د. فاروق أوهان : فتاة بوشم التنين تلعب بالنار وتثير الزنبور
الرواية الثلاثية السويدية (*) (القسم الأخير)

إشارة :
يقدّم الناقد المبدع الدكتور “فاروق أورهان” خدمة كبرى لقرّاء موقع الناقد العراقي خصوصا وللقراء العراقيين عموما في دراساته التفصيلية للروايات الأجنبية التي لم تصلنا ولا أعتقد أنها ستصلنا يوما ما – مترجمة خصوصا – لأسباب معروفة. وهو يكشف لنا الإنشغالات “الهوليودية” والاجتماعية البعيدة تماما عن هموم مجتمعاتنا وتمزقاتها ؛ هذه الإنشغالات التي طبل لها فرسان الحداثة من النقاد العرب الذين ينعقون وراء كل ناعق غربي في انبهارهم بشفرة دافنشي على سبيل المثال.
وبعد دراسته التحليلية الرائعة لرواية تاتيانا دو روزناي “مفتاح سارة” التي تروّج للهولوكوست متناسية مذابح الشعوب على أيدي الصهاينة والأميركان، نقدم هنا القسم الثاني والأخير من دراسته المهمة جدا عن ثلاثية السويدي “ستينغ لاريسون”:الفتاة ذات وشم التنين، الفتاة التي تلعب بالنار، والفتاة التي تنبش كور الزنبور، والتي سننشرها على حلقتين .
تحية للدكتور فاروق أورهان .
الرواية الثالثة “الفتاة التي تنبش كور الزنبور”
وتبدأ الرواية الثالثة من حيث انتهى الجزء الثاني، وهو دخول زلاجينو، وابنته سالاندر مستشفى مدينة غوتنبرغ، وتطول الصفحات في وصف حالة الاثنين، والعمليات التي أجريت لهما، ومحاولات انقذاهما، وتعافيهما. وهنا يظهر عنصر جديد وهو انكشاف علاقة زلاجنكو بـ”سابو” المخابرات السويدية “القسم” ففي إحدى زيارات أحد أعضاء القسم للاطمئنان على زلاجينو، يهدد زلاجنكو القسم بفضح الأمور التي بينه وبينهم، وتعريتهم وإفشاء أسرار تضر بالسويد، فيقرر القسم خفية وبعد اجتماعات ومداولات بين رئيس القسم كلينتون، وأعضائه ومنهم غولبيرغ المصاب بمرض السرطان بأن يقوم غولبيرغ نفسه بزيارته، والتفاوض معه، ولكن هذا عندما يزوره، ويلاقي نفس التهديد، يقتله بمسدسه، ويريد في نفس الوقت لكي يطمس كل موارد فضح الأمور السرية لقضية علاقة زلاجنيكو بالقسم السري التابع لسابو بأن يقتل سلاندر ابنته التي يبدو أنها تعلم أمور أكثر مما يجب، ولكنه لا ينجح، لأن محاميتها جيانيني تكون في زيارتها، وعلى جلبة الفوضى في ممرات المستشفى، ترى وهي تراقب من باب غرفة سالاندر إلى غولبيرغ  وهو يقترب منها، فتوصد الباب، وتأخذ سلاندر إلى الحمام، ريثما تأتي الحماية، وفي عجز غولبيرغ  عن تنفيذ بقية المهمة، يطلق النار على نفسه برصاصة ثانية لا تقتله مباشرة، وإنما يموت فيما بعد.
وبتوالي الأحداث، تحاول الشرطة التأثير على سير التحقيق، ومنع أي اتصال لسلاندر بالعالم الخارجي، لكي تكون بعيدة عن الأحداث الخارجية حتى يحدد موعد المحاكمة، وقد منع أي أحد من الاقتراب منها غير المحامية جيانيني أخت مايكل التي رشحها لسلاندر، وحاول بشتى الوسائل أن تكون هي محاميتها، لا غيرها رغم أنها غير مختصة بالجرائم، وإنما بحقوق المرأة، ويبدو أن لمايكل حكمة في ذلك.
في أحد الأيام يحاول الطبيب النفسي بيتر تيليبوران المختص بقضية سالاندر منذ محاولتها الأولى لقتل أبيها بالمولوتوف، أن يقابل الدكتور جاناسون طبيبها المعالج في المستشفى من غير علم الشرطة، بحجة أنه يريد تجاوز البيروقراطية، ويفهم جانسون مأربه، والتفافه على الأمور من طريقة تيليبوران الملتوية، فيشكك جاناسون ويتوجس من مؤامرة على مريضته، فيمتنع عن مساعدته، أو الدخول في مؤامراته التي أحس بأنها دنيئة، وغبية.
وبما أن مايكل يعرف قدرات سالاندر المعرفية والكومبيوترير، فقد حاول بفطنته أن يوصل لها جهاز يدوي صغير لكومبيوتر محمول، عن طريق الطبيب جاناسون نفسه، ولأن الأخير أيقن بالتجربة أن مايكل يعمل لمصلحة مريضته التي تتمتع بمزايا خاصة، وأنه يشك بنوايا المباحث، وخبث الطبيب تيليبوران، فقد اقتنع بقيامه بالخدمة. ولعلم مايكل بأن حصار سالاندر عن متابعة ما يكتب عنها، وما يمكن هي أن تساعد نفسها فيه، لأنها غير مسموح لها لا بالمهاتفة، ولا بالاتصال بالناس، ولا سماع، أو قرأة أية أخبار، فيتصل بأحد عمال مسح ممرات المستشفى العنبر الخاص بالمحجوزين، والمساجين، ويتفق معه على أجر خاص مقابل أن يقوم العامل إدريس الكردي العراقي بإدخال جهاز هاتف محمول في تجويف مفرغة الهواء لغرفة سالاندر، وأن يقوم بتبديل بطاريته مع أخرى مشحونة كل يوم، أو يومين، وذلك لكي تستطيع سالاندر الاتصال بالنيت عن طريق الجهاز ذاته، أو لنقل أنه شبه راوتر يوفر دائرة اتصال مع النيت للجهاز الذي سيصل لسالاندر*.
المهم أن مايكل يجد طريقه إلى دكتور سالاندر الخاص جاناسون فيقنعه بأن يحمل لها جهاز كومبيوتر الكف، ومن دون أن تدري في إحدى زياراته لها يضع الطبيب الجهاز تحت مخدتها من غير علمها، ربما لكي لا يبدو أمامها حامل رسائل، أو أنه يقوم بأعمال لا تدخل ضمن اختصاصه.
وتتعرض إيريكا بيرغر لمحاولة ابتزار بعدما تنتقل للعمل مع مؤسسة “إس إم بي” الصحفية وتتوهم في البداية بأنه أحد منافسيها، ولكن المبتز يتمادى فيكسر زجاج نافذة بيتها، ولا تعرف بالأمر إلا بعد أن تخدشها زجاجة في قدمها أثناء سيرها في البيت، ومع هذا لم يظهر الجاني رغم التحريات، ويتمادى الجاني بأن يدخل بيتها في الفترة التي تحاول مؤسسة أرمنسكي للحماية تأمين أجهزة مراقبة، وترسل حارسة “ليندر” لتبيت معها لأن زوج بيرغر كان في رحلة عمل إلى باريس، أو هلسكني، وتتكرر رسائل الابتزاز والتهديد، والسخرية منها بشكل يثير جنونها؛
وفي أحد الأيام تتفقد بيرغر أغراض خاصة لها في غرفة نومها، فتجدها مفقودة، ومنها ألبوم صورها، وفيلم فيديو في شباب عن علاقات شخصية مع زوجها، وزملائها، وفي نفس الأثناء يكون الجاني قد أرسل لها صورة مركبة لوجهها مع جسم عاري، وبريد إلكتروني لها من إحدى السكرتيرات تقرأ فيه خطاب غرامي، يبدو كأنها هي “بيرغر” التي كتبته للسكرتيرة تتغزل بها بشكل فاضح، أي من بيرغر نفسها للفتاة، وهكذا صارت بيرغر تعيش كابوساً يلاحقها في أي مكان حتى اصطدمت ببورغسجو مدير عام المؤسسة الصحفية، وانتهت بتقديم استقالتها.
وفي بحث سالاندر عن قضيتها مع مجموعتها المدعوة جمهورية القراصنة للحصول على معلومات عن المحاكمة، وبعض الأمور التي تخصها، تفاجأ سالاندر بالمراسلات التي تختص بأمر بيرغر، فتكاتبها، وبعد استغراب كبير من بيرغر عن كيفية حصول سالاندر على وسيلة كومبيوتر، تعزوه لذكائه أولاً، ولقابلية مايكل في تمرير بعض الأمور التي لا تريد أن تدخل في تفاصيلها، فتستجيب لمخاطبة سالاندر الإلكترونية، فتفاجئها هذه بأنها تستطيع مساعدتها، ولما تتساءل بيرغر كيف، لا تلقى جواب، ومع هذا تستجيب، وتمدها بالمعلومات اللازمة، وبعد أيام، وقبل أن تؤخذ سالاندر إلى السجن، تتوصل إلى أن الذي يبتز بيرغر ليس إلا فريدركيسون أحد المحررين، وليس مساعدها، وتصعق بيرغر، بل لا تصدق، ولكن المتحرية لاندي من مؤسسة أرمانسكي المكلفة بحماية بيرغر تشك، وتبدأ بالتحري، فتقفي أثر فريدريكسون نفسه، وتركن سيارتها في مكان قريب من بيته، ولما يخرج تتبعه، ولسوء حظه، أنه ذاهب بمهمة ما إلى بيت بيرغر، وهناك تصطاده لاندي وهو يهم بالتنصت، من النافذة المكسورة المغطاة بخشب مؤقت، فتقيده، وتقوده إلى بيته، وتحصل منه على كل ما حاول الاستيلاء عليه من بيت بيرغر وسرقه، وهي حيثيات كاد الوصول لنشرها على النيت، لو لم تصطده لاندي، كما أخذت منه الهاردديسك وأتلفته للاحتياط، وأجبرته على التعهد بألا يتعرض لبيرغر، وإلا سوف يقدم للقضاء، ورغم أنها بوليس شخصي لكن ما قامت به جزء من حماية الأفراد، وطلبت منه تقديم استقالته من العمل، والابتعاد في بلد أخر. وتنتهي قصة الكابوس الذي تعرضت له بيرغر**.
في أحد الأيام تفاجئ الشرطية مونيكا مايكل بأنه مطلوب لاجتماع سري، فإما أن يأتي طواعية، أو عليها أن تقيده، وتقتاده إلى الاجتماع، ولا يكون اللقاء مع شخص عادي، أو رجل مباحث كبير، وإنما يجد مايكل نفسه وجهاً لوجه مع رئيس الوزراء الذي جاء ليعقد اتفاقاً مع مايكل ومؤسسته على تبادل المعلومات للسيطرة على الأحداث، وكشف الجهة التي تقوم بهذه الأعمال، وهي جهة، أو فئة داخل السابو، ولكنها جهة سرية محتمية وراء تسميات، ومتخفية بوسائل يحميها القسم، وليس أفراده، وكأنها هيئة سرية داخل جهاز المباحث السرية، ويتم الاتفاق على ذلك، وينشأ عنها تعيين ملاحظين من الجهتين، لتسيير الأمور ومتابعة الأحداث، وكشف الدسائس قبل أن تنتشر، وعلى صعيد آخر فإن القسم يكون له أعوان من السابو، بعضهم لا يقدرون مدى خطورة ما يقومون به، ولا من هي الجهة المستفيدة، وبتعاون الطرفين “جهة رئيس الوزراء، ووزير العدل، ومؤسسة ميلينيوم بقيادة مايكل” فيقررون إنشاء خطة، ويتشكل لها منفذون، ومنهم من يتابع أصحاب الشبهات من عناصر الشرطة في المباحث ومراقبة تحركاتهم من خلال التصوير، والتسجيلات الصوتية.
ويحاول القسم قبل المحاكمة، التخلص من مايكل، لكي ينشغل المجتمع به، فمع دسهم المخدرات في شقته، ومن ثم اغتياله سوف يلتهي المجتمع بما فيهم الشرطة بقضيته، وحتى لو تم إصدار عدد الميلينيوم فإنه سوف يفقد مصداقيته أمام الناس، ويكون مايكل في عين الوقت قد قتل قبل المحاكمة، لكن أجهزة المراقبة التي وضعها الجهاز السري الذي شكله وزير العدل، ورئيس الوزراء، كانوا قد زرعوا كاميرات في شقة مايكل يسجلون الأحداث كشاهد للدفاع، ولكنهم لا يدرون الخطوة التالية، وهي محاولة الاغتيال، وبما أن بيت كلنيتون “رئيس القسم” مراقب، وكذلك أحد أجنحة رئاسة السابو، فيتم تصوير بعض اللقاءات، وتسجيل تخطيط توزيع الأدوار بين أعضاء المجلس، وأعوانهم.
ومن جهة المجلس نفسه فإن معلومات تصله بأن مايكل قد دعى بيرغر على العشاء في مطعم، فيتأكد كلينتون مرافقه من أن الأخوين ” نيكولنتش: ميرو، وتومي” سوف يقومان بالمهمة، ولا يعرفان من هي الجهة التي كلفتهم، لكنهم يعرفان أن الموعد سيكون بعد السادسة في المطعم؛ وفي هذه الأثناء يكون مايكل قد أجرى مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات، فيكشف فيها الكثير من الأمور، وبخاصة محاولة جهة مسؤولة في أجهزة المباحث زرع مخدرات في شقته، ويسلم التسجيل المصور للمحطة، ويتابع تسجيل المحاورة، وبعد الانتهاء يغادر إلى لقائه مع بيرغر في المطعم؛؛
وبعد مناورات، ومرواحات يجريها المؤلف على طريق سير مايكل للوصول إلى المطعم، ولما يصلان، ويلقيان، تلتقط الشرطية “مونيكا” وهي في المجلس مكالمة، تخمن أن القسم سوف يقوم على محاولة اغتيال مايكل في المطعم، وباغتياله سوف تقوم الشرطة في التحقيق، وتفتش منزله لتجد المخدرات فيها، وتثور كثير من التسؤلات حول مايكل، وتضطرب الأمور لتأثر على سير المحاكمة، ولو اضطر الأمر فلسوف يقتلون سالاندر نفسها في اللحظة الأخيرة في السجن، ولكن كيف؛؛؛
أما في المطعم فبعد أن تصل بيرغر، يدخل مايكل، ويبدو على اللقاء أجواء الألفة، والتحاور المعهودة خصوصاً بعد قرار بيرغر العودة لمؤسستها ميلينيوم، ويلحظ مايكل أن هناك من يراقبه من وراء الزجاج، ومن تحت ملابسه يبدو كأن هناك آلة قتل فاكتة؛ ومن طرف آخر تكون “مونيكا” قد انطلقت بمساعديها إلى المطعم، وبين مناورات مرورية في السير، وتفاعلات الحدث في المطعم، تحتدم الأمور، ويكون الشخص قد دخل في الوقت الذي قام مايكل إلى دورة المياه، فيلتقيان في الوسط، وبدلاً أن يبتعد مايكل عن المهاجم، يرمي نفسه باتجاهه لتقليص المسافة بينهما وإعاقته عن اطلاق النار نحوه، وتدور معركة متلاحمة، والرشاش يصلي أطراف المطعم، والزبائن حسب التقليد تحت الطاولات، حتى تصل القوة فتعتقل الشخص الثاني الذي كان ينتظر في السيارة، ولما تدخل الشرطية “مونيكا” يكون مايكل قد كبّل المهاجم، ولكن تعرض إلى كسر اصبعه، فتأخه مونيكا مع بيرغر بسيارتها إلى المستشفى، كل هذا وبيرغر تتساءل حتى وهما في سيارة الشرطية “مونيكا” عما حدث.
في اليوم السابق للمحاكمة تذاع مقابلة مايكل في القناة التلفزيونية، وفي مقدمتها فلم دس المخدرات في شقة مايكل، يكون كلينتون في سريره قد لعن فشل كل المخططات، وتبدأ من هنا حملة الاعتقالات لاثني عشر عضواً من أعضاء القسم، والمتعاونين معهم.
وتبدأ المحاكمة من وصف مكان تواجد مايكل وآرمانسكي في القاعة الخارجية للانتظار، ثم وصف حالة سالاندر، وملابسها وهي تدخل، ووصف القضاة، والمدعي العام الذي يلقي مطولة إدانة فيها أكثر من ستة عشرة جريمة ارتكبتها سالاندر، ويستخدم شهوده، بينما تكتفي جينانيني محامية سالاندر بتعليق قصير، أو سؤال من غير أهمية للشهود، لعلها تدخر طاقتها للشاهد الرئيسي وهو الطبيب النفساني بيتر تيليبوران، طبيب سالاندر منذ كان عمرها اثنتي عشر سنة، وهو القسم الأهم، قبل تقديم شهودها؛
وتطول المحاورة التحقيقية، التي تتضمن استرجاع لتاريخ حياة سالاندر الطبي، والنفسي مع الطبيب بيتر، من يوم تكلف بأن يحكر عليها، بعد محاولتها اغتيال أبيها، وهي في سن الثانية عشرة، وبقيت أكثر من سنة مربوطة على سريرها في المستشفى بحجة أنها خطرة، قد تسبب أذى لحالها، لكن التحقيقات تشير أنها كانت تعاند أخذ الغذاء، وبسؤال القاضي لسالاندر عن سبب امتناعها أخذ الطعام، تشير سالاندر إلى الطبيب تيلبيوران قائلة: لأن هذا الوغد، مشيرة لبيتر كان يمزج المخدر بالطعام، وسألها هل تأكلين الآن بانتظام قالت: نعم، وهكذا وبالتدريج تكشف جيانيني جرائم الطبيب بيتر واحدة تلو الأخرى، ويظل بيتر بعنجهيته يكرر اتهام سالاندر بالازدواج الشخصية، وممارستها الجنس المثنوي، ولها وشم على جسدها، فتدحضها المحامية كلها بالأمثل الدامغة، وبتفاصيل تتعلق بالقانون السويدي، وحقوق الإنسان، حتى يأتي ذكر محاميها بجورمان الذي اغتصبها، فيكرر بيتر أن هذا من تهيؤات سالاندر، فتعرض المحامية الفيلم المقرف، ويستاء القاضي، ويحرج المدعي العام، ويبهت بيتر.
وفي أثناء المحاكمة يدخل ضابط من المباحث يستأذن القاضي في أمر خطير، وهو إلقاء القبض على الطبيب بيتر تيلبيوران بتهم كثيرة، ولما تهدأ الحالة تستمر المحامية في الدفاع، وتجلب شهودها، ومنهم هولغر بالمغرين محامي سلاندر الخاص الذي تبناها، وهو الآخر يبين أن سالاندر إنسانة سوية، وذات قدرات عقلية عالية؛
أما محاورة مايكل والمحامية حول سالاندر فقد كانت مبتسرة لكنها بجانب الدفاع عن سالاندر، وبراءتها بالتأكيد، ومن بعد تهاوي الطييب النفساني بيتر يتم استعراض كافة الدلائل، فيتراجع المدعي العام، لحسابات في ذاته، ويصطف محايداً، وتطالب المحامية  المحاكمة بإخلال سبيل سالاندر، وتبرئتها من كافة التهم، بما فيها محاولة قتل أبيها التي كانت دفاعاً عن النفس، وأن زلاجينو لا يعدو عن كونه مجرم، ومروج للدعارة، والتجارة بالجنس، ويقترح القاضي أن يطلق سراحها بكفالة على أن تعود المحكمة من جديد بعد جمع الأدلة الكافية، فتطلب المحامية أن يبت بالأمر هذا اليوم، لعدم الحاجة لأدلة ما دامت قد كشفت الأكائيب، والجهات التي كانت وراء اتهام سالاندر، وهي نفس الجهة التي كبدتها المكاشكل منذ كان عمرها اثنتي عشر سنة، ولما يسأل القاضي سالاندر عن رأيها، أو إطاعتها لمراجعة المباحث بين فترة، وأخرى تقول سالاندر: إما السجن، أو اطلاق سراحها بلا شروط، لأنها لن تبقى دقيقة في السويد بعد ذلك، ويتوصل القاضي والمحامية إلى حل، أن تعطي سالاندر معلوماتها للمباحث اليوم، وفي مقابلة خاصة من غير شروط، وبعدها يطلق سراحها، وما أن ينتهي كل شيء، وتخرج سالاندر، وكأن شيئاً لم يكن، تكون المحامية قد أوصلتها، ولا تدري إلى أين، ولكن سالاندر في النهاية تعلمها بالعنوان، ولا تريدها أن ترافقها، وبعد أن تقضي الليلة براحة، تسافر سالاندر باسمها الحقيقية، وتصل إلى جبل طارق، ولا تدري لما قادتها قدماها إلى هناك، ومن غرفتها في الفندق تقرر التجول في المحمية***، ومن ضجرها تتعلق سالاندر بسائح، رجل أعمال ألماني لتقضي معه ليالي جنسية ليس إلا لأنها بحاجة للجنس بحد ذاته، ولا تتورع من مفاتحته مباشرة في المصعد، وتخيره بلقائها، فينصاع لها رغم توبيخ ضميره له في كل مرة حتى تمل.
ويعبر بنا المؤلف في سطور متقاربة ليرينا أن سالاندر قد غادرت جبل طارق، وعادت إليها من جديد في غضون أيام وفي هذه المرة،  وبعد تفاصيل بيئية عن المحمية، فإنه ومن مفاجئات المؤلف هذه المرة هي أنه عندما يطلعنا على لقاء سالاندر بماكميلان الذي أوكلته بإدارة أعمال أموالها، عن طريق النيت، وهي الآن تجلس في مقره، أو بيته وترعبه بالمعلومات التي تعرفها عنه، وتقايضه بعد كشف سجله الملّوث، وتقترح أن يكون شريكها بنسبة معينة تدهشه، هي لا تريد غير عملاء ينصاعون لأوامرها كالعبيد، ولا تختلف في معاملتها لماكميلان في إدارة أعمالها عن طريقة والدها زلاجينو؛
ولكن هاجساً قوياً يؤذيها لأنها جلبت أذى لماريام وو، التي غادرت إلى باريس، فينصحها ماكميلان بالذهاب إليها، فتطير لتنزل في مطار شارل ديغول، وبعد أن تجد لها غرفة مناسبة في فندق تسعى للقاء وو، تكون هناك لحظات دراماتيكية لا تنتهي بليلة جنسية، وإنما بوداع عادي.
وفي عودة سالاندر إلى السويد تجد أن محاميتها جادة في مقابلتها فيلتقيان هي وجيانيني، وبعد محاججة، وتأنيب من جيانيني، لأن سالاندر لم تلتزم بالرد على مهاتفاتها، ولا التواجد، وبعد أن تخبر محاميتها بأنها لم تكن في السويد لرحلتين، تخبرها جيانيني بأن عليها أن توقع أوراق للسلطة الخاصة تسمح بتقسيم  ثروة والدها زلاجنيكو، بينها وبين أختها الغائبة، ولا أحد يعرف عنها شيء، فترفض سالاندر أن تستجيب لأنها لا تريد من ثروة والدها شيء****
المهم أن سالاندر لا يهمها ما تأخذه أختها، ولكنها ترفض أخذ أي مال، وتخول المحامية جيانيني بالتصرف بها بمعرفة بناء على مقترح جيانيني بأن توقع على أن تحول حصتها من ثروة والدها إلى جمعيات خيرية، وينتهي الأمر إلى هذا الحد، ولكن سالاندر في مراجعتها لملفات ثروة والدها التي تركتها المحامية لها، يثير انتباهها المعمل، “ولربما يكون هو نفسه الذي اصطادوا فيه ماريام وو”، ولكن ما يجذب سالاندر كون هذه المنشأة كانت مسجلة باسم أمها، ولا تدري ما الذي كان يُنتج المصنع، لهذا تنوي القيام بزيارة للموقع بفضولها*****.
وهناك في المصنع يلتقي الأخوين، بعد مغامرة بحث من سلاندر في المبنى، ابتداءً من طريقة دخولها الأبواب الموصدة، والمحكمة الاقفال، ومروراً باكتشافاتها للأهوال الموجودة فيه، ومنها جثتي امرأتين في بركة ماء، وبهدوء متوجس، تجوس سلاندر المكان، وتختبر الغرفة تلو الأخرى، حتى تدخل غرفة تكتشف أنها مسكونة، وعندما تبادر بالخروج يأتيها صوت نيدرمان شقيقها، فتتهيأ لما ستقابله بكل رباطة جأش، وتدور معركة غير متكافئة، وبمناورات أفلام جميس بوند تنتصر سالاندر، وتسمر قدما نيدرمان، بآلة التسمير الأتوماتيكية، وعندما تتمكن من شل حركته، وهو مسمر إلى الأرض، تكون على حافة قتله، بنفس آلة التسمير، لكن استرجاعاً أخلاقياً، وحسابات بين الربح والخسارة تجعلها تتراجع، وتترك الأمر وراء ظهرها، وعندما تخرج تهاتف أحد من عانت منهم من البوليس لتوقعه في شرك تنصبه له، مع جهاز الشرطة العامة، فهي في محاولتها الأولى تريد تلك الجهة أن تصطاد نيدرمان، وفي عين الوقت تخبر الشرطة بأن هؤلاء قد دخلوا في معركة مع نيدرمان لكي تقبض  الشرطة على الطرفين معاُ.
وتعود سلاندر نظيفة اليدين والبال، وتلتقي في النهاية بمايكل ويكملان علاقتهما التي انقطعت، وبهذا تنتهي الثلاثية إلى هذا الحد.

ماذا يحدث في الروايات الثلاث

وها قد وصلنا ما بعد الانتهاء من الثلاثية، فماذا علينا أن نقول؟
في البداية:
إن القارئ للروايات الثلاث، وبعد الانتهاء منها، وإبعاده للكثير من التكرار والإعادات، والاستذكارات، سواء من خلال الشخصيات، أو الراوي المؤلف، فإنه يبقى وكأنه قد قرأ الرواية الثلاثية في جزء واحد، بذلك الطول، والعرض، وبين ثنايا ألفي صفحة من الحشو والتكرار، وما عليه إلا أن يتابع السياق الرئيسي للأحداث، بعد تشذيب الحواشي، والخلفيات، وتفاصيل أرادها المؤلف لأمر لا يخدم جنس الرواية الأدبي، في إطاريه العام والخاص، فالقارئ لا يهمه لو كان لون جاكيتة مايكل، أو هنري، أو حذائيهما بلون ما، وفي كل مرة، ولا تسترعيه الأهمية لشرح خطوات استيقاظ أحدهما، وفرش أسنانه، وإنما يعتني بتطريزات الكلمات، وتلوينات اللغة، وتشخيص الخلفية النفسية، والمكبوتات من جهة، والاعتناء بردود الأفعال الدافعة لموقف ما، ليس أكثر من كلمات تصف حركة الشفتين للمرة الألف، ولكل الشخصيات بنفس الوصف، أما الحوار الداخلي للشخصيات، فنقرأه ببنط مختلف في السطور ما بين حوار وآخر.
إن سياق الأسلوب المباشر في حشر معلومات سردية لم تتناسق والحدث من جهة، ولا تفكير الشخصية التي تتحرك ، ونتداعى معها، فنرى إلى أن اعتناء المؤلف، وانشغالاته بتعريف القارئ بقدراته المعرفية العلمية، والإلكترونية، وكيفية  تعامل صيادي الفرص، وناهبي المعاني، والكلمات في عالم السايبر هو من الأمور الطاغية في الروايات الثلاث من جهة، وكيفية التراسل، والتخاطب عبر وسائل نيتية متعددة، وبالتالي استخدام النصوص القصيرة في المهاتفات المكتوبة على أجهزة الهواتف النقالة، هي أمور معلوماتية لا تضيف للرواية خلفية، ولا حتى لماض المؤلف وخلفيته، لأنها تجيء بشكل مقحم على النص في أغلب الأحوال.
أما اهتمام المؤلف الرئيس فينصب على عقد المقارنة بين عمل الصحفي النابه، والممارس، وهدفه الإنساني. وعمل الشرطة الروتيني غير المسؤول، وهذا ما يتكرر في كل لقاء، وحادثة، وشاهد عملي يثبته المؤلف من خلال مماحكة مايكل لمن يتصدى له من الشرطة، حتى تقتنع الإدارات العليا، أن يتعاون معها، وتمده بالمعلومات مثلما يمدها، وعلى القدر المسموح من الجانبين، ولربما يكون أكبر نصر لمايكل، يوم يدعى للقاء سري مع وزير العدل ورئيس الوزراء.

الرواية والمهارة:
وفي حرفية العمل الأدبي لجنس الكتب الثلاثة المنسوبة للرواية نرى أن المؤلف يمزج في أسلوبه بين التقرير الصحفي، والمقال المطول، وبين كتابة سيناريو للسينما، وقليل من فن الرواية، التي لا تخلو من التقرير، لا الوصفية.
خاصة وأن كثير من التفاصيل لا تعني القارئ، وبعضها يفيد مخرج لكي يطبقها في تنفيذ البيئة حول الأبطال، أو في اختيار شخصياته، لما من تركيز على صفات الشخصيات، أما السلوك العام لبعضها الأغلب أثناء المواقف المتأزمة، أو المواقف العامة، فمتشابهة، فأغلبهم يعضون على شفاههم، وغالبهم يرفع حاجبه، أو يحك نظاراته، أو ما شابه كأن يبتلع حنجرته،
ونرى أيضاً أن التقريرية في الرواية مملة، لتكرارها ليس في الأجزاء الثلاثة فحسب، بل في كل جزء، وكأن المؤلف يكتب ملحمة قديمة بشكل سيء، أو أنه كتب الرواية، وفصولها على دفعات متباعدة زمنياً، ولم يراجعها عندما ربطها ببعضها، ولربما طول رواية بألفي صفحة هو السبب في عدم تشذيب التكرار، والمراوحة، ربما لتصور المؤلف أن القارئ سوف ينسى صفات معينة لشخصية، أو حادثة ما حصلت قبل فصل، أو أن السبب يكمن في المؤلف الذي ينسى ما كتبه، ويعتقد أن الإعادة قد تفيد في تذكيره، وتذكير القارئ بحادثة بكل تفاصيلها، أو قراءة تقرير لم يمض على سرده غير فصل أو اثنين.
ربما كان من الأجدى للمؤلف ألا يثلث الرواية، بل يقدمها كروايات ثلاث مستقلة بقليل من الانتباه، ولا يعوزها غير استبدال أسماء الشخصيات المحورية، لتكون كل رواية مستقلة لحالها، لأن كل رواية لها أحداث جديدة تتكشف بمعزل عن الماضي الذي يجهد المؤلف نفسه لابتكار خلفية تاريخية لها، من خلال إعادة تاريخ حياة سالاندر من جهة، ووالدها، وشخصيات جديدة أخرى، مما خلق كثيرا من التكرار أخل بالعمل الروائي، خصوصاً، وإن التكرار لا يأتي برواية شخصية ما، وإنما من الزاوية التي يطل منها المؤلف الراوي في كثير من الأحيان، ربما يعود ذلك لخشية المؤلف من تكرار نمطية الشخصيات في الروايات الثلاثة، وعليه أن يبحث عن أخرى غيرها رغم الأحداث الجديدة، والفريدة، والغامضة؛
باعتقادنا أن تعلق المؤلف  بالشخصيات السابقة سهلت عليه مهمة المغامرة في إيجاد “البديل” أي البحث عن شخصيات محورية بعيدة عن العمل الصحفي، والشرطة، والاجرام، هذا الثلاثي الذي تركبت عليه الروايات الثلاث: ضحية، وجلاد، ومحقق: شرطي + باحث عن الحقيقة “صحفي”؛
كما أن المؤلف يكتب الرواية بنفس من يكتب تقرير صحفي، وفي الوصف كأنه يكتب سيناريو فيلم، وكأنها هوامش سيناريو سينمائي جانبية، وفي الشرح والتعليق لا يقدمها كراوي، وإنما كتعليق خبري، مما يفقد الرواية نكهنتها: أولاً لتيه المؤلف بين أكثرمن أسلوب، ومهما كان فإن لكل جنس أدبي وفني وسائله، وأدواته التعبيرية لكي يتميز عن غيره، ولهذا علينا أن نرى إلى الأفلام الثلاثة، لربما نجد المؤلف قد أعان المخرج في شروحه المطولة عن وصف الأمكنة، والمقامات. ومن جهة ثانية فإن المؤلف يعتني بأمور خارجية، مظهرية، بينما الرواية تغور في أعماق الشخصيات، وتسبر أغوار هواجسها لكي تزيد من تعلق القارئ بالمادة، وتتابعه لها.
من غير شك فإن المؤلف صحفي ذو قلم ربما كان موهوباً ككاتب مقالة، ولكنه في كتابة الرواية يعوزه الخيال، ليس كما رأيناه في تسويغ مواقف معينة، هي بالتالي مطروقة لمئات المرات من قبله، ولكن ذلك الخيال الفني المبهر للرواي العميق، والعملاق مثل همنغواي، وتولستوي، وشتاينبيك، ودوستويفسكي، وتورجينيف، وغوركي، ووليم فولكنر، وآرسكين كالدويل، العديد العديد من الروائيين القدامى، والمعاصرين من أمثال فيليب روث، ومارتن لارسون، وتوماس مارتينز، وتطول القائمة لو أردنا؛
ومرة ثانية، ولعلنا لا نضيف شيئاً لما نكرر بأن الروائي يكتب عن التاريخ، ولكنه ليس بمؤرخ، ويكتب عن العلم، والجغرافية، والحيوان، والنبات، والآكيولوجيا، والأنثروبولوجيا، وهو ليس بكل من تلك التخصصات، ومع هذا فقد استعان المؤرخون الروس في تدوين حروب نابليون في روسيا القيصرية من رواية تولستوي الحرب والسلام رغم أن تولستوي نفسه ليس أكثرمن روائي من الدرجة الممتازة، أما هنا فإننا نرى الكاتب يقدم آراءً قاطعة، ويبتكر معاجم لمصطلحات سوغتها له مهنته الصحفية، وكأن لسان حاله يقول أن السلطة الرابعة تتجاوز حدود الممكن ليس في التحريات، فحسب وإنما في شتى المجالات، ولا يمكن حتى للعالم أن يغامر الخوض في الكشف عن بيانات يمكن للصحفي أن يكشفها، وهذه مغالات قد تنطلي على المؤلف، ومن هم من مهنته، ويصدقونها لكن لكل حرفة خصوصياتها الحرفية، ووسائلها التي لا يمكن لهاو، أو مدعي خوض غمارها.
إن المؤلف وغيره من الروائيين المعاصرين قد ركبوا موجة السير وراء النمط السائد من الرواية التي تثير الهواجس بشتى الوسائل، البوليسية، الجنسية بأدون أنواعها، والباراسايكلوجي، ورغم أنه المؤلف إتجه في الرواية الأولى إلى نوع السايكو دراما، لكنه لم يستقر على النمط نفسه، فتاه بين التحقيق الصحفي، وبين الغموض البوليسي المعتاد، والتكرر في روايات، وأفلام الدرجة الخامسة، ولا ندري ما سر تعلق القراء في شمال أمريكا بالرواية الثلاثية، فلربما هذا بالذات ما يثير فضولهم، خصوصاً، وإنه كمؤلف حاول دغدغة مشاعر فئات مختلفة من القراء، وكأن هواجسه الصحفية، وخبرته في معرفة القراء هي التي دلته لأسهل الطرق في الوصول إلى قرائه من هؤلاء الذين يستسيغون الإثارة لا المهارة، ونظراً لظهور شخصيات جديدة نائمة في كل رواية جديدة مثل سلاجينكو والد سالاندر، كان الأفضل للمؤلف أن يختصر، ويجمع الأحداث في رواية واحدة.
أما من حيث الشكل والتسلسل في تتابع الروايات الثلاث، فلم يختر المؤلف التسلسل التقليدي في تشكيل الفقرات كفصول، ما عدا تقسيمها إلى أجزاء، وعمد إلى اتباع التواريخ، والأيام، في مطلع كل فصل إذا جاز لنا تسميته بالفصل، وكأن المؤلف أراد للرواية أن تكون مفكرة، أو مذكرة يومية له في الغالب، أو لمايكل الصحفي المخضرم.

تقارير صحفية في صيغة رواية:
*لماذا اختار المؤلف شخصية مهندس كردي اسمه إدريس، هل لكي يأتي على سيرة حياته عفوياً، ولماذا مادام دوره في الرواية هامشياً، وليس محورياً” فيشير المؤلف بأن إدريس هذا مهندس كردي من الموصل سجنه البعث في العراق، وعذبه بتهمة ملفقة، ولما خرج بعد أشهر كان شبه ميت، ومعاق جسدياً، ولما قرب تعافيه، أحس عمه الذي آواه في مزرعة بعيدة، بأن المباحث البعثية تبحث عنه من جديد فهربه إلى تركيا، ومنها وجد طريقه إلى السويد، ولم يعمل كمهندس ماهر في عمله، وإنما حصل على عمل كماسح أرض، ومنظفها، ربما لكي يبين قسوة الأنظمة الدكتاتورية على شعوبها، ولكن في توظيف محشور، وكثير من هذا السياق يأتي في ثلاثية ستنج، وفي سياق أمور أخرى متعددة الجوانب.
** ما علاقة تهديد بيرغر، وابتزازها بقضية سالاندر، فلو كان التهديد قد جاء من القسم في سابو، أو ممن يتابعون التحقيق لكان مقنعاً أكثر، كما سنرى لاحقاً، وهكذا فهي قصة محشورة كقصة إدريس المهندس الكردي، ولربما تكون قصة بيرغر هي الأخرى لتبين قابليات سالاندر من جديد على الغور في أعماق النيت، ومقدرتها على حل أمور كثيرة مهما كان وضعها، وإينما كانت من جهة، وقدرة المباحث الخاصة العمل على نطاق تخصصي أكثر من المباحث الحكومية من جهة أخرى.
*** كيف يحمّل المؤلف النص الروائي ليدلي بمعلومات لا هي بسياسية علمية، ولا هي بفلسفة، فهو يتكلم عن المحمية البريطانية، وكأنها أرض ميعاد للإنجليز، في حين أنها أرض إسبانية، وكانت من ضمن الأندلس، ربما لا يعرف من لفظها أنها على اسم طارق بن زياد، ويعتب على إسبانية لمطالبتها بالأرض، وكأنها هي المحتلة، وليس بريطانية، ومن جهله يروي حجة مقابلة، أن إسبانيا نفسها تحتل أراضي مغربية، مائة علامة استفهام على معلومات المؤلف.
**** ما هو المعيار الأخلاقي الذي يرسمه المؤلف في موازنة متى تكون الثروة حرام،  ولربما كانت سالاندر تعتقد بأن المعمل لوالدتها لأنه مرخص باسمها، لكنها تبيح لنفسها السطو على أموال غيرها، وغسيلها، وابتزاز غيرها، فهل يبرر المؤلف بذلك مقاومة الشر بالشر، وبما أن المؤلف في كل مقدمة من جزء من الروايات الثلاث يورد قضايا ضحاياها نساء، ومنها أمها التي هي عاهر بالأصل، فمن هي سالاندر إذن، وبما أنها ضحية، فهل عليها أن تمارس دور الجلاد كغيرها.
***** أهو فضول الكاتب المؤلف، ومغامراته الروائية أن تسحب سالاندر قدميها، أو هي تسحبها لتزور المبنى المفترض أنه كان معمل، لماذا .. فقط لكي يكون فيه منشار دوار، وآلة مسامير تكسب كهربائياً،، لكي تكون مكاناً للخاتمة بين سالاندر ونيدرمان، لا بيد الشرطة، أو أية قوة أمنية، فقط بعضلات، وحنكة سالاندر البطلة الأسطورية على النمط الهوليودي

الخاتمة
القيم الأخلاقية في مجتمعات متغيرة:
تختلف الموازين الأخلاقية بين المجتمعات، وبخاصة تلك المحافظة، أو ذات التاريخ الإنساني المبني على القيم الأخلاقية التقليدية، ومنها المجتمعات العربية والمشرقية، وبين موازين المنظار الأوروبي خصوصاً بما يتعلق بالعلاقات الجنسية، لعل بعضها ليس مستساغاً حتى بالنسبة لفئة من شرائح المجتمعات الغربية لكي لا نعمم أحكامنا، لكن السائد، وربما الأكيد أن ما تبيحه حقوق الإنسان حتى للمتزوجين، هو أن يعبر أحدهما عن مشاعره، ولا يكبت غرائزه. وتحت هذه المظلة من التشريعات التي لا يمكن الدخول في تفاصيلها: فإن القانون يبيح بذلك ازدواجية العلاقة من الطرفين، ويكون لكل من الزوجين علاقاته، وعشاقه، لمرة وأكثر، وعلى الطرف الثاني أن يتقبلها مثل علاقة بيرغر وزوجها، أو الانتهاء بالطلاق مثل علاقة مايكل بزوجته المطلقة والتي له ابنة منها. ولكل فرد حق الممارسة الجنسية على أي صعيد كعلاقة سالاندر بكل من مايكل من جهة، ورجل الأعمال الألماني التي التقته بالمصعد صدفة على صعيد، وبينها وبين وماريام وو على صعيد آخر، ورغم أن المؤلف حرص في غالب الأحيان الابتعاد عن الإثارة الرخيصة، إلا في منظري سادية والد هنرييت، وأخيها مارتن في الرواية الأولى، لكن ما يسرده المؤلف، ويشكله كعلاقات عاطفية وجنسية قائمة بين أغلب الشخصيات يعتبر أكثر من عادي.
أما على الصعيد الاجتماعي فإن علاقة نيدرمان بأبيه، وعقلية كليهما، واستغلال أحدهما للآخر. هي علاقة مصلحية قبل أن تكون علاقة أبوة، فلا يذكر المؤلف أي شيء عن طفولة نيدرمان، ولا عن أمه، وأصلها. ليس أكثر من أنه كان من الملاكمين، وهو يتعامل من أبيه كالعبد، والسيد، وعندما أيقن في النهاية أن الرجل انتهى، فكر في الهرب، بل وفي حيازة أموال والده  المنتهي، والاستيلاء عليها من غير أية عاطفة، ربما يمكن ربط حالته هذه بحالة مارتن أخو هنرييت في الرواية الأولى الذي شاهد أباه يقتل بيد ابنة الأول، وأخت الأخير، ولم يحرك مارتن ساكناً، ولم يرف له جفن، هكذا بكل برود، هل لأن المؤلف يريد أن يكشف هذه الشريحة، أم أنه كمؤلف ملتزم لو جاز التعبير، بعكس طبيعة شريحة من الشعب السويدي، ولربما غالبها في برودة أعصابها، كالطقس الذي يعيشوه، ولربما يعبر عن الأمور السائدة في المحتمعات الغربية التي فقدت الروابط الأسرية، بانحلال العائلة وتشرذم أفرادها، وباتت البنت التي تولد في حضن زوج أمها، وتأخذ كنيته، ولا تعرف أباها الحقيقي، تعتبر كل الآباء مثل زوج أمها خصوصاً إذا ما تعرضت لتحرش منه.
وعلى الرغم من كل ما نقرأ ونلمسه من تبريرات للعلاقات فإن المؤلف يقف بحزم ضد الاغتصاب مهما كان نوعه، ودرجته، لهذا يورد في مطلع الأقسام في الروايات الثلاث  ديباجات لما تتعرض له المرأة السويدية من حالات اغتصاب، والتذكير بانتهاكات النساء والاعتداء عليهن جنسياً، تأتي كلها كمقدمات وتقارير بيانية خارج سياق الروايات، وعلى صعيد آخر يورد بعض أمثلة عن نساء عظيمات في التاريخ، ومنها أسطورة الأمزونيات “عاب المعلومة شيء من الدقة التاريخية”. لكنها تبدو أقل حجمها من سوء فهم التاريخي لشخصية سميراميس التي عرفها بأنها ملكة آشورية، والثابت تأريخياً أنها ملكة كلدانية حكمت بابل بعد موت زوجها العجوز نينوس الذي قتل زوجها القائد، وما حول سميراميس من أساطير حتى في ولادتها نشأتها، وعشقها للشمالي الأمير أوميد. ما كان للمؤلف أن يورط نفسه بها خصوصاً، إنها لا تمت للرواية بصلة إلا من حيث الترويس، ودعم فكرة الدفاع عن المرأة..
مقارنة، ومقاربة:
ويبقى في الختام أن نشير إلى المقارنات الضمنية بين شخصيات خيرة، وأخرى شريرة:
فقد وضع المؤلف شخصية هولغر بالمغرين محامي سالاندر الذي حماها ودافع عنها، مقابل عكسه بجورمان المحامي الذي اغتصبها كمعادل له أو بشكل يشير من بعيد إلى عدم خلو المجتمع من الطيبين. وكذلك الحال بين جاناسون الطبيب المشرف على سالاندر في مستشفى غوتنبرغ، وعكسه بيتر تيليبوران الطبيب النفساني الذي استمر تكبيله لسالاندر منذ كانت في الثانية عشر من عمرها. وربما نجد مقاربة وحيدة في الروايات الثلاث، وهي المقاربة الشخصية بين هنرييت فانغر بشخصية لزبيث سالاندر، قد تكون هنرييت تسويغ تقديمي في الرواية الأولى، لما سنراه في الروايتين التالتين، ففي الوقت الذي مهد المؤلف في الرواية الأولى لتشكيل شخصية سالاندر في ذاكرة القارئ كإنسان سوية، وخارقة الذكاء، كان قد أورد لنا مثالاً لما عانته هنرييت، وما يمكن أن يجري لغيرها، ومنهن البطلة لزبيث سالاندر.
(*)Stieg Larsson Author of Trilogical Novel:
1 – The Girl with the Dragon Tatto.
2 – The girl who played with the fire.
3 – The Girl who kiked the the Hornet’s nest
Reviewed and evaluated by: Dr. Farouk Ohan.
(*) ستيغ لاريسون: مؤلف الرواية الثلاثية: الفتاة ذات وشم التنين، الفتاة التي تلعب بالنار، الفتاة التي تنبش كور
الزنبور- عرض وتقييم د. فاروق أوهان.
شاهد فيديو الفتاة: http://www.youtube.com/watch?v=g_SL7p8RcqY
موقع بستان المواهب على:  https://sites.google.com/site/faroukohan/
وبالإنجليزية: https://sites.google.com/site/sinjarandapple/
أو موقع فاروق أوهان الفرعي على موقع الفنون الجميلة:
http://www.alfnonaljamela.com/art/artical.php?art=146
والتويتر على: https://twitter.com/#!/Enlil1st
والبريد الإلكترونيdrfohan@gmail.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.