سلام إبراهيم : عشيقة علي الشباني، والكآبة، والمدرس المشعوذ، وأجمل قصيدة غزل

تدهورت أوضاع صديقي الشاعر – علي الشباني – تدهورا دراماتيكيا قبل أكثر من ثلاث سنوات. أصابته الكآبة وشلت كيانه حال خسارته لأخر علاقة من علاقاته النسائية. امرأة أرملة يبدأ أسمها بحرف النون قلبت كيانه رأسا على عقب. امرأة كتب عنها أعمق قصائده الغزلية  الأخيرة المكتوبة منتصف تسعينيات القرن العشرين التي سأذيل حكايتي بواحدة منها. امرأة هجرته وهو يدلف عتبة الستين، فجعلته يتأرجح على حافة الجنون، ولم يزل. أشعر بالأسف لأنني فوت فرصة اللقاء بها. ففي زيارتي الأولى للعراق شباط 2004 وجدته متوهجا، متقدا يعتقد بأن سقوط الدكتاتور بالاحتلال سيغير المجتمع العراقي ويحضّره، في وهم يشبه وهم علاقته بالنساء. وقتها انتحى بيّ جانبا في شقة  تشرف على نهر المدينة قائلا:
– نون تريد أتشوفك!.
اعتذرت لضيق الوقت.
لا الاحتلال بنى مجتمع عراقي حضاري كان – علي – متحمسا يركض ليل نهار باعتباره رئيس إتحاد أدباء الديوانية، ولا عشيقته الأخيرة الأرملة، التي تركته حالما أنهد جسده وفرغ جيبه. ظل يتصل بيّ إلى الدنمرك يلح كي أعود لأنقذه من هول ما أصابه. زرت الديوانية في الشهر الأول من عام 2009 فوجدته متماسكا، وفي ساحة دائرته المقابلة كراج الديوانية الموحد حدثني طويلا وبحماس عن حماقتنا ونحن نؤمن بالماركسية ونكران وجود الخالق، وسرد لي قصة نجاته الخارقة على يد مدرس أمتهن السحر والعلاج بالقرآن، مفصلا مشهد الجلسة السحرية تلك، كيف قرأ آيات على قدر ماء مغطى بمنشفة، فظهرت في قعر القدر عظام ميت. قال لي ونحن نجوب أرجاء الساحة:
– ومن يومها.. سلام.. صرت أشوف السماء والنجوم والحياة والبشر بشكل آخر. فيه روح ذاك الإيمان اللي فقدناه بقراءتنا لكتب الماركسية والوجودية الملحدة!.
كان يتكلم مشرق القسمات وبيقين عن قدرة منقذه الساحر. لم أكن ملحدا ولا مؤمنا بل أعيش قلقا وجوديا منذ بواكير وعيي. رحت أستمع بحياد، متأملا هذا الانقلاب رأسا على عقب. كان يشعر من انفعالاتي بعدم قناعتي بما يقوله، فيتوقف شاخصا نحوي بعينين مفتوحتين قبل أن يقول:
– ما تصدگ!. لكن لو عشت تجربتي چان صدگت.
وأنتقل ليقص قدرات ذلك المشعوذ ومآثره العجيبة، كيف حلّ عقدة بنت عانس في الثلاثين معيدا لها البهجة وما لبثت أن تزوجت. كان وقتها يحاول أقناع – نون – بالعودة والعيش المشترك فعلاقتهما تشبه الزواج العرفي، ولكنها رفضت وترفض بشدة فكرة عودتها. كان يفضي لي أشواقه، ويستعيد بصوت مسموع لياليها في فنادق المدن المحيطة بالديوانية واصفا طولها وشعرها وعينيها ونومها، كيف كان يظل ساهرا يتأمل غفوتها حتى الصباح:
– سلام أصابع طفلة من ذهب، وخصر مكسور تذوب أصابعي على حريره، سلام والله راح أنجن. ليش عافتني.. ليش؟!.
لم أكن أريد مصارحته بما جمعته من المدينة وعائلته من تفاصيل صغيرة تتعلق به، فهي كبرت وشبعت جنسا ومالا، فتحت مشاريع بالمبالغ التي كانت تحصل عليها منه، بنت مشتملا  فخما في حديقة بيتها الكبيرة، كانت تؤمله بأنه مكان شيخوختهما المشتركة هذا الهمس لا ادري مدى صحته، لكنه جائز!.
الطبيب النفسي الذي كان علي يراجعه منذ صدها أخبره؛ أن الأرامل وهن يقتربن من الخمسين، اللواتي لديهن أولاد وبنات، مثل – نون – تخفت الغريزة وتتوجه المشاعر نحو الأولاد ( أخبرني أن بنتها وابنها دخلوا الجامعة )  والعبادة عكس الرجل الشرقي. للقصة بقية، لكن هذه العلاقة رغم نهايتها المأساوية جعلته  يكتب قصيدة من أجمل قصائد العامية العراقية التي ستظهر في ديوانه الجديد – هذا التراب المر….حبيبي – سأسرد قصة الديوان لاحقا. دعونا نستمتع بالقصيدة:

طبع الذهب
                                           علي  الشباني

مِنْ أوَّل لَيل
طبعَك ينطبع بالذَهَب
وأفركْ بالأيام
تندلَّك بطاري المُطْر
والهَيل.. والهَم… والعَتَب
وشِفت المُطَر بعيونك الوسعه…
مُطَر
وأيامنا الـﮕمره.. ذَهَب
أنتَ من أوَّل مطر نزليت
طَشَّيت بيَّ الهوَه…
طَشَّاني… وألتَمَّيت
يوميه روحي أِتبعثَر بالهوه.. وتِلتَم
وأنتَ يا لملوم…
دلاَّني علَيكْ الطول…
والضِحكه الزغيَره
وﮔمرة الدَم
وأنتَ دليني عليك إشوي،…
مو فايض بروحي الهَم
خل ماي المحبه يسيل…
من طارف الـﮕذله، ويلسَع الدَم
خلَّك حرز فوﮒ الروح
تَمِّن بيك روحي، وكل حزنهه يروح
بَس خلَّك حرز للروح
يوميِّه اتلوَّع بيك روحي، وتحِزَن.. وتفرَح
وتشوفك فرح مضموم… وليمته حبيبي الضَمْ
يمته تفيض يا شَط الفرح، وتهزهز الدَم
وأشِمَّك زين من ريحة الـﮕذله…
لأَخِرْ الشَم
حبيبي كون أشِمَّك شَم
مِنْ ﮔمرة جبينَكْ، وأهبط إردود
وطولك ما تحدَّه… احدود
وحنين الروح ما ينـﮕاش… وأحنه (اثنين)
لا واحد لـﮕـه روحه وصفه واحد
أخذ مِنَّه الدهر حيفه…
ولوه أيامه التَعَب
وتالي من يفرك الليل، يجدح بدمه الذهب
هوه هذا هَم حبيب
هذا من طبع الذهب
كل ما تمطر الأيام… بالهَم… والحزن… والتَعَب
يلهب بين أصابيعي شعر
ويصعد بطولي لهب
وهذا طبعك يالذهب.

1996
الديوانية

شاهد أيضاً

أنتِ تشبهينني تماماً للعراقي سعد جاسم: طقسٌ أنثوي يُشبهُ قصيدة واحدة
قراءة: صالح الرزوق (ملف/36)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

صانع المفاجآت
شعر/ ليث الصندوق (ملف/1)

( إلى قيس مجيد المولى شاعراً ) بهدوءٍ سحبتَ الجسرَ من تحت قدميك طويته في …

كريم عبدالله: إلى روح الشاعر العظيم قيس مجيد المولى (ملف/2)

الأوتوبيوغرافيا في مَزاغل قيس مجيد المولى سياحةٌ في ديوان ( مَزاعل للعُتمةِ .. وخفايا للأنباء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *