سلام إبراهيم: في تجربة الشاعر “علي الشباني”*

أشعار تستلهم أساطير الجنوب العراقي الدينية والفلكلورية لتغور عميقاً في الذات العراقية المعاصرة باعتبارها وريثة  ذلك الإرث الدامي.
* مقدمة كتبها الروائي سلام إبراهيم لديوان الراحل الكبير “هذا التراب المرّ .. حبيبي”   
قبل الخوض بتجربة الشاعر الفنية، لابد من إلقاء الضوء بشكلٍ مكثف على الشاعر وتجربته الحياتية، فقد نشأ الشباني في حي صغير  يسمى “حي العصري ” في أواخر الخمسينات من القرن الماضي في طرف مدينة الديوانية الصغيرة وقتذاك. ومن الطريف أن الشاعرين العاميين المعروفين “شاكر سماوي” وعزيز سماوي” والقاص والروائي “د. سعدي السماوي” والقاص زعيم الطائي وكاتب هذه السطور نشأوا في نفس الحي. وكان قطعة تمثل العراق المتكون وقتها حديثاً من مدنٍ تتضخم بمزيج من سكان المدينة الأصليين والفلاحين المهاجرين من الريف والبدو المستوطنين. خلطة عراقية عجيبة لها حديث آخر. لكن علي الشباني كان من الشباب الثوري المتحمس وقتها، وكان يكتب الموالات وقصائد الغزل الشعبية على طريقة القصيدة الكلاسيكية بوزنها وقافيتها وهمها شديد المحلية، وضيق عالمها. وكان مندفعاً في أفكاره اليسارية التي حرضته بعد انقلاب 8 شباط 1963 إلى المبادرة مع مجموعة من شباب المحلة إلى سرقة مطبعة من إحدى المدارس وطبع بيانات باسم قيادة الحزب الشيوعي العراقي الذين كانوا وقتها بين منهار ومقتول تحت التعذيب، مما أرهب السلطة وجعلها تجد في البحث معتقدة أنه تنظيم ظل. وسرعان ما قبضت على تلك  المجموعة من الشباب صغار السن فحكمت عليهم بالسجن مدة عشرين عاماً ومن ضمنهم الشاعر “علي الشباني”. فغاب عن المحلة، لكن سكانها بقوا يفتقدونه كل يوم مرددين قصائده التي يحفظونها على ظهر قلب في مقهى المحلة “مقهى خلف”. لم يطلق سراحه إلا بعد نكسة حزيران 1967 وكانت فترة السجن قد صقلت تجربته الحياتية والفنية بحيث حينما كان أولئك الناس البسطاء يطالبونه بإلقاء تلك القصائد التي تتغزل ببنت المحلة وبنت الجيران كان يبتسم خجلاً ويعتذر كونه قد نساها فيسمعونه تلك القصائد. كان من الصعب عليه أن يشرح لهم أن رؤياه الفنية الجديدة قد أخذته إلى مناحي أعمق من أشعار المحلة العامية الشائعة في مدن الجنوب العراقي وريفه، إلى ناصية لغة وقصيدة تحاور الوجود وتقاوم الظلم بشراسة رغم وثوقها من الخسارة. كان الشباني قد كتب ملحمته الشعرية “خسارة” التي وضعته في مصاف شعراء العراق العاميين المعدودين الذين جددوا القصيدة العامية العراقية. في المناخ المنفتح نسبياً وقتذاك بسبب ضعف سلطة البعث العائد إلى سدة الحكم مرة أخرى بانقلاب 17 تموز 1968 ، في علاقتها المريبة مع الناس بعد تجربة الثالث والستين الدموية. تمكن الشباني والعديد من الشعراء من النشاط وكتابة قصائد جديدة كانت تلقى في مهرجانات سنوية تقام في محافظات الجنوب، وإلى تلك المرحلة وما بعدها تنسب قصائد الشباني المهمة والتي سنجد عند تحليلها لاحقاً أنها كانت صريحة ومتشائمة من الوضع السياسي. ولذا حينما حاول الشباني طباعة ديوانه عام 1975 منعته الرقابة، رغم أن تلك الرقابة مررت دواوين عزيز سماوي، شاكر سماوي، ذياب كزار “أبو سرحان”، وجمعة الحلفي،  لسبب جوهري كون أشعار الشباني رغم ما تتسم به قصيدته من تعقيد فني وصفه النقاد وقتها بالغموض لكنها كانت مشغولة تماماً بما يجري من تفاصيل تشير إليها أحياناً بصراحة مضاف إلى عمقها الوجودي المشغول بالمصائر البشرية. وقتها كان الشباني قد تزوج وبنى أسره وشغل وظيفة في مخزن من مخازن المبيعات الحكومية، وكان قد حصل بعد إطلاق سراحه على الشهادة الإعدادية ليحصل على بكلوريوس لغة عربية من جامعة المستنصرية ـ بغداد والتي كان يدرس في قسمها المسائي متحملاً عناء قطع 180 كيلو متر من الديوانية إلى بغداد لحضور المحاضرات مرتين في الأسبوع. مع بداية 1978 ابتدأت حملة تصفية الشيوعيين حليف الأمس لتطال كل عراقي لم ينضم إلى حزب البعث، فأرتعد علي الشباني من فكرة إجباره على الانضمام إلى حزب السلطة. فقرر في شتاء 1979 ترك كل شيء العائلة، الوظيفة، المدينة، والهرب لكن ألقيَّ عليه القبض بوشاية غامضة في مديرية السفر والجنسية ببغداد ليعيش تجربة أشدّ من تجربة الثالث والستين فيعود إلى المدينة “الديوانية” ليعيش تجربة الحرب وما صاحبها من رعب وقسوة قمع بدأ يتصاعد ليشمل كل عراقي. سيلازم البيت، ويحدد علاقته الاجتماعية بما يحميه من تكرار اعتقاله، وكان قد شيّع مبكراً أنه ترك الشعر  حينما أقيمت مهرجانات تمجيد صدام الذي أستلم السلطة بشكلٍ كامل عام 1979. لكن أصبح بيته وكراً لعدد محدود جداً من المثقفين والأصدقاء الذين سيقتل بعضهم في الجبهات ويلتحق البعض الآخر في ثوار الجبل وكان دور علي مثل أبٍ روحي كان يودعون المدينة من بيته. لم يستطع الالتحاق بالجبل للمسافة الفاصلة بين ثقافته العميقة والأيدلوجيا، ولكبر سنه الذي كان يعتقد بأنه لن يساق إلى جبهات الحرب، يضاف إلى أنه معيل وحيد لزوجة وأربعة أطفال يتوجب عليه وقتها دفع الإيجار. فبقي وتقطعت لاحقاً سبل الالتحاق ليظل شاهداً على ما جرى للمدينة وأهلها زمن الحرب، وعلى ما يجري في الجبهات ، وعلى ما سوف يجري للناس في حرب الخليج الثانية وسنوات الحصار الطويلة حتى سقوط النظام في 9 نيسان على يد قوات التحالف المحتلة. يذكر الشاعر الراحل “طارق ياسين” في المقدمة التي كتبها لديوان الشباني الوحيد “أيام الشمس” أن خسارة علي الشباني الحياتية هي ربحاً للشعر العراقي بكل ما يحمله هذا القول من قسوة. وهنا أضُيف إلى ما توصل إليه “طارق ياسين” فأقول رغم عذاب الشباني وسحقه من قبل رجال أجلاف أصبحوا الآن في المزبلة بعد زوال النظام الديكتاتوري، فان قدر القبض عليه ليعود إلى المدينة، جعل حياته جحيماً وخرّبها بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنه بالمقابل أتحف الشعر العامي العراقي بقصائد ستصبح شاهدة على زمن القمع والحرب وسحق الإنسان. قصائد جعلت من شعر علي الشباني العامي الشاهد الحسي الصريح على عذابات العراقي في ظل تلك الظروف. فهو سيساق قسراً إلى جبهة الحرب بالفاو جنوب البصرة وسيرى المطحنة وذل الجندي.. سيفقد أعز الأحباب.. وسيكتب عن هذي التجارب قصائد من اجمل ما كتب بالعامية عن العراقي في ظل تلك الظروف. وهذا ما سأعود إليه عند تناول القصائد بالتحليل والمحاورة. أي كما قال طارق ياسين عن خسارة علي المتحولة إلى قصائد، أقول إن عذاب الشباني وتمزقه أواخر السبعينات وطوال الثمانينات من القرن الماضي حوله إلى بركة للقارئ والسامع العراقي الذي سوف يشعر بعمق عبر قصائده ما عاناه العراقي زمن الحرب والقمع في مستقبل الأيام.
بقيَّ الشباني حياً حتى سقوط الدكتاتور ليشهد فصلاً جديداً من الملهاة العراقية.. زمن الاحتلال بكل ما فيه من جدة حيث يختلط فرح الخلاص من الإرهاب بغصة الأجنبي المنقذ وما يبغيه من العراقي المسكين المعذب منذ أول قصيدة لأول شاعر عامي عراقي.. منذ أول قصيدة خطها الشباني وحتى الأخيرة. وبعد هذا التقديم الموجز أستطيع الدخول إلى عالمه الشعري.
أشعار تحرض على التمرد رغم وثوقها من الخسارة
قد يبدو العنوان والكلام عن محتوى القصيدة، لكن لنتفق في البدء بأن أما أن يكون هنالك شعراً أو فلا، بمعنى آخر حينما نقول إن فلاناً شاعرٌ معنى ذلك أنه يسطر من الحس والمعنى في كلمات مكثفة مؤثرة الوقع ما يعجز عنه غير الشاعر، وبهذا المعيار فأن الشباني شاعر ملء الفم والسمع. ومن خلال الشواهد الشعرية التي سترد في الدراسة ستظهر جلياً شعرية قصيدته وعمقها.
يجري التمييز بين إنسان طارق الوجودي بيأسه وعزيز بذعره ومظفر بتفاؤله المفعم بأوهام الأيدلوجيا، بعمق كينونة إنسان الشباني الداخل بكل شجاعة في لب الصراع والخسران وكأنه الحسين الذي يعرف منذ بدء مسيره من مكة أنه خاسر المعركة لكنه يقاوم حتى الموت، ومن هنا كثرت رموز الثورة المطلقة، جيفارا.
((-منهو وده الروح تتلكه الرصاصة وخله “جيفاره” ذخر))
أما الرمز الشعبي الجنوبي الشيعي “صاحب الزمان” فله في البدء قصيدة بعنوان “صاحب الزمان” فيكثف الشباني فيها القيم الإنسانية العامة مازجاً بين قيم المسيح والإسلام الشيعي برموزه المؤسسة (العباس بن علي ). بالغائب رمز الخير المطلق الذي يحاوره ويخاطبه الشباني كي يحضر بكل عنف وحرارة العراقي المستلب والمسحوق عبر التاريخ:
(يا صاحب) بـﭽت مهضومه كل دنياك
وأتعناك يلتغسل دهر يمناك
ياصبر (المسيح) وشيمة (العباس)
يا سيف اليصفي الناس.. من الناس
يا ماي اليمر بيها.. دمر بيها كتلها الـﮕيظ
دنيانه عمت، والشوف ﭽلمة غيظ
رد إلها النذر الأخضر
تراها بغيبتك تفتر
تظل تفتر
حزن يفتر
لمن سيفك يزيح الشر
يعمد الشباني إلى الترميز مستخدماً مفردات الطقوس الشعبية في جنوب العراق، معطياً تلك الرموز أبعاداً معاصرة تشير إلى ما يجري زمن كتابة القصيدة، فيقرنها بالثورة ومثل التحرر والعدالة، في خلطه يمزج الحسين بن علي بجيفاره، المسيح بهوشي منه بصاحب الزمان، أي بمعنى أخر قصائده المبكرة تعبر بشكل حسي عميق عن أحلام العراقيين البسطاء في جنوب العراق ووسطه أثناء المد اليساري العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وظهور ما يسمى وقتذاك المنظومة الاشتراكية، ممن كانوا يحلمون بالعدالة وجنة اليوتيبيا الشيوعية الممزوجة بمدينة علي بن أبي طالب الفاضلة المتحولة في القص الشعبي إلى حقيقة تلوح في قصص الليالي والأماني والتي لابد من تحققها في يوم ما ولو في آخر الدنيا عند ظهور المنقذ الغائب مع إحساس عميق بصعوبة لا بل باستحالة تحقق تلك الأماني، وهذا الإحساس الذي يطغي على غالبية قصائد الشباني يعبر بدقة عن روح ابن الجنوب العراقي المشبع بمناحات الميثولوجيا الشيعية المؤسسة على أمثولة الحسين في كربلاء. فعل الخسارة الأكيدة والمقاومة في معادلة تورث الحزن وصلابة روحية تجعل العيش في ظل السلطات الظالمة محتملة، والمذابح التي تلت الثالث والستين من القرن الماضي والتي طالت اليسار العراقي في معادلة تشبه تاريخياً ما جرى لشيعة العراق منذُ مقتل الحسين جعل من قصائد الشباني صوت ابن الجنوب العراقي الموجوع.
يا بخت بالماي.. يا عرس الشمع.. يلتانتك كل الناس
(يا صاحب) حزينة
روحي فاضت والمصايب سيسن ليغاد، ووليدي سفينة
وين ما خذها الرمل والريح.
يكاد يكون “صاحب الزمان” الذي كتب عنه الشاعر قصيدة عام 1967 ظِلٌ يحوم في قصائد “علي الشباني” مع تدهور الوضع البشري في العراق عامٍ بعد عام وحربٍ بعد حرب. ليترسب العراقي في معادلة المغني الضائع وسط المدينة، وكأنه روح العراقي وهو يتشرد في المنافي وينتشر على بقاع الأرض غريباً حال الباقي تحت سطوة القمع
وأنتَ.. أنت حزنك مستحيل
تمشي ومشتعل بالناس
تتغرب وراك الطين
ترسم الخطوات أصابيعك ورد ع الطين
أصابيعك على زلوف الربابه ورد
وأيامك.. مدينة وخالية من الروح
(مدينة) وﭽم رصيف.. وليل.. وأحزان، وشعر وجروح
وتغني.
ذكرت في المقدمة أن أشعار الشباني شاهد يكاد يكون فريداً على ما جرى للعراقي في الثمانينيات من القرن الفائت. إذ عبَّر في قصائده بدقة عن التحولات الروحية في مجتمع ينسحق تحت وطأة سلطة فريدة القمع وحرب طويلة تبدو وقتها لا نهاية لها.. لتجعل المزاج العراقي المعروف بعدم تعصبه الديني ينعطف بشدة نحو التدين بحثاً عن منقذ يهبط من السماء بعدما يأس من اليسار الضعيف الفعالية الذي سرعان ما همشته الأحداث. يتجلى ذلك في قصائد الشباني بوضوح شديد، إذ سرعان ما تختفي رموز اليسار العراقي والعالمي لتبقى رموز الميثولوجيا الشعبية لسكان الجنوب الشيعي المشبعة بطقوس العزاءات الشيعية التي منعتها السلطة منذُ أوائل السبعينات. سوف تتحول قصائد الشباني مع استمرار المذابح المقامة سراً في الأقبية، والمقامة علناً في حفلات الإعدام العلنية في الساحات العامة وملاعب كرة القدم للسياسين وللهاربين من الجبهات، إلى صراخ يستحضر أرواح قتلى كربلاء المتناثرين بأرجاء العراق، وكأنه روح القتلى في ساحات الإعدام والأقبية. فهنا يستحضر روح ابن الكاظم المدفون في الديوانية مدينة الشاعر
وأنتَ (يا بن الكاظم) المذبوح
عبّرني..
النهر يمشي بحياتي، وبالمنام يفيض
عبّرني
أمتله براسي العراق، وروحي وين تروح
من قصيدة “نهر من الفرات”
بعد أن كان الشاعر في أواسط السبعينات يجاهر ويأمل بقيامة العراقي من جديد رغم كل شيء، أي أن الشاعر في هذه القصيدة المؤرخة في 1976 متشائم من مظاهر الديمقراطية الزائفة المعقودة بين حزبين، الشيوعي والبعثي، لكنه رغم ذلك نجده يتغنى بمجد العراقي الرازح تحت ظروف ملتبسة، يباهي بروح العراقي وهو يتعب روح البحر والموت:
روح العراق شراع ويباهي السفن
يلتعب بيك البحر.. ما مش جرف لليل
يلمشت كل المنايا لصوبك المهيوب.. وأنتَ
دارت الـﭽيلات بحزامك خرز
وأنت بالشدات حيل اتدورها
إلك بالثورات غيرة محزمة، وللناس ليل بخورها
من قصيدة “هموم عراقية”
أما حين يتحول القمع في أوائل الثمانينات إلى قمعٍ لا يشمل التيارات السياسية سواء التي كانت حليفة كالشيوعيين أو معارضة كأحزاب التيار الديني أو الأحزاب الكردية بل يشمل كل عراقي بعد تعميم حكم الإعدام بنص قانون رقم “200” سيء الصيت الذي عمم وفرض على كل موظف أو عامل أو فلاح عراقي التوقيع عليه وإلا غُيِبَ بالسجون. نجد صوت الشباني يلعلع سراً على الورق في قصيدة مهداة إلى “أصدقائه المعذبين باختياراتهم الصعبة” كما ورد نصاً في الإهداء. يلعلع في حيرته بين المقاومة والخوف. حيرة العراقي الذي لم يكف عن المقاومة والخوف طوال فترة الدكتاتور.
شعرك بالمحن ينهض بيانات ورفض – خوفك يلبس الـ (200) يتحول مشانق للسفر وتخاف – وي روح العراق سنين
من قصيدة “قطار الليل البعيد”
هذا العناد الذي وسم أشعار جيل الستينات، وظلت توسم أشعارهم حتى في المنافي كالشاعر المرحوم “عزيز سماوي” وغيره ممن تغرب منذُ أواخر السبعينات. سنجده يتلاشى في أشعار الشباني خلال سنين الحرب في الثمانينات ليحل محله ذلك الصراخ الدامي المتوسل بالرموز الدينية كي تحضر وتنقذ ما تبقى وسط ذلك الخراب.. صراخ يحتقر النفس ومن لم يمت وسط كل تلك المذلة وكأن الشاعر نفسه يلوم بقاءه حياً وأصدقاؤه بين قتيل في الجبهات ومفقود في المعتقلات وهارب إلى المنفى، فهو يقول
عفاك إشلون تمشي بلا شهادة
وطولك الشاهد عدل
لكنه لا يدري أنه لو أقدم على أي فعل مباشر جعله يموت أو يقتل لكان العراق قد خسر شهادة شعرية حية لا تعادل بثمن فيها إضافة مهمة للشعر العراقي وللعقل العراقي كونها رصدت ذلك التحول الروحي العميق للإنسان العراقي الذي وجد بالدكتاتور والقمع الوحشي قدراً يشبه اللعنة فاستدار نحو الدين عله يجد خلاصا. وهاهو الشباني يصرخ بصوت ذلك الإنسان المذعور الخائف المستنجد في صلاته، وهو تحت وطأة القصف في الجبهات، وفي أقبية الموت تحت الأرض، وهو يمسك بشباك الحسين وعلي والعباس ، يصرخ مستنجداً من هول الموت اليومي الذي بدا وقتها وكأنه لا آخر له.
صارت القبلة شعب..
وﮔفت الغربة عبادة
إهتزت الأيام..
كل يوم بمحنتنا عبادة
وكل يوم اليهز الموت بينه يشب مناره
ما تتسع دنياك من كثرت منايرنا..
خفت
تطفه
البشاره
أبشرك دمي سبع ألواح
تقره اللوح الأول
تعمه.. وتشوف الصباح
وآني ﭽم صبحّيه بيّه
آني ﭽم رايه حسينيّه تمزﮔها الرياح
أريدن رايه منذوره
يا حسين
اريدن للزمن صبرك
يا حسين..
بكل شبر من صيتك الصافي تمدد موت
في لحظة هذه القصيدة الملحمية تمتزج روح الشاعر المبدع بعذاب ابن الجنوب العراقي نازعة أوهام الأيدلوجيا لتندمل بروح الحسين إلى حدود الحلول بعدما فاض العراق دماً بحيث عاد:
يا هذا البلد ما تستحي من الماي
لم روحه النخل.. صلبان
ما يكفي النخل، رمل النجف
في إشارة إلى سيل الجثث اليومي المتدفق على مقبرة السلام في النجف من الجبهات. لحظة القصيدة التي تتحول من محاورة للذات والآخر:
وأنت ليلك “يا علي”
صافن لحد القلم
إلى صراخ في فضاء مجوف يستحضر روح الحسين الجد وهو:
كتب آخر كلمه
آخر رايه مخذوله
بحيطان العراق.. بكربلا
ليصل إلى لحظة الحلول بالعراق مرموزاً إليه كون يضم رفات الحسين فيصرخ الشاعر في خطاب دامي متوجهاً إلى الذات الجماعية الموحدة لأحزان وعذاب ابن الجنوب العراقي:
يا حسين..
أنت لو مدفون بيَّ
لو إلك شبرين تنبع دم بأراضي كربلا
ليتحول بعد هذا الحلول الكلام إلى صراخ أشد ألماً يشرف على حافة الهستريا واليأس يبلغ أشده في مخاوف الموت الحائم حول كل شيء في بقعة العراق الدامية. وكأن الشباني في المقطع الشعري التالي يعبر عن روح كل قتلى تلك البقعة على مد التاريخ. بقعة وادي الرافدين الأغنى والأجمل في العالم والأكثر دموية في التاريخ منذُ العصور الأولى وحتى هذه اللحظة وهي تحت وطأة الاحتلال. صراخ عتاب لتراب تلك البقعة المسماة العراق.
يا عراق.. يا عراق.. تريد من دمنه بعد ﭽم كربلا
من كربلا..
(سيراً على الأقدام) حتى الفاو
صرنا كربلا
وأنت بعدك ما صرت لسه عراق
يا عراق
أمي تعبت من تعبها
وآني من ثكل التراب بروحي تعّبت التراب.
من قصيدة “صوت الناي”
في مرحلة لاحقة تبدو أشدّ جلاء عند ملاحظة زمن القصيدة فـ “صوت الناي” مكتوبة في عام 1983 والشاعر مجرد شاهد على ما يجري من سحق يومي وموت يومي لأبناء جلدته الذين يساقون إلى الموت في الجبهات والسجون. يتحول في قصيدة “الحرب” من صوت الشاهد إلى صوت الضحية عندما يساق هو الأخر قسراً إلى جبهات القتال رغم تقدمه بالسن. فنلمس روح ذلك الإنسان العراقي ابن تلك الأيام حقاً. الإنسان صاحب الضمير والمعادل العام لإنسان ذلك الزمن فهو من جهة تام القناعة بعدم عدالة ما يجري ولكنه بنفس الوقت يدرك جيداً أن ثمن الإجهار بهذا الموقف أقله الموت السريع في رصاصة رحمة لذا نجده مصاب بفصام نفسي مكين يعبر عنه ذلك الانصياع لقدره لأسباب تكثفها قصيدة الشباني الموسومة بـ”الحرب” بطريقة فذة ستبقى شاهداً مهماً على الفصام الجمعي الذي أصاب المجتمع العراقي زمن الدكتاتور وحروبه العبثية بالمعنى الحرفي للكلمة. فهو نفسه لم يستفد من تلك الحروب التي قادته إلى المهلكة والعار والأسر. يصور الشاعر في مدخل القصيدة القوي لحظة السوق قسراً وفداحة الصمت والذل في تلك اللحظة وكأنه روح العراقي الصابر الصامت المساق إلى حتفه.. الروح التي باح بعذابها الشاعر سراً إلى الورق لتظهر بعد أكثر من ستة عشر عاماً (أي عام 2000) في ديوانه الوحيد وفي بلد مجاور “سوريا” – أيام الشمس-
دفعوني.. جرف للنار..
خطواتي متاهات
وظلام الروح.. من يلتم على العتبه منارات
دفعوني التتر..
نزليت بالذله عشر قامات
يا ماي الوجه الضايع
وراك بحور.. مسكونه
وراك الموت يرفع رايه مجنونة
وهنا في هذه القصيدة بالذات. والذات مهددة بالفناء الفعلي في جبهة الحرب وباحتمال عدم العودة في الإجازة التالية يصور الشباني لحظات الوداع الحسية الفادحة والتي عاشها غالبية عراقيي تلك الأجيال التي عاصرت الحرب العراقية الإيرانية طوال ثماني سنوات عجاف، وهم يغادرون بيوتهم في عمق الليالي متوجهين نحو جبهات الموت. والأم أو الزوجة المسكينة تطش طاسة ماء وراء ذاك المسافر كي يحفظه من الشر ليعود بالسلامة في الإجازة التالية، واصفاً نظرات الأولاد الذين لا يفهمون سبب غياب الأب فيقفون مذهولين وهم يشاهدونه يحمل حقيبته ويغيب في أفق الشارع والظلام.
“طشت ماي حزني وداع”
ما بين الدرب والهاجس المهموم
شبكني غضب ملموم
جِسِتْ فيَّها خفت..
راسي ثبت مديور
وصل حد البحر دمي
واصابيعي مجانين
هجرني البيت
وابني اندارت عيونه بالموادع فناجين.
وفي تلك اللحظة يستذكر الشاعر ما أجبره على العيش تلك اللحظات الحسية الفادحة.. هم التتر القساة:
دفعوني..
تلملمت بحدودي الزغرت من الخوف
طير من الثلج مهجور بالغابات
ثم توغل القصيدة في توصيف حالة هذا العراقي المسكين في لحظة احتدام المعارك في الجبهة حيث لا حول له ولا قوة مفروض عليه أن يقاتل وإلا سيعدم.. ورطة جعلته يعود في الخضم ذاك إلى التاريخ الخلب الذي أتى بالتتر إلى سدة الحكم
صافن والرصاص يهيل..
من كل الجهات
ومالي بالميدان حربيه
الحرب بالروح شَبَّتْ.. والمنايه تنوح يومية
زمن مكسور سواهم زلم..
وهنا يسجل الشاعر ضعف العراقي البسيط المساق قسراً وذلة الموقف الذي لا يستطيع الزوغان منه، وكأنه شاهد تلك المرحلة العصيبة.
واشهد ع الشرف من ينحني من السيف
ويذل
وأشهد ع النبي المذبوح
من يلهب نجم ويهل
ليصل إلى عمق ذلك الذعر الذي أصابه بالفصام نتيجة ذلك التعلق الحميم بالعائلة زوجة وأطفالاً في مقابل قسوة التتر حيث يتشوه الإنسان بشكلٍ بشع. ذلك التشوه جسده “الشباني” من خلال تجربته الحقيقية بكل صدقٍ ودون وجلٍ أو شعورٍ بالعار وكأنه يكتب القصيدة لنفسه وهو كان يكتبها لنفسه حقاً ذلك الزمن الذي كان من المحتمل جداً أن يقتل في الفاو أو يغيب في أقبية الموت حال عثورهم على هذي القصائد المكتوبة في عتمة غرفة بيته.
.. .. .. .. ..
وأشهد وجهي متبدل
وحتى الدم صفه ناسي النبض الأول
والمراجف خجل ما بين ظلمة ونور
واشهد من شفت.. شرطيهم.. المسعور
صرت نصين:
نص ما بيه شرف
نص بيه شرف مهجور.
بهذه الروحية المكسورة كان الجندي العراقي الحزين مجبراً على القتال طوال ثمانية أعوام، إنساناً أصابه القمع والخوف بالفصام. جاء الشباني ليسجل وضعه البشري في لحظات القتال بعمق سيبقى شاهداً فريداً لتلك الأيام العجاف التي طواها الزمن الآن بعد سقوط الدكتاتور. جندي مسكين يشعر أن هذه الحرب ليست حربه، مسلوب، نصف رجل، شبح متناقض
أخذ مني شبح للنار
وحاربني النبض مجنون..
والفارس بروحي أحتار
خسران بحروب تدوخ التاريخ
ومالي بالدروب السايره مسلك
وتحت لهب نيران المعارك المجنونة، يهمس ذلك المسكين لنفسه.
ولا صوت اليطفي النار..
والبارود
هيَّ الروح من تخسر ترد أردود؟!.
يستسلم الشاعر لقدره وسط النيران، فيستدر يائساً من كل شيء نحو القصيدة، نحو القول وهذا بالضبط ما فعله الشباني بكل شجاعة ليسجل لنا بلهجة العراقي المحكية ذلك العذاب وتلك الحيرة التي بدت وقتها مطلقة والموت يحوم في النيران المحتدمة في الليل والظلام.
ظل بس الشِعر خيّال
بالوحشة يعت روحي ضوه.. وموال
وأمام هذا القدر العراقي. يمارس الشاعر والعراقي طقس الخلاص باللجوء إلى الصلاة. والتماهي بالمنقذ المستحيل في لحظة تصوف. إذ تتحول القصيدة بعد أن عرضت لنا كل تلك الأحوال إلى شطح صوفيٍ
وأسجد للبعيد الحاضر بكل العمر..
واسجد لدمنا الغريب الساح..
نهر ثالث للعراق
وأنطفي بنور الحبيب
وأطلع بأول شمس تركض على تراب العراق.
يشكل فقدان الآخر بالمعني الفلسفي والنفسي تيمة رئيسية بأشعار الشباني، أي فقدان الدفء والألفة، فالشباني مهتم جداً بكل تجليات الخسارة يقف خلف هذا الاهتمام روح طفل معذب واجه عنف العائلة العراقية في قيمها التي ترضع طفلها القمع كمقدمة لقمع المجتمع والسلطة
والباب.. علمني المعاند..
والنده الينزل جمر بالروح
الباب.. علمني أبوي اشلون يوﮔف حايط بروحي
وأطﮓ من المذلة تراب
هذا العذاب في الطفولة يقود الطفل أما إلى الخنوع والاندماج في آلية المؤسسات المهيمنة فيصبح فاعلاً فيها كأن يكون شرطياً كنموذج تمثيلي أقصى لحالة الخنوع أو إلى العناد والمقاومة فيكون في مصاف المتمردين كما هو حال الشاعر المشغول في كل ما يعني الآخر المفتقد والباحث أبداً عن حنانٍ مستحيل.
ولو ميت بس ترد
وعيني بيك تنام..
رد حزن عمرين يبني
هذا وكت البيه ترد للبيت راوي من اللعب
تعبان ومشابـﮓ تذبني
من قصيدة “غركان”
هذه الوحشة والشعور بالفقد والوحدة ستترسخ مع تطور ذلك العناد الطفولي في مرحلة الشباب وتوجه ذلك الشعور بالظلم نحو البحث عن كيفية الخلاص منه فجاء الوعي بمدينة ماركس الفاضلة التي ستخلص البشر من الشرور والمظالم، فقادته تلك الأحلام إلى ضيق الزنزانة والتعذيب وجهنم الإنسان القاسي، ثم نزيل سجن طوال أكثر من خمسة أعوام ليكتسب ذلك الشعور بالظلم والوحشة درجة اليقين، ومن ذلك اليقين باغتراب الإنسان كما أظن، بنى الشباني قصيدته الملحمية “خسارة”:
لا حبيبة تداوي جرحي
ولا مهر بالدنيا يسبـﮓ دﮔـه وحده يهدها قلبي
– احنه وحشتنه عمر
وحشة الشرجي النثيث الياخذ الغيظ.. ويمر
وحشة العض المهر..
عطشان والدنيا رمل
من قصيدة “خسارة”
ثيمة الفقدان ستكون قدر الشاعر، سيفقد أصدقائه الذين ينجحون في الهرب إلى المنفى، الشاعر عزيز سماوي الذي مات في المنفى 2001، وغيره من الأصدقاء المشكلين عالم  الشاعر في العراق قبل عام 1979. عدا أن الموت غيب أعزَّ أصدقاء الشاعر طارق ياسين عام 1975. سيفقد المزيد من الأصدقاء الذين اختفوا في المدن الأخرى زمن الحملة الدموية على الشيوعيين، حازم الصمياني، كفاح إبراهيم، صلاح مهدي الصياح، والذين سيصفون جسدياً في المعتقل ويبلغون عنهم دون تسليم الجثث، ثم في زمن الحرب سيفقد المزيد من أصدقائه الذين سيلتحقون بثوار الجبل، وسيفقد ما تبقى له في ذلك الزمن الموحش، مغني سهرات الليل في البيوت، الإنسان الشفيف عازف العود “هاشم لفتة” الذي سيقتل في الجبهات. ليبقى وكأنه يدخل بيته الشعري الذي قاله في عام 1967.
وحشة العض المهر عطشان والدنية رمل.
يكتب أسمه بريح شرسة
وهو ما فعله في قصائده الشاهد الحسي على ما جرى في زمن العراق الدامي.. فنجده يرتعد ويتجلى جنونه الشعري عندما وجد صديقه المغني يوارى في تراب النجف في أول أعوام الحرب. فيكتب في الريح الشرسة التي هي كناية عن احتمال ضياعها وضياع كاتبها في عاصفة الموت المحتدمة في الثمانينات، قصيدة من أجمل قصائد المراثي الشعبية العراقية المكثفة لعالم الشاعر الموحش والدامي، فمدخلها خطاب عشق صوفي يغور عميقاً بالنفس وهو يتجلى بلهجة الناس المحكية التي يكثف فيها الشباني ألم الفقد وهو يرى بالفقيد يتجلى في الرؤيا ليصير جزء من الطبيعة والماء ومحنة الشاعر الفاقد الذي يراه متجلياً قريباً مستحيلا.
شفتك تزور الحلم، بس النهر وياك
بالماي تسهر عشب..
كل المطر يهواك
وإنتَ..
والماي العراقي أثنين
وآني بغربتك واحد..
وحيد.
قلت يتجلى جنونه الشعري، فيصرخ عندما تحتدم وحدته بغياب هاشم في التراب:
وآني بغربتك واحد..
وحيد
لو حزين..
لو أفتح أبواب الشِعر وأنجن
وهذا الجنون جعله يمجد الحياة وسط ذلك الموت القادم من نار الجبهات المحتدم في قتال ضروس لا معنى ولا قيمه له، في محاولة لمحق فعل الموت والخراب، فيصرخ بعد إعلانه أن سيفتح أبواب الشعر لينجن في بيت من أبلغ ما يكون في مواجهة فعل الحرب والموت والخراب:
وأصيح بكل أصابيعي.. نخل..
بالنار..
يُنْهِضْ الشاعر كل ما بمخيلته ورؤياه شخص الغائب هذه المرة أمام عينيه في التراب، مخاطباً تلك الروح التي يراها تجوب فضاء المدينة وكون الشاعر الصديق. خطاب موجه لحي، يحلم ويعشق:
بعيونك..
بعيونك الشاردة نثية عراقية
ومن هذا البيت الشارد في العيون الذي نحسه في تأملاتنا الشاردة الباعثة تلك النشوة الغامضة، يذهب بالصديق الغائب فيزيقياً هذي المرة حيث واروه التراب أمام عينيه، يذهب به إلى مديات الطبيعة، شأن عاشق صوفي يدمج الغائب الحاضر في تجليات الله وكأنه جزء منه. وهذه ثيمة الوحيد والمتصوف في زمن معادي بكل تفاصيله، لنسمع الشباني يدمج في لحظة وجد صديقه الذي غاب بالتراب في تكوين اليوم وسر الحياة. الشمس:
ترقص بكل العمر.. وتموت صبحيه
يا ريح صيحي العصر..
“هاشم” لطاري الشمس يندار فجرية
من يلتفت تنهض شمس
من يحزن يغني الورد.. والنايل يميل
والدنيه تنصه الصبح
من يعبر تسيل
تَكَثَفَ الصديق الغائب في مكونات الطبيعة في دورة اليوم الأبدية التي تأخذ الفاقد إلى مناحي وحشة أبدية أستشعرها الشاعر في أزمان مبكرة لكنها هنا في هذا الفقد الفيزيقي وبعد كل تلك الخسارات جعلته يتأرجح على حافة الجنون وهو يرى فيزيقية مواراة صديق مغني ضاج بالفحولة والحياة في تراب النجف:
حتى المحبه تسيل
سالت بروحي سيول الوحشة وأنسل العمر
رغم عزمي على عدم محاورة فنية القصيدة في هذا العنوان لكنني أجد هنا وفي هذا البيت بالذات ذلك التلاعب اللغوي العميق على بنية الكلمة وإيقاعها عن المحبة التي تسيل كنهر في الروح لكنها تتحول إلى سيول ودلالة السيول مدمرة كونها غير سيلان النهر في مجراه كما المحبة، تتحول إلى سيول عند الفقد، حتى ينسل العمر وهنا بمعنيين، الأول من الانسلال أي الانقضاء والثاني بمعنى السل ذلك المرض الخبيث الطويل، المرير والأقرب إلى وضع الشاعر. أستطيع الخوض في تفاصيل التحليل اللغوي والدلالي لبنية البيت الشعري في قصيدة الشباني لكن ذلك سيكون مع عمق كل بيت شعري بدلالات مفرداته المراوغة بلا نهاية.
في معنى سل العمر ببعده الفيزيقي الغائر في الروح نجد خطاب الشاعر لروح المدفون في التراب الحائمة أبداً في لحظة يومه. تقول الأبيات التالية أن غيابك سِلٌ نام في الجسد بدليل حضورك على مدار الساعة.
الشباني في هذه المرثية يجسد فداحة حزن الأم أو الفرد الفاقد عزيزاً إلى الأبد حيث يكون التراب حداً. فيصرخ الشاعر في تساؤل عن استحالة رؤية انفعالات الصديق الذي غيبه التراب:
وين أشوف المستحه اليلمع بعينك
وأكتب لطيبك شعر
أنت “هاشم” نايم بكل التراب
بهذه البلاغة الفريدة يحاور الشاعر العزيز لحظة دفنه، بلاغة تجعل من هذه القصيدة بمصاف أشعر قصائد المراثي العربية. سيتعمق الحوار في البيت اللاحق والشاعر يتخيل الميت حياً في التراب وكأنه في رحلة سوف يتصل به لاحقاً ليخبره عما في وراء الدنيا في تناص شديد العفوية مع أسطورة تموزي الهابط إلى العالم السفلي في ذات بقعة وادي الرافدين.
أنت “هاشم” نايم بكل التراب
راح تْحَلّي الحزن..
وتوَنّس سنين الخراب
رايح تشوف الوره الدنيا..
وتوديلي الكتاب
الكتاب بكل يحمله من رمز تاريخي.. الكتب المنزلة من الخالق.. قدسية الغائب في التراب جسداً، الباقي في الذاكرة نبضاً يوجع اليوم واللحظة والمحب في معادلة عذّبت الفاقد عزيزاً في كل الأزمنة وكأن الأمر غريزة أو جزء من معنى الوجود المضمر:
-هل الشباني صوت يحمل سر الإنسان الحالم في الأمكنة والأحبة الغياب في أزمنة العنف العراقية؟!.
-هل الشباني هو صوت يذكر العراقي بكل حبيب غاب في زمن قسوة بداوة سلطة صدام الوحشية؟!
-هل الشباني ضمير العراقي في زمن أصبح ذو الضمير هزأه؟!.
نص الشباني يقول ذلك بوضوح في البيت الشعري المصاغ بالروح وليس بالحرفة، وهذا ما يشعر به منشد أشعار الشباني رغم وسع ثقافته الشعرية ومعرفته بكيمياء الكلمة. لنسمع أولاًً، أقول لنسمع إيماناً مني أن الشعر وخصوصاً المحكي يجب أن ينشد لا يقرأ. لنسمع ذلك الحوار الدافئ السري مع الذي غاب في التراب،
أنت وي عمري تظل..،
ساعة رايح.. ساعة جاي
أنتَ قدّاساك بروحي الهايمه..
وروحي للحضره تصل بترابها
والقصيدة لا تبقى تدور في الرثاء المجرد متخلصة من عادية الموضوع المكرر في الشعر العربي الفصيح منذُ الشعر الجاهلي ومراثي الخنساء، إذ يجعل منه رمزاً لكل جندي عراقي مسكين سيق إلى الحرب ومات قسراً:
وهذا دمك رسم داير..
هذا دمك خيط بعيون الخليفه يحز
وأنتَ نايم بكل التراب تفز
.. .. .. .. ..
يسكت الكون العراقي..
وأنتَ نايم
يصهل الماي الفراتي..
وأنتَ هايم
أنت بالسكته خريطه..
إحترﮔتْ أطراف العراق
وخضرّت حمره الخريطه
في كثير من المواضيع يصبح البيت الشعري شطح صوفي يخوض في ذلك الحب المستحيل لحبيب رحل إلى عالم أخر وظل بمخيلة الشاعر في كل حالاته وهو يغني، يضحك، يغيب، يحضر. يكشف ما باللهجة المحكية دفق حسي وتعبيري حي تعجز عنها الفصحى. كون العامية لهجة اليوم، والشارع، وما الإنسان غير كائن لغوي:
طولك ينيّم النهر
أنت رايح والنهر عريان بس الماي
ينشد الشباني عصارة ألم الإنسان وهو يفقد عزيزاً مقتولاً في حرب تافهة، جاعلاً من “هاشم لفتة” شخصية تختزل أرواح قتلى المساكين الذين قضوا بحروب صدام:
نشدتك.. بينك وبيني.. التراب
بينك.. وبيني زمان الأسئلة
بينك وبيني الخراب
وفي أبيات القصيدة الأخيرة، وبعد كل رحلة الصراخ والحوار والاستحضار والتذكر والغزل ودمج الغائب في طبيعة الموجودات الماء والهواء والتراب والنار. يعود الشاعر إلى عتاب القتيل الذي ترك للشاعر عذاب أن يكون حياً وبذاكرته الدامية وسط عراق خَرِبْ:
وأنتَ يا فحل الفخاتي
ليش.. فوﮒ النار.. غنيت ومشيت
ليش بالظلمه طفيت
ليش بالسكته ابتليت
وآني منذور لجحيم الذاكره..
آني مذبوح بمسارات العراق..
هذا المدخّنْ عذاب
هذا المطّولْ الغياب
أجد في هذه القصيدة الملحمية معادلاً موضوعياً لحزن الأمهات والأخوة والأباء والأبناء الذين فقدوا عزيزاً قتلاً في الحرب أو في المعتقل كما أنه تناص في عنف مشاعرها وعمق الإحساس مع مرثية جلجامش لأنكيدو في الملحمة الأشهر في التاريخ من ناحية. ومن ناحية أخرى مرثية للخراب الذي حلّ بالعراق زمن الحروب والحصار وما يجري الآن في ظل الاحتلال.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.