للتعبير بالرقص الإيمائي الذي اتخذ من الفلامنكو أساساً له. أما ضخامة، وفخامة، وروعة التعبير، والإبداع الشامل فلا يزال مترسخ  في ذاكرتي مع مسرحية بروك فقط، ومنذ أربعة وعشرين عاماً.
لمحة تاريخية عن أحداث المسرحية
تتخذ مسرحية روميو وجوليت من مدينة فيرونا – إيطاليا مسرحاً لأحداثها، وعلى الرغم من أن شكسبير لم يحدد فترة تأريخية، وكما يبدو فأنها قد وقعت في الفترة بين 1260 – 1387، حيث كانت فيرونا تتمتع باستقلالها الذاتي، وكان من الشائع أن تحتدم معارك عنف وحقد بين الأسر النبيلة مثل مونتاغ وكابوليت.
وقد كتب شكسبير مسرحية  روميو وجوليت بين 1593 – 1596 في الفترة التي كتب فيها كل من مسرحية حلم ليلة صيف، وريتشارد الثاني، كان قد استقى الفكرة من التراجيديا التاريخية روميوس وجوليت (1562) الملحمة الشعرية الطويلة لمؤلفها آرثر بروك التي اعتمدت بالأصل على حكاية فرنسية لمؤلف يدعى بيريه (1559).
ولكن حكاية (حب الأجرام المتنافرة) هي أقدم من تلك بكثير، فقد ذكر ماسوجيو ساليرينتاتنو في كتابه نوفيلينو II* في العام 1476، كما أعاد ليويجي ريتروفاتو في إستوريا نوفيلامنثى ريتروفاتا دي نوبلي آمانتي (سيركا 1530**)، ووصف دابوتو أن العداء والمعارك بين الأسر الفيرونية كان محتدماً بين مونتاجي، وكايلشفيو اللذين عاشا في فيرونا، وما تزال هناك شرفة، وحكاية عن منتحرين اثنين، وشخصية أخرى  تدعى ماركوجيو.
وهذا العرض الذي نناقشه
يخيم على الجو العام للعرض الذي شاهدناه  روحية العصر، ونكهة الشباب من ناحيتين، أولهما: غلب على العرض حماس الشباب، ومفارقات علاقاتهم، ربما لما تتيحه المسرحية من مفارقات خلقتها واقعية العلاقة بين شباب فرقي الخصام، وربما أيضاً لتلبية رغبات، وهواجس، وتطلعات، ومفردات، وانفعالات، وموتيفات شباب اليوم، من خلال عدم توفيت أية فرصة في إثارة ما له علاقة بغرائز الشباب المثلية، أو المقابلة، وثانيهما: إدخال حركات، وتوريات تتوافق وما يجده المفترج في الشارع اليوم، ويتعامل معه بصيغه المعاصرة، ومدلولاته السوقية المثيرة، التي لمحّ لها شكسبير، وربما استخدمها عند إخراجه لتدليل على نماذج محددة في المجتمع، بينما تحاشاها المخرجين لفترات غير قليلة، تحسباً لمستوى تقديم هذه الأعمال الكلاسيكية، بينما صار الإذعان في إبرازها، والتأكيد عليها، بل وإضافة نكهة الوقت، وسفاهاته نغمة محبذة، لكافة الأطراف، غير المستحيين الذين مازالوا يؤمنون بسواد المبدأ الأخلاقي المثلي ليس على خشبة المسرح لذاتها، وإنما في المجتمع نفسه، لكن الأسوياء قلة، وينظر إليهم على أنهم من العصور البائدة، ومثلهم تقليدية متخلفة، بل وبحاجة لمحلل نفساني متخصص جداً.
أجل يكفي حسب أن يرى المشاهد عناق شابين بقبلة غير أخوية، والإشارة إلى السلاح بحركات تضمينية غير اخصاصات الدفاع عن النفس، والقتل، أو الانتحار. أو اللمس، والضرب على الأرداف، وهكذا.
مقومات نص المسرحية (الشخصيات والأحداث)
تحقيق الفكرة الرئيسة وراء الحقائق غير المعلنة:
في هذه الفسحة سوف نتصدى للمسرحية من خلال تحليل الشخصيات، وارتباطها بالأحداث في محورين اثنيين: 1  – كما وضعها المؤلف.  2 – وكما نراها في هذا العصر:
مبادئ الحكم
قد لا يكون حاكم فيرونا الأمير1 من الطبقة النبيلة أصلاً، ولكنه الآن من النبلاء، وكل من ينتسب إليه نبيلاً ما دام في هذا المركز، ويخالط النبلاء تحت سلطته، يتعامل معهم بلطف، ويوازان بين مواقعهم، ونفوذهم الاجتماعي بحنكة، ودراية لدبلوماسي، وسياسي في عين الوقت، ولكن عندما يصبح الحكم، والعدل الفصل، خصوصاً إذا ما وقعت كارثة، أو حلت مصيبة بالقوم هنا، أو بأحد رموزه فإن الحاكم يعمد إلى الحسم، والأمر من خلال ما للكرسي الذي يجلس عليه من صلاحية، وما للصولجان من فعالية في التنفيذ، خصوصاً وأنه محاط برجال مسلحين ينتظرون إشارة منه، فيفلت زمام الأمر، ولا يمكن التراجع عنه، لهذا يراعي الأمير أن يكون متأنياً، ولا يعطي أوامره إلا عند الضرورة القصوة، وحال استفحال الأمور.
أما باريس2 هذا الشاب قريب أسرة الأمير، فهو نموذج لفئة مستفيدة من موقع الأقارب في السلطة، وتنسحب تصرفاته، ومواقفه، وربما علاقات الآخرين به من خلال تلك الرابطة الأسرية التي تربطه باسم الحاكم قبل الأمير، أما هو بنفسه فإنه ورغم قرابته للأمير لم يكن له دور مميز، أو متسلط، أو مستفز، ربما لأن شكسبير أراد من هذا النموذج أن يكون أحد البدائل الموضوعية لروميو شكلاً، ومنصباً حتى ولو جاء منصبه من خلال تبعتيه لقريبه الأمير، أليس روميو هو الآخر لولا كونه ابن مونتاغ لكان كأي شاب آخر قد تحبه، أو لا تحبه جوليت، (وفي ذلك موقف، وكلام غير هذا الذي لدينا) هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن وضع هذا المثال على الهامش، حتى مجيئ وقت المفارقة، وساعة التداعي لكي يبرز أمام كابوليت والد جوليت، وكابوليت لا ينظر إلى باريس، ولا إلى مستقبل ابنته، إلا من خلال ما يقربه من الحاكم، والاطمئان على موقعه منه، وبالتالي تطميناً لمصالحه، وضماناً لأمواله، ومن جهة ثانية فإن شكسبير بهذا قد وضع لروميو بديلاً يتوازن وتطلعات والد جوليت لا جوليت لذاتها، ومن هنا جاءت المفارقة في تعدد وجهات النظر، وتعند المحبين، وتعلقهما ببعضهما إلى درجة اللجوء إلى الزواج السري.
إن الزواج السري هو الآخر فعل تدخل فيه طرف ثالث هو الكنيسة بشخصية الراهب لورانس، ولولاه  لما تم الزواج الشرعية فهل هذا له علاقة بالحبكة المسرحية فقط، أم أنه يتبع ما له علاقة بتنافس سلطة الكنيسة، مع السلطة الإدارية التي أخذت الدور الأهم منها، هذا الثعليق لا يكفي للإشارة العامة فقط، ولكنه أيضاً يعطينا دليلاً جديداً على رؤية شكسبير لعلاقة الكنيسة الروحية، والتنفيذية في المجتمع، ولربما بقوة أكثر من السلطة، لأن روميو لم يلجأ في محنته إلى الأمير لكي يتوسط له لدى كابوليت لصالحه، وربما تحلّ مشكلته، ومشكلة العداء المستحكمة بين الأسرتين النبيلتين.
أجل فقد وجد روميو نفسه منساقاً بلا إرادة إلى الكنيسة لا غيرها، للراهب لورانس (ربما لما للراهب من سماحة، وحكمة، وعضات كثيرة مؤثرة منذ الصغر في روميو، وغيره)،  وربما لأن ما يجده روميو في الراهب لا يجده في شخصية الحاكم، فأقصى ما سيكون للراهب من موقف ليس أكثر من نصيحة، وموعظة، وربما توسط.
بينما يختلف الأمر لدى الحاكم بأن تساق الأمور من النصيحة الشخصية، إلى الموقف الرسمي، ودخول مجالات القضاء.
إذن فالراهب هنا سوف يحقق بهدوء ما يمكن به تسوية الأمور بعدل، وحكمة (ورغم أن ذلك يتوافق وروحية الشباب، فإن هذا الموقف مسجل لصالح الكنيسة لمدى تقبل واعجاب الشباب بها، واللجوء إلى رموزها ساعات المحن). فهل وازن شكسبير حقيقة ما وراء فعل الراهب في تسوية الأمور لكي يأتي في النهاية ليضع موقف الكنيسة في موضع السخرية، والاعتذار أمام الحاكم، والسلطة، والتسليم بالأمور له، ولها لأن الخطأ هذا لا يمكن أن يحصل لو أن السلطة كانت قد تسلمت زمام أموره، ولما ذهب شابان ضحية الموقف.
هذا الاعتقاد قد لا يطمئن النقاد المتحمسين، على وضع معايير لم يسبق التطرق لها على الأقل في عالمنا العربي. إذ أن العبرة في الختام كما نعتقد جزماً بأن شكسبير لم يكن ليجد في عقدة العداوة البسيطة مبرراً ليكتب مسرحية روميو وجوليت، لو لا اهتمامه بذلك التشابك العصيب في أمور السلطة بين الكنيسة والحكام.
وعموماً فالوجيه باريس قريب الأمير هو شخصية غير محورية، وإنما تكميلية فكرية لا حواس لها حتى عند تقديمه ضحية طارئة على مذبح الشهادة مع جثتي روميو وجوليت، أللهم فقط لتوضيح قد يكون هام لو تم التركيز عليه، وهو أن خسائر السلطة فادحة، وفي الصميم، من جراء تصرف الكنيسة، وتدخلها غير المدروس والتطفلي، وهذا درس جديد تلقنه السلطة للكنيسة، وحساب خاص تضعه السلطة لكل من يحل مشاكله السياسية، والاجتماعية لدى سلطة الكنيسة، فالكنيسة لا اختصاص لها غير العلاقات الروحية، وحسابات يوم الدينونة، وسلطة العالم الآخر، وهذا يكفيها الآن (لأنه مؤجل كله، ولا ينازع الحكام على كراسيهم).
فهل كان مونتاغ 3(عميد إحدى الأسر الفيرونية النبيلة) بكل تسلطه وعدائه المستحكم هو الفاعل المسبب، أم خلق هذا العداء، والنزاع أطراف أخرى سحبته ليكون في هذا الموقع مجبراً لا بطل (لم يظهر أنه متحمس لاستحكام العداء، ولكن كمن لا يناقش أمراً متفقاً عليه لا يراد له تبديلاً) وهذه الأطراف تبدأ بـ:  كابوليت نبيل العائلة المقابلة (ربما يكون هو الآخر قد تقبل الأمر على علاته)، وهناك بتصورنا عداء مستحكم، ورثه الاثنان عن آبويهما، وليس لهما يد في تغييره، ما لم يحدث جلل كوفاة أعز فلذتين في الطرفين معاً، لأن الضحايا حتى ساعة أحداث المسرحية تقع من الجهتين على مرّ الأيام، وآخرها صديق روميو، وابن أخ أم جوليت الليدي كابوليت، لكن ما تغير هنا في انتحار روميو وجوليت، أن الشهيدان اتفقا على الانتحار (بالمصادفة) تحدياً لتقاسم العداء بين أهليهما.
لهذا يصور لنا المخرجون دائماً، أن مونتاغ رجل مسن، وهادئ، وليس له في أمور السلطة، والدبلوماسية تطلعات خاصة.
أما كابوليت4 (عميد الأسرة المعادية) كما نرى فهو مختلف عن مونتاغ في تطلعاته، رغم ما يشترك فيه من وراثة العداء التقليدي مع مونتاغ، لكنه هنا يتفاعل مع معطيات الوضع، وربما من غير البحث عن تنافس، أو استفزاز للطرف الآخر، فالعداء صار تقليدياً، ولا يحتاج لإثارة واستفزاز لأنه مزروع في قلب كل شاب، ومبني في أركان كل حارة، وبناية في فيرونا، فقد جهد والده، وربما جده في شحذ هذا العداء حتى استحكم، ولم يعد يفيد أن شيء في تغييره،  فلماذا يشغل كابوليت نفسه هنا لكي يثير النعرات، عليه أن يخطو خطوات أخرى في تقربه من السلطة، وتقديم الوجاهة في مجتمع فيرونا، عندما عمد إلى إقامة حفلة تنكرية حضرها الأمير الحاكم، هي ليس تبرير مفتعل للقاء روميو بجوليت (فهذا ما شغل بال المؤلف، وليس كابوليت نفسه)، ولكن إقامة الحفل هو تحقيق لمطامح كابوليت في تسييده لطباقات فيرونا النبيلة، حتى يغيب قمر مونتاغ، أو يأفل، ولربما يضمحل من غير اشراقات جديدة من بعد. لكن تداخل نوازع كابوليت، خدمت جماليات غلفها المؤلف لكي يسوق روميو، إلى جوليت، من غير لقاء مفتعل.
والطموح الثاني لكابوليت فهو تفانيه في تحقيق زواج جوليت من باريس لمجرد أن هذا قد أعجب بها، وتقدم ليطلب يدها منه قبل أن يتعرف عليها، أو يراقصها، أو تنتبه هي إليه، أليس غريباً هذا الأمر في مجتمع يلتقي فيه المحبين، أن يأتي من هو منسوب للنبلاء لكي يخطب بنتاً من والدها وهي في ربيعها الرابع عشر، من غير أن يتعرف عليها، أهو ضعف في شخصية باريس، أم محاولة يائسة لتأكيد تقاليد الزواج خارج جو الحب والمحبين، أم هو ميزان غير متكافئ وضعه شكسبير لكي لا يكون هناك مجال لجوليت أن تقارن بين المحبين، ولأنه من جهة أخرى أمر أبوي عليها إما طاعته، أو عصيانه، وفي كلا الحاليتين غبن ستعاني منهما جوليت طوال حياتها لو رضخت لأوامر والدها هما: غبن لمشاعرها، وهوى قلبها (لاحظ أنها في ربيعها الرابع عشر لا تعرف الحب، وأبعاده، غريرة لم تكن لها تجربة حب سابقة قبل لقاء روميو، بل إن علاقتها بروميو لا تتجاوز الأيام المعدودة بأقل من أسبوع قمري شاهد على ليلتها الأولى معه)، والمعصية الثانية هي عصيانها لأوامر أبيها، وولي نعمتها، لهذا تمثل الانصياع لوالدها بما يكشف تظاهرها لنا (وهذه الفعلة الأخرى التي ترمي السلطة ثقل خطأها على الكنيسة، وتشير من بعيد لمفارقات التناقض بين التعاليم التي تريد الكنيسة ترسيخها، وبين هذا الرياء، والتظاهر بالبراءة الذي يشير مباشرة لثلقين الراهب لورانس جوليت سراً، أو تورية).
ويبقى لكابوليت أن يحصد مع مونتاغ حصرم ضرس به ابنيهما، فإن لم يتصالحاً فإن الضرس الراجع إليهما، هو لطمة بل صرخة استغاثة من ميتين اثنين بأن تكف الأسرتين عن استمرار العداء.
روميو5  روميو، روميو …هذا الروميو، فمن لا يعلق في ذهنه هذا الاسم، وهو يرى محبان، أو متعانقان رغم أن مفهوم الوفاء للحب في عرف روميو هذا الزمن قد تغير، وأصبح الروميو، دون جواناً، أو كازانوفا، وعلينا عدم الحكم من منطلقات هذا العصر لما كانت تعني كلمة الوفاء التي أسس شكسبير عليها وفاء روميو لجوليت، وبالعكس، فليس من المصادفة أن يضع شكسبير اسم روميو المحب المضحي ما لم يكون للاسم نفسه علاقة بالغرام، ووفاء المحبين في عصره. فمن تكون هذه الشخصية الوفية، وبماذا يمكن لنا أن نخصها، أهي شخصية فكرية، أم أنها من لحم ودم؟ بالتأكيد هي للمعنيين معاً؟
فهل خص شكسبير تقسيم العواطف والوفاء بين روميو وجوليت بالتساوي، أي أن لكل منهما مقام يختلف عن الآخر، إن الاعتقاد السائد هو أن روميو الذي هو الذي رأى جوليت مسمومة، وهي جثة  هامدة فأقدم على الانتحار مباشرة دون تفكير، لهو أسهل قرار من غيره.
أجل فمجرد أن يبدأ الفرد بالتروي، والتفكير يبدأ حكم المعقول، والمنطق، وعلى هذا المعيار لنبحث موقفي روميو، وجوليت في لحظات قرار الانتحار:
يدخل روميو على عجل، وبمجرد أن يتبين الموقع المفترض لكفن، وجثة جوليت، يفاجأ بظهور باريس، ويبدأ صراعهما، وروميو لا يدري من يكون هذا الغريب الذي جاء ليدنس جسد محبوبته الطاهر، وما أن يصرع روميو غريمه حتى يجد نفسه بمواجهة موت الحبيبة، وقرار الموت العاجل، الذي يريد به أن يشاطر محبوبته جوليت، فيشرب السّم (لا ندري لمَ جهّز روميو سمّا لنفسه، وهو القادم من مكان نفيه، أيكون ذلك تحسباً للمعوقات، أم أنها لضرورة اتمام الحبكة المسرحية التي أرادها المؤلف؟)، ويتم فعل الانتحار قبل لحظات من استقياظ جوليت من مخدرها المنوّم، وتنتهي كل نسمة نفس في روميو، أو بارقة أمل في أن ينجح مسعى جوليت لو حاولت إسعافه.
وما أن تصحى جوليت، وتتبين الأمر وتوقن فعلياً بأن روميو قد انتحر بسّم حقيقي، ولما لا تجد ما يكفي لانتحارها بنفس السمّ تعمد إلى الانتحار بخنجر روميو، هذا القرار يختلف عن قرار روميو بشكل واضح، فالوسائل التي أرادتها جوليت لانتحارها لم تكن متوفرة، حتى وجدت الخنجر، وكل هذا لم يكن في العجالة التي صادفت روميو.
إضافة لقبولها القرار في شرب المنوّم الذي ناقشه معها الراهب لورانس، وبقبولها المجازفة الكبيرة في شرب مخدر، لكي تفقد الوعي لساعات، هو بذاته قرار يحتاج لكثير من التأمل، والتفكير قبل الاقدام عليه، فمن يضمن النتائج لو فقدت هي الوعي، ولم يكن هناك من يعرف قرار الجماعة بما فيهم والدها، فيقومون بدفنها على عجل؟
إن موقف جوليت هذا لم يشبع بحثاً بكل تأكيد، وربما يعود هذا لفعل حبكة الحكاية، وترسيم حدودها بموقف روميو من جهة، وعلاقة الأمر بالدرجة الأولى بالراهب لورانس مدبر الخطة من جهة، والأطراف الأخرى المختص بها أمر تنفيذ الخطة، ابتداءً بباريس، وانتهاء بوالد روميو المفجوع الغافل بعد كابوليت ثكيل جوليت.
إن جوليت بهذا، ولكونها مشاركة في تدبير الخطة التي ستكون هي رائدة تنفيذها، قد أتيحت لها فرصة التفكير، والتأمل بما هي مقدمة عليه لثاني مرّة، لهذا وجدنا موقفها أكثر تصميماً من موقف روميو لو جردنا نوازع تتعلق باندفاع الشباب بهذا العمر الذي نفترض أن لروميو أن لا يكون متجاوزاً العشرين من عمره، لأن جوليت في الرابعة عشرة من عمرها وقت أحداث الحكاية.
وعندما نأتي إلى شخصية ميركوتيو6  علينا أن نتسأل من جديد أتكون هذه الشخصية من لحم ودم حقيقيين ؟
أم أنه هو بعينه سبب المشاكل كلها، بمعنى آخر أنه لولا دفاع ميركوتيو عن روميو الذي أهين بقصد وتعمد (ولم يكن بعد قد ذاق طعم الحب مع جوليت فحسب، وإنما أصبح تايبلت من أنسبائه، فهو ابن خال جوليت الذي تزوجها روميو بالسّر للتو)، فإنه من الممكن (غير مخطط حبكة المؤلف) أن يكون العداء المستحكم بين ابن خال جوليت (تايبلت)، و(ميركوتيو) صديق روميو نتيجة للمنافسة الشبابية، وتحدي الواحد للآخر أفرز لحجة اعتبرها ميركوتيو كبيرة، ولا مجال السكوت عنها، وبهذا يكون لميركوتيو واعز، وسبب هام يدافع فيه عن نفسه لو أنه اضطر لذلك، وفعلاً لم يكن في المبارزة غير مباهاة وتفنن في اللعب، وغالباً سخرية مرّة لكل طرف، وما حصل فأن ميركوتيو قد طُعن مصادفة، فلم يكترث لطبع المكابرة فيه، ربما لكي لا يسقط أمام غريمه، وبالفعل لم تطاوعه نفسه أن يموت أمام الغير بما فيهم نحن المشاهدين (ربما لتبرير فني يتناسب مع ما يحصل في الكوارث الإغريقية الكبيرة كشنق جوكاستا لنفسها على سبيل المثال، وهذا لا يبدو متكاملاً هنا في مسرحية روميو وجوليت، لأن الذبح العلني حصل على الأقل لثلاث مرّات، ابتدأ بصرع روميو لتايبلت، ثم باريس، وثم انتحاره فانتحار جوليت)، لكن المبرر هو أن ميركوتيو يكابر دائماً، ولا يظهر ضعفه أمام الآخرين.
وعودة إلى النزاع الذي لم يكن روميو غير فتيل تحاشى الاقتراب من النار (على عكس ما يتصوره البعض، بأن قتل مركوتيو، ومن ثم تايبلت هما فتيل قنبلة معضلة روميو وجوليت الموقوتة)، إن روميو قد حاول جهده الابتعاد قدر الإمكان، ولولا تدخل ميركوتيو لما حصل أي شيء، ولهذا يحدونا الجزم بأن ميركوتيو استغل حجة تطاول تايبلت على روميو لكي ينتقم منه تحت إدعاء الدفاع عن شرف صديقه، (ربما يكون هذا جزء متمم من تقاليد عصر الفروسية  ولكن بحدود مقعولة، وضيقة، فالخصمان هما طرفان مباشران بالتأكيد، وليس نيابة عنهما، إلا إذا تنازل الغريم الأول –  لضعفه، وانكساره، أو لمرضه، أو موته،  ولم يكن روميو هنا بأحد من هؤلاء)، وربما يكون ميركوتيو عارف بخفايا النفوذ من خلال قوانين الفروسية، فاستغل الموقف بحزم، وبسرعة، لكي لا تفوته فرصة تأديب تايبلت، لهذا حصل الأمر بجلية وكأنه دفاعاً عن روميو، ولروميو بالذات.
وبظننا أن ميركوتيو كان قد عرف أيضاً علاقة روميو بجوليت، ومن تكون جوليت بالنسبة لتايبلت، وهذه مفارقة جديدة علينا الانتباه إليها، ولنا بذلك أن نجادل أبعاد اهتمام ميركوتيو في تصفية تايبلت: أهي غيرة (ياغوية) من روميو الحائز على حب جوليت، أم هي غيرة على روميو الصديق، لأن ميركوتيو سيخسر روميو بتعلقه بجوليت، ويخسر الكثير بالطبع عندما يبتعد كلاهما عن بعض، على الأقل من أبواب الصحبة لنبيل، وما لها أهمية في البرستيج الاجتماعي، وهذا يتبعه الكثير من الخسائر المتعلقة، لهذا كان على ميركوتيو أن يشعل فتيل العداء من جديد، ولا يترك فرصة إلا ويستغلها في سبيل بقاء روميو إلى جانبه، فحصد خاتمة حياته.
وعلى الطرف الآخر من العداء هناك ذلك المتباهي الأجوف، هاهو نايبلت8  يسير بين جماعته وكما نتخيله، فهو قبيح الوجه، والخصال، بخيلاء لطاؤوس يسير، لكنه (كما يبدو) غرير، لا يستطيع بمفرده، وخارج جماعته الخروج، أو حتى التواجد في أماكن خارج حصن الأسرة التي حمته.
ويبدو أنه ولأمر ما أن  ابن خال جوليت (على خلاف ما حصل مع هاملت وأخو أوفيليا) يُعتقد بأنه، إما يتيم تكفله والد جوليت صبياً، وإلا لظهرت عائلته (والديه) على الأقل عند المصاب بعد قتله، أو أنه زائر (ضيف) من بلدة ثانية، ولكن الاعتقاد الأول بتقديرنا هو الأصوب، ولهذا فإن ما يمتلكه تايبلت من فروسية، لا تعدوا أكثر عن كونها مظهر خارجي لا تمت لبنيته، وتربيته بشيء، أللهم غير الادعاء الفارغ والتحايل. ولربما يقودنا هذا التصور لكثرة مكرّ تايبلت – المعادل الموضوعي، والمقابل العكسي لمركوتيو في طرف الخصام الآخر.
ويبقى مجتمع النساء في الخلفية، وعلى الهامش فلم تظهر الليدي مونتاغ9  ذات أهمية إلا تابعة لزوجها مونتاغ. أما الليدي كابوليت10 فتقاسمت والمربية الدور في الظهور مع جوليت مرة، ومع زوجها كابوليت في المحافل الرسمية لمرّات، ولأنها ضعيفة في هذا المجتمع القاسي، والحامل للعداء المتكرر والمستديم، أسسه وأبقى عليه عداء الرجال بين بعضهم، فليس في يد النساء من حيلة للانصياع للأمر الواقع، والوقوف إلى جانب أزواجهن. طائعات لا راغبات.
غير أن واسطة الحب، وجسر المعضلة سيكون من جنس النساء وهي جزء مما يسيطر عليه الرجل ويديره، ولعلنا لا نكرر ما وصفنا به موقف جوليت11 من الحبيب، والوعد المقطوع كمثال، ما كان يحصل في التاريخ الوثني عندما يُضحى بعذارى الفتيات، على مذابح الآلهة، فعندما يتلاقى الحبيبان (روميو وجوليت) على سرير الموت، وكأنهما تواعدا لكي يلتقيا فيما بعد، أو ليكونا كبشي فداء لغسل دماء المختصمين، وخطاياهم، فقد ضرسوا حتى الثمالة، ولعل موتهم يضرس أبائهما فيرتعوا، ويعودوا إلى رشدهم، يذكرنا كل هذا بأن التاريخ يعيد نفسه من جديد مهما تغيرت الأفكار، وتبدل الزمان.
فهل للمصالحات كلها ثمنها الباهظ، كما يحصل الآن في مسرحية روميو وجوليت، وهل جوليت في هذه المرّة هي شخصية فكرية قبل أن تكون من لحم، ودم؟ أجل فالحكاية الأسطورية القديمة التي تشير إلى عداوة بين نبلاء فيرونا يشوبها نوع من عدم التأكيد على شخصيتي روميو وجوليت بالذات، وإنما إلى اثنين متحابين من الأسرتين المختصمتين، ولكن الحكاية الملحمية ذاتها تشير إلى القتيل مركوتيو لاغيره بالاسم.
إذن فالضحية الأولى معروفة، وموقفها هو بعينه موقف المختصمين حيث تسيل الدماء بعد مبارزة مشروعة، ولكن المتحابين، ضحيتا الاختصام، وثمن التصالح على مذبح فيرونا، فلابد أنهما حكاية مبتكرة أبدعها شكسبير في هذا الإطار العقلاني الجمالي الفذ.
ويبقى أن نعود لموقف جوليت من الحب والموت، فعمرها كما هو واضح من سياق الحوار لا يتجاوز الأربعة عشر، وهذا العمر في ذلك الوقت هو سن الزواج، والبلوغ، وليس علينا هنا أن نقارنها بفتيات العصر المراهقات، فعلى الرغم من أن الدوافع الغريزية واضحة، لكن التربية الإخلاقية، والتحفظات التي تحيط تلك المجتمعات تجعل من مسألة التحفظ، وكبت الغرائز مسألة تساعد على النضج، لا التهور، والقلق، أو عدم معرفة القرار.
فهل جوليت النقاء، هي جوليت الرافضة للعداوة بوعي، وحزم، وسابق قرار، فمن المعروف أن وقت المسرحية لا يتجاوز الساعات المعدودة، في الحكاية الملحمية، ولا تتجاوز الخمسة أيام في زمن المسرحية التي نحن بصددها، فمن أين يأتي التصميم، والقرارالحقيقيين، فالمعروف أن لكل قرار نية، وتفكير ومن ثم عزم، أيكون قرار الشباب بهذه السرعة كعمرهم، أم أن المؤلف قد حسم القرار ما بين السطور، ووراء الكواليس قبل بدء أحداث الحكاية على المنصة؟
ربما، تكون بهذا جوليت، وجيلها من الشباب، وأمهاتهم رافضين العدواة بداوخلهم، ولكنهم يتظاهرون بالموافقة على العدواة، ما عدا الجلاوزة، أو المنتفعين من المبارزين، وذوي المنافع الشخصية من كلا الطرفين.
إذن فالأمر محسوب بهذه الصورة، وما يتعلق بها هو تحديد الفكرة والموقف معاً عند كتابة المسرحية، وعلى الشخصيات أن تدور في فلك الفكرة، وتنفذ كل منها ما يتحمله طرفي المعادلة من تسوية، أو نزاع، بما فيهم روميو وجوليت، وتوابعهما من حطب محرقة الحقد.
أما العناصر المساعدة من النساء فلم يترك شكسبير المربيات14 من غير تشريحهن للواقع والوقائع، ولم يدعهن على الهامش إلا ظاهرياً، بينما كن وسيطات حب، وغزل، وربما أيضاً متآمرات يتصنعن البراءة، ويقمن بما يدر عليهن من أموال من جهتي الصراع، أو الغرام، وما إليهما. ولم يترك مدبرات المنازل بغير تأثير، ووساطة في مسرحياته (عطيل، روميو وجوليت، وهاملت). إن تحليل أدوار هؤلاء جميعاً يشترك من حيث المبدأ بعناصر متشابهة، ويختلف فردياً ببعض الخصوصيات التي تحتمها وضعية هذه الطبقة من ميل، وتزلف، ورياء، وكذب في سبيل الحصول على المال، وبالمقابل فإن المصائر كلها مربوطة بما ينقلنه كوسيطات بين الطرفين.
لهذا فهن لسن أبدا من العناصر الهامشية كما يبدو، ولكنهن فاعلات غير مباشرات، ومحركات للأحداث حسبما يرتأي المؤلف، وبما يخدم خط سير المسرحية.
هنا في روميو وجوليت تكون المربية12 متأرجحة بين طبيعتين اثنتين الأولى طبيعة ساذجة تتعاطف مع جوليت من أبواب الأمومة، والمربية الحقيقية للشابة التي تريد لها أن تسعد في حياتها، ومع هذا فالمربية نفسها الساذجة لها أهواؤها، وطبيعتها الخاصة في قبول أو رفض من لا تميل إليهم، وتحاول التأثير على الصبية من غير أن تشعر تلك بذلك.
وليس لنا هنا إلا أن نقول بإن إحدى وسائل التوصيل في قديم الزمان هي المربيات، والخدم، ومن خلالهم تتوافق الأمور، أو تتعقد، ولعل وجودهن كان ضرورياً في المسرحيات، وبخاصة مسرحيات شكسبير الذي استفاد من  الخواص التي يحملنها لتعفيه كمؤلف من مهمات تبريرية كثيرة، وتضيف دلالات جمالية على صياغته للحدث، وحلوله الفنية.
ولم يعف شكسبير الرهبنة، ولا الكنيسة من ذنوبها، فبالإضافة إلى ما حمله شكسبير للأخ لورانس الفرنسسيكاني13 من خلل، وسذاجة ظاهرة في رداء الوداعة، والمسكنة، مما يوحي بالغباء، فإن فعلة نسيان الرسالة لدى الراهب جون14  كانت أشنع، خصوصاً وإن الأخير كما يبدو مصاب بعاهتي الطرش والنسيان، فهل في هذا أيضاً نوع من التورية لخفوت دور الكنيسة، ونعتها بفقدان بعض حواسها؟
هذا الانتاج لمسرح الفستيفال الكندي:
البرولوغ الأول لتقديم المسرحية حول نتائج العداء المستديم
في هذا الاستهلال الذي ابتكره المخرج، وسيلة من وسائل العودة بالانتاج إلى حيثيات، ومقدمات تاريخية، يسحبنا إليها العرض، ولكن  من خلال عقليتنا المعاصرة، ووقتنا الراهن وعلينا أن نتأقلم، ونتوافق مع ما جاء في المسرحية، لهذا حدثنا الراوي، الممثل على غير تحديد. وتبعته الأحداث مباشرة:
الإعلان عن الحفل في بيت والد جوليت لماذا؟
كمن يهيئ إلى مفارقة، ومخطط إبتدائي يستخدم شكسبير كابوليت لتنفيذ مخططه، بإعلانه عن حفلة تنكرية، ظاهرها ترفيهي، ووجاهي، وما له علاقة بدعوة أمير فيرونا للتقرب إليه، أو تعميق الصلة به، وباطنها تمهيد، لمخطط المؤلف في حدث ليس على البال وهو لقاء جوليت لروميو المستحيل (لأسباب العداوة المتأصلة بين الأسرتين النبيلتين). وبالمقابل: فإن وجود روميو في تلك الحفلة، لولا أنها حفلة تنكرية لما جاز له الدخول إليها حتى ولو كانت في مكان محايد، أي في قاعة عامة غير قصر كابوليت نفسه، ومع هذا فمن من الشباب يمكنه أن يفكر بدخول حفلة هو غير مدعو إليها لو لم يكن من النبلاء، ويعرف تقاليد حفلات مثل هذه، ولكن لماذا روميو وصديقه بالذات، وليس غيرهما: فقد يسود الاعتقاد لما قد سبق وعبأ المشاهدين ممن قرأوا المسرحية أن لروميو حق ليس لما لغيره، ولكن الأمر بحقيقته مختلف كثيراً، ويحتمل عدة تفسيرات من أهمها: أن المنافسة بين (ميركوتيوو تايبلت) هي التي جعلت ميركوتيو يشجع روميو على الحفلة، التي ربما يكون ميركوتيو نفسه قد دعي لرابطته بالأمير رغم أن والد جوليت (كابوليت) يعرف مدى علاقة ميركوتيو بروميو، وأخيرها فقد يبرر الكاتب كل هذا بكون أن للشباب روح المغامرة، ونزوات تستحق المغامرة.
أما الهدف، وما وراء الغاية من دوافع، ونوازع  للمؤلف فهي ضرورة إيجاد وسط يلتقي فيه روميو وجوليت من غير رقابة، وبغير تكلف، ولا حرج على الطرفين، ولا يتيح كل هذا إلا حفلة تنكرية مثل التي حصلت في بيت النبيل كابوليت والد جوليت.
وجوليت بوجودها هنا كمضيفة، وليست كضيفة تشعر باطمئان أكثر، وبما أنها شابة من سيدات القصر، فليس من الحرج أن يراقصها عدد من المودعوين من غير تعليق خاص، أو إشارة ما، لأن أصول الضيافة هي أن تتقبل سيدات القصر المضييفات مراقصين بأعمار ومراكز متعددة، ومختلفة.
وهكذا تمت حبكة اللقاء، ورؤية المعجب، ومراقصته، ومن ثم التعلق ببعض، فالموعد على الغرام – الدامي في مشاهد الحفل، نعتقد أن الإخراج لم يضف كثيراً لما وضعه المؤلف نفسه.
مهام الرقصات الانفرادية المقنعة في بيت كابوليت
عدا عن رقصة جوليت مع والدها، فإن الرقصات التالية لها معانيها الخاصة، ولا ندري لماذا عمد المخرج لوضعها جميعها في المركز طالما عالج مسألة التركيز على المتحدثين بتجميد حركة البقية (عندما يجري الحوار بين شخصيتين هامتين في الرقص، تبطأ الحركة لدى البقية، وتنعدم التعليقات الجانبية) وجعل الحوار الدائر بين الراقصين المقصودين، واضحاً، وكأنهما على الخشبة لوحدهما. كانت المحورية المكانية سيكون لها فعلها الجمالي الأقوى، لو أن المخرج قد خص كل رقصة بموقع مختلف.
والدة جوليت وابن أخيها
هذه الرقصة لها معاني خاصة، تتعلق باهتمام العمة بان أخيها من جهة، واهتمام المؤلف بالتركيز على مكانة تايبليت في الأحداث، فهل تراه العمة الزوج المرتقب لابنتها تريد فرصة مناسبة لكي تحصل على موافقة الابنة والأب، فلو كان لجوليت ميل له، لراقصته وبذلك لن يكون هناك مجال في قلبها لرجل جديد مثل روميو، أو حتى بأكثر منه، ولما كانت أحداث المسرحية ستسير إلى نهايتها المعروفة.
ربما كانت العمة تراقص ابن أخيها لتهمس في أذنه كلمات توصية تخصه بها (لكبح جماح تهوره، والاندفاع في الاخلاص لعائلة زوجها، أو أن توصيه للانتقام من أحد – وذلك بعيد كما يبدو). المهم لم يكن الحوار المسموع أهم بكثير مما يفكر به المشاهد، وما يخفيه المؤلف وراء السطور، وما هو تمهيد لما سيأتي من أحداث، لهذا بدى الكلام هامشياً، وليس أكثر من تسجية للوقت في حفل تنكري ساهر.
جوليت مع روميو أثناء الرقص
رقصة الغرام المسبق تحضيرها (لدى المؤلف)، ولدى المخرج (من خلال تبادل النظرات)، أتكون كالتقاء كوكبين حائرين، أم تصادف ضالين على مفترق طرق، أو تلاقي محرومين من حنان يترمي أحدهما في أحضان الآخر دون النظر إلى التفاصيل والتبريرات؟ أليس في فيرونا كلها غير روميو لتعشقه جوليت من أول نظرة؟ وهل روزالين، وبنات جنسها في فيرونا كلها أقل من جوليت. أجل هن كلهن أقل منها في نظر روميو المهيأ لقبول حب جوليت والسقوط في أحضانها، وارتقاء عرش قلبها، وليس من بديل لروميو لدى جوليت التي هتف له قلبها قبل لسانها، وغشت عيناها أنوار روميو الباهرة فلم تعد ترى غيره؟
هكذا فصل المؤلف عالمي روميو وجوليت عن وعوالم الشباب المحيطين كلهم، فوقعا معاً في تيار بحر الغرام، وأمواج الحقد تتلاطم من حولهما.
بكلمات ساحرة، لا يدرك  من لفظها، ولا من سمعها معانيها من بين الاثنين (روميو وجوليت)، لأن الانبهار الكلّي بين الطرفين محى التفاصيل والخصوصية، فصارت للحبيب الفعلي نكهته الخاصة، ولعل مبدأ التأكيد على رنين الصوت، ودفء الكف، وحرارة الجسد هي بالدرجة الأولى قبل الكلمات الرنانة، والحوار المعسول. هكذا لفت الرقصة روميو وجوليت في سحرها الملون بالعشق المسكون بالهواجس، وصار الاثنان في واحد، فصغر الكون من حولهما، وأصبحت حدوده متعلقة بالقلب الآخر، وعلى الجانبين هواجس مشدودة بالجانب الآخر، وشوق للقاء، وعناق، ولينتهي العالم من حولهما، ويلتهي بخصامه، ونزاعاته، فالحب أسمى ما وجد لدى الإنسان، فمنه يكون العفو، وتكون الرحمة، وبغيره عداوة، وحقد، وقتل، وموت. هكذا فهم أحدهما الآخر، واتفقا من غير كلام منبوس, حاولا الدفاع عن نقاء الحب فذهبا ضحية عالم البغضاء والشر.
منولوغات، وسوناتات
من السرديات الملحمية المطولة، والمملة، ابتكر شكسبير مونولوغات عكست حرارة التعبير الشعري، في سوناتاته التعبيرية المسرحية بدت في هذا العرض وكأنها، قص لراوي هو البطل الذي يروي مونولوغه قبل، أو بعد أية معضلة في المسرحية، لما للمونولوغ من علاقة مباشرة مع الجمهور، فيما عدا مونولوغ المربية المتقاطع مع تدخل جوليت وأمها.

مناجاة جوليت للرجل الذي راقصته، وحوار روميو وجوليت عند الشرفة
انعكست حرارة الرقصة اللذيذة على وجدان جوليت، ففارقها النوم، وجعلت تهتف من شرفتها باسم روميو، وتناجيه من خلال أجرام (قمر ونجوم) فيرونا المحيطة، كان للمونولوغ الذي حمله شكسبير لجوليت شكل السونتاته، فعزف قلبها على أوتار الشعر، ولحنت شفاهها ترانيم العشق العذري، وصارت نجواها واحدة من أغنيات العصور التي تترنم بها العذارى، والعشاق الفطريين كما شكل شعر قيس وليلى في الذاكرة الشعبية العربية والعالمية أمثلتهما النموذجية.
ولعل العذرية في النجوى، تتحمل مفارقات المصادفات، ففي الوقت نفسه كان روميو يهيم، ولا يعرف كيف يصل إلى معشوقته فيكون حاله كمجنون ليلى. وجوليت التي يراها بين النجوم متلآلئة كقمر منير، فيهتف لحبها بقصيدة شعرية تفرغ الوجد، وتنفس عن الحرمان.
هكذا سرّب شكسبير من جديد أبيات شعره على لسان روميو ليثبت قابليته الشعرية على المسرح، وليس فقط في سوناتاته التي كتبها خارج عالم المسرح.
مونولوغ موت الصديق ميركوتيو
الممثل والدور متناسبان، فالممثل (وين) متألق وأكثر ما في المسرحية من تأثير متبادل القوة!
مرة أخرى تنطلق كلمات الشعر لسوناتات شكسبير على لسان القتيل، وكأنما لا تأتي الأشعار إلا على لسان المحرومين من العشاق، أو القتلى المحتضرين والمودعين لدنياهم، فقد ساعدت قابلية الممثل (وين) على تجسيد التناسق بين الشعر الملحمي، والدراما على المسرح، وكانت قمة إبداع أداء (ميركوتيو – وين)، من خلال مرونة الصوت، والجسد، واختصار الحركات المفتعلة والمبالغ فيها، (رغم المحيط الضيق الذي وضعه المخرج فيه، وهو الوسط، ولا غيره) فقد قام (وين) بإيجاز المعاناة الكبيرة،  ببلاغة أدائية، حصل على استحواذه مشاعر جمهور الصالة، ويبدو أن خلفية هذا الممثل هي التي أهلته كثيراً للعب هذا الدور باقتدار، بين مجموعة كبيرة من ممارسي الأدوار الصعبة، ومن هؤلاء المتمكنين من الحرفة، وعلى الرغم من أن دور ميركوتيو بالغ الصعوبة إلى درجة يقترب من شخصية إياغو في مسرحية عطيل، إلا أن الممثل (وين) قد انطلق من الأداء السهل الممتنع، يبدو وكأنه يعيش الدور للمرة الألف، بروحية المرّة الأولى، وبتعبير أقرب: فأن المشاهد الذي لم ير الممثل (وين) سابقاً قد لا يحسب أن (وين) الممثل الفرد هو غير ميركوتيو الشخصية، ولكي نزيل الالتباس في الفهم فإن ممثلي الطريقة (طريقة ستانسلافسكي) يصلون لفهم الدور إلى درجة يجعلون المشاهد العادي لا يصدق أن يكونوا غير الشخصية التي يعيشونها على الخشبة نفسها مثلما يعيشون حياتهم اليومية.
ولكن الواقع كما رأينا فإن ميركوتيو غير وين نفسه، إذ أن هناك حدود فاصلة بين الممثل (وين) والشخصية ميركوتيو واضحة من حسن قيادة (وين) للشخصية التي يعيشها أمامنا، لأن (وين) قد حذق عملية الفهم كممثل من الداخل، فسيطر بذلك على فعل الفصل بين ذاته ودوره، وإلا لما أحسن بإبداعه. لعله من الضروري هنا أن نشير أيضاً إلى قوة كاريزما الممثل (دين) في تميّزه على أقرانه من الممثلين في المسرحية ذاتها.
ولو كان المخرج بدرجة إبداع أكثر لما غلب على حلوله الإخراجية (ما سماه بساطة) التقليدية المدرسية، ليس هنا (في مشهد احتضار ميركوتيو) فحسب بل في كافة المشاهد حيث عمد المخرج إلى تحريك الممثل في البقعة الوسطى لمكان التمثيل الرئيسي، ولم يعطيهم فرصة التصرف في الجلوس، أو أية ممارسة أخرى غير الجري، والوقوف، مما قيد الممثلين كافة، وحدد أطر إبداعاتهم، ومجالات ابتكاراهم، وحجمت فعاليتهم، حتى بالنسبة لوين، فقد كانت هناك فرص كبيرة أخرى لاستغلال فضاء السينوغرافية في عملية احتضاره، وإلقائه ذلك المونولوغ الطويل.
مونولوغ روميو للجمهور حول الموت، = انتقام روميو لصديقه رغماً عنه
فهل كان من اللازم على روميو أن ينعى صديقه، لكي يقرر الانتقام، أيحتاج الانتقام لتفكير، وتبرير، وهل مجال للتفكير أثناء سورة الغضب  والتصميم والعزم.  هي إذن فرصة ذهبية جديدة للمؤلف لكي يتحفنا بسوناتة لموضوع جديد هو نوع من الوعظ أراده المؤلف في إطار جمالي، يبدو أن هذا التقليد كان من علامات ذلك العصر، أي أن يتم استهلال كل حدث بمطولة شعرية سردية تذكرنا بالملاحم القديمة، وبما أن الحكاية أصلاً منقولة عن ملحمة سردية شعرية سادت ذلك العصر فلا بد أن تبقى ظلال الملحمة مؤثرة في العمل المسرحي الجديد، وإلا لما لاقت استحسان الجمهوره.

هدف المونولوغات وغايتها في المسرحية
وبهذا فرغ شكسبير شحنات السردية المطلوب تمريرها من خلال روميو في هذا الموقف، كما حصل لأدوار، ومواقف أخرى، فأدارها المؤلف، ونفذتها شخصيات المسرحية في مواقع هامة، ومتفرقة من غير حشو، وتحميل قسري للمسرحية، وعلى الرغم من ثقل وطول المولوغات ذاتها، لكنها بدت كقص راو كما أشرنا آنفاً.
وكما أشرنا فإن ظلال الحكاية القديمة تسود في كل ركن من المسرحية، فقد كان على المؤلف عندما نقلها إلى خشبة المسرح أن يوازن بين أسلوب الحكاية الملحمية للشعر الملحمي وبين الفعل المسرحي الدرامي الذي يعتمد الحوار، والحدث الفاعل بمشهدية آنية، لهذا جاءت المونولوغات السوناتية بهذا الشكل الذي رأيناه.
كوميديا الشارع:
لحاق السكارى أصدقاء روميو به، قبل مجيئه إلى الشرفة، وبعدها
فعندما كان روميو يدور في الحارات، لكي يصل إلى بيت محبوبته التي لاقاها في بيت الحفلة التنكرية، ولم يدري أنها ابنة  صاحب الدعوة والدار، وإلا لوصل إلى بيتها مباشرة، مثلما جاء مع أصدقائه إلى الحفلة، ولكن الأمر هنا مختلف فدخول حفلة تنكرية يؤمها المدعوين المتنكرين شيء، ودخول دار آمنة في محيط الأسرة، وفي أواخر الليل شيء آخر، هذا بسبب المعقولية، وللحبكة المسرحية أسبابها هي الأخرى، فجمالية العشق العذري تقتضي من المؤلف أن يجعل الحبيب يهيم، ومن خلال مناجاته النجوم، سوف يسمع نداء المعشوقة، الذي سيدله على الدرب، وبيت الحبيبة، فقد وقفت هي نفسها (جوليت) تناجيه من شرفتها خلال دليلها في الأجرام السماوية بقمرها نجومها.
لهذا لا يبدو عجيباً لهو أصدقاء روميو السكارى بمشاعره، والتعليق على تصرفاته، وسرحانه بتلك الكوميديا الفجة، وهم يلفون الحارات، والدروب مع العشيق الهائم روميو، حتى يصل إلى حيث يكون في أقرب مكان من مرآى ومسمع العشيقة، فينفض الجمع من حوله لكي ينفرد بمناجاة مشهد الشرفة الشهير.
وسيبقى الأصدقاء في الحارات يعربدون حتى عودة روميو من لقاء الحب المسكر، فيرونا ثملاً أكثر منهم، فما هو السرّ يا ترى؟ هذا لو أفاق أحدهم، وعرف قيمة الوقت الذي مضى حينما فارقهم روميو ليعاود معشوقته التي ناجاها، وخطر بباله تساءل كهذا.
المرجع الروحي = الراهب = الكنيسة:
مقابلة روميو للراهب: هل تماثل روزالين مسماة روميو لجوليت؟
نعم، ولا: فالراهب لورانس يعيش من أجل هؤلاء الناس، ويعرف كل تحركات قلوبهم، وإلى أين  تتجه مشاعرهم، لهذا فإنه يتعجب من أن روميو الذي جاء ليستفسر (ربما) عمن تكن جوليت، فيذّكره لورانس بروزالين، ربما لأنه يخشى فيما لو تعلق القلبين ببعضهما أن تحدث مصائب لا يمكن تفاديها، وتنقلب الأمور رأساً على عقب، ولفيرونا الكاثوليكية حسابات خاصة لدى الراهب لورانس، فخفاياها وأسرار أهاليها تتجمع في صندوق الاعتراف، وجمجمة لورانس على حد سواء، كلاهما مقفل على الأسرار، وكلاهما صلد مثل خشب البلوط يمتص ولا يُفرز.
أما عندما تحتدم الأمور فللعقل مجالاته، وللنصيحة طرقها حتى، ولو لم تجد نفعاً، وهذا الذي حصل عند معالجة لورانس لأمر المحبِين:
1 – لما لم تجد النصيحة لكلا الطرفين، ومعرفة مدى إصرارهما ماشاهما الراهب وزفهما إلى بعض.
2 –  ولكي يتفادى خطر إزدواج الزيجة لدى جوليت (بإجبارها على الزواج من باريس بعد زواجها السرّي من
روميو)، كان لابد من استخدام العقاقير المخدرة، خصوصاً وإن العريس ( روميو – الزوج) قد نُفي للتو بعيداً
عن فيرونا (الوطن).
3 – وليس في الوصول إلى روميو من وسيلة غير رسالة عاجلة باليد.
أما وأن تيار الأحداث سيسير باتجاه معاكس، لتنقلب الأمور بالعكس فذلك لم يكن محسوباً بالضبط، وهو أن يعود روميو على عجل من غير استلام رسالة الأب لورنس إليه، وقد سمع بأخبار خطبة جوليت، وقرب موعد زفافها (ستة أيام، وخمس ليال، من السبت حتى الخميس) فإن المصيبة ستحل عقدها بغير ما تم تخطيطه بين جوليت والراهب لورانس، لأن الطرف الثالث والشريك المفترض لم تصله طريقة حلّ اللغز. فجرت الأمور بنهاياتها الفاجعة، وصارت مثالاً عبر التاريخ.
إن هيبة، ومكانة، وقديسة علاقة الراهب في المجتمع الفيروني هي التي جعلته يسوي الأمور بهذا الشكل الودي الدموي، بهذا النوع من التسرع العقلاني في التخطيط، لأن الأحداث نفسها كانت متسارعة فحكمت النهاية وحتمتها.

العلاقات الاجتماعية بين الرسمية، والمصلحة الذاتية
إن مقابلة الشريف )باريس( لوالد جوليت بخصوص خطبة ابنته، هو نوع من الوجاهة الجديدة التي كان كابوليت باحثاً عنها، وها هي الفرصة قد جاءت إليه من تلقائها، فصفّق وهلل لها. وها هو كابوليت نفسه قد جاء ليصور لامرأته بأنه ليس بيده حيلة للرفض (هكذا توحي مجريات الأمور، وخلفيات ما بين السطور)، أما بالنسبة لجوليت فبما أن والدها مصر على موقفه، وقد تبعته أمها في محاولة اقناعها، فعليها إما أن تنصاع للأمر، أو ترفض، وكلاهما شديد القسوة عليها فقلبها قد تعلق بحبيب المراد.
وبما أن همّ كابوليت، وهاجسه الكبيرين أن يكون من المقربين إلى أمير فيرونا، وهذه هي فرصته لكي يصطادها، ويقفز إلى مقام آخر قريب من الأمير، و ليس هذا فحسب، وإنما سيكون من المؤثرين، أو المتنفذين في السلطة، ليس بمايدر عليه من المال فقط، وإنما لكي تكون له مكانة أقوى في السلطة أكثر من غريمه مونتاغ.
وبمجيئ باريس ليصاهره فإنه يحقق أمنية تمناها، فصار باريس وكأنه طير سعد، كان كابوليت بانتظاره، وبغير عناء، ولا تردد أعلن كابوليت موافقته الدبلوماسية المعتاد عليها، وعلى ابنته أن تنصاع للأمر وتنفذ ما يطلبه منها، وعلي كابوليت أن يقطع دابر كل نقاش أو احتمال، أو تردد في البيت إذ ربما من جهة أخرى يكون قد ورد إلى علم كابوليت ما حصل لجوليت بين ليلة وضحاها، من تعلق قلب ابنته بحبيب لا يدري من أين، ولا من يكون.
فهل لجوليت ذات الأربعة عشر ربيعاً أن تبعث برسالة إلى روميو؟ وبيد من؟ لا بد أن تكون المربية؟
وهل لديها الجرأة أن تخبره بما حصل في دارها، بإصرار والدها على زفافها من الخطيب الجديد، وإن الزفاف سوف يتم يوم الخميس المقبل والآن هو يوم السبت؟ (إن هذه الأحداث تذكرنا بقصص وروايات مشرقنا العربي، والحدود الضيقة التي ترسم حول المرأة، وكيف أن القرار يصدر عن سلطة الأب قبل موافقتها هي وأمها).
أما وقد أعُلمت جوليت بتحديد يوم الخميس موعداً لزفافها من باريس، فعليها أن تجعل مربيتها تدور بكل حارات فيرونا لكي تسأل عن أين تجد روميو، فيكون من حظها أن تسلمه الرسالة باليد، ويهرع لتوه إلى الراهب ليجد حلاً له، ولحبيبته جوليت معاً، و يكون الزفاف السرّي.
وفيما بعد  تعجبت الأسرة كلها كيف امتثلت جوليت للأمر (بعد رفضها القاطع) بمجرد عودتها من الكنيسة بعدما تم الاتفاق على خطة الموت الزائف الذي سيمنع زفاف جوليت من باريس، التي سكنت عذابات جوليت وجعلتها تدعي بقبول الزواج من باريس ظاهرياً حتى موعد أخذ المنّوم بأطروحة الراهب لورانس في حلّ المعضلة العويصة.

إن جوليت رمز النقاء في عداوة المجتمع، هي الضحية التقليدية لهذه المفارقات، وتلك العداوات المحتدمة، وبغير ما نهاية، فما كان في الحسبان تحميل روميو وزر قتل تايبلت، وما ترتب عليه من قرار لنفيه، وعلى الحبيبين أن يجدا حلاً لمعضلة وقع أنفسهما فيها، فهما زوجان شرعيان، لكن زفافهما لم يعلن رسمياً للظروف القاسية المحيطة.
وعلى مستوى العداوة القائمة:
المماحكة بين الخصمين، للإيقاع بروميو،
ما أن يعود روميو سعيداً بزفافه الميمون، وقد وقف على شرفات الهناء، مفكراً بأمره مع جوليت حتى يلاقي تايبلت الذي أصبح للتوه نسيبه (بمجرد زفاف روميو لجوليت)، فتيحاشى روميو أي تصادم، مما يجعل تايبلت يتمادى وقد حسب روميو خائفاً، ومهما سيحصل فليس لروميو، يد في الموقف، والموقعة (وروميو في هذه الحالة يفترض – لو كانت الأمور سوية – أن يستقبله الكل بالترحاب والسرور، ويرفعوه على الأكتاف، ويزفوه عريساً مباركاً، ويهللوا له، أما أن يخرج من زفافه ليحتدم في معركة بالسيوف قد يقتل، أو يخرج بقتيل فليس له من طاقة لذلك، ومع قريب للحبيبة جوليت، ولكن النوايا في طرفي النزاع غير ما في نية روميو ذاته، ونيران الحقد مشتعلة بين الأسرتين، وليس من مفرّ، فعلى روميو أن يخرج بسرعة، ولا يرى ما يجري،
ولكن صديقه ميركوتيو لم يتحمل الإهانة التي لحقت بروميو وهو خارجاً، أو أنه لم يمرر الفرصة للنيل من الخصم، فليس في كل مرّة تصل الأمور إلى هذا الحد، وعلى ميركوتيو إزاحة هذه العثرة (تايبلت)، لكي تسود حارات فيرونا له، ولجماعة مونتاغ.
وبحدوث فاجعة موت صديق روميو الذي دافع عن شرف روميو، لوقوفه بمواجهة الموت مكانه، (ربما للأسباب التي ذكرناها) تتعلق بجلها بالمنافسة، ورفع سمعة البطولة، والفروسية بين مجتمع فيرونا، وعلو الشأن في نظر الأمير الحاكم ربما هو نوع من بتر دابر الفتنة، ومعاقبة من يثيرون القلاقل في الحارات مهما كانوا، ولأية جهة ينتمون.

مقتل ابن خال جوليت
كان لا بد لابن خال جوليت أن يقتل لتتم جوانب الحكاية، فلو أن غيره  قد قُتل لما حصلت المفارقات (فهم كما يبدو يقتلون بلا حساب، ولكن بما تحتمه قوانين الفروسية ذاتها)، وهذا ما حصل بشكل أكثر عنفاً عندما قتل هاملت أخ أوفيليا، ويبدو أنه لا بد من قتل المقربين لكي تكتمل الفواجع، وتأتي نتائجها على رأس البطل (هنا البطولة المشتركة بين روميو وجوليت)، وليس لنا هنا في التعليق لأكثر مما أوردنا حول الفترة التي كتبت فيها المسرحية، والمادة المستقاة منها، وهذين العاملين حتما لشكل، وسياق الأحداث، والبناء الدرامي، والحلول الجمالية للمؤلف.
ليس مقتل ابن الخال أكثر من فكرة لحادثة، لهذا لم تشكل الشخصية بحد ذاتها أكثر من وسيط لتوصيل الأحداث إلى قمتها فحسب، فتايبلت من الشخصيات غير المحورية، وشخصيات الأفكار، فحتى المشاعر لديها هي حتمية، ولا تتقبل التغيير، لذلك تكون الشخصية محيرة للممثل قبل المخرج، فلو أخذها الممثل على علاتها، وتقبلها من الخارج، خرجت الشخصية بشكل تقليدي لا حس، ولا شكل يميزها بشكل ذاتي غير ما تخدمه كفكرة، بينما نرى الأمر مختلف بالنسبة للشخصية المبنية درامياً، حتى لو كانت متعددة المواقف، ومعقدة بنفس الوقت.
أما الشخصيات غير المحورية التي نحن بصددها (المعبأة بفكرة تخدم النص) فهي متعبة في التحليل، والتصدي لتنفذيها من خلال الممثل، لخلل في بنيتها المنقادة للفكرة، وليس لمشاعر محسوبة على العلاقات المرتبطة بمواقف يفترض لها أن تكون، وعلى الممثل أن يجد لها حلوله الجمالية لها (بالتعاون مع المخرج)، يمكن للممثل أن يبدع من خلالها.
ومع هذا يحصل أن يتألق ممثلو هذه الأودار، لكنهم قلة، وهنا في هذا العرض لم تجتذبنا غير كراهية لنمط الشخصية، وليس لما قدمه الممثل، رغم حسن اختيار المخرج لشكل، وصفات الممثل الخارجية.
روميو في محنته الجديدة يستنجد بالراهب:
من طرفه يحاول الكاهن إقناع روميو بقبول قرار الحكم الصادر عليه بالنفي، وروميو يرفض الفكرة بالأساس لأنه يعتبر أن الموت أخف وطأة عليه من المنفى = النفي هو الموت بعينه = موت في الحياة.
فما هو المنفى بتقدير روميو؟ ولماذا يسمى منفى؟ ألكون أن روميو أحس بفراقه لجوليت فهو بذلك يستصعب النفي؟ أليس هذا الذي يسميه روميو نفياً ليس بالنسبة للشاب أكثر من سفرة استجمام مؤقتة، لا كعقاب نفي هاملت المحمل برسالة من عمه الملك؟ وهذا القرار بالتالي هو أمر محكمة هنا ليس إلا.
روميو = لو قطع رأسي بفأس قاسي لن أقبل النفي
إنه ليس نفياً سياسياً، ولكنه نوع من العقاب المخفف بدلاً عن السجن، وربما لأنه حصل من أجل تخفيف وطأة حمية المعارك التي قد تؤدي لنوع من تكرار القتال، ففي قانون الفروسية يكون القاتل مدافعاً عن نفسي وليس عليه من عقاب، ورغم شهود الدفاع عن روميو، فإن الموقف الذي واجهه الأمير لا يجعله يتساهل في تحقيق موازنة مؤقتة على الأقل، طالما هناك نوع من التزمت، والتعنت في أخذ الحق، وربما أيضاً خشية على روميو نفسه، فالأمير هو الآخر قد فقد أحد أخلص، وأنبل مرافقيه، صديق روميو، ولا يريد أن تكبر الخسارة، وتتكرر الضحايا.
إذن فالنفي بالنسبة لروميو نفي عن الحبيبة، وهو أقسى أنواع النفي، وأمرّه.
ولم يكن من بد أن يحظى الأمر بمفارقات كاللعبة، أو ككابوس ليلي لعبت فيه الظروف التي خطها المؤلف حول العلاقة الوليدة، وبين مخطط الراهب وجوليت من جهة ثانية، فما كان حلماً صاراً كابوساً حقيقياً، وما كان أمنية صار واقعاً مريراً، مميتاً، وربما كان المؤلف من طرف خفي يلمح لأن كل المشاريع المخططة على الورق، لا يمكن اعتبارها ثوابت، وحقائق مسلم بها عند تطبيقها على أرض الواقع.
الخطة الفاشلة، الخطة الهاجس، الخطة المشروع، الخطة المؤامرة، الخطة العشوائية
خطة القسيس هي خطة الكنيسة لمصالحة المتخاصمين = بزواج الولدين = حتى ولو من غير إعلان.
فروميو وجوليت زوجان شرعيان في الخفاء، وهذا الأمر بطبيعة الحال يحتاج إلى تفسير، كان ومايزال معلقاً، ربما لم يتم الانتباه إليه في السابق على اعتبار أن وجود قسيس في محيط المدينة شيء لازم، واعتيادي، وأمور ترتيب ملاقاة المحبين، وتزويجهم هي الأخرى اعتيادية، ولكن إعادة النظر الآن من زاوية هامة أخرى تتعلق بهيمنة الكنيسة على تقاليد الأمور الاجتماعية، والأخلاقية خارج نطاق اختصاص الكنيسة الروحي، أو بما يتوافق والصلاحيات الدينية له أهميته الخاصة هو الآخر، فلولا الهمينة الكنسية روحياً، ورسمياً على العلاقات الاجتماعية، (ربما تفاوتة مسألة السيطرة، وقبول الآخر لها لفترات قوة، وضعف الحاكم، والكنيسة من جهة، وسيطرة الكنيسة بنفسها على العالم الكاثوليكي هو أمر آخر يتعلق بفترة سيطرة الكنيسة التامة على الحكام، والمحكومين)، فكان الأمر قد اتخذ بعداً آخر بالتأكيد، وعليه هناك نقاط تختصر ما نريد الوصول إليه هي:
1 – الوقت الذي كتبت فيه المسرحية كان في العصر الإليزابيثي، أي بعد انفصال إنجلترا عن الكنيسة الكاثوليكية،
فهل يكون شكسبير بهذا ناقداً للكنيسة في شخصية رهبانها لا قساوستها، وبهذا عمق جديد للقضية ذاتها؟
2 – إن تدّخل الكنيسة في رسم سيناريو التفاهم السلمي الذي انقلب، بحنكة شكسبير إلى مأساة يتعظ منها الطرفين،
ويتصالحان في خاتمة ميلودارمية هي أضعف فقرة في هذه المسرحية، رغم أن كل الأمور كانت تشير وبسرعة
فائقة إلى هذه النهاية الإغريقية (كنهاية أنتيغون، وابن خالها هيمون –  ولكن على ميثاق آخر، ومفهوم أخلاقي
أراده الكاتب المسرحي أنذاك لحكمة، أو تبدل مبدأ أخلاقي، وشرعي في لحمة المجتمع الإغريقي، ليس هذا
مجالنا فيه، رغم وضوح تأثر شكسبير بهذه المسرحية كما تأثر بالأورستيا عند كتابته لهاملت نفسها). ولكن تدخل
الكنيسة الهزلي في هذه المسرحية هو نقد مبطن، لنوايا الكنيسة (الكاثوليكية بالذات)، رغم مجيء الخاتمة لصالح
ما أرادته الكنيسة، ولكن بشكل ميلودرامي يقترب من السخرية. وبهذا نحار في مسألة تتعلق بمواقف شكسبير من
الحكم، ففي الوقت الذي مثّل شكسبير تياراً ناقداً، ومعارضاً لسياسة بلاده، فإنه هنا (ربما بمعتقده الخاص
والشخصي، قد تلاءم مع موقف بلاده) وتبنى موقف بلاده الفكري، والسياسي، والديني معاً.
3 – هل افترض الكاهن نيابة عن الكنسية، أن هذه النوع من اللعب بالأرواح قد يؤدي لمصالحة، وهل تتعامل الكنيسة
مع السحر، والأكاسير الممنوعة، أي الخلطات التي يستعمل السحرة، غير الوعظ، ونكران الذات، واتباع
الفضيلة أللهم إلا الانتباه لتزويج روميو، وجوليت شرعياً، لكي لا تفشل الحبكة، أو يفشل ما أراده شكسبير لنهاية
هذه المسرحية التي نعتقد جازمين بأن شكسبير قد خطط لها، وتعمد تكبيل المسرحية بالبكائية، والمفارقات
الميلودرامية لكي يوحي بعبثية التعامل مع رهبان الكنيسة في حل مشاكلهم المستعصية، وعلى المبتلين الاعتماد
على الذات في ذلك، وتلك؟ وقد صب اهتمامه، ونقده على الكنيسة الكاثوليكية من خلال مدينة فيرونا الإيطالية
الكاثوليكية بالتأكيد.
4 – فهل كانت المسرحية موظفة بحذافيرها لنقد المصالح الرسمية للكنسية بالقدر الذي هو نقد للبغضاء المتشكلة بين
طرفين اجتماعيين، وعائلتين متصارعتين عبر سنوات عديدة.
أليس هذا الموضوع مكررأً، وربما له علاقة بحيثيات قروية أكثر عنها مدنية، حتى في تلك الفترة الزمني فالقرية والمدينة لكل منهما خواصهما لا يتعلق ذلك بحقبة تاريخية، أوفترة زمنية، لأن مجتمع القرية يعتمد بوسائل انتاجه على كل ما له علاقة بالطبيعة، ومنتجات الأرض، وما يدور حولها من أمور تختص بتعلق الزراعة بالمواشي، والدواجن، وما إليهما، أما المدينة فعلى الرغم أنها لا تختلف في ذلك الزمان عن شقيقتها الصغيرة حجماً، لكنها تختلف بوسائل إنتاجها التي تعتمد بشكل أساس على تبادل السلع، والتعامل التجاري من جهة، وعمليتي إنتاج وسائل الإنتاج نفسها كأدوات الحراثة، والحصاد، وبالمقابل تحويل منتجات القرية إلى سلع يحتاجها الفرد في المدينة، والقرية من مواد خام مثل: النسيج، ومكملات المباني كابواب والنوافذ، وغيرها.
أجل فالقرية – المدينة فيرونا لم تكن غير مدينة مصغرة تعيش حالتين اقتصاديتين لكنها تتعامل اجتماعياً من خلال تقاليد المدينة، إلا في قضايا الزواج، والمعاشرة الخفية.
وهنا نشير إلى أبعد من قضية العلاقة الرومانسية التي قامت بين روميو، وجوليت في كل تلك المفارقات، ولن نستغرب مدى قوة الاندفاع الكبير في العلاقة، لكون أن جوليت لم تتجاوز سن الرابعة عشرة، وهي في زهرة الشباب، وعنفوان المراهقة اللذين يجعلان تعلق المحبين، ومواقفهم اللذين يكونان في غاية الرقة، وحسم الموقف، لا بد لهذا الاختيار الذي خصصه شكسبير من هوية خاصة  تتعلق بسبر أغوار المعضلة، لكي تشير بالتالي ليس لطيش الشباب، وتهورهم، ولكن لما يوازي هذا الطيش (إلى حد ما) بطيش العوائل الرصينة، ورؤوس المجتمع في فيرونا المثال اليوتوبي لقضية روميو وجوليت الوضوعية التي يمكن أن تحدث هنا وهناك، وفي كافة أصقاع الدنيا، فيما لو تيسر ظروف مشابهة.
ماذا في الإخراج من جديد
فعل الرواية في البرولوغ الابتدائي
إن فعل الرواية في البرولوغ الابتدائي ليس أكثر من عملية سحب المشاهد المعاصر من مكانه في الصالة، الذي جاء وهو يحتضن حبيبته، لكي يشاهد عرضاً عائد من عمق التاريخ، لم تعنيه مشاكلها، غير ما سمع عن شهرتها، وشهرة الكاتب. أو كان للحظة قد أكل سندويشة، وشرب المشروبات الغازية، وقبل بساعات كان منفردا مع جهاز الكومبيوتر الشخصي له، وعليه الآن أن يتهيأ لرحلة زمنية في الماضي يقضي فيها ساعتان ونصف، أو ثلاث مع العصر الإليزابيثي، وتقاليده البائدة. لهذا لم يعيد المخرج فعل الرواية في ما بين الفصول، كما يحدث عندما يعلق الراوي على الحدث، بإضافة، أو تنبيه، ولم يستفد بشكل خاص من توظيف سوناتات المونولوغات الانفرادية (التي سبق أن ذكرناه) لكي يخلق تفاعلاً مباشراً مع الجمهور (كراوي ) إلا في مونولوغ روميو بعد مقتل ميركوتيو.

وفي الحفلة هناك اختصارات للعدد، والموجودات
إن الاختصارات التي شملت العرض عديدة، ويبدو العجز ظاهراً بشكل خاص عندما نرى حفلة كبيرة لا يكون أفرادها على المنصة غير فئة لا تتجاوز العشرين، ورغم أن لمكان الحفل مداخله، ومخارجه فإن المخرج لم يستعن بتوظيفها للإيهام بأن هناك أعداداً أخرى في قاعات القصر الأخرى، أو حدائقه، كان يمكن أن يتم من خلال مرور بعض الأزواج وراء المداخل، أو من مدخل إلى آخر كما كان الخدم يفعلون في العرض نفسه، ولكن المخرج اختصر الخلفيات للتركيز بعجالة على رقصات لجوليت مع أبيها، ومع روميو ضمن الرقص الجماعي الذي عمد أيضاً لتجميدها كلما دار حوار في المركز كالعادة. ويبدو أن المخرج لم يأت بجديد حتى في هذا العزل الحركي، لأن ما وظفه هنا مارسه، وما يزال تلاميذ أكاديميات الفنون المسرحية في صفوفهم الابتدائية، هي على العموم ابتكارات عمت، منذ انتشار حركة الممثل السينمائي البطيئة، وبخاصة ما لها علاقة بالبرامج الرياضية، أو كليبات الإعلان، والأغاني.
الأقنعة الليلية مع روميو قبل الذهاب إلى الحفلة، وما بعد
فلماذا أصر المخرج على إبقاء الأقنعة لما بعد الحفل ولا حاجة عملية لها، إللهم إلا لمن يحصل على قناع مجاني من داعي الحفل مهما كانت قيمته المادية، لأن قيمته المعنوية هي التي تثير فضول وقبول حامله، وبالتالي فإن حاملي الأقنعة ومالكيها ربما يعتزون هم أيضاً بما حملوه إلى بيت الدعوة، وخرجوا منه بذكريات، على أن ميزة القناع هي، أن يخفي من صاحبه الذي يضعه على وجهه، ولا يمكن أن يشاهدا معاً (القناع ولابسه) قبل لبس الشخص للقناع، أو بعده، وإلا ما معنى التنكر، وحيثياته، إلا لو كان الفرد نفسه راغباً في الكشف عن هويته عمداً، وهذا ليس مبرراً للمخرج على الأقل بإبقاء الأقنعة لدى حامليها، إلا لغرض تزويقي في الحركة المسرحية. ففي المسرحية يجوز ما لا يمكن في الواقع، ربما لكي يفصح المخرج عن هوية المقنّع إلى المشاهد، غير أن هناك الكثير من الحلول للتعريف بالممثل المقنع، سواء بحركات مميزة، أو التأكيد على نوعية اللبس، وما شابهه.
أما البحث عن الإطار الجمالي للبس الأقنعة فهناك فتنتازيا خاصة، حتى في الواقع اليومي المعاش، ولكن القناع في المسرح له ضروراته التأريخية مسرحياً، ولنشأة القناع على المسرح مهمات حتمتها واقعية وجود أكثر من شخصية يقوم بأدائها الممثل الواحد، وهنا في روميو وجوليت لا ينطبق هذا الشرط لا بشكل خاص، ولا بشكل عام، لأن القناع استخدم فقط في الحفلة التنكرية لغرض هام هو تسهيل لقاء روميو بجوليت لا غير، فما هو الغرض من إصرار المخرج على جعل الممثلين يحملون أقنعتهم بعد الحفل التنكري نفسه، وهم يدورون في الحواري.
مشاهد من أفعال الكوميديا الاجتماعية = كوميديا ديلالاته
تلك المشاهد السوقية التي سادت الحارات بين محاورات الشباب، هل كانت لغة عامة الشعب، أم أنها لغة الشباب من مختلف الشرائح الاجتماعية، فهل ميز المخرج هذا؟ أم أنه اندفع وراء تطمين شباب هذا العصر بدغدغة بعض حواسهم، وغرائزهم (كما صرح في لقائه – هامش ب)، أيصح لتابع الأمير، وصديق روميو أن يقوم بتلك العربدات، ألم يكون لسلوكه حدود تربى عليها؟ أم أن الأمور لدى المخرج استوت من غير تمييز بين نبيل، وسوقي، في لغة الشباب أنفسهم؟ عتاب على الدراسة التحليلية المتفرض أن تجريها المجموعة مع المخرج في ضوء الطريقة (طريقة ستانسلافكي) التي لا يشذ عن قواعدها أحد مهما ابتكر، وخرج إلى عوالم رحبة، فهي المنار، والنبراس على العموم، وبشكل خاصة في منهاج عمل الممثل نفسه، ومجموعة الممثلين على حد سواء.

السينوغرافيا من مهمات الإخراج قبل التصميم(ج):
أن التصميم للخشبة في مسرحية روميو وجوليت قد اعتمد المسرح المفتوح على الجمهور من جهاته الثلاثة، إضافة لمداخل تسهل مرور الأبطال في المساحة الخاصة بالصالة، وبمواجهة الجمهور ومن بينهم، خصوصاً عند استخدام المداخل الخلفية للصالة نفسها، ويتميز الديكور العام بالتركيز على شخصية الشرفة، من فوق، ومن تحت.
هذه المساحة المسرحية التي توسطها العرض هي مكان محايد، يلتقي فيه الممثلين، يكون مناسباً لكل شيء, ساحة مدينة، قاعة كنيسة، مرقص، حديقة، شارع عام، برية. ورغم أن المنصة مصممة لتلائم الوسط المحيط كالحارة الشعبية للمجتمع القديم، والمتوسطي، والعربي ( المسلم والمسيحي) في الشرق الأدنى، إلا أن الأحداث الجارية لم يحدد لها جغرافيتها في هذا المحيط بشكل يجعل المتفرج عارفاً بأن هذا المدخل، أو المخرج، أو المساحة هي لمكان وفئة محددين، في هذا المحيط المحايد، والمتوسط، بما له علاقة بأمكنة تواجد طرفي النزاع، كالبيوت، كذلك الحارات، والكنيسة، وما إليها.

إهمال فضاءات السينوغرافيا الرحبة
لعدم توزيع المخرج مناطق العرض حسبما تحتاجه المسرحية (حيث الأطراف المتنازعة)، بأمكنة خاصة بها، لم يستفد المخرج من إمكانيات السينوغرافيا الرحبة لتخصيص مواقع توحي للمشاهد بأنها خاصة بأسرة مونتاغ، أو كوبوليت (مثل الموتيفة الخاصة بالملابس التي روعيت بشكل مناسب، أو الموتيفة الموسيقية مثلاً)  وصار التركيز على وسط خشبة العرض بشكل دائم، ومكرر، مما خلق تسطحياً للحركة، وصار دوران الأبطال حول بعضهم يذكرنا بمسرحيات العشرينات الكوكلانية وما قبلها، مما يضطر الممثل المبالغة، فلو عمد المخرج لاستغلال الأمكنة، وأضاف لها بعض ما يدل على خصوصيتها من إكسسوارات متممة يستعين بها الممثل لاختلف الأمر، ولما صارت المسرحية وقوفاً على الأرجل، فلم نشاهد في العرض كله أية جلسة على مقعد، أو مائدة، غير سرير، وكفن جوليت، ولولا التخدير والموت لظلت جوليت منتحرة وقوفاً مما أدى بدوره إلى مبالغات كثيرة في الحركة والمشاعر.
ومن جهة ثانية فقد تضمن مونولوغ المربية الطويل معلومات حول الخطوبة، وحول تربيتها لجوليت في حضور جوليت وأمها كما يحصل في مسرحيات موليير حيث أوجد المخرج ذلك الموقف، وبالغ فيه كثيراً من خلال ردود أفعال جوليت، وأمها الليدي كابوليت.
لهذا فإن عدم التوفيق في توزيع الأحداث الجارية، خلق نوعاً من الارباك حول مدى معرفة الجمهور لجغرافية الأمكنة، ولولا تعرفه على الشخصيات الرئيسية، وتمييزها بألوان لملابس محددة (هامش – ج) لتاهت عليه الأمور، خصوصاً لو كان في الفصول الأخرى المتتابعة بأحداث وأمكنة جديدة أخرى هنا وهناك.
وفي مشهد الشرفة تبقى المسافة بين الأصابع رمز لبعد المنال، (إذ أن هناك مسافة، في العلو بين المحبين لا يصلان إلى بعضهما) وتبقى لفترة، ولكن بما له علاقة بروح المفارقة الفكاهية لا أكثر، ولا ندري لماذا عمد المخرج حتى هنا لوضع لمساته في جو المفارقة المضحكة لا الرصينة؟
الخاتمة:
في هذه الفسحة نود التنبية للمخرجين العرب الذين يحاولون التصدي لمسرحيات شكسبير، أن لا ينظروا إليها من خلال مفردات الحوار لذاتها، ولكن لما قد يخفيه الحوار من توريات، واستبطان ما قبل الحدث، ووراء الكواليس، وخارج الستارة، فكل هذه الأمور هي من مهمات المخرج الذي يتصدى لمؤلف عميق التأثير على مدى العصور، وليس كما أشار المخرج بأن المسرحية العظيمة لا بد أن تقدم على بساطتها، ونحن هنا لا نحث على تحميل النص أكثر من طاقته، ولكن ما نرمي إليه هو أن يكون للمخرج بعد كل هذه الأعوام من الانتاج لأعمال شكسبير شيء يضيفه، ورسالة يود تمريرها للجيل الذي يعرض له المسرحية، وإلا فعليه (المخرج) أن يكون مقلدأً لا مبتكراً، وصانعاً لا مبدعاً.
الهوامش:

(*) المسرحية تعرض بين موسم وآخر حتى الآن.
نشرت هذه الدراسة في مجلة كواليس المسرحية عن جمعية المسرحيين بدولة الأمارات العربية المتحدة العدد 29 بناير\كانون ثان 2012 (82-91).

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: نصيف الناصري… وظيفة السرديات الشِعرية!!

* نصيف الناصري، الولد المرتبك دوماً، الحاس الى حد الهلع بالخوف من مجهولات كانت ترافق …

تَجلّيَّاتُ المرأةِ في شعْر إياد خزعل
د. وليد العرفي

تشغلُ المرأةُ حيزاً مُهماً من اشتغال الشاعر الفنيّ بالمرأة بوصفها مقولةً من مقولات نصه الشعري …

روايات مترجمة: 2 ــ بلاد الثلوج (من الأدب الياباني)
ياسوناري كاواباتا
ترجمة: لطفية الدليمي
قراءة: ناطق خلوصي

كانت رواية ” بلاد الثلوج ” في طبعتها الأولى قد صدرت عام 1952أما طبعتها المترجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *