د. باسم عبود الياسري: “مقامات عربية” لمحمد ناجي
قراءة واعية للتاريخ ودرس في ترويض الشعوب

الدكتور باسم الياسري

لا أدري ما إذا كان الكتاب من غير العرب يلجأون إلى التراث فيتحدثون بلسانه عن أحوالهم المعاصرة، وإذا كان تراثنا العربي غنياً وغرائبياً أحياناً بحوادثه، فإن لباقي الأمم الأخرى تراثها أيضا، غير أن طبيعة الرقيب العربي غير الودية مع المبدعين دفعتهم إلى هذا الاتجاه محاولة منهم للتعبير عن واقعهم المعيش بأن يلبسوه ثوباً تاريخياً يتسترون وراءه خوفاً على أعمالهم من الحجب، وهو ما فعله غير واحد من الروائيين والشعراء والمسرحيين.
الروائي المصري محمد ناجي أحد هؤلاء المبدعين الذين اغترفوا من بطون التاريخ أحداثاً ليسقطوها على أحوالنا التي لا تسر صديقاً، روايته “مقامات عربية” الصادرة عن دار الهلال تقع في 225 صفحة من القطع الصغير، وللروائي عملان آخران، رواية “خافية قمر” ورواية “لحن الصباح” صدرتا في 1994.
أعترف في البداية أني وجدت بعض الصعوبة في تقبل نص الرواية أول الأمر لعسر مدخلها وهو ما ينبغي على الكاتب الاهتمام به، فالقارئ المعاصر قارئ ملول قد يترك العمل من الأسطر الأولى إذا لم يعجبه إلا أن شغفي بالتراث دفعني إلى الاستمرار في القراءة، فوجدت نفسي بعد بضع صفحات منكباً على قراءة الرواية ومذاكراتها حتى أنهيت قراءتها في جلسة واحدة لما فيها من أحداث أوردها الروائي بأسلوب متنام وإن تشعبت سبله.
يحكي لنا محمد ناجي في روايته مقامات عربية أحوال سلطنة عربية خرافية تحكمها سلالة وصل الكثير من أمرائها إلى السلطة بعد أن وثبوا على من سبقوهم وقد وضع لكل عدد من الصفحات عنواناً ينم عن مضمونها.
تبدأ رحلة هذه السلطنة بعد أن تقوم كل حارة باختيار شيخ عرب لها واتخاذها أحد الحيوانات رمزاً لها، ونبدأ نشم رائحة المدن العربية حين يبايع أهل الحارة شيخهم العربي على مبدأ لك الرأي ومنك الأمر وعلينا السمع والطاعة عند سلالة بني سعد لتحول في زمن الحكيم فيحكم بشرط خذ وهات.  في مقامة لسانك حصانك وحكمنا على هذا الشرط فأخذ وأخذ وأخذ حتى جفت جرار الماء وفرغت حلوقنا من الهواء وضاق صدر شاعرنا فقال:
لو شملت أحكامه النيل نفد        من قوله “هات” وقول النيل خد
هذا فإن هذا الحكيم يسن سنة جديدة في الحكم أكثر تعسفاً ممن سبقه. ولجوء الروائي الى الشعر باعتباره جزءاً من المقامة العربية التي لا تستغني عن الشعر إلا أننا تمنينا على الروائي أن لا يغرق عمله الجميل هذا باللهجة العامية التي أكثر منها مما افقد العمل بعضاً من جديته وألقه.
انشغل الروائي بـ “الظل” فجعل المرء يخاف من ظله لا يبرحه إلا خلسة، أما الدعاء بالخير لأحدهم فكان غريبا لكنه يتوافق مع حياتهم، وهو “لتحفظك العتمة” التي يختفي فيها الظل، وكرر الروائي موضوع الظل فجاءت الكثير من المقامات تحمل اسم الظل، وهناك مقامتان أطلق عليهما اسمين يشيان بمدلول ديني يستشفهما القارئ اللبيب رغم أن العمل خلا من الإشارة إلى الدين. هاتان المقامتان هما “ولا تقل لظلك بم” و”لا يظلك إلا ظلك”.
في العمل الكثير من سحر الشرق وطوطمية الإنسان البدائي منها “اعلم يا سلطان الزمان أن مبتدأ هذا الحجر يكون مثل مبتدأ الياقوت الأحمر، لكن آفات الزمن تقصر به الكمال، فيسود من الهم ويزرق من الغم ثم يخضر بالسماح، فيتم له جمال اللون وإن ظل به نقص الجوهر”، إنها تشبه قصص ألف ليلة وليلة من حيث المفردات والأجواء والمعتقد، وحرص الروائي على أن يبقى محلقاً في فضاء التراث دون أن يقرب من شمس هذا الزمان المحرقة ، فهو يعرف مصير من يحاول الاقتراب منها.
ومن استعاراته التاريخية نقرأ ما مر بنا في كتب التاريخ من حوادث مشابهة،     ” فوثبوا عليه وذبحوه، وطاف العامة برأسه في الشوارع وعلقوه على وتد أمام سبيل العجلة، والمنادي يصيح أمامه:
–    هذا جزاء من خان.
الذي يقرأ تاريخنا العربي يدري كم من الرؤوس دحرجت بهذا الشكل البشع الذي تجاوز الأحقاد بإخماد الصوت دون ضجيج ولا جلبة.
ويرد في الرواية ما يدل على إسقاط على ما هو معاصر (هم طلاب معهد، ولو زاد لغوهم أطلقت عليهم عساكري ففرقوهم بخيزرانة وأغلقوا معهدهم) إنه درس في كيفية إسكات صوت المعارضة ما دام الحكم يقوم على مبدأ (الرأي والأمر لك ومنا السمع والطاعة).
أما أجمل النصوص في العمل وهي دروس مهمة في قيادة الناس وفق المبدأ المذكور، ما ورد على الصفحات  100، 102، 112، 123 وسأحاول اختيار بعض منها، وإن كنت أود أن يطلع عليها القارئ الكريم كلها، منها ( أما هم فطوقهم بعساكرك حول عمود المنادي، واعزلهم عن الناس حتى يجوعوا، فإن جاعوا انثر الذهب على رؤوس الناس أمام أعينهم، ثم فاوض أضعفهم وأكثرهم جوعاً، فيكون حقدهم على بعضهم أكبر من حقدهم عليك، وأملهم فيك أكبر من أملهم في بعضهم، وتلك هي العصا والجزرة) هذا هو أحد الدروس التي أملاها العقرب الكبير إلى العقرب الصغير الذي أخلفه في حكم السلطنة.
وحين يوصي العقرب الكبير العقرب الصغير بكيفية التعامل مع رجال الحكم الذين معه يقول له: ” أنعم عليهم ولكن لا تسمنهم، فإنهم عن جاعوا أكلوا شعبك، وإن سمنوا استغنوا عنك، واجعل تحت كل واحد منهم مسماراً من رجالك تنخسه به إذا نسي نفسه، فيضعفان أمامك، هذا يخوفه منه وذاك يأمله فيك.”
شخصيات العمل هي سعد ورعد ثم يسبق الأسماء بكلمة ظل مثل: ظل الثور وظل الجمل وهكذا، والمرحلة الأخيرة العقرب الكبير والصغير والرقاص والزمبرك وهي أجزاء الساعة وربما أراد بها الروائي أن الزمن يعيد نفسه.
لا ندري لماذا أسمى الروائي عمله مقامات عربية، وهي ليس فيها من المقامة إلا الشيء القليل، فالمقامة كما هو معروف تقوم أساساً على السجع الذي وجدنا شيئاً منه، ويكون فيها راوية وبطل يتكرران، وفي كل مقامة حكمة يستقيها القارئ، كما أن المقامات غير مترابطة وتكون كل مقامة مستقلة بذاتها وكل ذلك لم نجده في “مقامات عربية” فهي ليست مقامات ولكنها عربية في أجوائها، أسطورية في حوادثها غرائبية في شخوصها وإن كان الواقع – أحياناً – أكثر غرابة من الخيال.
يبقى عمل الروائي محمد ناجي عملاً مثيراً يستحق القراءة والتأمل وهو روائي ننتظر منه المزيد الذي سيكون بالتأكيد أشد تماسكاً وأقوى حبكة وهذا ما نأمله منه.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

تعليق واحد

  1. السلام عليكم

    سنتابع مايجود به مداد قلمك الذهبي ، لقد كنت راق ٍ في الطفولة ، وشامخا في الكهولة
    مع تحيات اخيك ..
    سعد صالح
    – الزعفرانية –

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.