د. محمّد الأسدي : فاعلية المفارقة قراءة في (انفلونزا الصمت)*

القاص باسم القطراني

” انفلونزا الصمت ” عودة إلى الذات وإلى المكان بوصفه بيئة نصية يتحايث فيها البعد الثقافي للتجربة مع سيرورتها  الجمالية عبر رؤى تشتبك في فضاء النص مشكلة مركبا سرديا , وقد شكلت الصورة المرسومة بآليات شعرية أحد الملامح الأسلوبية للمجموعة , هذا المنزع التصويري منح النصوص طابعا مشهديا يضع المتلقي قبالة نص مرئي ومسموع اكثر مما هو مقروء عبر الانهمام باشتغالات المجاز والتشكلات الجمالية للرسالة السردية مما جعل من المجموعة بنصوصها الثلاثة والعشرين بانوراما تصويرية حرصت على مباينة فوضى الدلالات والقطائع المعرفية التي تعرقل تداولية النص وحوار دلالاته , فالدلالة مصباح المروي له في مقاربة حيثية مايروى , وحيوية الدلالة تكفلت بازالة الغموض المحتمل في تراكيب المروي عبر حفاوتها الايحائية بالفكرة المحركة للنص , فقد انعقد التعالق بين العنوانات والافتتاحيات والنهايات والجمل الختامية , وبدت كل خاتمة بمثابة بوابة عودة الى نقطة البدء تبرر غياب الاحداث المستطردة واكتفاء النص بحدث ما , قد لايكون هدفا وانما وسيلة لسرد ما حدث في عالم مفترض , يستحيل فيه الزمان والمكان أشكالا مرئية ولا مرئية وحدوسا تستشرف وتهجس في بواطن واعماق تكتنفها طبقات من الغشاوات والحجب , الاجتياز والاختراق وظيفة الراوي والمروي له معا وهما يتبادلان المواقع والاقنعة .
اعتمد القاص فاعليات عدة لبث مرسلاته الحكائية وبنينتها في خطاب سردي كانت الميكانزمات الشعرية حاضرة في جزئياته لرفد النزعة التصويرية لدى المرسل وإكساب الخطاب مساحات دلالية إضافية لا يحققها السرد الشفاف وحده , فاعليات زمانية / مكانية / ثقافية / سيميائية / مجازية / فنتازية / تاريخية / وغير ذلك من الفاعليات المتاحة للخطاب السردي , مما يمكن للدراسات النقدية الوقوف عليه والكشف عن مدى توفيق القاص في اعتمادها بيد انني ساقف لدى فاعلية ( المفارقة ) التي تتمحور حول استبطانات سردية ليوميات الجغرافياوات الحزينة للحدود الإنسانية المثقلة بالصراع والتناقض والحقائق المرعبة والحيوات المهمشة والامتدادات التصويرية التي يتقلص فيها الحدث والاحداث التي  يتخثر عندها الزمان ويستعير شخصيته مكان ينزلق في مسار وجودي مكتظ بالمنزلقات والمكابدة ، ولعل أبرز انماط  المفارقة في ” انفلونزا الصمت ”  تمثلت فيما يأتي :
1- الأسطرة :
تقترح ( ملحياثا ) مدينة الوهم والملح والاشباح – تلك الكينونات الهشة التي تجسد وجودا مهمشا – نموذجا اسطوريا   للمفارقة ، هذه المدينة / اللامكان , هي في حقيقتها المجردة مكان معيش قوضت فوضى الاقدار ملامحه , وعملت معاول التواريخ على محو كينونته الاصلية ووأد وهجها ملقية به من مملكة الرفعة الى مهاوي العوالم السفلى , تكمن  فاعلية المفارقة في رصد بؤر التضاد بين مدينتين تسكنان في مدينة واحدة في مخيال السارد ، عبر التسلل الى سرانيات المدينة الأولى / المدينة المثال / المستدعاة بوصفها لدى السارد مملكة للماء والخصب والحكمة والجمال والامل الانساني ، اما المدينة الثانية التي شكلت نصا موازيا فهي المدينة المسخ التي احتوشتها آلهة الشر الارضي واعادت تشكيلها ليستحيل كل ملمح جمالي من ملامحها الى مفقس للقبح الوجودي , في خضم هذه المتوالية الشريرة يلوذ السارد بالماء والتراب والهواء والنار بوصفها العناصر الأصلية التكوينية الأربعة في اللاشعور الجمعي للإنسانية فينتخب منها عنصرين دالين هما الماء والتراب ويخضعهما الى رؤيا المفارقة ومنتخبا أيضا ” الملح ” بديلا مفارقا عنهما في الصورة والدلالة ,  فسيادة الملح هي انتصار الزوال / هزيمة الحضارة الكلوروفيلية وانجزارها بعيدا عن تخومها الاولى / تقلصها من المتناهي في الكبر الى المتناهي في الصغر ، هيتروتوبيا السارد لاتنبت سوى محاصيل الزوال , يتخذ الملح فيها شكل الاشياء , ويغطيها  ببلوراته , الملح  زينة الخراب , واكبر محاصيل مدينة الرؤيا , وهو الظمأ الكوني , فساد الماء والتراب والانسان بعد وأده كل ما هو عذب او خصب او أليف  , انه موسم النهاية وتقويض الحيوات , الملح يسهم في مسخ العوالم وفقدانها ماهيتها , اضواء المدينة بوصفها علامات تحيل على الرؤية والاكتشاف تحمل الملح في موجاتها الضوئية فهو ملح اسود يقوض الدلالة البصرية للضوء ويحيله الى عالم مظلم وفراغ اعمى قاتم ، ويحدثنا النص عن ملح يطوق مداخل اليوتوبيا الموازية للمكان المعادي ، مقيما نوعا من اليوتوبيا المضادة , ينقلب فيها الفراغ على نفسه مشوها كل ماينتمي اليه فتفقد الاشياء الفتها وتتقشر دلالاتها عن دلالات مضادة معلنة ولادة الموت في اتون مخاض عدمي ، غير أن النص تعنينا ومتناً يكرس كونه تنويعا على ( بصرياثا ) و ( مدن الملح ) .
2- مفارقة المَسخ : بعبارة مشحونة بالسخرية السوداء يبدأ النص ليفتح نافذة رؤيوية على عالم ممسوخ يستدعي تكوينات مزرعة حيوانات هكسلي ، حيث تعتمد بنية المفارقة رصد الغواية الماكرة في جدل الدال والمدلول / الخارج  والداخل / المظهر المدرك والجوهر الخفي / المنطوق به والمسكوت عنه في اطار أنموذج  بشري بغيض في مسار بهيمي , ذوات حلت بها لعنة الدناءة – عوض لعنة الالهة – هكذا تفَعِّل المفارقة اشتغالاتها على ثيمة الانمساخ مؤكدة لحظتها الوجودية عبر الإحالة على ( غثيان ) كامو .
3- المفارقة الوجودية / النشوء والامحاء : ترصد ( الرقم 23 في الطابور ) تَشَيُّؤ الذات / استحالتها شيفرة رقمية تختزلها في الأرشيف القدري للمكان ، مجتزئة مقطعا زمنيا من حياة غاربة في مدينة رؤيا السارد ، ذات المدينة الكالحة مرة اخرى ، التي تقضقض عظام الموتى / الاحياء , والاحياء / الموتى , والاصطفاف القسري الذي يشتغل النص على دلالاته بدا بمثابة معادل موضوعي لمشرحة أو غرفة تعذيب تتخذ شكل المدينة  .
4- مفارقة المرايا الماكرة :  تنعقد فاعلية المفارقة في ( الغشاوة ) عبر جدل المرئي واللامرئي , وتتبنين في  العوالم المرآتية , تلك الفضاءات التي استقطبت اهتمام الروائيين والقصاص والشعراء على نحو مستمر ، إن المأسور بالغشاوة  لا يرى ما يرى وانما يرى ما يظن انه يراه .
5- الهامش النبيل : ترصد ( عازف الناركيلة ) مفارقة الذوات المهمشة المنفية عن فراديسها الارضية الى خارج المتن  الوجودي  الصارم  , لتعيش اغترابا نبيلا , يبقيها على صلة ابدية مع الخيار السليب , عازف الناركيلة يجتر رتابة الزمن ويعبر عن رفضه لسلطة الزمن ورغبته بالخلاص من سطوته عبر أحراقه , الذات تتحول الى محرقة , مانحة هذا الفعل الذي يبدو خاليا من الفاعلية ( اجترار الدخان ) قدرا من التبجيل الصوفي محيلة عملية اطلاق  الدخان الى عزف منفرد على  قيثارة  الهواء , يستحيل في احد كازينوهات ( شميسان ) الى عزف جماعي لسمفونية النبذ والبحث عن الوطن في الفراغات الدخانية الحاجبة للرؤيا , دخان  الزوال والاختفاء الذي يمضغ الذوات في منافيها غير الاختيارية .
6- المسير في بئر : يعقد النص مفارقته قبل ان يبدا , الظلام يفترس المسافة ,  يعمل على تصغير العوالم  واحالتها نقاطا كثيفة من العتمة تجذب الموجودات الى المحو بقوة  جذب  الكثافة , مشكلة  بوابات موصدة , حائلا مستمرا بين الخارج والباطن , هنا تتدخل البصيرة لاجتياز هذه البوابات التي يعجز عن اختراق حجابها  البصر , حملت ( فسحة من ظلام ) احساسا بضراوة السواد وجعلت منه موضوعا عولجت من خلاله ثيمات مثل الزمان / المكان / الامومة  / ..) وقد انصبت كلها في ( بودقة الاسود ومشتقاته ) الظلمة تكتسح العالم وتلقي  بظلها الثقيل على الاشياء ، الا ان الراوي وقد استدرج المروي له الى قلب الظلام الكونرادي , ابقى كوة مفتوحة للضوء / الرؤيا / تحقق البصيرة , وذلك في نهاية النص .
7- ثبات متحرك :  ترصد (العطش)  ميكانزمات الدفاع النفسية في وجه مستحيلات الواقع وقلاع القدر ، وما هروع الراوي الى قدح الماء الا اعلان عن رغبة ضارية بحياة بلا ظمأ وسط الفراغ الكوني المتصحر .
8- الصخب الصامت : يمكن  تفكيك بنية العنوان المجازية في نص ( أنفلونزا الصمت ) الى بنية مجازية موازية هي ( صمت كالانفلونزا ) تمنح التعبير شخصيتين اسلوبيتين معا هما الاستعارة والتشبيه التفسيري للاستعارة , او التشبيه والاستعارة المفسرة للتشبيه , وباء الصمت يكتسح المدينة المجاهرة باحلامها امام تلمظات الموت المتوعد , الصمت هو المحو , عالم الصمت هو عالم  العزلة والاستغراق في المجرة الداخلية فضاء بديلاً عن خارج معاد , المدينة الصامتة وجود ناقص لا يكتمل , لان الصوت وحده يفتح  الداخل المسكوت عنه على الخارج المنطوق به , الصوت وحده هو الحقيقة , الصوت رؤية , والرؤية اصوات ورسائل لغوية , رؤية خرساء تمنح التاويل متاهة مناسبة لسيمياء السحر والتعاويذ والجوانيات السرية المتصلة بافلاك الموت عبر الدوال السابحة الوجود الحبيس خلف جدران الكينونات الشاهقة السميكة , لان صوت الخوف اعلى من كل صوت سواه فإن الاصوت تتلاشى أمام ضخامته وهيمنته الساحقة .
9-  مومياء الأزمنة / مواطن معاصر في زمان  قديم : في ( الفرمان ) يستدرجنا الراوي الى فضاء عثماني من ذاكرة  المكان ، يطرح المروي له سؤالا حول جدوى استدعاء التاريخ في سياق قصة قصيرة لاتتسع لكثير من الاحداث ، الاجابة موجودة في الحوارية الختامية التي تمركزت  فيها  فاعليه المفارقة في مجمل النص ، ولا يكتفي الراوي بهذه الحوارية التي رسخت البنية الدلالية للنص واختزلتها اختزالا رمزيا معبرا نجح في سحب الماضي الى الحاضر من اجل غاية رمزية ، فمومياء المكان / متاهة خارجة عن التاريخ , وليس ( جهاز الموبايل ) هو الهدف الرئيس للحبكة السردية في النص وانما مثل علامة تدعم المنحى الساخر لقصص القطراني وتسلط الضوء على مكامن المفارقة في تجارب وجودية  تنتمي الى صميم الحياة وتتشرب بواقعها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*  انفلونزا  الصمت ـ قصص ـ باسم القطراني ـ منشورات اتحاد الأدباء ـ البصرة ـ 2007 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : رغبات ذاك الخريف [*] رغبات مكبوتة وأحلام قتيلة في واقع مرير.

لم أقاوم نعاساً جريئاً صادماً بعد انتهائي من قراءة رواية “رغبات ذاك الخريف” للكاتبة الأردنيّة/ …

| جمعة عبدالله : وجع  الاغتراب  في المجموعة الشعرية “إمرأة من كرزٍ وعسل” للشاعرة ذكرى لعيبي.

التجربة الذاتية التي تنطلق من صدق أحاسيس  الوجدان , بدون شك انها تلعب دوراً هاماً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *