علي عبد العال: علي الشباني توهّج احتراقا حتى الموت

أخيرا وصلنا إلى تلك اللحظة الرهيبة، الخاطفة، التي تشبه البرق؛ لحظة الموت المقدس، حيث نصدقُ أو لا نصدّق. تركنا هذا الوهج الجميل الذي ظل يحترق على مر السنين كجمرٍ جميل؛ جمرٌ من الشعر النقي والروح المتوقدة. شاعرٌ أضاء لنا حلكة الظلام في أصعب أيام العراق وكوابيسه التي لا تنتهي حتى أيام الاحتراق الحالي الأكثر بؤسا من زاوية الأمل. تركنا هذا المحارب الشجاع الباسل، هذا الفكر المضيء المنفتح على جميع شجون الإنسان في كل مكان.
تركنا هذا الشاعر الحر المتقد كشعلة من الذكاء وكتلة رائعة كسبيكة من الذهب المصهور من الأحاسيس المتعلقة بالناس ومشاعرهم ومشاعلهم المضيئة وراياتهم العالية ومشاغلهم الصغيرة وحبهم وفرحهم وحزنهم وعشقهم ومدنهم وشواطئهم وحريتهم وسجنهم ودموعهم وألمهم. تركنا هذا الساحر الذي يخلق المعنى الجديد في الشيء القديم، ويبعث دماء جديدة من نسغ روحه وفكره الحر الرهيف في حطب أيامنا اليابس. تركنا هذا اللمّاح صاحب مفاتيح الشعر والكلام والحكمة البيضاء. تركنا هذا الشاعر الجسور، هذا الرجل الصبور على مرارة الأيام ومرارة السنين، الذي لم يذق فيها فرحا ماسيا مثلما تستحقه روحه الوهّاجة لكنه كان يرى إلى الدنيا كميدان من الحركة والفعل والعشق والتوثب كنمرٍ شرسٍ جميل؛ كان يرى إلى الدنيا كما يراها روح شاعر يغزو قلبه الضوء ويصوغ المعنى الصعب، القاسي، في كلامٍ لذيذ. كان يحب ويعشق ويضحك وينصح ويخطأ كما يفعل أي شاعر حقيقي أصيل. تركنا هذا الطفل الكبير؛ تركنا هذا المعّلم المهذب الوقور، هذا الثائر الدائم المتمرد على الطغيان في جميع الأزمنة والعصور. تركنا هذا الصوت الشعري الفريد من دون غناء جميل في هذا الظلام المخيّم على العراق من جديد.
لو درى البلبل بواجيه غنا (غناء)
يبلع لسانه ويموت..
عندما سمع الشاعر الكبير مظفر النواب هذا الصوت الغريب في سجن الحلة من الشاب علي الشباني السجين معه من أجل حرية الوطن والناس أشرَّ عليه الشاعر الكبير كونه أحد شعراء الشعر الشعبي المهمين ممن لهم المستقبل القادم. شهادة الشاعر مظفر النواب لم تكن لتذهب جزافا، فلقد تمكن علي الشباني من تأكيد حضوره الشعري على صعيد العراق. وظل مظفر النواب يكن الاحترام والمحبة للشاعر علي الشباني ويبادله علي الشباني ذات الاحترام والمحبة حتى هذه النهاية المحزنة. كان علي الشباني الذي تولد في لواء الديوانية العام 1944 على ما أظن من العناصر الشيوعية الأولى التي تمت مطاردتها ومن إلقاء القبض عليها من قبل سلطات البعث الفاشية وتم زجه في المعتقلات والسجون وهو في ريعان الشباب أعقاب انقلاب 8 شباط 1963. كانت له مواقف بطولية مشهودة في سجن الحلة مع المناضلين الشيوعيين الذين تصدر زعامتهم المعنوية الشاعر الكبير مظفر النواب. في تلك الفترة الأشد حلكة في تاريخ العراق السياسي المعاصر، بعد ثورة 14 تموز وقتل الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم بهذه الوحشية من قبل عصابات حزب البعث عميل المخابرات البريطانية دخل العراق في نفق مظلم وسرداب عميق أعمق بكثير من لحد القبور. في تلك الفترة المظلمة من الصعب على شموع تنهض لتنير الطريق، لكن الحياة تأبى دوما الخنوع، وهكذا ظهر صوت مظفر النواب الصادح العظيم الذي هزّ كيان الدكتاتورية كما لم تهزها الصواريخ والمدافع والجيوش، صوت الشاعر في الشعب أقوى من أصوات المدافع في سوح المعارك الكاذبة. أُطلق سراح الشاعر علي الشباني بقرار سياسي شمل الشيوعيين، كان ذلك ربما في نهاية الستينيات. وكان علي الشباني الفتى اليافع، والرجل الشاب قد بلور اسطورته في مدينة الديوانية كمناضل شجاع ومن ثم كشاعر له صوته الخاص. وكان يجلس في مقهى بالقرب من كراج الدغارة في الديوانية. وهو يقع بالشارع المحاذي لبيتنا. عشرة أعوام تفصلني عمرا عن هذه الاسطورة الحديثة حديث الشارع الديواني. أسطورة تتحدث عن بطل جديد ناهض من ظلام السجون ويقول الشعر الفريد. في هذا الشارع ولصق المقهى يقع محل حلاقة «كريم الحلاق» وهو صديق لي في الدراسة. رأيت علي الشباني للمرة الأولى كشخص أشبه بالأسطورة. يكبرني بعقد من السنين لكنه تّقبلني كرجل مثله تماما. كان فاحم الشعر أسود الشاربين له سحنة مخيفة، متين وقوي العضلات كمصارع أولمبي. كنتُ أتوقعه شاعرا هزيلا يشبه بدر شاكر السيّاب كما أتخيله، بيد أنه كان قويا ومترعا بالحياة والأمل كإنسان غريب، كان أقرب الشبه بأنكيدو في الأسطورة البابلية. كان شديد التهذيب وهو يستقبل هذه الوفود من الناس التي تأتي لتحيته والسلام عليه لخروجه من السجن بشرف، لكنه بدا لي مستوحشا وقلقا مثل عصفور جميل هارب من القفص. خلق لنفسه مقاما جميلا في نفوس الناس ولم يكن مطاوعا لهم. علي الشباني شاعرٌ شرسٌ في الحق ورقيقا مثل جذر العكّيد في الناس. إذا كان هو في الثلاثين فأنا في العشرين. لكنه كان كما الضوء بالنسبة لي، وبالنسبة لجيلي. بعد السجن كان يريد أن يلتهم الحياة كما مجرفة. كان يقتحم الواقع والحياة الرتيبة في تلك المدينة الساكنة كما يقتحم بلدوزر أرض المنازل والبيوت الميتة ودور الثقافة الرسمية التي لا تمت بصلة لمعاناة الأدباء، فضلا عن معاناة الشعب. أتى لنا بأسماء لم نكن نعرفها ولم نسمع بها: كولون ولسن، البير كامو، ت.س. أليوت، عزرا وازيمن، جون بول سارتر، هنريك أبسن، صموئيل بيكت، ونحن الذين لم نقرأ سوى رواية الأم لمكسيم غوركي كشيوعيين في مقتبل العمر. لم يكن يقتصر على القراءة فقط بيد أنه كان يفعل وينفعل بجميع حيثيات الحياة، والفرح بجميع حذافيره والحزن بجميع تفاصيله. كان يحيا بشكل عارم غير طبيعي، الأمر الذي اكتشفتُ لاحقا أنه نوع من أنواع التعويض عن خسارة زهرة الشباب في ردهات السجون المظلمة.
ودارت الأيام ومرت الأيام حتى وجدنا بعضنا في شقة ـ مشتمل في منطقة الوزيرية ببغداد نهاية العام 1978. مشتمل صغير يقع قبالة دار الحرية للطباعة (التي هي دار الصباح كما أظن) ومعمل القطن الطبي. مجموعة من الأدباء والفنانين والرياضيين والحزبيين العاديين من أهل الديوانية الطيبين الذين ضاقت بهم السبل للنجاة من بطش البعثيين المسمومين والمسعورين في الدوائر الأمنية الذين استباحوا دماء الشرفاء العراقيين وأعراضهم للمرة الأخرى والثالثة على التوالي. كان علي الشباني من أبرز الموجودين مع الشاعر الراحل الجميل عزيز السماوي. أكتظ السكن البسيط بأسماء هي ساطعة الآن باركها الله. لا أذكرها لعدم تخويلي بذلك في هذه اللحظة المؤلمة.
قال علي الشباني:
ـ «ليخرجني الحزب إلى بيروت حيث مظفر النواب»
أخبرت الحزب بهذا الطلب.
قال الحزب:
ـ «هل الشاعر علي الشباني معك؟»
ـ «نعم؛ هو يسكن معي في شقة الوزيرية؛ ويرغب بالسفر إلى بيروت».
كان علي أبو صمد ينتظر مجيئي للشقة على أحر من الجمر. أنا الصلة الوحيدة الرسمية بينه وبين الحزب. لم يكن منسجما مع الحزب الشيوعي ولم يكن موافقا على سياسته في الجبهة الوطنية المزيفة، لكن الحزب كان يعرف قيمته وقامته النضالية والأدبية. فوضني الحزب بنقل هذا الخبر للشاعر المناضل علي الشباني:
«الحزب الشيوعي يستطيع توفير جواز سفر وتأمين سفرك إلى بيروت».
بلّغته حرفيا بهذا القرار؛ بيد أنه تراجع وعاد إلى الديوانية بعد أكثر من شهر من الاختفاء في بغداد. تم اعتقاله في الديوانية مباشرة ونال قسطه الكبير من التعذيب الجسدي والنفسي الذي من شأنه أن يكون في جنة الخالدين.
حياك أبا صمد العظيم
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمرُ
فليس لعينٍ لم يجر ماؤها عذرُ
لم يكن غير العراق هاجس الشاعر الفذ علي الشباني، ولم تكن غير تلك البلدة الوادعة الديوانية ملاذه الأخير الذي أبى تركه للخواء. هاهو يتركنا للخواء كمنارة عالية صوب الحقيقة.
المشتعل كمرة كلي شكله..؟
واليضوي كالجمرة كلي شكله؟
مقتطفات من شعر علي الشباني التي مثل الجواهر المرصعة على جبين الشعر الشعبي العراقي والتي لا تقل أهمية عن شعر الكبير مظفر النواب:
غربة
بثيابي تلبد شمس.. والحچي اليمشي وياي
أركض برد ع الرمل.. أرجف وأسيلن ماي
علي الشباني
موسم
مبيوك فيْ الظهر.. شبرين عمر الشمس
بالصيف روحي ورك سدره، وسوالف ليل
دكات قلبي نجم، ما يطفي كلبي الليل
والساجيه مسافره بروحي ورد لسهيل
… وأمي، رسم ع الجرف، يكبر واخافن حيل..
ألبد بروحي نجم، يسبح لذاك الصوب
ألبد بروحي زغر، والكيش حد الثوب
أسكت.. جزيره الحچي.. وبراسي يلعب سيل
من تكعد إمي بچّي.. وتغسل البيت الصبح
يابس حچينه الصبح
والوحشه طيره تنوح
والفرح من صيد أمس، حد للزغر مذبوح
ياخذني خوف العشب، والماي حد الروح
يومي العطش بالقلب، وأتحرك بكل نهر
يغرك جسر كل نهر
أسكت وأصيحن فيض
يا روحي لو للناس كل دكه جسر..
لو بالحنين تفيض
أكبر جرف ياحزن، والماي ذاك الماي
اصهل فرح بالمطر، والملح ذاك الملح
هيَّ المدارس فرح حتى اركض إلها الصبح
يكبر بروحي الفرح، خنجر واطحين جرح
وامشي بسواجي الكتب غركان
يا ذاك الرصيف إشكد دمع مليان
غركان بيّ الحچي.. ولو وجه الك مشحوف
أركض على سچتك، مزنه وهواك يطوف
بستان روحي غدت.. وينام بيه الليل
بستان روحي كبر.. بيه الطيور تنام
ها كثر شوك الشعر بيك وتظل محتام!.
الحرف جتّال,,,
اكتبني ضوه بكل حايط أظلم
فيضني نهر كل روح يغسلها،
العطش من يشتهيك ألتم
حمامه لكل مدينه ينام بيها الليل غبشه
ويكعد الناس الصبح ميتين
يمته يكوم بيَّ الطين
شجره
ويصعد بروحي الحنين
كمره
تفيض بيَّ الروح كمره
وتلعب بروحي الشمس مهره
مهره.. وقصيده
توكع بروحي ورك سدره وفرات
أخضّر.. واشتعل.. واردود
مرات
مرات الزمن يشتلني بيرغ ظيم بالشدات
افوتن نار بالشدات
اردنْ لابِسْ ثيابْ الرمادْ
اردن والحزن ليغاد
سواجي وناس تعبانه السچچ بيها
وضمير.. يجيس ممشه الشمس تالي الليل
ويغسل حزن عمره بسواجيها
وتظل تحوم، طيرة ماي.. روحي العطش ماذيها
أموتن غبشه ثوبي تراب
عشب روحي صبر ع الباب
أموتن سكته كلبي كتاب
واليقره الكلب يعمه
وأظل بين الكلوب الميته چلمة خوف
روح الشعر چلمة خوف
تاخذني شماته بكل كلب ممحل
واطكـ بيد السوالف شوف
واوكف لك سمه وواهس يكلك موت واني أصهل
وأظل كامه بكلب ممحل
أظل كامه بسفرها الكاع تتعب..
والشمس بيها عمر تتعب..
يظل فيّها شبر
يحچي النده ويه الرمل والعاكول
لو يحچي الحزن كلبي
كل ما يرتوي الخوف البروحي يطول
يا هلبت يجي ويكتبني مهرأخضر
وأفتح بالهوا البيبان ع الكمره
نهر أسمر
يفتح بالمسامات الينابيع البعيدة
والقصيدة
بلبل بروحي يغني الماي.. والحرية.. والكاع الجديدة
إكتبني الدهر يمحي الصدك.. ويعاند النيات
نبعت بعين شمسك ماي بارد.. يثكل بدمي الفرات
يركض بروحي الفرات الزين دهله
يصعد بروحي الحچي الواكف ضمير
وانتَ ذاك الماي كل دنياك سهله
وآني بيك ينام كلبي ويكعد بحومة عذابه
يمته اشوفك فارس بتالي يجدح مهابه
يمته اشوفك.. چفك يجيب الصبح للبيت
وينام الصبح ويه الزغار
يكبر بحلم الزغار
دنيا.. وولايات
يكعد بدرب المدارس، عافيه.. وورد الصبح
يمته اشوفك.. مهرك يدك الحوافر ع الهوا رايات
وأكلك هاك روحي وروح
يا ريتك تخلصني الحزن مثل الخبز..
مثل القميص
الشمس مثل الناس، من يثكل حزنها بروحي،
وأسكت هم
يا ريتك تعتني من السما للكاع
وانبت طير فوك الدم
تاخذني جنح مضوي.. السفر واهس..
وأطير بكل سما
بكل حايط أظلم
مكتوب العمر من يشتعل بالناس حيره.. وهم
مناره هناك تلهث للنبوه سيوف
من تلهث مناره هناك
أرد للروح أفيضها
العطش من يشتهيك ألتم
وأظل.. أظل ألتم
وأرد نقطه بحرف چتال
25/4/1972

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *