علي الشباني : طارق ياسين .. شاعر مستمر

علي الشباني في أيامه الأخيرة

يلعمرك عجيب إشما تدوم تروح يلعمرك عجيب إشما تروح تدوم يا أول نهر ميّك هني ومسموم
– 1 –
بأيما شيء يبتدئ الموت، وبصورة اخرى متى يولد شاعر ثم يموت؟ ليس في الامر ايما سهولة والا لما كان للحزن ومواسم الكـآبة والشوق وانهماكات الانسان الغريبة، اي مبرر. في الحياة ثمة نسغ لا يدفع للشمس الا شاعرا فردا. ليس في الامر ايما سهولة والا لكانت الولادات البكر اسهل من الماء، وكان عذاب الشجر الموسمي كفرح الطيور الغبشية، في ليل مر، كالفرح الوحشي يولد شاعر فرد ومن ثم تأخذ به الحياة ضوءا للكشف والعذاب اللاذع والابدي وبه تكون للشجر طاقة التشقق وللماء رغبت العناق مع الحجر..
هكذا يصفن الكون فجأة ويولد شاعر…
وثانية يصفن الكون… ويموت الشاعر… وتستمر الحياة
تستمر بدفق روحي يتجدد.. تتدفق بنظافة وخارقية عميقة وخالدة ولا اقول بموته فذلك يغضب الشجر الشتوي وطيور البحر الساخنة والقادمة من مدن اخرى. للشاعر روح تحل بنا جميعا، نحن الكائنات الواعية، كما يقال، واخرى تحل بنفسها من خلالنا.
هذه مسافة الشاعر القلقة والدامية والواثقة ايضا، وليست ثمة خسارة في المسافات اللانهائية وليس ثمة فرح.
****
– 2 –
وهم ان يكتب عن شاعر، تلك مهمته الاولى وفعل الحرية البارق ازاء الموت وتشويه الانسان، ان كائنا يصرخ بالكلمات كل العمر ويحتشد بها ويشقق، لا يبقي لمن يبتغي الكتابة بكلمات مضافة لا طعم لها اية بادرة.
حياة الرجل في الكلمات، تلك الغابة المقدسة لشعراء الانسان..”يلي محبتج شجرة صنوبر بوحشة غابة“.
تلك هي حالة الشاعر في الدنيا..
”شجرة صنوبر بوحشة غابة“
بالحب الغامر يحمل هذا الانسان، الفرد، الغريب، الشامل بوجود الغابة قنديل الكشف ويعلن الدهشة ازاء غموض الكون وعذابه وعاصرته وجدراناته المتكاثرة.. وبذلك يعتني.. يمتلئ، ويضيء..
”وين رايح بالمحبة.. بروح ما خضر سعفها “
………….
”اشكثر رغباتك، امنين تفوت…
والمدينة اشكصفها “
لابد من هكذا حساسية في الحياة والشعر تنفذ بعيدا لرجل يسكن هذه الغابة -المدينة، الاكثر قسوة واحاسيس من مدن الناس الاولى والاليفة،المدينة التي يسكنها طارق بن ياسين..
المدينة التي (كان) يسكنها طارق بن ياسين.
ما انذل هذه الـ(كان) الناقصة وما اسفل سقوطها في الزمن، وهذا هو طعم الكلمات المضافة والفاقدة لروح الانسان والمستقبل وماذا تفعل بالشعراء والموهوبين والاذكياء هذه المدن الشرسة. ان للشاعر روحا وحسا وحرفا تختلف..
“ييمه وبغداد الشوم ع الدينار مصلوبة“
ليس اسهل عليها من اغتيال شاعر بعد اتعابه حد اليأس والمكابرة
”مدينة هلي يا سرج النوايب “
الا يذكرنا ذلك بكل نقاط الضوء المشعة بالدم والكلمات في مسيرة التاريخ الانساني. قليلون اولئك الذين وقفوا على محور العالم وتحدثوا من ثم لكل البشر. ولأنفسهم بأفق وهموم شاملة وشخصية محضة كذلك وبقدر رؤيتهم للدنيا ولأنفسهم يعتنقون هذا الخلاص المجاني والعنيف: الشعر ولماذا على الشاعر ان يقف وحده ويحمل اوزار العالم ويظل امينا للينابيع وقناعاته التي تبدأ دائما بالخصام الحاد واللا انساني احيانا مع مثل ارضية بائسة وواقع لا يرحم وتأخذ روحه المتخطية الناظرة الى امام، بالقفز المنتشي فوق جدران وحواجز المدن الملتهبة، ولكنها تحترق اخيرا (روح الشاعر/الجسد) تشع.. تتوهج، كما كوكب يركض صوب الارض ويزداد لمعانا قبل الانطفاء، قبل ان تصل كما يحرق بوذي جسده ليكف.. عن ماذا؟ لا ادري، لكن البوذي والشاعر يعرف اكثر من اللازم.
ابدا بها جدب دنيا الشعراء، يوجع الماء ويخجل الشجر الصيفي لذلك:
“امش كل السنين شحاح…
اسكي بهاي ذيج تموت
“اسكت لا تعد الند بسبحة اليسر…
عملات اليسر بسكوت “
هكذا كان طارق في المدينة بصمت يأتي الاشياء (اليسر) ومع روحه يماحكها لقد تعب، ولم يعد مع الناس يجري في شوارعها الكئيبة، وتلك ازمة اعمق في المدن النصف حضارية، الناقصة واللابسة اخلاق البداوة ونمط العشيرة ماذا يفعل معهم.. انهم يريدون ويعيشون بقدر هذه الدنيا الشحيحة وهو يريدهم لا كما يعيشون. ذلك نزوع الرجل/الشاعر.. الانساني الشامل الذي فجر عند الشاعر طارق وفق الشعر الموغل بالادانة والغضب والمشاركة الموجعة والجمال.
”تتشابج جروح الناس.. وجروحه
وتزود جروح
واشعاري وراي ارماح..
يشيمها النعي وتلوح
والدمعة التريد تطيح يدفعها الصبر للكلب…
وتغير مجاريها “
………..
”تون غير الونين اللي تونه الناس
واسمه ونين
غير اللي مله صور الفرات سنين “
– 3 –
بالفعل الثوري المتساوق مع الايقاع العميق والشجي للحياة الانسانية المعاشة وعلى اي مستوى كان.. يبدد التغيير، او قل: المساهمة الدؤوبة في تفجير معطيات الواقع نحو اضاءة الدروب الانسانية الذاهبة نحو الافضل.. نحو مدينة جديدة، لامعة مغسولة بالامطار الخضراء والشمس الصديقة.. والانسان المتفتح الواثب وكان طارق ياسين مع الشعر الذي يغني ويعمق الرؤية في الواقع ويشققه وبذلك ارتبط مبكرا بحركة الشعر العراقي الحديث، وكتب بلغة الناس اليومية شعرا تسامى بالذوق السائد صوب الاجود والاجمل وكوجود صادق وذات متجاوزة ومبدعة بحق، لم يمتهن التهويل والاعلانات البراقة عن الذات وفرح الوجه في ايما زاوية مغرقة بالضوء الكاذب والنفع الاني: ان مفهوم طارق عن الشعر الحقيقي الخالد ومهمته جعله يثق تماما بالابداع والاصالة فقط، وجنبه هذا الوعي الثقافي والاجتماعي النزيه ما سقط فيه الكثير.
”واشعاري وراي ارماح، يشيمها النعي وتلوح“
ولم ينفرد طارق الشاعر بطرف واحد من طرفي المعادلة الابداعية. ان للفن مهمة (فنية وشكلية من جهة ومن جهة اخرى له مهمة التوصيل والمشاركة الانسانية والفعل المغير والغضب لجروح الانسان وكبوات الثورة.
والمستقرئ لنتاج طارق الشعري يجد العديد من المواقف الشعرية الحميمة والمكتوبة بحرارة دافقة تغمر الانسان المحروم والمغدور وتنفعل به وله، انه الانسان الحاضر في الشعر الجيد وفي الحياة وليس ذلك (الانسان) الذي يكتب عنه بتجريد وبرودة شعراء الحرفة والمواسم القصيرة النفس، انه هذا الانسان الذي يمتلك ملامح نعرفها تماما ونلمسها له رائحة الحزن والصداقة وطعم المرارة في قلوبنا..
”حلب يا بن غريبة، يا غريب الروح.. يا مصلوب… فوك اثبات كل ردّه
حلب يلي سوادك سفن زنجية
ركص بيها الخليج وما نكص مدّه
ابيض مثل كل ثوره
اسود مثل كل ردّه “
وعن التجارب النضالية الموجعة والشامخة كتب (حلب بن غريبه) رجل اسود مستلب، قاتل في جنوب العراق واقع الذل والاقطاع.. تعذب وعانى الكثير ومن ثم قتلوه واستلهم شاعرنا جانبا من التراث الاسلامي الثوري ذي الامتداد التاريخي والعاطفي الحي والعميق الاثر في وجدان وروح الانسان العراقي، اذ ابدع (زينب) وغيرها من القصائد الرائدة التي لا تعلن صراخا مضامينها الجديدة بانفعال قصير ان فيها الغضب المبرر فنيا وموضوعيا والتقصي المولع بتداعيات الانسان وحالاته المركبة.. والبعيدة. ولم يكن طارق مع البعد السياسي المجرد في التجربة العراقية الغنية. ان البشر الذين تسحقهم الظروف الصعبة والاشكالات المختلفة وامراض التاريخ يتحركون في قصائده بحرية قاتلة وحنين غريب ويتحدثون عن ازماتهم وانكسارهم المرير (قطار الالم) و(وضوح اول) و(الى ابراهيم زاير) وغيرها من القصائد الاسئلة والشوق والعشق والالم النقي..
”ينحب دارنه اللي جان
مضايف للشمس
تنعب عليه بومه
ذلني الدهر، ذل حضني بدين اجناب
لون يا ديره يأخذني..،
قطار البصرة ويردني
لديار النخل والشمس والاحباب “
وظل طارق فيما كتب امينا لمنابعه الاولى وتجاربه الشخصية الصادقة (البيت.. تجارب الناس اليومية.. احزان ومباهج الطفولة، الاسئلة القاتلة عن الحياة، وفوارقها غير المقنعة، وخريفها الكابي.. وعن العشق ينأى ابدا، وحزن لا ينتهي، وأم صابرة دامية الحزن.
تتأكد قيمة الشاعر العراقي النبيل والانسان المتفرد طارق ياسين من خلال المعطيات الابداعية الفنية التي خلفها وبقيت والتي تشير الى موهبة شعرية فذة تمكنت بعد مكابدة وبحث حياتي وثقافي صادقين من استشراف افق الحساسية الشعرية للمرحلة وايقاعها وبذلك نكشف السر الحقيقي والدقيق في كتابة الشاعر للشعر الشعبي انه مع الحياة مع الانسان في هذا الوطن الحبيب، وطن الشعراء المقدس وحزنهم القديم ولا يمكن ان يكون غير ما كان، انه مع لغة الناس هنا، المحشودة بهم وبتاريخهم الأجتماعي والنفسي وبأحلامهم واوجاعهم الطويلة. وقد كتب طارق خيرة نماذجه الشعرية بهذه (اللغة اليومية) الأوسع مداراً والأقرب لروح الشاعر واصابعه، وعندما يجد انه نمطاً من التجربة والحياة، وهو الفنان المثقف الحضاري التطلع والمعاناة، فأنه يستخدم اسلوباً وشكلاً واداة أخرى فيكتب الرواية وقصيدة النثر والمقالة والاغنية وغير ذلك.
ان لطارق شرف المبادرة في الالتحام الحميم بحركة التجديد المعاصرة للشعر الشعبي العراقي وكأنه وجد بهذا التيار الابداعي ما كان ينشره وقد سار مع اصدقائه الشعراء نحو آفاق لم يتوقع العديد ان تصلها القصيدة العراقية الحديثة. لقد كان طارق ينحت على الحجر والأعشاب والكراسي القديمة حياته الخصبة بالشوق والألم وعذابه وصبره الطويل وبأناة وتواضع مبدع انجز ما سيبقى للأجيال الآتية علامة منتصبة في طريق الموهبة الصادقة والحياة العميقة ومصدر اشعاع رائع لرجل مخلص في الفن والحياة والمحبة
سيظل طارق ياسين خالدا
وستظل المسيرة الشعرية التي سار بمقدمها متوهجة، مبدعة وسنظل أوفياء.
وبعد .. هل فيكم من يعتقد ان طارق ياسين قد مات !؟
***
أشارة –
* في يوم 1975/10/8 توفي الشاعر طارق ياسين..
كتبت المقاله بعد وفاته مباشرة / علي الشيباني

شاهد أيضاً

بدء العد التنازلي لإطلاق لقاح كوفيد-19!
بوادر نهاية كابوس كورونا تلوح في الأفق
مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة – بريطانيا

منذ بداية تفشي كوفيد-19 في شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 والعالم غارق في وحل كابوس مرعب …

عبد الرضا حمد جاسم: الراحل علي الوردي في ميزان: انتفاضة الحي

اعود في هذه والتاليات للبحث في طروحات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر العطر ونحن …

د. رمضان مهلهل سدخان: كوفيد-19 أم كوفيد 91؟!

منذ أن اجتاح فايروس كورونا أو ما يعرف بـ كوفيد-19 العالم، تواترت وتضاربت الأنباء والتقارير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *