سلام إبراهيم : نداء: الشاعر علي الشباني، سقط في مقهى وخرس وأنشل

 

هذا الملف :
رحل المبدع الكبير “علي الشباني” يوم 2/10/2011، وفي ثقافة شعارها “الطاح راح” لا يستذكر هؤلاء المبدعين العراقيين المعذبين غير أصدقاء المحن والشدائد النجب الصادقين. هذا الملف أعده كاملا الصديق الغيور الروائي “سلام إبراهيم” بروحه الوفية المعروفة وثباته على صلات الأخوة الحقيقية. لسلام تحية واعتزاز .. وللحبيب علي الرحمة في عليين.

نجم شع باكرا. أضوى لحظته. أضوى من أقترب منه. نجم عمره أكثر من نصف قرن بحفنة سنين. نصف قرن من الكفاح والنشاط الثقافي والمجالدة في عراقٍ جاحد لمن يحبه على مرّ التاريخ.. من علي بن أبي طالب وجه الله ويده كما صرخ مرة في إحدى خطبه المشهورة حينما حوصر في الكوفة.. إلى “علي الشباني” المنسي على ضفة فرع صغير من الفرات يمر بمدينة مغبّرة كالحة أسمها – الديوانية – كانت مستقره الأبدي.
أن يسقط نجم مثل “علي الشباني” الشاعر الضوء لا غرابة فهو العمر وضريبة الجسد الفاني.. لكن أن يجابه بهذا الصمت. صمت غريب.. لا يستأهله الرجل الإنسان والشاعر!.
هوى بغتة على ترابها الذي تغنت به قصائده. هوى من على كرسيه في مقهى أقيمت وسط فسحة حديقة شارع السراي أسمها – طريق الشعب – وكان يجلس جواره جمهور العظيم بائع الحديد، وثامر أمين صديقنا الأديب، وعلي الحمرة المغني الحميم في سهراتنا. الثلاثة من تبقى له بعدما ضاع في مدينته ولم يجد من يجالسه وقد أصيب بمرض – الكآبة – النفسي، ومن في العراق يفهم خطورة هذا المرض الذي يدفع أما نحو حافة الجنون والتي كادت أو أصابت علي، أو إلى الانتحار وهذا ما كان يفضي لي به كلما اتصلت به وهو يجد الكل يدير وجهه عنه، عائلته، أولاده، جلساء المقهى، المعارف..
أين لهم فهم شاعر أصيب بالكآبة وعاد لا يعرف كيف يتصرف؟.. وكيف يمر عليه اليوم؟.. وماذا يبغي من الوقت أصلاً؟!. كان يحتاج جليس يخفف عنه! والكل مشغول بنفسه!.
في كل مكالمة تلفونية يصرخ:
– سلام تعال.. أنجدني!.
وكان أخرها قبل أن يسقط وينشل بيوم!.
سقط الشباني مضرجاً بمحنة وجوده.. وفقد الحركة والنطق، ليصاب بلعنة الدنيا.
أن يعيش الشاعر صامتا جامدا يحدق بمن حوله ويذرف الدمع فقط.
هذا المأزق أعمق وأبلغ من العبارة.
الأخرس المشلول الذي صرخ ويصرخ كل العمر:
أسكت جزيرة الحچي
وبراسي يلعب سيل
الأخرس المشلول يصرخ:
تانيت.. راسي غبش
بيه غضب كل الناس
تانيت هاگد عمر بيه
ولا مليتْ
هذا الضاج بالعراق  خرس الآن.. وقعّد مشلولا
لم يتعالى نداء من أصدقائه لمساعدته كما فعلوا مع الأدباء والشعراء ممن تعرض للمحنة ذاتها
لم يصرخ أحد
أكتب عاتباً لأسماء محددة اتصلت ببعضها وأخبرتها
أكتب وأدعو إلى الكتابة كي تتبني مؤسسة أو شخصية أو الدولة علاجه كي يتمكن من النطق والحركة ولا يبقى مذلولا عاجزا
هذا الشاعر – علي الشباني – الذي منح العراق كل عمره وإبداعه

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.