رسائل المبدع الراحل علي الشباني إلى الروائي سلام إبراهيم (2)

إشارة من سلام إبراهيم : أحاول نشر رسائل أصدقائي الأدباء والكتاب والشعراء كونها مكتوبة بخط اليد وخوفاً من ضياعها، يضاف إلى أنها تكشف جوانب مهمة من حياة الكاتب والشاعر وجهة نظره بالحياة إحساسه بها مدار اهتمامه، مضاف إلى المعلومات التي تكشف عنها الرسالة الأدبية والشخصية وتشير إلى زمنها. فرسالة الشاعر علي الشباني هذه تؤشر إلى وضعه قبل التدهور الصحي والنفسي الذي أصابه وأعجزه عن القراءة والكتابة. يشكو فيها من الوحدة والغربة وسط مدينته وأهله في الأيام التي فقد فيها أمه – فاطمة – التي طالما كان يحكي لي كيف أنها مجسه الشعري في أولى أيام كتابته للشعر إذ كان يقرأ لها القصائد حال كتابتها وكانت تطرب للبيت الجميل وتنفر من الوقع الخشن. وكانت امرأة شاعره بالسليقة عندما تروى أبسط حادثة ترويها وكأنها تقول شعراً عذبا. هنا الشاعر يشكو غيابها. كما تشير الرسالة إلى شدة تعلقه بالعراق وأمله الذي كان ما يزال قائما وقد كتابتها قبل أن ينشب الاحتراب الطائفي في سنوات 2006 – 2008. كما تؤشر الرواية إلى واقعه طرد صديقنا – جمعة الحلفي – من رئاسة تحرير – جريدة الصباح – الحكومية بالقوة المسلحة. مع إشارات إلى كتابات الكاتبين العراقيين “كريم عبد” و “علي عبد العال”. وسأحاول كلما وجدت وقتاً نشر المزيد من الرسائل كي يطل القارئ عالم الكتاب الداخلي.
3-10-2005 الديوانية

السلام عزيزي.. السلام عزيزي.. عزيزي

أيها الصديق الطيب.. الأبدي

لا أدري، وأنا في المنحدر الثاني من جبل العمر الملتهب.. كم أكون محتاجاً إليك حقاً!. لم أكن أتصور أنك ستكون بعيداً عني تماماً مثلما أنت الآن،.. كيف سيتسنى لي أن أجمع زمني معك كي أراك هنا في قلبي تكبر.. تكبر، تملأ الروح وتفيض بيّ، وبك وبالأيام.
السلام حبيبي.. حبيبي..
متفرد حد التراب، لم يبق لي شيء سوى الكلمة.. والحب الغريب المفتقد أبد الدهر، وصداقتك الغائبة.. لا أدري أيها السلام، لو أنك هنا.. معي كي تساعدني على تعبك.. كي نقف سويةً في هذا الزمن الأخير، بالرغم من قوتي الجديدة ورغبتي المتوالدة باتجاه الحقيقية، وليس غير الحقيقة في كل الأشياء والكائنات.
أيها الصديق.. كم أفتقد لصداقة غامرة تنهض بي. اتكأ عليها.. أكن أقوى، أكن حاضراً في قلبٍ أخر.. نقي وأليف، يعضدني في المسير المشمس باتجاه التراب.
أرعبني التراب يا عزيزي ملأ حياتي بالغثيان في اللحظة التي واريت أمي التراب الأخير، وعدت إلى الديوانية لا أرى سوى غبار الحياة الداكن، ظللتُ لثلاثة أيام أنحب كما الأطفال يوم تسرق منهم أمهاتهم، بكيت في شارع ديواني معتم حتى الفجر، ولم يكن معي أحد.. صديق.. محب.. حتى كدت أموت أنا الآخر.
أحدهم فتح ركناً مدنساً للخمر والسمر.. و.. و.. من أجل أن أكون معه، ولكنني لم أتمكن أن أكون مع هذا.. وهو بالأساس ليس معي أنما لا يلامس الجدار الملتهب للمحبة لعوزٍ فيه.. وضحالة.. تركني وقد تهشمت روحي وهبطت في تراب الأمومة المرعب.. تركتني “فطوم” (أم الشاعر) لموتي الخاص، وقد منحتني قبضة من تراب أحملها معي ليل نهار.. وأنت يا عزيزي تركتني وتغربت وعفتني بلا ضفة.. أين أموت يا سلام؟.. أين أجد ترابي الساخن.. وغيابي؟.
أيها الأخ
كما لو كنتَ أنا
أينَ أنتَ مني؟!. لماذا فيك مثابة واحدة من بين ألاف المثابات الروحية الحميمة، واحدة فقط أبعدتك عني.. لماذا؟.
كتبتُ قصيدة شعبية، قرأتها في معظم احتفالات الديوانية، وهي مهداة لك عنوانها “رد” (إلى صديقي العائد من الغربة.. إلى صديقي الغريب.. إلى صديق الأبد سلام إبراهيم) هكذا نشرتها كذلك.. ولكنك لم (ترد) متى “ترد” أيها البعيد والتارس روحي عوالم تحضرني هذه الأيام بقوة.
أثارت كتاباتك عن الشعر الشعبي العراقي موجة من الحوار والمباركة كونها الأفضل حتى الآن.. والأكثر معرفة.. وأحاطة ذكية ورائدة؟
أريدك يا سلم.. أريدك حقاً في هذا الخريف الساكن.. لي قامةٌ أستند عليها من تعب  ويدٍ تمسك بيّ يوم أوشك على الهاوية.. وحيد تماماً وخاسر لكل شيء ولي شعور بأنني موشك على الضفاف من ترحال مهلك. مع أني فعلت أشياء مهمة ربما.. لم تملأني تماماً بالحياة الأخيرة..
قلتُ لهُ: لو ثمةَ موت أحمر، يأخذ بنهايات الشاعر الذي وضع الحقيقة الإنسانية والوطن في روحه. يرعبني أنني سأموت كما قط عليل.. أسفاً.. هذه الأيام الأفضل لرحيلٍ تراجيدي نبيل.. لم يكن بي رغبة للموت الفيزيقي كما تظن، أنما هي الحياة المحشودة بالأسئلة والخريف الذي أوشك مني.. بوروده المختلفة وأعشابه السامة.. والغيابات التي ملأت روحي بالخواء والبكاء واللاجدوى..
سلام… لو تدري كم أحب العراق.. لو تدري لما استغربت، لا يمر يوم لا أبكي فيه، من أين لي هذا النهر الدافق بالحنين والهشاشة.. والمراجعة الروحية الدائمة – في مدارس الأطفال ومصاطب العمال وأمهات الشهداء ولكل فضاءات الإنسان العراقي الجديد، أذهب وأبكي لا غير.. وأحتشد بهذا الوطن العجيب.. عجيب
كيف أنت يا عزيزي..
بدأت (طريق الشعب) بنشر دراساتك النبيلة والرائدة في الشعر الشعبي العراقي كما أتمنى أن تراسل جريدة “الصباح” واسعة الانتشار.. وتكتب بها عن أمور عديدة.. لقد أصبح “كريم عبد” أشبه بالكاتب اليومي بالجريدة. بدأ بقوة وهاهو اليوم يكتب إنشاءات عادية لكنها تدل على متابعة وطنية واضحة علماً بأنه كتب موضوعاً مهدى لي كان مهماً.. وقد نشرته الصباح في صفحتها الأخيرة الملونة.. وإلى حد ما (علي عبد العال) كتب أخيراً عن إشكالات الغربة.. موضوع مهم.. كتبت رداً عليه أكثر إيغالاً بالموضوع، لم ينشر للآن.
أتمنى أن ترسل لهم كتاباتك المهمة.. وقد أبلغتهم بذلك.. بالرغم من محاولة أبعاد الصديق الشاعر (جمعة الحلفي) المؤسفة.
أخيرا يخبرك صديقنا المشترك “علي الطرفي” بأمور أخرى
لك مني ولزوجتك الطيبة وأبناءك الحلوين الأماني الزاهرة.. والمحبة
وأعذرني للعجالة.. لأن الطرفي على عجل هو الآخر.. كما هو شأنه دائماً
تحياتي لكل الأصدقاء.. كل الأصدقاء
لك مني زاخر المحبة
علي الشباني
ديوانية عراق
حي العصري
دنمارك

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.