خضير الزيدي : جبار الكواز؛ معجم الاحتراف الجامع في الكتابة والخيال

الشاعر والناقد جبار الكواز يتحدث في إحدى الأمسيات

يعتقد جبار الكواز أن الشعر واحة كبيرة تجمع أطيافا متنوعة لهذا نراه يحصد العمودي والتفعيلة والنثري لكن ما تميز منه هو الكتابة الأخيرة لنصوص مفتوحة تستوعب حقل التاريخ والوجود والسرد لتحولات مخيفة في طبيعة الصراع العراقي منذ 2003 إلى لحظة كتابة هذه الأسطر ، تمجيده للشعر لم يعد اعتباطا فهو منشغل في كتابة الوجع المسافر والمقيم ويعطينا في هذا الحوار حقلا واسعا مكن المعرفة عن الذات والآخر في صورة ذكية منه لتلافي خطأ وجودنا على ارض تبشر بالرقاد ثم تنهض ليتوالى الصراع مرة أخرى .. يتحدث عن نواة المغامرة في الكتابة الشعرية وهذا ما لمسناه من جديده ويتطرق لمرحلة تبدو محرجة أكثر مما سبق وكان تاريخ العراق كتاب تيه وليس كتاب هواجس إلا أن اعتقاده الذي يخصني في هذا الحوار هو قيمة الشعر وليس قيمة الزمن الذي يكتب فيه ومن هنا بدت لي إجاباته وكأنها مد فكري في لذة تتجلى في قلب الواقع اليومي إلى صورة باذخة تجلب رمل الصحراء مع إطار الأمل الذي ينشد له شاعرنا

** تميزت نصوصك الشعرية بطراز شكلي جديد لم تمارسه من قبل هل تعد هذه الممارسة انتقالة في الشعرية التي تبنيتها ذات يوم ؟

لم تكن النصوص الشعرية التي نشرتها بعد نيسان 2003 جديدة بشكلها وتجربتها فلو أمعن الدارس والمتابع لعملي الشعري قليلا لما نشرت في تسعينيات القرن المنصرم من قصائد اذكر منها ( اشراقات ) التي نشرت في مجلة الأقلام عام 97 و( الغابات العرجاء ) في الأقلام أيضا عام 2001 وقبلها نص( إني اعترف الآن ) لوجد أن هذه النصوص الجديدة ما هي إلا امتداد لتلك النصوص التي نشرت في الأقلام وكان نشرها يومئذ بمثابة المغامرة لأنها كانت ضد السائد الشعري وضد الرؤية النقدية فبعض النقاد وضع مشرطة الايدولوجيا أو الراهنية كمقياس لتتميز النصوص في ذلك الزمان وهذا لا يعني أنني كنت منفردا في هذه التجربة لأن ثمة أعدادا قليلة من الشعراء العراقيين واكبوا عملية التحديث الشعري العراقي على مستوى الجملة والشكل والرؤيا والرؤية معا ومما لا شك فيه أن هذه الانتقالة في مختبري الإبداعي لم تأت عن فراغ أو عدم قصدية لأني وصلت إلى قناعة راسخة أن العمل الشعري يجب أن يدخل نواة المغامرة على مستوى الشكل والمضمون ليحطم الأطر التقليدية التي ظلت حدودا لا يجوز التفريط بها استنادا إلى منطق السياسة الثقافية التي كانت تحطم العراق يومئذ … إذا القصائد التي وجدت لها متنافسا في عراق ما بعد نيسان 2003 ونشرت معظمها في الصحف والمجلات العراقية شكلت اتصالا جوهريا لتلك القصائد التي أفلتت من مقص الرقيب بفضل صديقي الشاعر ( رعد عبد القادر ) الذي احتضنها وشجعني وغامر مغامرة كبيرة في نشرها

*أنت من جيل السبعينيات وتميز هذا الجيل بالكثير من التطورات على المستوى الشعر حتى بعد الأجيال  التي جاءت بعدكم فما هي مميزات ذلك الجيل وماذا تبقى منها ؟  

وقف السبعينيون وأنا منهم  أمام مفترق طرق في المشهد الشعري العراقي فمع سيادة المدرسة التقليدية التي رعتها السلطة ومنجز الرواد التجديدي على مستوى الشكل والمضمون والاختراق المقلق الذي سجله الستينيون في بنية القصيدة العراقية لم يكن أمامهم إلا أن يعلنوا عن جيلهم بطريقة مغايرة لا تلتقي مع المدرسة التقليدية بأطرها المعروفة ولا مع الرواد او الستينيين وهكذا جاءت قصائدهم انعكاسا للواقع الاجتماعي الذي ساد في عقد السبعينيات بتميزه المنفتح على القراءة والتجريب وكان الهم اللغوي هو التوق الذي ركبه أكثر السبعينيين في محاولة فهم لتفجير اللغة من خلال بناء علاقات جديدة تعتمد الانزياح والتراكيب التي تؤدي إلى خلق عالم ثان هو ترميم للعالم الذي يعيشونه واعتمادهم على اسطرة الواقع واتخاذ القناع وسيلة للإفصاح عن تجاربهم ولقد لاقى مجموعة من شعراء السبعينيات ومن سكنة العاصمة ترحيبا كبيرا من قبل المؤسسة الثقافية يومئذ فنالوا الرعاية التي لم ينلها شعراء الهامش خارج بغداد فكانت مجاميعهم تطبع في الخارج وبتصميم خارج سياق العمل الذي تضطلع به وزارة الثقافة وشجعوا لتأسيس منتدى الأدباء الشباب الذي نال رعاية استثنائية أيضا ولكن النتيجة التي وصلت إليها كل هذه الرعاية بعد ان مرت سنوات عجاف فلقد صمت أكثرهم وتشرد بعضهم وأدار البعض اهتمامه للبحوث الأسطورية أو الدينية أو التنظير في العقل الشعري وخلاصة الأمر فان الجيل السبعيني لم يعط عملا مميزا يتناسب والرعاية الاستثنائية التي لاقاها ولو نظرنا إلى المشهد الشعري العراقي اليوم لا نجد إلا بضعة من السبعينيين الذين ما زالوا متمسكين بثوابت القصيدة السبعينية متناسين أن الشعر عملية إبداعية حراكية ولا قيمة لأي عمل إبداعي ما لم يكن أداة تجديد وتحديث لنواة الإبداعية

* أتوقف معك هنا و بودي أن أسألك عن أهمية الشعر في هذه المرحلة المحرجة من عمر الإنسان العراقي ؟  

نحن نعيش مرحلة أكثر حراجة من كل المراحل التي عاشها الإنسان العراقي وما زال بعض الشعراء العرب شغوفين بمقولة المركزية الشعرية اعتمادا على الرؤية القومية لهذا الشعر باعتباره مخلصا لآلام الأمة في محنها المستمرة . أن الحديث عن هذه المركزية الشعرية يضع الشعراء العراقيين في موقف لا يحسدون عليه وخاصة أنهم موضع اهتمام يومي من قبل أشقائهم وتجربة المؤتمرات الأدبية العربية ماثلة أمامنا فاتحاد أدباء العراق ما زالت عضويته معلقة في عقول هذه المركزية الوهمية ونحن في العراق ماذا يشكل الشعر لنا في هذه الحياة اليومية المملوءة بالغرائبية والتهميش والإلغاء والمعتمدة على مبدأ المحاصصة السياسية والثقافية والإبداعية والمسكونة بروح الثأر من الماضي والحاضر والمستقبل . ان البحث عن إجابات كونية لا تجدينا نفعا إزاء هذه الحالة وما علينا إلا ان نجد إجاباتنا من خلال الواقع القاسي الذي نعيشه بمعنى إننا مجبرون على انتهاج سلوك شعري خاص بالعراق فقط هذا السلوك لا يشكل قطيعة مع تلك المركزية ولا يعني ارتماء في أحضانها إنما هو رؤيا عراقية مستلة من نواة الشعرية العربية المتباهية بمركزيتها القومية وعلى هذا لابد من خلق صدمة شعرية استثنائية واعتماد طهرانية روحية لغوية فكرية اعترافية بتخلفنا عن هذا العالم المضيء وهزيمتنا المعرفية والمعلوماتية . ان لعبة التطهير الشعري والاعتراف الواعي ستقودنا إلى تحديد الكيفيات التي تجعلنا أمام استحقاقات إبداعية وبرامج أدبية فاعلة في مشروع التغيير والتحديث ونزع ثياب الإمبراطور والدخول في حوار مع الذات حوارا أمينا على نفسه وعلى غيره

* ألهذا بين فترة وأخرى تفاجئنا بنصوص مدهشة لكن هذه النصوص لها زمن بعيد عن الظهور لماذا هذا التأخير في كتابة النص الشعري ؟

لا أكتمك سرا فان أكثر القصائد التي نشرتها بعد نيسان كتبت قبل هذا الزمان لا أنها كانت تجابه بالرفض وعدم النشر لأسباب تتعلق برؤية السياسي العراقي يومئذ للعمل الشعري وتتعلق بالرؤية المركزية للشعرية القومية التي تبنتها الدولة ودليلي على ذلك أن مجموعتي الشعرية ( دفاعا عن الظل )ما زالت نائمة على رفوف دائرة الشؤون الثقافية رغم إجازتها منذ عام 1995 والسبب أنها تحتوي نصوصا اعتمدت الحداثة الشكلية في كتابتها رغم أن الخبير أجازها ولقد دخلت مخاضات الرقيب الفكري والسياسي ولم ينجح بالإفلات من مسطرتها الجامدة وأنا في انتظار صدورها . أن قيمة النص بما تحتوي من شعرية أو تجاوز للنسق السائد ولا قيمة لزمان كتابته رغم إن زمان الكتابة يؤشر لأحكام نقدية وريادية معروفة في الحياة الإبداعية ولأزيدك معرفة فاني ما زلت اسمع والمس تيارا مضادا لمثل هذه النصوص ولعل لجريدة الأديب البغدادية الفضل الكبير لبروز هذه النصوص فهي كما معلوم للجميع تتبنى التجارب الحداثوية وتعتمد رؤيا نقدية حديثة في حكمها على النصوص

* هناك نفر من الأدباء والشعراء تحديدا يتهربون من تصنيف الشعر والأجيال ارغب ان أتعرف على رأيك في هذه المسألة ؟  

أن تجييل الشعراء ضمن خانات زمانية عقدية لا قيمة له في الحكم الفني على النصوص وتظل عملية التجييل خاضعة لمقاس الزمن والعوامل المشتركة التي يلتقي بها شعراء جيل معين . فما قيمة أن ينتسب شاعر ما إلى جيل معين وهو متخلف عن الأجيال التي جاءت بعده بمعنى أن تهرب الأدباء والشعراء في هذه العملية له ما يبرره لأن تكبيل العمل الإبداعي بأطر زمانية لا يخدم العملية الإبداعية والفنية بشيء قدر إفادته تأشير سمات جيل بعينه

*بعد تجربة طويلة في الشعر كيف تتفهمه اليوم ولم هذا التمسك بخياره الجمالي دون غيره من الفنون الأخرى ؟  

بدأت الكتابة أواسط ستينيات القرن المنصرم ونشرت لي اول قصيدة عام 68 بجريدة كل شيء أقول ان هذه التجربة المدعمة بالتجربة الثرية المتنوعة جغرافيا واجتماعيا وثقافيا والتثقيف الذاتي لكل فنون الآداب والاطلاع الدائم على تجارب الآخرين دون ان نبخس حقهم في الإبداع يكفيني من الإيمان بان الشعر ينأى عن الفهم فليس من وظيفة الشاعر ان يفهم الأشياء للآخرين او ان يصورها بأرديتها الحقيقية لأنه سيقع في المباشرة والمباشرة عدوة الإبداع قرين الشعرية الخلاقة الشاعر كشاف المجهول يلقي بأسئلته بوجه العالم نافضا عنه أرديته التي يراها الناس ومسلطا ضوءه في زوايا مكشوفة غير ملحوظة أو مدركة من الآخرين وهو بهذا يقرأ ما وراء اللغة بعد أن يزيل قشرة الألفاظ المتداولة ويزيل الجلد المتهرئ فوق الأشياء ليظهر الباطن المكتنز بالنور وبالضوء أن الشعر بالنسبة لي  موقف من العالم . رؤية كونية تختصر اقانيمه المختلفة والمتنوعة هذه الرؤيا تنطلق من محلية مدهشة متضمخة بالأساطير وبالتاريخ بالمدن والشخوص النائمين في قاع المدينة لا في محاولة لأفظاظهم بل كشف معاناة المدن المواجهة للعالم الذي تجاوزنا في كل مفاصله

* بسؤال أخير أرجو أن تضع لي تقييما لمشهد الشعرية العراقية الراهنة ؟  

المشهد الدامي للشعرية العراقية الراهنة موزع بين اتجاهين خارجي يمثله شعراء المهجر وداخلي يمثله شعراء الداخل والحرب بين الاثنين سجال وسيواصل ما بقي العراق غير مستقر ولكن حقيقة الأمر نؤكد أن قصيدة الداخل ظلت متمسكة بوجدانها العراقي بأحاسيسها الفياضة باكتشافها لتناقضات الواقع العراقي السياسية والاجتماعية وحتى الطبيعية بشربها من البئر المرة التي احتسى منها عراقيو النصف الثاني من القرن المنصرم زمن العسكرتيات والنظم الفاشية والعقائدية التي أرادت ولم تنجح في قولبة الشعب العراقي حسب رؤيتها في حين نرى ان نصوص المهجر تفتقد هذه الأجواء ويبدو أن أصدقاءنا قد استمرؤوا أجواء الغرب الجميلة فصارت قصائدهم ناطقة رسمية في ذلك ولعل البعض وبسبب الغربة الطويلة قد فقد أواصر الاتصال بالواقع العراقي الغرائبي المدهش فخانته ذاكرته عن رؤية ناطقة عنه وقد ضعفت وصار يستعير من ذكريات الآخرين ولو أردنا أن نعطي تقيما للشعرية العراقية الراهنة في الداخل لوجدناها تنقسم إلى اتجاهين تواصليين لا فنيين .الأول شعراء القصائد المسموعة وهم خليط من شعراء عموديين وحداثيين ونثار وكتاب مقالات ونصوص وطالبي شهرة .والثاني شعراء القصيدة المقروءة وهم الذين ارتضوا لأنفسهم الإبداع واخلصوا له وآمنوا بان القصيدة ليست شعارات مرفوعة وكشف لعورات مسعورة أو تنابز بالألفاظ فالشعر يسمو عن هذه الأشياء وهؤلاء المخلصون المميزون المؤمنون بقدر الشعر في عالم متغير بوظيفته الإنسانية في الكشف والتنوير والاعتراف الحقيقي بالواقع والفرق بين الفريقين كبير جدا وبغض النظر عن الفروق بين الاثنين فان المشهد الشعري العراقي يمثل أعلى حلقات الشعرية العربية واعتقد أن مستقبل الشعرية العراقية مرهون بقصيدة النثر والنص وهو بالتالي سيشكل ردا صادقا لمن يريد أن يقول أن الشعر أصبح صناعة خاصة جدا لترويض الوجع العربي والتخفيف عن أحزانه وهزائمه

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

| بلقيس خالد : طائر السعف له أرجوحة هادئة : الأستاذ محمد صالح عبد الرضا .

الأستاذ محمد صالح عبد الرضا: معلم من معالم الثقافة العراقية في البصرة، وجه لا ينسى، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.