كمال عبد الرحمن : بنية التضاد في مجموعة (برقيات وصلت متأخرة) لأحمد جارالله

القاص والشاعر كمال عبد الرحمن
الشاعر أحمد الجار الله

تعد بنية التضاد إحدى البنيات الأسلوبية التي تغني النص الشعري بالتوتر ، والعمق والإثارة ، وتقوم هذه البنية على الجدل ( الديالكتيك ) الذي يعني وجود حالة تناقض وصراع وتقابل بين أطراف الصورة الشعرية ، وغالبا ماتشتغل على شكل ثنائيات ضدية ، وهي العنصر الأكثر أهمية بين مكونات النص الشعري (1) .
إن التنافرات والتصادمات في تشكيل النص تسجل ردود أفعال لدى القارئ ، وتمثل التضادات نقطة فراغ دلالي يحتاج إلى ملئها ، لان سيكون ضائقة لم يعهدها القارئ ، فيبحث عن كيفية تحقق التلاقي أو التلاقح الدلالي .
ترتبط لذة النص في رؤية ( بارت ) بالانقطاعات ، كان تلتقي المتنافرات ، وهذا أيضا يلتقي مع الشاعر احمد جارالله ، لأنه اجتهد في الثنائيات الضدية المبنية وفق التنافر و (( المنافرة تعتبر خرقا لقانون الكلام ، إنها تتحقق على المستوى السياقي )) ( 2) .
كما أن اشتغال احمد جارالله داخل اللغة بالغ الأهمية ، إذ (( استطاع أن يشق لنفسه لغة خاصة )) ( 3) والمتتبع لشعره سيلاحظ العلاقات التي يقيمها بين ألفاظه ، وهي علاقات تحتاج إلى الوقوف عندها :

(( هذا الوطن
في كل صباح
نهديه الأشعار
والأشجار
والعصافير
ومع الليل
يرشقنا بالحطابين
والجراح )) قصيدة وطن / ص 15

 تعب
وواضحة ههنا بنية التضاد :                                                    الحطابين     خشونة
الأشعار = الجمال                                                         جفاف
نهديه       الأشجار= حياة            ( وطن )   يهدينا
العصافير = الموسيقى                                    الجراح        الم
والغناء                                                       ضعف

ومثلما تشتغل نصوص الشاعر في هذه المجموعة على التضاد ، كذلك تشتغل على جدليات كثيرة منها ، جدلية المفارقة ، والمفارقة كما يقول ( جوته ) : (( هي ذرة الملح التي وحدها تجعل الطعام مقبول المذاق )) ( 4) أو كما يقول ( كيركيكارد ) عنها : (( ليس من فلسفة حقيقية ممكنة من دون شك ، كما يدعي الفلاسفة ، كذلك قد يدعي المرء أن ليس من حياة بشرية أصيلة ممكنة من دون مفارقة )) (5) ، وخلاصة القول إن الأدب الجيد جميعا يجب أن يتصف بالمفارقة . (6)

والمفارقة في شعر احمد جارالله تأخذ أشكالا عدة ، منها (مفارقة التنافر ) :
(1)
قبر الجندي المجهول
في الغروب
لازوار له من أسرته سوى
باقات زهور ذابلة وبقايا
ذرا ت من غبار الحروب !
(1)
قبر العانس
ألف قبر حوله لكنه
يشعر بالوحدة
والبرد القارس !
( 3)
قبران عراقيان
قرب الأول سوط
وعلى ظهر الثاني
دمعة وقيود

( من قصيدة قبور عراقية منفردة )

ويبدو أن المفردات المؤلفة لبنية التضاد في النص ، تعمل على انجاز مفارقة دلالية وصورية فيما بينها ، عبر عنصر الصراع الذي يحصل عادة بين المتضادات ، فـ (( بما أن الكلمات المتضادة تصر دائما على إقصاء بعضها البعض ، فإنها تصبح سجينة طاحونة من الانزياحات المختلفة والممكنة التي توهم ببنية مفتوحة مستحيلة الإنهاء وذات نهاية اعتباطية )) ( 7) ، وهذه النهايات تعمل على مضاعفة طاقة الأداء الأسلوبي المنتج لجماليات القصيدة :
1-
هذا الوطن من قلق وارق
فامنحوه غفوة صغيرة
قبل كل حرب
2-
هذا الوطن من نخيل وجرائد يومية
فامنحوني فرصة
لالتقاط صورة تذكارية معه
قبل الحريق
3-
هذا الوطن من نخيل وحنان
لكن كلما اهتز السعف
تساقطت منه الشظايا والأكفان
( قصيدة : هذا الوطن / ص 88 المجموعة )

إن التضاد بصيغة المتعدد يمثل أسلوبا يكسر رتابة النص وجموده بإثارة حساسية القارئ المتلقي ومفاجأته ، بما هو غير متوقع من ألفاظ وعبارات وصور ومواقف ، تتضاد فيما بينها ، لتحقق في نهاية المطاف صدمة شعرية يتعالى بها النص على قارئه .(8) ، ويحلق في فضاء جمالي خاص ، ويحرضه على الحوار والتفاعل ، وإعادة إنتاج المعنى ، إذ  (( ليس هناك نص أدبي لايخلق من حوله مجموعة من الفجوات والفراغات التي يجب على القارئ أن يملاها )) (9) .
كما أن التضاد من أكثر الأساليب قدرة على إقامة علاقات جدلية بين النص من جهة والقارئ من جهة أخرى .
إن ظاهرة جمع المتنافرات نجدها عند شعراء الشعر الحديث وحتى القديم ، إلا أنها تتكرر عن احمد جارالله وتكاد تكون سمة غالبة ، ووفق آليات مغايرة لآليات الشعراء الآخرين ، ومن بينها الدخول مع الطبيعة والأشياء في تبادل الممارسات (( فتؤنسن الأشياء ويشيّء الإنسان )) ( 10 ) .
ويختصر الشاعر احمد جارالله مشروعه في اللغة الشعرية ، حيث يبحث عن لذة ( البحث في المحرمات = التابو السياسي + التابو الاجتماعي ) وتصنيع الأسئلة الممنوعة أو المحظورة في اقل تقدير :
(( لن ابتسم إلا بحجم فوهة البندقية
لن أقهقه إلا بقدر صوت رصاصة طائشة
ولن ابكي – أعدكم – لسنوات طويلة إلا بقدر قدح شاي مغشوش
من الحصة التموينية ..
– أعدكم – في الطريق إلى …
سأطيع الأوامر كلها طاعة ببغاء
أوامر أبي .. ومعلم المدرسة .. وعمرو موسى .. والتجار
ولائحة حقوق النسيان !! ))

قصيدة المؤجل ، ص 91-92 المجموعة .

وتكتنز نصوص هذه المجموعة بتشكيلات من الضديات التي تصنع الدراما في القصائد القصيرة والطويلة فيها على حد سواء، ففي قصائدها تتضاد الثنائيات لتلتقي وتثير شهوة القراءة (11) ، وبهذا يتحقق التماس والتداخل والتنافر بين الشيء وضده ، فمن تداخل الليل والنهار يولد الفجر ، الذي هو ليس ليلا ولانهارا (12) .
وحين يقول كوهين : إن (( الشعر يولد من المنافرة )) (13) ، فان المنافرة لها القدرة على نوع من الدراما المتطورة في النص ، حتى يصل تأثيرها إلى صناعة الإيقاع الداخلي للقصيدة ، وهي – المنافرة – شرط من توفر هذا الإيقاع :

(( هي فقط
هذا عصر
ضاق فيه كل شيء :
الحب
القبر
الجيب
القلب
الثوب
إلا الحرب هي التي اتسعت ))
قصائد من نوع آخر ، ص 31، المجموعة

وواضح ههنا  تشكيل الإيقاع الداخلي للقصيدة ، من خلال :
•    تكرار حرف الباء ( 5 مرات ) .
•    الحب ( يضيق )  الحرب ( تتسع ) .
•    تنافر ( الحب ) و ( القبر ) ، وكذلك ( الجيب ) و ( القلب ) .

ف ( الحب )  حياة ، تدفق ، تواصل
و ( القبر )   موت ، جماد ، انقطاع

وكذلك ( الجيب )  مادة ، خواء أو امتلاء ، غناء أو فقر
أما ( القلب )  معنوي ، أحاسيس ومشاعر ، حب أو حقد

فلا يقتصر الإيقاع الداخلي في النص الشعري على العروض ، واعني الوزن والقافية ، وإنما ثمة موسيقى أخرى ، تنبع من أعماق هذا النص من خلال العلاقات التي تربط بين عناصره أو تكويناتها الداخلية ( 14) ، وينشا هذا الإيقاع من خصوصية اللغة الشعرية ، المشحونة بالدهشة وصور التضاد والمفارقة والتوتر الذي ينبثق من المناخ الدرامي للنص الشعري . ( 15)
لقد حددت اللغة مسميات الأشياء فاتضح العالم للوعي البشري ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى اللغة تحقق الذات والآخر بالحوار ، مع الحداثة الشعرية التقت الجهتان ، ودخلت اللغة في حوار مع الأشياء التي لها لغة لايفهمها إلا من يعرف فك الشفرات والرموز (16) ، فيدخل هذا الإنسان في حوار مع العالم بكل مظاهره ، وبذلك يتحقق الحوار بين الإنسان والوجود .
يطرح الشاعر احمد جارالله العديد من الأسئلة في نصوصه ، وهي ليست أسئلة ليقال إن النص مملوء بالأسئلة ، ولكنها أسئلة مساءلة ، لاتقف عند حدود الطرح ، ولكنها تسائل وتراقب وتحاكم :
((   ( مساواة )

( هل يتساوى صوت القنابل
مع صوت فيروز ؟ )
سألتني شمس الصباح
قبل أن تحتجب بيد مقطوعة ؟!!

( أدب )
متى ستتعلم القنابل الأدب
فتطرق الباب .. قبل السقوط علينا ؟!!

( محنة عراقية )
من يفهم محنة التقارب
بين الأصابع حين تتخاصم ؟ ))

من قصيدة ( خدوش )

فهل يعيد الشاعر احمد جارالله على مسامعنا المثل الذي يقول :
(( الشعراء مشرعو العصر ))
إن نصوص هذه المجموعة مليئة بالتضادات والمفارقات والأسئلة والجدليات ، نصوص مساءلة  يطلقها الشاعر من كل قصيدة أو مقطع أو جملة أو كلمة ، ثورة شعرية خاصة تقوم في بنية النص أساسها التضاد من كونه يشكل عنصر المخالفة ، وهذه (( المخالفة تغدو فاعلية أساسية يتلقاها القارئ عبر كسر السياق والخروج عليه )) ( 18) والشاعر هنا مطالب بلغة مبتكرة ، وهذا ليس معناه ابتكار دالات لغوية جديدة غير واردة في المعاجم ، إلا أن الابتكار يكون في التشكيل وهو التركيب المميز للدلالات . (19)
إن مجموعة د. احمد جارالله ( إلى … / برقيات وصلت متأخرة ) تحتاج إلى قراءات متعددة ، فهي من المجاميع الذكية التي يتمتع شاعرها بمخيلة مبدعة وثقافة واسعة ووعي كبير ، إنها سهلة القراءة صعبة الكتابة ، لكنها في العديد من جوانبها عصية على الفهم – رغم بساطتها –  ما لم يتسلح المتلقي بثقافة شعرية عالية فهو إزاء كتاب شعري متألق ومبدع .

•    الهوامش :

•    برقيات وصلت متأخرة : د. احمد جارالله ياسين ، الشؤون الأدبية في النشاط المدرسي – تربية نينوى ، 2009.
1-    بنية القصيدة في شعر عزالدين المناصرة : د. فيصل القصيري ، 145.
2-    بنية اللغة الشعرية : جون كوهن ، 109 .
3-    شعر ادونيس ، البنية والدلالة : راوية يحياوي ، 45.
4-    المفارقة  وصفاتها: د. سي ، ميوبك ، 16.
5-    مفهوم المفارقة : م. كايل ، 338.
6-    المفارقة ، 15.
7-    علم النص : جوليا كرستيفا ، 25.
8-    بنية القصيدة في شعر عزالدين المناصرة ، 146.
9-    في نظرية التلقي : جان ستاروبينسكي ، 130.
10-    سياسة الشعر : ادونيس ، 166.
11-    شعر ادونيس ، 49.
12-    جدلية الانسنة والشيئية في قصة ( ابونا ) : كمال عبد الرحمن ، بحث مخطوط ، 3.
13-    بنية اللغة الشعرية ، 207.
14-    بنية القصيدة في شعر عزالدين المناصرة ، 207.
15-    في حداثة النص الشعري : د. علي جعفر العلاق ، 120-121.
16-    زمن الشعر : ادونيس ، 166.
17-    وعي الحداثة : د. سعد الدين كليب ، 120.
18-    جمالية الأسلوب والتلقي : د. موسى ربايعة ، 129.
19-    شعر ادونيس ، 24.

المراجع والمصادر :

1-    بنية اللغة الشعرية : جون كوهن ، ت : محمد الولي ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، ط1 ، 1986.
2-    بنية القصيدة في شعر عزالدين المناصرة : د. فيصل القصيري ، وزارة الثقافة – عمان ، 2006.
3-    جمالية الأسلوب والتلقي : د. موسى ربايعة ، مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية ، ط1، الاردن – 2000.
4-    جدلية الانسنة والشيئية في قصة ( ابونا ) : كمال عبدالرحمن ، بحث مخطوط .
5-    زمن الشعر : ادونيس ،دار العودة – بيروت ، ط1،1972.
6-    سياسة الشعر : ادونيس ،دار الآداب ، ط1، بيروت ، 1985.
7-    شعر ادونيس ، البنية والدلالة ، راوية يحياوي ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، ط1، 1980.
8-    علم النص : جوليا كرستيفا ، ت : فريدة زايد ، دار توبقال للنشر – الدار ابيضاء ، ط1 ، 1991.
9-    في حداثة النص الشعري ، د. علي جعفر العلاق ، دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ، 1990 .
10-    في نظرية التلقي ، جان استاروبنسكي وآخرون ، ت: د. غسان السيد ، دار الغد – دمشق ، 2000.
11-    المفارقة وصفاتها : د. سي ميوبك ، ت: د. عبد الواحد لؤلؤة ، دار المأمون – بغداد .
12-    مفهوم المفارقة : لي . م . كايل ، ت : د. احمد العسال ، 1966.
13-    وعي الحداثة ، دراسات جمالية في الحداثة الشعرية : د. سعد الكليب ، اتحاد الكتاب العرب – دمشق ، 1977.

شاهد أيضاً

الرواية العربية: أصول واحدة؟
هيلاري كيلباتريك*
ترجمة/ صالح الرزوق

هل للرواية العربية حضور؟. إلى أي مدى يمكن اعتبار الروايات المكتوبة باللغة العربية تنتمي إلى …

نجاة العدواني في روايتها الحديثة “في عشّ السرطان”
ميزات لغوية.. وإلى أي مدى؟
عصام الياسري

صدرت في ربيع عام 2020 الطبعة الاولى لرواية الشاعرة والروائية التونسية نجاة العدواني الموسومة “في …

علي رحماني: المشروع الشعري الجديد… الجدوى والحياة

إن الحديث عن كتابة الشعر بصفتها إنتاجاً أبداعياً روحياً وكصيغة حياتية مطلوبة يستلزم أن نتعامل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *