فصل من رواية إمبرتو إيكو ” مقبرة براغ”
ترجمة وتقديم : خضير اللامي

إشارة :
بعد إنقطاع مبارك انهم فيه المترجم الأستاذ “خضير اللامي” بترجمة  الرواية الأخيرة للروائي والمفكر “إمبرتو إيكو” يعود إلى قراء موقع الناقد العراقي عودة مباركة يخصهم فيها بفصل من الرواية. فتحية له.

في الثامن من شهر تشرين الثاني من عام 2011  ، صدرت الرواية السادسة للروائي الإيطالي إمبرتو إيكو  ” مقبرة براغ “. طبعت سبع طبعات وبيع منها ملايين النسخ ، في ايطاليا والمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات الأمريكية وبقية البلدان الغربية  وتتألف من 436 صفحة من القطع المتوسط ، وتُعد الرائعة الأدبية الثانية لإيكو بعد رواية ” إسم الوردة “بعد انقطاع إيكو ست سنوات عن الكتابة .   
 ورأيت أنها رواية إستثنائية بإمتياز، من حيث ثيمتها أو سردها السيميائي التاريخي لأحداث جسام واجهتها أوربا الغربية ما بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين وبخاصة في إيطاليا وفرنسا حيث تفشت فيهما مظاهر الدسائس والمؤامرات والغش والتضليل والتزوير ودور اليهود والماسونية في هذه الاحداث. وبالذات ما يطلق عليها ” بروتوكولات حكماء صهيون ” وفيما إذا كانت هذه البروتوكولات حقيقية أم مزيفة التي قال عنها ألبرتو إيكو في إحدى مقابلاته ” لم أرسم مخططا لهذه الرواية ، بيد أنني تخيلت بطلا يعيش في القرن التاسع عشر ، ويعاني من ازدواجية في الشخصية ، ومن ناحية أخرى تطرقت إلى بروتوكولات حكماء صهيون ، التي كنت مهتما بها منذ فترة طويلة ، ذلك أنها تكشف بوضوح تأثير الوثائق المزيفة في صناعة التاريخ ..”
بطل الرواية الرئيس ، هو سيمون سيمونيني ، الذي يعد أكبر جاسوس ومزور عالمي للوثائق ، عمل لحساب الإيطاليين والفرنسيين والروس خلال حرب 1870 ويعد المزور الأساس للبروتوكولات.
الرواية ومن خلال هذا الفصل كما في بقية فصولها وفي نصها الإنجليزي قد تبدو سلسلة ومرنة ومفهومة وقد ينطلي هذا على القاريء العادي ؛ لكن القاريء المحترف المتمرس كما يقول إيكو قادر على التعامل مع إسلوب الرواية ، أما القاريء الهاوي والحديث ما يزال الكلام لإيكو فإنه يسهم في إنهيار هيكلية الرواية بأكملها نظرا لعدم تمكنه من إستيعاب اللغة الخيالية المحبوكة بدقة متناهية ..”
وأخيرا ، هذه رواية ذات تقنيات فنية عالية ، لسببين ، أولهما أنها تتعامل مع أحداث غامضة جسام ، كما جاء في أعلاه ، وثانيهما ، أنها كتبت من قبل روائي وناقد سيميائي متمرس في مجاله ..
ومنذ ذلك التاريخ ، أي منذ نهاية عام 2011  ، وأنا منكب على ترجمة الرواية وأوشكت على الإنتهاء منها وقد أبدت دار الشؤون الثقافية العامة إستعدادها لتبني طبعها وحسب سياقاتها..
—————-

18، 19/ نيسان 1897،عند هذه النقطة ، أن مَن يطل مِن فوق كتف سيمونيني ليقرأ ما قد كتبه دالا بيكولا سيرى الكلمات تتعثر على نحو مفاجيء ، كما لو أن يده لم تعد قادرة على الإمساك بالقلم ، تجري تلقائيا ساحبة خربشتها لتواصل الكتابة بهذه الطريقة على الورقة ، مؤشرة ترتيب نسق العلامات ساحبة النسيج الأخضر لمنضدة الكتابة نحو الأسفل، كما لون أن جسم الكاتب شرع ينهار بإزاء الأرض ، وعلى الصفحة الأخرى من الورقة يبدو أن الكابتن سيمونيني إستأنف الكتابة .
إستيقظ  وارتدى زي كاهن ، لبس على رأسه باروكة دالا بيكولا ، بيد أنه أدرك الآن ، عبر ظلال من الشك، أنه كان سيمونيني . هناك ، فرش على المنضدة مجموعة أوراق، وسرعان ما رأى آخر تلك الصفحات بخط يد دالا بيكولا المُفترض ، كُتبت بطريقة هستيرية وبخط يد مضطربة على نحو متزايد . تعرَّق ، همَّ قلبه بالخفقان ، حين كان يقرأ واستحضر كل ما قد كَتِب في تلك اللحظة حين توقفت يد آبي عن الكتابة وهو (ال آبي ) أو بالأحرى هو ( سيمونيني ) كانا – كَّلّا ، كان – مصعوقا بالذعر ، وتهاوى .

الروائي إمبرتو إيكو

بينما كان يستعيد وعيه ، كانت غيوم الإضطراب تنقشع تدريجيا وأصبح كل شيء أمامه واضحا . تعافى ، وأدرك أنه و دالا بيكولا هما شخصا واحدا فلقتا ثمرة واحدة . كان قادرا الآن أن يتذكر ماذا كتب دالا بيكولا  في المساء الماضي – بعبارة أخرى ، أنه تذكر جيدا أنه هو ذاته ، مرتديا زي آبي دالا بيكولا ( وليس ذلك الشخص ذاالأسنان الناتئة الذي قُتل ، ولكن ذلك الآخر الذي أعيد إلى الحياة وتشخصن بشخصية أخرى لعدة سنوات )  كان حاضرا خلل التجرية الرهيبة للقداس الأسود .
ماالذي حدث إذن ؟ ربما كان لدى ديانا متسع من الوقت لتنتزع باروكته خلل المشاجرة ، وربما  كان ينزع عباءته ليسحب بها جثتها الهزيلة ، ويرميها في شبكة تصريف المياه وعاد مرة أخرى إلى غرفته في شارع ميتري -البيرت، وربما فقد عقله في ذلك الوقت تقريبا، وحين استعاد يقظته في صباح اليوم الثاني والعشرين من شهر آذار ، لم يجد ملابسه .
يُعد الإتصال الجسدي مع ديانا ، والكشف عن أصولها الحقيرة وضرورة هذه الأصول لها، وطقوس الموت في الغالب يُعد شيئا كثيرا تعلقا به ، وفي تلك الليلة ذاتها التي فقد ذاكرته ، أوبالأصح ، أن دالا بيكولا وسيمونيني قد فقد كلاهما ذاكرته ، وتبادلت تينك الشخصيتين بعضهما بعضا على مدار ذلك الشهر . في كل الاحتمالات ، وكما حدث لديانا ، فإنه لابد وأن كان يتحول من حالة إلى حالة أخرى خلال تشكل المعضلة – حالة صرع ، إغماء ، مَن يعرف – ولكن دون أن يكون مدركا لها ، وهكذا فإنه في كل مرة يستيقظ فيها يفكر أنه قد نام نوما عميقا .
وأدى علاج الدكتور فرويد مفعوله ( رغم إن الدكتور لن يعرف بنجاح الدواء ) . وبواسطة سرد ذاتٍ في تلك المذكرات إلى ذات أخرى التي استخرجها بصعوبة شاقة من تجاويف عقله ، وكما لو أنه في حلم ، وصل سيمونيني إلى النقطة الحرجة ، والصادمة ، أدت به إلى حالة من فقدان الذاكرة ،  amnesia، حولته إلى شخصين متمايزين ، كلاهما يتذكر جزءً من ماضي حياة الآخر، دون أن يعرف هو أو الآخر ، ومّن كان تأريخه هو فإنه ليس تاريخ الآخر ، والعكس صحيح ، ومَن هو الذي سيكون قادرا على أن يعيدهما معا إلى أنا واحدة ، ورغم ذلك ، كلاهما يحاول أن يختفي عن الآخر المزعج ، إلغاء الآخر شيء لا يمكن تصديقه .
وعملية التذكر هذه إستنفدت كل مشاعر سيمونيني ، ومِن الطبيعي ، أن يطمئن نفسه أنه كان حقا بُعث إلى حياة جديدة ، أغلق دفتر يومياته وقرر الخروج ، متهيئا لأي مواجهة ، عارفا الآن أنه كان هو . كان مستعدا لتناول وجبة طعام جيدة ، ولكن لن يسمح لنفسه التساهل في الإفراط في الطعام ذلك اليوم ، ورأى أن مشاعره كانت موجعة جدا . كناسك من ثيباد ، يشعر أنه بحاجة إلى توبة .  تناول طعامه بعدم شهية ، ولكنه تحمله على مضض . بعد أن دفع ثلاثة عشر سوساً ( السوس أصغير عملة فرنسية قديمة .. المترجم ) ذهب إلى فليكوتو .
عاد إلى البيت ، قلَّب أوراقه عدة مرات بالتفصيل وجعل يرتبها , ليس لديه سببا للإستمرار في اليوميات – ولكنه بدأ بها كي يستحضر ماذا يمكن أن يتذكره الآن – بيد أن كتابة اليوميات أصبحت عادة لديه . في غضون شهر واحد حسب، صدَّق ، بوجود شخص يدعى دالا بيكولا ، إخترع  شخصا وهميا يستطيع مِن خلاله التحدث معه ، بعد أن أدرك أنه بقي دائما وحيدا لمدة طويلة ، حتى في طفولته ، ربما ( سيندهش السارد ) لفصام شخصيته لذلك السبب الوجيه – خلق إنسانا يتحادث معه .
حان الوقت ليقبل أن الآخرغير موجود . فضلا عن ذلك أن اليوميات ، هي تسلية منفردة . على كل حال ، قد أصبح معتادا على الصوت المنفرد وقررالإستمرار فيه  . ليس ذلك الشعور بحب ذاته حسب ، بل عدم حبه للآخرين ساقه أن يعمل ما في وسعه لخلق صديقه الخاص .
وخلق دالا بيكولا –  دالا بيكولا إياه بعد أن قتل دالا بيكولا الحقيقي – حين طلب منه لانغرانغيه أن يتعامل مع بولان . فكر بمهمات كثيرة مثل مهمة كاهن التي تثير قليلا من الشك مما لو كان رجلا علمانيا . وحبذ فكرة نشور شخص ما كان قد قتله .
حين اشترى أول مرة البيت والمحل التجاري في شارع موبيرت غيرالسالك ، بسعر منخفض جدا ، لم يكن بحاجة إلى غرفة مدخلها يفضي إلى شارع ميتري – البيرت ، مفضلا تثبيت عنوانه على شارع موبيرت غيرالسالك، وبذلك يستطيع أن يستخدم المحل . وحالما ظهر دالا بيكولا في المشهد ، أثث الغرفة بأثاث رخيصة واستخدمها كوهم لعنوان آبي الوهمي .
كان دالا بيكولا مفيدا ليس في التطفل على عبادة الشيطان والحلقات الغامضة حسب، ولكن أيضا على مظاهرالساعات الأخيرة للإحتضار . حينما اُستدْعي من قبل أحد الأقرباء المقربين ( أو البعيدين ) سيكون المستفيد من الوصية التي زيفها سيمونيني – وإذا كان ثمة أحد يثير غبارا من الشك في وثيقة غير متوقعة ، سيكون الشاهد رجل الدين الذي أقسم أن الوصية ثبت وتؤكد الرغبات الأخيرة المعبرة عن الرجل المتوفى . ومن ثم ، فإن التعامل مع قضية تاكسيل ، كان دالا بيكولا رجلا ضروريا له. إنه هو الذي تعامل عمليا مع المخطط الكامل لأكثر من عشر سنوات .
واثبت تنكر سيمونيني فائدته حد ، إرتدى زي دالا بيكولا ، واستطاع بسهولة من الإلتقاء بالأب بيرغاماشي وهيبوتيرن . كان دالا بيكولا غير ملتحٍ ، أشقر اللون ، وذا أهداب كثة ، يرتدي نظارة زرقاء مظللة تخفي نظراته . وكما لو أن هذا ليس كافيا ،  فابتكر إسلوبا آخرلخط اليد ، كان في الغالب خطا ناعما وإنثويا ، وغيَّر من نبرات صوته . في الواقع ، حين كان دالا بيكولا ، لم يكتب سيمونيني أو يتحدث بطريقتين مغايرتين حسب ، ولكنه وجد نفسه تماما في خضم ذلك الدور .
كان من العار ، أن يختفي بعد ذلك دالا بيكولا ( قَدَرَ آبي لذلك الإسم ) ، ولكن على سيمونيني أن يغسل يديه من المهمة برمتها، وليس حذف يوميات تلك الحوادث المخجلة التي أدت إلى الصدمة حسب ، ولكن في عيد فصح الإثنين أيضا، وطبقا للخطة ، كان على تاكسيل أن يعلن إعترافه أمام الناس ، و بموت ديانا ، من الأفضل أن يزيح كل شواهد المؤامرة في حالة  شروع شخص ما بإثارة أسئلة صعبة .
بقي في يوم ذلك الأحد حسب ثم غادره في صباح اليوم الذي تلاه . وتنكر بزي دالا بيكولا وذهب لمقابلة تاكسيل ، الذي كان يزور مدينة أوتيويل في كل ثلاثة أيام في غضون الشهر الماضي ولم يجد ديانا أو نفسه ، لكنه وجد إمراة عجوزا حسب ، أخبرته أنها لا تعرف أي شيء وتخشى أنهما إختطفهما الماسونيون . وشرح لتاكسيل أن دو موريه قد أعطاه مؤخرا العنوان الصحيح لعائلة ديانا في شارلستون ، ووجد طريقة لإعادتها إلى أمريكا – تماما في الوقت الذي كان يهيء فيه تاكسيل عرضا عاما عن احتيالاته . أعطى تاكسيل خمسة آلاف فرنك كمقدمة لمبلغ الخمسة والسبعين فرنكا الذي وعده به ورتب المقابلة في مساء اليوم التالي في الجمعية الجغرافية .
ما زال مرتديا زي دالا بيكولا ، ذهب إلى أوتيويل . وقد رحبت به المرأة العجوز ترحيبا كبيرا . كانت قد افتقدته وديانا لأكثر من شهر وما عرفت ماذا تقول للمسكين مسيو تاكسيل في زياراته المتكررة . وأخبرهاالقصة عينها : أن ديانا قد عادت إلى أمريكا والتحقت بعائلتها . كانت المكافأة السخية أخرست العجوز الشمطاء ، جمعت خرقها البالية وغادرت في ذلك المساء .
في ذلك المساء أيضا ، أحرق سيمونيني كل أوراقه ، والآثار الأخرى لمهمتهم خلال تلك السنوات ، وفي آخر تلك الليلة أخذ خزانة ملابس ديانا ومحتوياتها الأخرى هدية إلى غافيالي – ولم يسأل ذلك الرجل بائع الملابس العتيقة أبدا عن البضائع التي عانى مِن بيعها . في صباح اليوم التالي ذهب إلى المالك لإلغاء عقد الإيجار ، متحججا أن لديه مهمة عاجلة في إحدى الدول البعيدة ، ودفع مبلغا إضافيا لمدة ستة أشهر كإجراء وقائي لأي اعتراض من قبل المالك . وذهب الأخير معه ليرى أن كل شيء في الشقة على ما يرام ، تسلم المفاتيح وأغلق الباب .
كل ما تبقى له هو ، أن يستأصل دللا بيكولا ( للمرة الثانية ) . ولا يستغرق منه هذا وقتا طويلا ، وأزال سيمونيني علامات انتحال شخصية آبي وأعاد تعليق عباءته إلى الرواق ، وبذلك ، إختفى دالا بيكولا من على وجه الأرض . وكإحتراز، أزاح كرسي المركع ( كرسي ذو ذراعين يوضع على أحدهما كتاب .. المترجم ) والكتب الدينية من الشقة ، ووضعها في محله كمواد لبيعها إلى هواة جمع الكتب ، ليكون بعدها مستعدا لإنتحال شخصية أخرى .
لم يكن أي أثر لكل ماحدث ، ما خلا ما تحتويه يوميات تاكسيل وبايتايلي . بيد أن الأخير ، بعد خيانته ، فإنه من المؤكد لم يظهر على سطح المشهد مرة أخرى ، وتعلقا بتاكسيل فإنه من المؤمل أن تنتهي قصته في ذلك المساء أيضا .
في مساء التاسع عشر من نيسان / أبريل ، إرتدى سيمونيني ملابسه الفاخرة الإعتيادية ، ذهب  ليستمتع بمشهد تراجع تاكسيل . بإستثناء دللا بيكولا ، عرف تاكسيل ماتري فورنير حسب ، وهو كاتب عدل وهمي ، غيرملتحٍ ، شعره كستنائيا ، ركَّب سنَّيْن من ذهب . وقد رأى تاكسيل سيمونيني ملتحيا مرة واحدة حسب ، حينما كان يستخدمه لتزييف رسائل هوغو وبلان ، ولكن كان هذا قبل خمس عشرة سنة وربما قد نسي وجه ذلك الناسخ لتلك الرسائل . ولتغطية كل الإحتمالات ، إلتحى سيمونيني بلحية رمادية وارتدى نظارات خضر ، جعلت منه شبيها بعضو في الجمعية الجغرافية   ، وهكذا استطاع الجلوس مع الجمهور ليستمتع بالتسلية .
ظهرت أخبار الحادثة في جميع الصحف . كانت القاعة محتشدة ؛ جاء بعض الناس بدافع الفضول ، وآخرون أتباع ديانا فوغان ، وماسونيون ، وصحافيون ، وعدد من ممثلي رئيس الأساقفة وسفراء بابويون .
تحدث تاكسيل بوابل من لغة جنوبية نموذجية بليغة . مما أدهش الحضور ، الذي كان هناك لمشاهدة ديانا والإستماع إلى كل ما قد نشره تاكسيل في غضون خمس عشرة سنة ، بدا كلامه بمهاجمة الصحافيين الكاثوليك وقدم جوهر بوحه بقوله ، ” إنه من الأفضل لكم أن تضحكوا بدلا من أن تبكوا ، كما تقول حكمة الإمم .” وقد وصف متعته في الإحتيال: ” لم تكن ولادتي في مرسيليا عبثا ،” وسخر، من استمتاع الجمهور . وسرد بسرورغامر قصة أسماك القرش في مارسيليا والمدينة المغمورة في بحيرة جنيف  Lake Geneva، ليقنع الجمهور أنه كان محتالا، لا أحد يوازيه في المزاح العظيم في حياته ، وعلى كل حال ، سرد قصة حديثه الواضحة وكيف أنه ضلل كهنة الإعتراف والمرشدين الروحيين المعينين لضمان إخلاص توبته .
كان مستهل افتتاح خطبته قاطعها الجمهور أولا بالضحك وبعد ذلك بالغضب المتفجر من عديد من الكهنة  . وقف الناس وهمَوا بمغادرة القاعة ، وأخرون لازموا مقاعدهم لمهاجمته . وبإختصار ، ساد الإضطراب الكبير، لكن مازال صوت تاكسيل يعلو مسموعا ، ما لبث يصف كيف أنه قرر مهاجمة الماسونيين كي يبعث الإرتياح في قلب الكنيسة بعد سفرين التكوين Humanum Genes   ” ولكن في نهاية المطاف ” قال ” وحتى الماسونيين يجب أن يكونوا شاكرين إياي، لأن كتبي التي تضمنت طقوسهم تتضمن بعض التأثير على قرارهم في قمع ممارسات قد عفى عليها الزمن ، وتحولت إلى سخافة  لكل ماسوني كان صديقا للإرتقاء البشري ، وتعلقا بالكاثوليك ، إكتشفتُ في أيام مبكرة عند تحولي أن كثيرا منهم كانوا مقتنعين أن المُخطِّط العظيم للكون – الكائن السامي للماسونية – هو الشيطان . لذلك ، كل ما وجب عليَّ القيام به هو أن أزوِّق إدانته .
واستمر الهياج . حين حول تاكسيل حديثه إلى ليو الثالث عشر ( وسألني البابا ، ” ياولدي ، ماذا ترغب ؟” أجاب تاكسيل ، ” أيها الأب المقدس ، أن أموت تحت قدميك ، في هذه اللحظة ، وسيكون هذا من بالغ غبطتي !” ، وتحول الصراخ إلى مجموعة من المنشدين . صرخ أحدهم ، ” يعيش ليو الثالث عشر . ليس لك الحق في أن تلفظ اسمه !” وصاح آخر ، ” هل ينبغي علينا أن نصغى إلى هذا الكلام ؟ أنه لشيء مقزز !” وصاح آخر أيضا ” آه، أيها الوغد ! أية طقوس معربدة في الفساد !” وراح عواء الضحك يتعالى بإستمرار .
قال تاكسيل ، ” وهكذا ، سمحت بشجرة اللوسيفيرية ( لوسفيري إسم للشيطان .. المترجم ) الحديثة بالنمو ، مُدخِلا فيها الطقوس البالادية ، مفبركا إياها كليَّة من البداية حتى النهاية . ”
ومن ثم وصف كيف أن صديقا كحوليا قديما إخترع شخصية الدكتور باتايلي ، وكيف أنه ابتدع صوفيا فالدر ، أو صوفيا صافو ، وكيف أنه نفسه قد كتب كل الأعمال التي ألفتها ديانا فوغان . قال ، كانت ديانا إمرأة بروستانتية عادية ، ونسخة نموذجية ، وممثلة لصناعة آلات الطابعة الأمريكية ، ألمعيّة ، إمرأة حيوية في بساطة أناقتها ، كما هن النساء البروستانتيات عموما , وشرع يشاركها في عبادة الشيطنة ؛ كانت تستمتع بتلك المشاركة وأصبحت شريكة في أعماله الإجرامية . وراحت سخافاته تروق لها ، وكتبت إلى الأساقفة والكرادلة ، وتسلمت رسائل من السكرتارية الخاصة للحبر الأعظم ، تعلم فيها الفاتيكان عن المؤامرات اللوسيفيرية .
إستمر تاكسيل ” ولكن ، رأينا حتى الماسونيين تسقطهم ذرائعنا . حين أظهرت ديانا أن القائد السامي لشارلستون قد عين أدريانو ليمي خلفا له للوسيفيرية الحبر الأعظم ، وأخذ بعض الماسونيين الإيطاليين ، بما فيهم نواب برلمانيون ، الأخبار بجدية , وقد انزعجوا لأن ليمي لم يعلمهم ، وأسسوا ثلاثة مجالس بالادينية سامية مستقلة ، في صقليا ، ونابولي ، وفلورنسا ، سميت بإسم الآنسة ديانا فوغان بوصفها عضو شرف . وكتب المسيو مارغيوتا سيء السمعة أنه سبق له وأن قابل الأنسة ديانا فوغان ، بينما أنا الذي كنت تحدثت إليه عن مقابلة لم تتحقق أبدا ، حتى أنه تظاهر أنه تذكرها فعلا . وكان الناشرون أنفسهم قد خُدِعوا ، بيد أنهم لم َيشْكوا في الأمر ، لأنني أعطيتهم ثروة لنشرأعمال يمكن أن تنافس ألف ليلة وليلة ، The Thousand and One Nightا.
وأردف ” أيها السادة ، حينما تفهمون تكونون قد وصلتم مرحلة الجنون ، وأفضل شيء تقومون به هو أن تضحكوا مع الجمهور . ” أضاف وهو يؤشر إلى أحد نقاده الشرسين في القاعة “وأنت ، يا مسيو غارنر ، أصبحت الأكثر غضبا من غيرك ، والأكثر سخافة بينهم .”
صرخ غارنر ، وهو يؤشر بعصاه ، بينما حاول أصدقاءه تهدئته ” أيها الوغد .”
قال تاكسيل وعلى وجهه إرتسمت ابتسامة ” مرة أخرى ، لا نستطيع أن ننتقد أولئك الذين يؤمنون بالشياطين الذين ظهروا في مراسيم تلقيننا . وهل أن المسيحيين الطيبين لا يؤمنون أن الشيطان أخذ المسيح اليسوع إلى جبل ، ليريه كل ممالك الأرض ؟ ولكن كيف يريه ذلك الشيطان كل تلك الممالك إذا كانت الأرض تحيط بنا في كل مكان ؟”
وصاح قليلا ” هذا صحيح !”
وصرخ الآخرون ” لسنا بحاجة إلى التجديف .”
وكان تاكسيل على وشك أن يختتم كلامه ” أيها السادة ، أنني أعترف ، أنني كنت اقترف وأد الأطفال . والبلادمية هي الآن مائتة  – أماتها أبوها ”
ووصل الصخب أوْجه . وقف آبي غارنر على مقعد وحاول أن يخاطب الجمهور ، بيد أن صوته ضاع وسط ضجيج ضحك أولئك الغاضبين وصراخهم . بقي تاكسيل على المنصة حيث كان يخطب ، مراقبا بإعتداد نفس زئير الحشد . كانت لحظة مجده . إذا كان يريد أن يكون ملك المحتالين ،و قد أنجز هدفه .
حدق دون أن يتزحزح قيد أنملة من مكانه إلى أولئك المحتجين أمامه وهم يؤشرون بقبضات أياديهم أو بعصيِّهم ويهتفون ” يا للعار ” بقي يحدق فيهم على نحو لم يفهم في الغالب . ما الذي فعله حتى يستحق العار ؟ والحقيقة أن الجميع كان يتحدث عنه ؟
كان سيمونيني يمتع نفسه أكثر من الجميع بينما كان يفكر ماالذي كان بإنتظاره في مستودع في الأيام القوادم .
كان يبحث عن دالا بيكولا من أجل ماله ، ولكن لا يعرف أين يجده . فإن كان قد ذهب إلى أوتيويل ، فإنه سيجد البيت شاغرا ، أو ربما شغله أحد ما في الوقت الحاضر . ولم يعرف أي شيء عن عنوان دالا بيكولا في شارع ميتري – البيرت غير السالك . كما لا يعرف كيف يتصل بكاتب العدل فورنير ، ولا يعتقد أنه يرتبط بذلك الشخص الذي كان ولسنوات طويلة ، يزيف رسائل هوغو . أما بولان فمن المستحيل أن يجده . كما ليس لديه أدنى فكرة عن هيبوتيرن ، الذي عرف بطريقة غامضة أنه من كبار الماسونية ، ولا ما يفعله يتعامل مع هذه الأحداث ، لكنه كان يجهل تماما وجود الأب بيرغاماشي . بإختصار، أن تاكسيل لا يعرف مَنْ يسأل عن نقوده ، لذلك فإن سيمونيني ربما وضع كل المبلغ في جيبه ( على الأقل ، لسوء الحظ ، الخمسة ألاف فرنك كمقدمة ) بدلا من النصف تماما.
إنه من الممتع التفكير بالوغد الذي يتجول في باريس للبحث عن آبي وكاتب العدل اللذين تواريا عن الأنظار ، وتعلقا بالشيطاني والبلاديني اللذين اختفت جثمانيهما في شبكة مجاري المياه المنسية ، فإن بيتايلي ، حتى وإن كان صاحٍ من كحوله ، فليس لديه ما يخبره به ، وما يتعلق بمبلغ الفرنكات أنه ذهب إلى الجيب الخطأ . يشتمه الكاثوليكيون ، وينظر إليه الماسونيون بريبة ، الذين كانوا من حقهم أن يخشوا من تحول آخر ، وربما كان مثقلا بالديون إلى ناشري كتبه ، لا يعرف إلى أي وجهة يستدير .
ولكن ، فكر سيمونيني ،  مشعوذ مارسيليا يستحق ذلك .

شاهد أيضاً

خالد جواد شبيل: مع العلّامة حسن الأمين في حِلِّه وتّرحاله – 1

أول الكلام: بين يديّ كتاب هام وإن قلت أنه فائق الأهمية ما جافيت الحقيقة بل …

التعريف ببعض مؤلفاتي المنشورة
الكتاب الخامس: (دراسات في الشعر العربي واماراته)
د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

الكتاب في صيغته النقدية يبحث في منهجية الشعرالعربي منذ العصرالجاهلي وحتى المعاصر ويثبت لكل عصر …

ذكريات باريس
مهدي شاكر العبيدي
اوستن- تكساس

كتب إليَّ صديق بمناسبة فراغه من قراءة كتاب ( ذكريات باريس ) تأليف الدكتور زكي …

2 تعليقان

  1. مجيد الأسدي

    الأستاذ الفاضل
    تحية المحبة,
    أعتقد أن روايات (ايكو) تتميز كلها بالغموض والتعقيد,ولا أدل على ذلك من أن المؤلف نفسه أصدر كتابا عن (اسم الوردة) أسماه (تأملات في اسم الوردة ! كما أعتقد أن هناك رواية ثالثة للمؤلف بأسم(بندول فوكو) قامت بترجمتها السيدة أماني فوزي حبشي ,صدرت طبعتها الأولى عن المركز القومي للترجمة سنة2011 في 723صفحة.

    أثمن فيك هذا الجهد في الترجمة متمنيا لشخصكم الكريم الصحة والعافية,تقبلوا صادق تقديري

  2. مجيد الأسدي

    الأستاذ الفاضل
    تحية المحبة,
    أعتقد أن روايات (ايكو) تتميز كلها بالغموض والتعقيد,ولا أدل على ذلك من أن المؤلف نفسه أصدر كتابا عن (اسم الوردة) أسماه (تأملات في اسم الوردة ! كما أعتقد أن هناك رواية ثالثة للمؤلف بأسم(بندول فوكو) قامت بترجمتها السيدة أماني فوزي حبشي ,صدرت طبعتها الأولى عن المركز القومي للترجمة سنة2011 في 723صفحة.

    أثمن فيك هذا الجهد في الترجمة متمنيا لشخصكم الكريم الصحة والعافية,تقبلوا صادق تقديري

    ملاحظة:هذا أول تعليق لي فكيف يكون مكررا؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *