عايدة الربيعي : بين النقد الشخصي والنقد الاكتشافي
“فانوس محمد غني حكمت، ومارد صباح محسن جاسم”

يتناول المذهب الشخصي في النقد او القراءة  للعمل الفني مركزا على التميز الجمالي براعة فنية ومقدرة للفنان في التعبير عن افكاره ومشاعره بل على رؤيته للعالم من حوله. واي مذهب شخصي للنقد : يمثل تعبيرا ذاتيا باسلوب يتوائم وتطويعه لقدرته الخيالية .وفي طبيعة الحال هناك تناولات في نقد الفنون التشكيلية ونظريات تجريبية من خلال الاعمال الفنية ، ومن منطلق ان لكل عمل فني رؤيته الجمالية  المتميزة واسلوب خاص، يستند إلى مفهوم متعلق بالحياة وبعالم الأفكار، مما يمكن ادراكه على نحو ملموس على اساس ماتحتويه من قيم قابلة للادراك وهذا مااستشعره صباح محسن حين قرأ عمل الفانوس للنحات محمد غني وبلا مغالاة بل بأكتشاف وتأويل الصفة الدرامية للعمل .
ان الفنان العراقي كان ومازال يواجه التحديات ومازال يصور الحياة بفرشته ومنجزه الفني؛  ليترك خلفه ابتكارا يحقق فيه فكرة الجمال التي ينشدها، بنهج خاص ومختلف ربما،  للوصول الى فكرة متبلورة  ترقى في تعبير فردي لتحقيقها..واحيانا يبحث عن الطبيعي وغير المتكلف. وهناك من يبحث عن الغريب والغامض في افاقه الرؤيوية.
ان الاستغراق والتأمل في الاعمال الفنية ودراسة اشكالها  ليس بالامر السهل ، وان الخروج بما تخفي القرائح برأيي، هو عملية ابتكارية ايضا تضاف الى ابتكار الفنان، وتلك عملية صعبة المزاولة،  لهذا كثيرا مايدهش المتمعن لغرابة مااكتشف، انها عملية خلق تاتي دائما بالجديد وهذه الجدية في القراءة  تضفي للعمل فرادة  واصالة وتستنطق تساؤلات عند الاخر ، تجعل المتأمل مندمجا تماما ومبينا المعنى والمغزى – ماورائية العمل –
ان التحليل للأعمال يخرج بتقييم العمل وربما تقويمه ! بتقديم  موضوعي في قياسات وحسابات بالغة الاهمية  من خلال توضيح الأسباب.. وهذا يفيد في تكامل الثقافة العامة،  واسهام  يتطلع في تكوين مجتمع متطور. وهذا مانحتاجه “الان” و في هذا الوقت تحديدا؛ للنهوض وبكل انواعه  .
لو رجعنا قليلا الى سبب اختيار النحات ( فكرة الفانوس السحري ) وفي  ظرف يشهد تحول صعب وكبير وفوضى عارمة  وعدم الاستقرار التي عمت في بلاد مابين النهرين والتي ادخلتنا في نفق مظلم ، وماتعرض له العراق   في حربهم النظيفة والسريعة الذي لايمكن ان ينسى، انها حسابات موازين القوى  في المنطقة.. خصوصا بعدما بدأت الحرب في  العشرين من مارس عام 2003  ولحد الان.  فقد مرت الأحداث علينا بشكل سريع  وتغيير تخللها  احداثا خطيرة وبشكل مخيف،  انها تعذيب لثقافة المجتمع..  تغيير صاحبه الخوف من التغيير، الخوف من التفاؤل، الخوف من التفكير ولد الخوف من الحرية .. كأن الزمن قرر أحراق الوطن ؟؟ وكأننا نحتاج الى فانوس سحري!  نحتاج الى مارد ليحقق لنا السلام، الوئام والخلاص من تبعية الوضع الراهن، وهذا لايتحقق الا بوجود الفانوس السحري- الرمز –  المصباح الذي هو من اشهر قصص التراث العربي القديم.  ومما لايخفى ان  منحوتات  محمد غني  تميزت بالمزاوجة بين التراث والمعاصرة ، وبالقوة والايحاء بروح شرقية تفتح لنا بابا لعوالم غامضة ليجعلها شاهدا على العصر و” شاهدا له وعليه”  انه يؤرخ لبغداد وتاريخ بغداد واساطيرها . كان يمهد  – محمد غني- باعماله جميعها  للاجيال  “الوعي  والبدء من الخلاصة”  انه دائما يهتدي الى الثغرة التي يملأها النحت فيضعها موضعها لنعيشها ، لنألفها لسبب بسيط؛  انها هويتنا بملامح عراقية ولابد ان تكون مفردة تراثية بتطلع عصري ..فتمثل احكاما حسية، وجمالية، ورمزية.
فمفردة الفانوس  هي تكرار لتقليد نموذج من التراث،  انه استدعاء للذاكرة وتصور للماضي نيابة في مدلول الفكرة .. الفانوس السحري كما هو معروف ( المصباح ) المحبوس بداخله  جني من ايام الملك سليمان ، ويحكى انه عندما يجد هذا المصباح شخص ما ويقوم بفركه فإن جني المصباح المحبوس يخرج منه وعندها يخبره الجني بان من حقه ان يطلب 3 امنيات بعدها
وبعد تحقيقها يصير الجني حراً طليقاً.. وهذه هي احدى قصص  الف ليلة وليلة تبين ذكاء الانسان الضعيف على مارد المصباح الجبار الغبي ( اذن التساؤل : من هو ذلك المارد والجني ليفرك الفانوس؟  وبطبيعة الحال هي قصة خيالية يتمناها معظم الناس.. الفانوس او المصباح السحري  ميزته التي يختلف بها عن باقي المصابيح  أن جنى محبوس بداخله لا يخرج الا اذا تم فرك هذا الفانوس فيسعد الجني بذلك ويطلب من صاحب الفانوس أن يطلب منه خدمه مقابل انه  فك أسره من داخل الفانوس  وهنا يأتي السؤال الثاني من سيفك اسر الجني ؟  من المأسور ومن الطليق وماهي الاماني الثلاثة؟ هذه اولى الدلالات التي نستدل بها في اختيار الفنان النحات  محمد غني حكمت ..علاء الدين (أو زكرياء في بعض القصص) شاب فقير لا يملك قوت يومه, يجده أحد الحَواريين واسمه جعفر. وبعد زمن من الرحلة, يطلب الحواري من علاء الدين أن يأتيه بمصباح مقابل أن يحقق له أمنية صغيرة. لكن علاء الدين يفضل الاحتفاظ بالمصباح لنفسه, فيتركه الرجل وسط الظلام الحالك حيث بدأ  المصباح بفقدان إنارته. ولكن ذلك المصباح كان يقطن به جني صغير وهذا ماذكر في الحكاية الشائعة, ويتمكن علاء الدين من التحكم في القوى الخارقة للمصباح ويصبح بذلك ثريا وذا قوة. ولهذا سيحاول الحواري الذي تركه سابقا استرجاع المصباح منه وذلك بالتحكم بجهل امرأة علاء الدين بأمر جني المصباح والتي تقبل باستبداله مقابل دمية للأطفال. ولاحقا سيدفع الرجل بعلاء الدين بتدنيس بيضة طائر الرخ, ما يشعل غضب هذا الطائر الذي يمثل المالك الحقيقي للمصباح السحري. علاء الدين سيجبر من جديد لإظهار قوته على استرجاع المصباح والتحكم في قواه.. وفي حكاية اخرى تقول : ان  علاء الدين  لن يتمكن من التحكم في القوى الخارقة لجني المصباح. وفي محاولة منه للخداع بالرجل الحواري الذي كان مسالما, وبهذا يعاقب علاء الدين بسبب جحوده.. اذن فحوى القصة هي سبب الاختيار..  أختيار صعب وتوظيف ذكي لفنان كبير سكنت روحه روح فنان سومري سابق . حيث ربط النحات ذلك بايجاد الحلول  بتسليط الضوء على الحقيقة التي تشبه حكاية علاء الدين بالمصباح ، هنا اكتفى بالفانوس السحري  بقصدية عالية و ذكية .. هل اراد القول اننا نحتاج إلى مصباح واحد والف علاء الدين بقربه ؟ ام العكس ؟
دائما الفنان المبتكر تكون له نظرة الى مافوق العادي بشئ من الغرابة تحمل قيم فنية  عالية ورمزية تحمل دلالات تثري العمل الفني وتعزز القيمة الاصلية له، وهذا  لايتأتى من اشياء عارضة بل ترتكز على جذور عميقة في كيان الانسان، وقد اتسمت معظم  اعمال المبدع الكبير محمد غني بذلك ،  وماتأمله الاديب والصحافي صباح محسن جاسم  هو الوصول الى غاية الفن من خلال البدء بفكرة التحليل او التحليق في العمل الفني وانغماس في ظواهره الجزئية من منطلق وصف الفكرة .. حين قرأت المقال شعرت بأستمتاعهِ بالعمل من خلال الطرح المتسلسل وتقدير العمل الفني للنحات؛ انه يستنبط قضايا العمل من العمل، و يبحث في الغرض من العمل الفني .
ان الحوم في منطقة العمل يزيد ويوسع من منطقة معرفتنا به – العمل الفني- خصوصا اذا كانت الاستبصارات صحيحة ومحاولة التقريب بين الرمز والقصدية ، وهذا يزيد من استمتاعنا
لتصبح الأشياء اكثر الفة، هنا سيشكل عمل الفنان وقارئه منافسا حقيقيا للطرف الاخر من الحياة  ويعكسا تأثراتهما من النظرية التي تعلموها في حياتهما،  انهما يبنيا التاريخ بتفاصيل تحدد ملامح سمات التجربة في هذا الزمن او في اي زمن  .. ان اعمال كهذه تحلق بنا في عالم يسمو على العالم المادي  ليصل الى عالم النقاء،  ضمن المفهوم الجمالي لقيمة العمل ،انها تعكس اخلاص الفنان العراقي للفن  دون شك واخلاص المثقف العراقي لثقافته. العمل يحمل رمزيته ومعانيه التي لها ابعادها الجمالية والموضوعية، فعندما ترتبط العناصر الشكلية في العمل الفني بالمشاعر الانسانية وماوراء العمل ستتحقق اكثر من قيمة، في مشاركة حياتية تتمثل طبعا في قوة التعبير للعمل وتلقائيته الفنية. وبكل غائياته الآنية .
2012م

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: هل كان للهجة تميم أن تسود وتمسي لغة العرب؟

منذ أيام الدرس الجامعي في الجامعة المستنصرية، استرعى انتباهي، ونحن في درس النحو العربي، وتحديداً …

فكر الاختلاف باعتباره فلسفة أخرى: جيل دولوز نموذجا
الحسين أخدوش

تقديم عام حول الموضوع صرّح ريمون بيلور في مقال له حول “دولوز فيلسوف رحّال”: “سوف …

فاسكو غارغالو أجرمَ إذ رسمَ العدلَ وصَوَّرَ الظلمَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتادت الحركة الصهيونية ومن والاها، ومن خافها وخشي منها، وارتبط بها وارتهن لها، والمسيحيون الانجيليون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *