د. مُحمَّد حُسين الأعرجي يفتح النار على الستينيين :الستّينيون مافيا شعريّة..

mhmd_hsen_a3rje

اشارة: خصّ الشاعر علي وجيه موقع الناقد العراقي بهذا اللقاء المهم مع العلامة الدكتور محمد حسين الأعرجي .. الأعرجي الذي تربينا على منهجيته المحكمة وعلى سلوكه المبدئي العالي .. مربي وباحث وعراقي غيور جاب المنافي وهو يحمل بين جوانحه العراق العظيم .. أستاذ دكتور وعالم جهبذ في المنافي ومدرس – ويا للغرابة – حسب أوامر الوزارة في وطنه الذي كان من أوائل من عادوا لخدمته بعد الإحتلال .. تتشرف إدارة الموقع بنشر هذا اللقاء مع المربي الجليل الأعرجي الذي هو ثروة من ثروات العراق الفكرية ولا نعلم متى يحتفى به .. تحية للأعرجي وشكرا للعزيز المثابر علي وجيه.
———————————————
في طهران : جاء د.مُحمَّد حُسين الأعرجي ضيفاً على غُربتنا الشاسعة وطارداً ما تراكم من ثلوج النفي والنأي بكلماتِهِ الدافئة ، د.مُحمَّد حُسين الأعرجي الناقد والشاعر والمحقق والأكاديمي والذي يكره الحوارات اضطرّ تحت الحاحنا إلى القبول بإجراء حوار تكلَّم فيه – كعادته – بصراحة لا تتواجد إلا عند القلّة فسكب معلوماته وذكرياته وشعره في ذاكرتنا آذناً – من حيث لا يعلم – لذاكرتنا ولذواتنا الإلتفات لجبلٍ عراقيّ نجفي يُدعى د.مُحمَّد حُسين الأعرجي وليكون هذا الحوار قطرة من مُحيطٍ عراقيّ يُحيط بالتراث والأدب والشعر والتحقيق كما يحيط السوار المعصم…

حاوره وصوَّره : علي وجيه – طهران

***

· بعد عودتك إلى العراق وبعد أن اغتربت لأكثر من ربع قرن ، كيف رأيت الشعر العراقي الحالي؟ وبالخصوص : الجيل التسعيني كما يحلو للنقّاد تقسيم الشعراء الى أجيال؟

– ابتداءاً أقول أن إعتبار كل عشر سنوات – إذا أخذنا مفهوم الجيل بالمعنى العلمي سواء أكان ذلك عند النسّابة أم عند سواهم – فإن الجيل يتراوح بين خمس وعشرين سنة إلى ثلاثين سنة ، أما أن يكون هنالك جيل كل عشر سنوات فهذا محض هراء ؛ ولا أعرف من أين دخل هذا التقسيم إلى التقسيمات الأدبيّة ، وهنالك شيء آخر هو أن العصور أو الأجيال أو غيرها ؛ سمّها ما شئت ؛ لا يكون بينها منشار يقطع هذا الجيل عن الجيل الذي سبقه لأن كل جيل هو نتاج تراثه والجيل الذي سبقه ، ولأضرب لك مثلاً قديماً ، يقولون على سبيل المثال ان بشار بن برد ، أبو المحدثين ، وأنه اكبر شاعر عبّاسي لكن الذي نعرفه هو أن بشار بن برد قال أعظم قصائده (البائيّة) في العهد الأموي:

إذا الملك الجبّار صعَّر خدَّه           مشينا إليه بالسيوف نعاتبه

كأنَّ مثار النقعِ فوق رؤوسنا         وأسيافنا ليلٌ تَهاوى كواكبه

إلى أن يقول :

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى      ظمِئتَ وأي الناس تصفو مشاربه

فعش واحداً أو صِلْ أخاكَ فإنه         مُقارف ذنـــــبٍ مرة ومجانبه

هذه القصيدة قالها في العصر الأموي وهي تدل على نضج شعره فكيف صُنّف على أنه شاعر من العصر العباسي؟ ؛ هذه التصنيفات مدرسيّة ابتدعها – في ما أظن – المستشرقون قبل غيرهم لتسهيل عمليّات التقسيم وكأنهم آمنوا بتأثير السياسة في الأدب بصورة عامة وبالشعر بصورة خاصة وإلا فبشار الأموي لا يختلف عن بشار العبّاسي بشعره ومن mhmd_hsen_a3rje1هذا قلت إن تقسيم الأجيال والشعراء إلى أقسام ثم اختزالها إلى عشر سنوات هو محض هراء ، أعود الآن إلى سؤالك ، لا أكتمك أنني وأنا في الغربة كنتُ يائساً من الشعر العراقي بل كنتُ يائساً من الأدب العراقي برمّته، كنتُ أقرأ ما يصلني ؛ يائساً : لأنه وقع في فخ الإعلام فهنا قصيدة في مدح القائد الضرورة وهنا قصة من أدب المعركة وهناك قصيدة من أدب الحرب والمعركة ، كنتُ أقرأ هذه النصوص – مهما عَلَتْ قيمتها الفنّية – بسخرية ، لأنني لا أفهم كيف يصدر أمر إداري للشاعر فيقول الشعر ، زد على هذا أنني لا أفهم إلى اليوم كيف تجتمع الحداثة مع المديح يعني الشاعر العراقي يقول لك انني شاعر حديث ، طيّب إن كنتَ شاعراً حديثاً ما لكَ وللمديح؟ ثم لماذا نقمتَ على الشعراء الأقدمين أنهم مدحوا وهجوا؟ فالمسألة هي أقرب للدجل ، أقرب إلى التكسب ، أقرب إلى الإرتزاق منها إلى الأدب ، ولكن لكل فعل رد فعل ويبدو أن الشباب الذين بدأوا يقولون الشعر في التسعينات قد أدركوا هذه الحقيقة وقد برموا بها وقد بشموا لها احتقاراً ولهذا ابتعدوا عن المديح وابتعدوا عن شعر المعركة وأدب الحرب  في الأغلب الأعم ولا أقول جميعا ولأنه كان لهم أن يتأثروا بالجو السائد ، الجو الديكتاتوري ، وأرجو ألا يناقشني أحد في هذا لأن الصبح بانَ لكل ذي عينين ، وأكبر شاهد على هذه الديكتاتورية هو المقابر الجماعية ، الكتب الرسمية التي وُجدتْ في الأمن العامة وغيرها ، عندما وجد الشعراء شخصاً يدعى (القائد الضرورة) يتمركز على نفسه وهو رجل أمي ، فلماذا لا يتمركزون هم على أنفسهم ؟ من هذا لاحظتُ في شعر التسعينات تمركزاً عجيباً حول الذات وهذا مبرر ومسوّغ وهو رد فعل لتمركز الحاكم على ذاته فلماذا لا يتمركز الشاعر على ذاته وهو اكثر ثقافة وأكثر فطنة وربما رغم شبابه هو أكثر تجربة لأنه يبصر الأشياء كما هي لا كما يصوّرها له الآخرون ، ثم إن هؤلاء الشباب شباب موهوب شعرياً ولا ينكر أحد هذا ، لا أدّعي انهم جميعاً شعراء كبار لكنهم يلفتون النظر ويعدون أن يكونوا شعراء كباراً ، إذا أخذوا الشعر والثقافة مأخذ الجد وإذا تواضعوا وتتلمذوا لمن سبقهم من الشعراء الأقدمين وسواهم ، كل هذا من شأنه أن يصقل الموهبة وهم يبشرون بكل خير وأنا معجب بالكثير منهم وفاجأني الكثير منهم…

· مثلاً ؟

– الشاعر حسين القاصد ، الشاعر عارف الساعدي ، الشاعر جاسم بديوي ، الشاعر ميثم الحربي ، وهناك أسماء أخرى لا استطيع أن أعددها فأنا كما قال المتنبي :

له أيادٍ عليّ سابغةٌ    أعد منها ولا أعددها

وأرجو أن لا يغضب عليّ الشعراء الذين لم أذكرهم ومنهم نوفل أبو رغيف مثلاً ، نوفل شاعر جيد ومنهم مجاهد أبو الهيل وعمر السرّاي ومروان عادل ، ولا تحضرني الأسماء جميعها..

· د.محمد حسين الأعرجي كـ(شاعر) ، لم يدخل معمعات الحركات الشعرية التي بدأت منذ الستينيّات وحتى الآن ، وما ترتَّب عليها من ظواهر تستحقّ الانتباه ، السؤال الذي يطرح نفسه : لماذا يغيّب د.محمد حسين الأعرجي الشاعر بينما يبرّز المحقق ، الناقد ، الأكاديمي…إلخ؟

– الجواب يسير جداً ، لأنني من هواة الشعر وبعبارة أخرى (وأنا أخجل من ذكرها) : عندما تكون متعدد المواهب ينطبق عليك قول الشاعر القديم : أحد مساعدي أبي مسلم الخراساني الذي يقول :

تكاثرتْ الظباء على خداشٍ          فما يدري خداشٌ من يصيدُ

هذا سبب ، السبب الآخر هو أنني بطبيعتي مزاجيٌّ ، على سبيل المثال   الكتابة مهنتي ولا أخجل أن أقول هذا  كما لا يخجل النجار من ذكر مهنته ، حينما لا أجد موضوعاً لبحث ما ، لا أجلس منتظراً الفرج من الله تعالى حتى يأتي وإنما لكي أشغل نفسي  أتجه لمخطوطة في مكتبتي فأحققها ولكن لا أحقق أي مخطوطة بل المخطوطة التي أعتقد أنها تضيف للتراث العربي شيئاً لأن التحقيق ليس نزوة وليس تزجية وقت وليس تجارة ، ولهذا أقول بدون فخر ولا غرور إن الذي حققته لم يستطع الآخرون تحقيقه…

* لكَ تحقيقات موّسعة في التراث؟

– على سبيل المثال : كتاب الأمثال المولدة ، حققته وطبع طبعة ثالثة في الإمارات العربيّة ووقع في أكثر من 600 صفحة ، أنا أعرف أن هذه المخطوطة موجودة في الكثير من خزانات المحققين العراقيين ولكن لم يجرؤ أحد على تحقيقها….
mhmd_hsen-ali_wjeh

· لماذا؟

– أولا أنها مصوّرة من تركيا سنة 1949 و تصويرها أن الورق أسود والحرف أبيض ، وأن كاميرا (الميكرو فيلم) قد انحرفت فظهرت بعض الصفحات تحتوي على الكلمة الأولى من الصفحة لا أكثر (وقد أثبتُّ صورها هذه في الكتاب) مما اضطرني أن أرجع إلى المخطوطة الأصلية في تركيا وحققتها لأنها مهمة وهي أول كتاب يدوّن أمثال المولّدين العراقيين إلى القرن الرابع للهجرة (وهو دراسة ميدانية) وقد احتوى الكتاب على أكثر من ألفيْ مثل ، وسطا عليه سطواً غير رحيم الميداني في كتابه (مجمع الأمثال) ، خذ مثلا ديوان بكر بن عزيز العجلي والذي حُقّق في الهند تحقيقاً لا أسوأ منه سنة 1913 لكنه أصبح أندر من الكبريت الأحمر فقررت تحقيقه وكتبتُ إلى تركيا أكثر من مرة ولكن بدون جواب ومن حسن حظي ان صديقي الدكتور جليل العطيّة كان يملك نسخة مصوّرة من هذا الديوان فأهداني إياها فحققتُه ، مثلاً :  كتاب ذم الثقلاء لابن المرزبان موجود في المكتبة الظاهرية وكل المحققين يعرفونه ولكن أتحدى أيّاً منهم أن يستطيع قراءته…

· وديوان أبي حُكيمة؟

– أبي حكيمة أيضاً ولا أريد أن أعدد الكثير من الأمثلة ، مثلاً : كتاب تلقيح العقول إنما حققته لأُبرّئ الفاطميين من تهمة الربوبية التي ألصقها العوام من الناس بهم لأن الفاطميين لم يكونوا يدعون الربوبية وهذا الكتاب دليل ناصع على هذا ، وهكذا عندما يلمع في ذهني موضوع للبحث فأنشغل به ، وعندما لا يلمع في ذهني لا موضوع للبحث ولا موضوع للتحقيق تبدأ الحالة الشعرية وأنا سعيد بكل تفرعاتي ، لا أجد نفسي هنا أو هناك بل أجد نفسي هنا وهنا وهنالك…

· دكتور : سؤالي هو أنك رافقتَ الكثير من الأسماء المهمة وأنت اسم وشاعر مهم يعني منذ الستينيات انت في موجة واحدة مع الأسماء التي رسمت ورسّخت المشهد الشعري العراقي والعربي مثل يوسف الصائغ ومظفّر النواب وسعدي يوسف والجواهري الكبير وغيرهم لكن لم تول اهتماماً كبيراً لشعرك بقدر ما أوليت اهتمامك للنقد والدراسات والتحقيق و الدراسة الأكاديمية ، يعني هذا الإقلال بالشعر أو بالأحرى إقلال في النشر..

– أحسنت ، هو إقلال بالنشر ومن شاء أن يغضب فليغضب ومن شاء أن يشرب من البحر فليشرب ! : (مافيا) الستينيات الشعرية كانت لا تريد أن تسمع سوى صوتها….

· جيل فاضل العزاوي وسامي مهدي ؟؟ مافيا؟؟

– نعم : فاضل العزاوي ، سامي مهدي ، فوزي كريم ، مالك المطلبي ، جميعاً لا أستثني أحداً ، هم مافيا شعرية أنهم يجب أن يحتلوا الموجة ولا يسمحوا لأحد بالدخول وأرجو أن يردّ عليّ أحد منهم فأذكر التفاصيل، ولهذا كان الموضوع لا يهم لأنني لأنني لستُ من أعضاء المافيا ولا أريد أن أكون منهم ، حسبك أن أحد الشعراء وهو صديقي إلى الآن  أرسلتُ له قصيدة لمجلة ألف باء لكي ينشرها وهي قصيدة جميلة إلى الآن في نظري ، ولا أعرف إن كنتُ ما أزال أملك نسخة منها لكن ما يزال إلى الآن يرنّ بيت في ذهني منها وأنا أتحدث عن  الحكام العرب :

فيدٌ تهدهد مريماً     ويدٌ بأحضان البغايا

هذا الصديق كان مسؤول الصفحة الثقافية في مجلة ألف باء ، كتب لي في زاوية بريد القرّاء : “محمد حسين الأعرجي : أفقْ” !.

· في أي سنة حدث هذا؟

– سنة 1969 ولهذا أسميهم بالـ(مافيا الشعرية) ، سامي مهدي ينشر لفاضل العزاوي وفاضل العزاوي يكتب عن سامي مهدي وهكذا…

· لكن فيما بعد تنازعوا فيما بينهم؟

– لأنهم جاءوا ككتلة ومافيا لفرض أنفسهم ثم تنازعوا أيهم يكون الأمير ، والمثل  العامي العراقي في القرن العاشر الميلادي يقول (الإمارة ولو على حجارة!) ، من هنا دبّ الخلاف والنزاع فأنتجوا (الموجة الصاخبة) و (ثياب الإمبراطور)….

· و(الروح الحيّة)….

– و(الروح الحيّة) ، نعم ، لا أريد أن أنتقص من هؤلاء ولكن هذا هو الجو السائد وقتها ، وفي إحدى الحوارات الفضائية وصفتهم بـ(جيل أو جماعة مكتبة مكنـزي) ، يعني الآن لو يُقدَّر لناقد أن يحسن اللغة الإنكليزيّة أو حتى نصف إحسان فهو يستطيع ردّ الكثير مما يُسمّى شعراً إلى منابعه الأصليّة .

· نعود إليك : هل يتداخل الأعرجي الناقد مع الأعرجي الشاعر في كتابة القصيدة؟ وهل يُعكس الأمر بتداخل الأعرجي الشاعر مع الناقد في كتابة البحث أو المقالة؟؟

– كلا ، حتى لكأنني شخصيّتان ولا اعتقد أنني مفردٌ في هذا ، العقل قاتل للشعر والبحث والتحقيق يقومان على العقل ، حيما أكون مشغولاً ببحث لا أستطيع قول جملة شعريّة واحدة ، وحينما أكون مشغولاً بقصيدة لا أستطيع كتابة جملة mhmd_hsen_a3rje2نثريّة واحدة ، لأن الشعر يقتضي غلياناً من نوع والبحث يقتضي تفكيراً من نوع آخر ، مثلا عندما تقرأ (سقط الزند) للمعري تستمع به غاية الاستمتاع ولكن عندما تقرأ (اللزوميات) للمعري نفسه – وأنا أتكلم من ناحية فنّية –  تكون كأنك تقضم النوى وتطبخ الحصى ، لماذا؟ لأن العقل قتل الشعر في اللزوميات في حين التدفق العاطفي ، التدفق الشعري ، التدفق الفني ، في سقط الزند جعله من أجمل الدواوين العربية رغم أن المعري كتبه في شبابه ، الاستثناء الوحيد من هذا هو المتنبي ، ولكن المتنبي يُتّهم ( و أقول : “يُتّهم” لأن ظلمه الدارسون حينما قالوا المتنبي شاعر حكمة وغير هذا ) المتنبي هو الاستثناء لأن هذا الذي سمّوه – تسهيلاً وتيسيراً – (الحكمة) لم يكن يُراد لنفسه إنما كان يأتي جزءاً من نسيج التجرية ، يعني أنك لا تستطيع – على سبيل المثال – الوقوف عند :

ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه         تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ

و أن تجتزئه وتقول : “هذا حكمة ” صحيح أنه يحتوي على معنى عقلي ، لكنك حينما تأخذ تجربة القصيدة في أن المتنبي نُعي كذباً في مجلس سيف الدولة فبلغ المتنبي الخبر فحزن وكذا ، وقال قصيدته :

بم التعلل لا أهل ولا وطنُ           ولا نديم ولا كأس ولا سكنُ

فمتى قال : “ما كلُّ ما يتمنى المرءُ؟…إلخ؟”

قال المتنبي :

يا مَنْ نُعيتُ على بُعدٍ بمجلسهِ          كلٌّ بما زعم الناعون مُرتهنُ

كم ذا دُفنتُ وكم قد متُّ عندكم     ثم انتفضتُ فزال القبر والكفنُ

ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه         تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ

كأنه قال لهم : أنتم تريدون موتي و لكن الله يأبى ذلك!

· أغتربتَ لأكثر من ربع قرن بين عدد من الدول مثل الجزائر وبولندا وغيرهما ، أنا انتبهتُ – كقارئ – أن هذه المنافي وكل بيئة تغيّرتْ لم تؤثر على شعرك إلى ما ندر جداً كـ(مواضيع ومفردات وغيرها) فهل النزوح خارج الأرض – الأم – العراق ، هل أثّر في شعريتك ؟ وهل منحك المكان خصائص جديدة؟

– لا أدعي هذا ؛ لأنني غادرتُ العراق وأنا ابن قريبٍ من ثلاثين ، تستطيع أن تقول إن تجربتي كانت ناضجة ، لكّن الذي أضافته الغربة هو (تلطيف) الجملة الشعرية ، ،وأضافتْ الغربة موضوعاً آخر هو (الغربة) كنتُ في العراق لم أشعر بالغربة وإن كنتُ أشعر بغربة روحيّة وكنتُ أسخر من الوضع وأذكر إحدى قصائدي (وقصائدي متناثرة هنا وهناك) ، كانت لي قصيدة أسخر بها من النظام السابق  ، لأنه كان يخلقُ عيداً جديداً كل يوم ، فكتبتُ قصيدة قلتُ بها :

زحمتْ أيامَنا أعيادُها              فإذا ما رثّ عيدٌ جدّ عيدُ

موضوع الغربة والحنين بدأ يلح عليّ بالمنفى ، ودائماً كما يقولون (صوتُ الطبل على البعد أعذب) فالعراق يتحوّل إلى واحة ، إلى جنة ، من ناحية أخرى استطعتُ أن أطلع بصورة مباشرة أو من خلال تلاميذي على بعض الأدب الفرنسي ، واستطعتُ أن اقتل الشرطي بداخل ذهني وهذا هو الأهم ، حينما كنتُ في الغربة وبعيداً عن العراق لم أعد أفكر بشرطي موجود داخل ذهني على الإطلاق ، كنت انطلق من سجيّتي ، مما أفكر به ، وأعتقد أن قصيدتي الموجودة في ديوان (رؤيا أوروك) والتي تحمل عنوان : (الثالوث المحرّم) لو أنني قلتُها بالعراق لقُتلتُ لأنني أنتقد بها المحرّمات و مفهوم (العيب) والسياسة ، قصيدتي الأخرى عن المرأة وتشبيهي لها بالكتاب :

وكتابٍ ألذُّ من غفوةِ الفجرِ وأندى من ارتواءِ العطاشِ

ذقتُ حَرفيْ عنوانه ، يالعينيك أغنىّ العصفور في الأعشاش؟

وتدرّجتُ بالقراءة : هذا حقلُ ضوء ؛ وذا رفيف فَراشِ

وكتابي : خصر ونهدان فرعونان يُتلى تصوّفاً في فراشِ

لو كنتُ بالعراق لأقاموا عليّ حدّ الزاني! ، هذه من فوائد الغربة وإن كنتُ قد سردتُها الآن وأنا خائف لأنني في العراق! ، الديكتاتوريّة تزرع ديكتاتوريّات لا تحصى بعدها…

· يعني أن الديكتاتوريّة التي تُسلط رقيبها على الشاعر تجعل الشاعر بدوره يُسلّط رقيباً على نفسه فيكون داخل ظُلمتين؟

– طبعاً ، نتيجة الخوف ، وعندك رقابات كثيرة فلديك رقابة سياسيّة ، رقابة اجتماعية ، رقابة دينية ، رقابة اقتصادية تتمثل بمسألة الفاقة والعوز ، أي أنك عندما لا تكون (برغي) في ماكنة الديكتاتور تُحارب في رزقك ، فكيف تتخلص من هذا المربع المميت؟ ، بينما اغترابك يجعلُكَ ترمي هذا كلّه وراء ظهرك…

· لكنّك ترمي فرحك أيضاً وراء ظهرك؟!

– هذا صحيح ،  معظم الذين تغربوا عانوا في الغربة ، على الأقل عانوا من شظف العيش ، فهناك من يطلب لجوءاً إنسانيّاً وينتظر راتباً من هذه الدولة ، أما أنا فكلا ، فأنا وأحمد الله لم أتلقّ من أي جهة حكومية في بلد عشتُ فيه معونة وإنما كنتُ – دائماً – أستاذاً في جامعات هذه البلدان ، اعيش بكدي وبعرقي ، وكان هذا عنصر سعادة لي فكما يقول الإمام علي (السؤال ذل ولو أين الطريق؟) ، من هذه الناحية كنتُ مكفول الحاجات وهذا لم يتهيّأ للكثيرين لكنه تهيأ لي ، كيف؟ ربّما بضربة حظ …

· لكنني أقصدُ هنا السعادة الروحيّة؟

– السعادة نسبيّة ، والسعادة والجمال يخلقهما الإنسان يعني السعادة ليست موضوعاً خارجياً وإن كنا نتصوره هكذا ، وأدرك الحقيقة إيليا أبو ماضي بقوله :

كُن جميلاً ترى الوجود جميلا

هذه المسألة منوطة بك ، المرأة التي تكون غاية في الجمال لديك لا تكون بالضرورة جميلة لديّ لأنك تخلع عليها من روحك هذا الجمال ولهذا المثل العراقي أدرك هذا بقوله : (القرد بعين أمه غزال) ، فالسعادة كذلك ، تريد أن تكون سعيداً؟ تستطيع ذلك خاصة وإن كنتَ مكفول الحاجات ، أما إن كنتَ ترغب بالتعاسة فتلك زوجتك اذهب و(تناكَر) طوال الليل والنهار فتكون تعيساً ، فالسعادة والتعاسة نصنعها بأنفسنا…

* هناك مسألة أخرى ، مسألة مصطلح (شعراء الداخل والخارج ) بعد سقوط النظام ظهرتْ هذه الإشكاليّة وأثارتْ عدة سجالات من بينها أن يقول شعراء الداخل إنّ الداخل أفضل وأكثر إبداعاً لأننا بقينا في الأرض الأم ، بذرة الشعر ، وطفولة الذاكرة بينما يقول شعراء الخارج إن الخارج أكثر إبداعاً لأننا اطلعنا على نتاجات الأمم الباقية و أحرزنا تحولات في تجاربنا الشعرية ، ومن جانب آخر اشتهر أغلب شعراء الخارج بمعارضة النظام بينما اشتهر أغلب شعراء الداخل بتلميع صورة النظام نظراً للظروف التي أحاطت بهم ، سؤالي هو :كفتا ميزان الشعر العراقي (الداخل – الخارج) كيف يراهما د.محمد حسين الأعرجي؟

– هذا مرض عربي ولا ينسحب على الأدب والشعر فحسب ، أضربُ لك مثالاً : الجزائر حينما نجحت ثورتها ، انتخبَ أحمد بن بلاّ ، بينما انقلب عليه هواري بو مدين وزير الدفاع ، بن بلاّ وجماعته يعملون للثورة الجزائرية من خارج الجزائر بدون سلاح ، كدبلوماسيين يعملون للثورة في القاهرة وتونس والمغرب وغيرها ، والفرد العربي بطبعيته أناني ولا أريد سرد أمثال لأن هناك الآلاف من الأمثال في تراثنا العربي حتى مبدأ الشورى في الإسلام وإن كان بعض الإسلاميين يقولون إن الشورى هي الديمقراطيّة ، الشورى ليست للناس بل هي شورى الأهل الحلّ والعقد ، هؤلاء أصحاب الحلّ والعقد إن قمتَ بعدّهم من بين مليون نسمة يكونون خمسين شخصاً ، هم الذين يتحكمون بمصير الأمة ، الآن على المستوى السياسي ، أنا والحمد لله لا أستعمل سيارتي كثيراً فأركب (الكيّا) وأسمع أحاديث الناس ، أول كلمة تسمعها هي (جاؤونا من وراء الحدود يلعن والديهم شجابهم علينا!) وكأنهم كانوا سوّاحاً في الخارج ولم يكونوا معارضين ، كأنما نُزعتْ عراقيتهم ولم يعودوا عراقيين ولا يحقّ لهم أن يديروا شؤون البلد ، المسألة لا تنسحبُ على الأدب وحده ، أنا أعتقد أن الذين أثاروا هذه المسألة هم الذين تلوّثوا بمدائح النظام بحجّة (أننا تحمّلنا كلّ شيء) وكأنهم يتصوّرون الأدباء العراقيين المساكين ، أدباء المنافي والمهجر أنهم كانوا يصطافون ، وأن همّ الأديب أن يبحث عن امرأة جميلة ، ولكن هذا غير صحيح ، للداخل عذاباته وللخارج عذاباته ، بعض شعراء الداخل عبارة عن عميل للنظام ، اذن بِمَ تفخر عليَّ؟ على الأقل أنني لم ألوّث شرفي ، كنتُ خارج العراق نعم ولكنني كنتُ صاحب قضيّة ، أما : عن مسألة أن الظروف ساعدتني لأنني كنتُ في الخارج فهذا صحيح ، ولكن أريد من أحد القول لي على سبيل المثال : أن محمود البريكان (رحمه الله) الذي لم يغادر العراق قد مدح النظام….

* لم يكتب البريكان شيئاً عن النظام…

– هل أرغمه أحد؟ ، وهناك – غيره – مئات الأسماء الشريفة ، أما هؤلاء الذين ذهبوا لمديح الطاغية فقد ذهبوا متطوعين ومرتزقة ، ثم لم لا تتسع رؤيتنا ؟ لأن أدب الداخل والخارج هما وجهان لعملة واحدة فلم لا نجمعهما ونرى أين السقوط وأين العلو في هذين الأدبين؟ لكن هذا لم يحدث.

· نلمسُ حاليّاً تورمّاً يُدعى قصيدة النثر وما تحمله بطيّاتها من متشاعرين متشاعرات وهذا يذكّرني بمقولة بلند الحيدري واصفاً أدونيس (أن أدونيس بنى له ولقصيدته قصراً كبيراً ببوابة كبيرة فسمح بدخول ملايين الجرذان)  وفي نفس الوقت نرى شعراء القصيدة العموديّة بدأوا بمرحلة شبه انقراض وتناحرهم بين عدة جماعات وشلل متعددة، مع غياب تام لقصيدة التفعيلة والتي يبدو أنها لم تقاوم لأكثر من خمسين عاماً : هل هذه بداية نهاية الشعر؟؟

– انا انظر للمسألة بأفق أوسع ، نحنُ نعيش منذ نصف قرن وأكثر بعصر إنحطاط كل شيء : الخطاب السياسي ، الخطاب الإجتماعي ، الخطاب الإقتصادي ، ولا يمكنك وأنت محاط بهذا الانحطاط المادي أن تجعل الثقافة والأدب بمعزل عمّا يحصل  ، لأن الحضارة والرقي حلقات متصلة ببعضها …

· بل إن أكثر المتأثرين بالانحطاط هو الأدب…

– صحيح ، ولكن أحاول الإشارة إلى شيء ، هو أنني لستُ ضدّ قصيدة النثر بصورة عامة ،وإن كان الذي ذهبتَ إليه صحيحاً ، وأتذكر أن قبل مقولة بلند الحيدري أن محمود درويش كتب افتتاحيّة لمجلّة الكرمل بعنوان : (انقذونا من هذا الشعر الحديث) ، فعلاً هذه النماذج الرديئة صارت تبعث على الغثيان ، و لكن هل كل ما يُسمّى بالنثر هو رديء بالضرورة؟ كلا ؛ هناك مبدعون دون أدنى شك وأنا لا أستطيع أن أقول إن كل شعراء قصيدة النثر هم محمد الماغوط ، ولا أستطيع أن أقول : إن جميع شعراء قصيدة النثر هم رديئون مثل (س) من الناس الرديء ، لأن مسألة الموهبة تلعب دورها هنا ، لكن تبقى مسألة : هي أنَّ الوزن ليس حلية ، لأنك حينما تبدأ روحك وعقلك بالتفكير بشكل موزون فهذا يعني أن بك بذرة الشاعر ، لكن حينما تجلس أمام الورقة البيضاء وتكتب ما يمرّ بخاطرك فهذا ليس شعراً ، لِمَ لا تُسمّه خاطرة؟ ، لماذا لا تُسمّيها نثراً فنّياً؟

· أو (النثر المركّز) حسب تعبير حسين مردان؟

– نعم والعجيب في هذا أنا أتذكر في أيام المعارضة أن ثارت عليّ ثائرة ما يُسمّون بشعراء قصيدة النثر ، لأنني نشرتُ في جريدة (المؤتمر) مقالاً (وكنتُ أكتبُ بها شهريّاً) فقلتُ : لِمَ لا نضع المصطلحات بأماكنها؟ (الشاعر) يُجمع على (شعراء) وهو يكتب (الشعر) فلِم لا يُسمّى مَنْ يكتبُ قصيدة النثر بالـ(ناثر) ويُجمعُ على (نثراء) فزعلوا عليَّ أن كيف قلتَ هذا؟ و(أنت متخلف)!.

· مع أن النثر لا يقلّ أهميّة على الشعر…

– وماذا تقول عن الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وأحمد حسن الزيّات وطه حسين؟ وهل هم قليلون في نثرهم؟ وأنا إلى الآن أذكر والله العلي العظيم ولم يطلب مني أحد أن أقسم أنني أذكر حينما قرأتُ (على هامش السيرة) للدكتور طه حسين ، أذكر أن قراءتي كانت متقطعة بسبب أن عينيّ تغرورقان بالدموع لثلاث مرّات على الأقل في الصفحة الواحدة ، وتعال الآن ووازن بين قصائد النثر وكتاب (على هامش السيرة) ، لأنني حينما اقرأ أبحثُ عن المنفعة والمعرفة والمتعة فإن كانت المسألة مسألة معرفة فقط فإنني أقرأ كتاب (نقد العقل المجرد) لعمانوئيل كانط ، فأجدُ كنزاً من المعرفة لكنني أطمح للمعرفة والمتعة في آنٍ واحد.

· محليّاً :هل ساهم اتحاد أدبائنا بتحريك المشهد الشعري العراقي؟

– أعتقد أن نعم وأن لا ، نعم لأن امكانات الإتحاد محدودة وهذه من أيام حكومة الأستاذ إبراهيم الجعفري والاتحاد ليست لديه ميزانيّة فكيف يعمل حدّاداً بدون فحم؟ وكيف يرقص إن كان مُقيَّداً بالسلاسل؟ ، وكُنّا ننتظرُ أن يكون نشاطه أوسع من هذا لكننا كأننا نطلبُ المستحيل ، زِدْ على هذا أن البلد كان حتى قبل فترة قصيرة يعيش ظروفاً أمنيّة غير طبيعيّة فكيف تنتظر من بلدٍ يُقتل فيه العالم والأديب والسياسي بسبب الظروف الأمنيّة ولا ذنب له إلا لأنه أديب وسياسي وعالم ، كيف تنتظر من بلدٍ لا يعيش ظروفاً طبيعيّة ازدهاراً أدبيّاً وشعريّاً ولهذا أعتقد أن كثَّر الله خير الاتحاد فهو قام ما بوسعه ولو كنتُ أنا رئيساً للاتحاد أو أميناً عاماً لما استطعتُ عمل أكثر من هذا..

· وماذا عن نادي الشعر؟ هل ساهم بدوره بتحريك المشهد؟

– نادي الشعر ساهم ويساهم وقد تقول لي : لماذا؟ فأقول :لأنهم جميعاً شعراء شباب ، مبدعون ولو يجتمع من هذه الشلّة عشرة شعراء ويقرأ كل واحد منهم قصيدته للآخر ويتناقشون فيها فهذا الأمر ذو منفعة كبيرة لأن الشاعر بحاجة إلى أن يُسدَّد ، إلى أن يُنقَد ، إلى أن يُناقَش ، فالاجتماع هنا رحمة وضروري ، وهناك مجموعة من شعراء ، أعمار متقاربة ، نزعات متشابهة وأهواء أدبيّة ، حينما يجتمعون سواء تحت خيمة نادي الشعر أو بيت أحدهم ؛ كل هذا من شأنه أن يصقل الشعر والتجربة .

· دكتور على ذكر الـ(عشرة شعراء) وكيف إذا اجتمعوا ففي الأمر فائدة كبيرة ، فكيف والعراق يملك هذا العدد الهائل من الشعراء في كل محافظة لكن هذا يأخذنا إلى جدليّة أخرى وهي أن البلد الذي أنجب عمالقة النقد العربي  نرى فيه شحّةً في افراز النقّاد بين أظهر الشعراء الذين يتكاثرون بسرعة الضوء ، بين سفر البعض ووفاة البعض الآخر : ما الذي تراه مناسباً للنهوض بالنقد العراقي؟

– أولاً : ليس هناك ما يمكن فعله ، أنا أتكلم عن تجربتي وربّما عن تجربة أستاذي علي جواد الطاهر (رحمه الله) ، النص الرديء لا يثير في نفس الناقد شيئاً وكما يقول المثل العامّي في اللهجة الدارجة : (مَدري شتكَول النايحة اعله الجربي/ البخيل) ، فهو بخيل ولا تستطيع الإتيان بأكثر من هذا ، أما حينما يُقال للنائحة هذا كريم فتستطيع أن تروي عنه مئة خبر وينسج الناس ألف خبر ، فالقصيدة التي تثير فيك شيئاً تجبرك على الكتابة فكيف وأنت قبل قليل تتكلم عن الكثير من النثر الرديء؟ ، وثانياً : أن النقد الحديث / الأكاديمي لا يستطيع الكتابة عن موجة وهي قائمة …

· هناك مقولة للدكتور حسين سرمك يقول : “إن نقد وأدب الحرب يُكتَب بعد الحرب”

– بالضبط : لأن الأمور استقرَّت الآن وعُرفتْ بداياتها وعُرِفَتْ نتائجها ، لاحظ حركة الشعر الحر (سُمّيت بحركة الشعر الحر غلطاً لأن الشعر الحر هو قصيدة النثر) ، عندما بدأت الحركة كان النقد عبارة عن : شتائم وإعجاب فالبعض يقول : هذا ليس شعراً والبعض الآخر يقول هذا شعر عظيم …

· يعني بلا تنظيم وبلا تنظير؟

– لا ، (ماكو) تنظير ، على سبيل المثال كتاب (مقالات في النقد الأدبي) للمرحوم حسين مردان ، في هذا الكتاب أمسك حسين مردان بقصيدة ضعيفة للجواهري ونقدها و(شرشحها) لا لأنه يريد أن ينقد الجواهري بل لكي يقول إن هذا الشعر الحديث هو الشعر الحقيقي ، وكذلك حينما سمع ابن الأعرابي شعر ابي تمام قال : إن كان هذا شعراً فما قالته العرب باطلاً ، فهذه المواقف تكون عاطفيّة ، لكن عندما هدأت العواطف تناول النقّاد حركة الشعر الحر بموضوعيّة ، عبد الكريم حسن كتب (البنيوية الموضوعية في شعر بدر شاكر السيّاب) ، د. إحسان عبّاس كتب (السيّاب : حياته وشعره) وطُبع أكثر من مرّة وكتب أيضاً كتابه الذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة في الكويت : (اتجاهات الشعر المعاصر)…

· ود.عبد الرضا علي أيضاً

– د. عبد الرضا علي كتب (الأسطورة في شعر بدر شاكر السيّاب) ، ويوسف الصائغ في كتابه (الشعر الحر في العراق من نشأته حتى عام 1958) وإلى آخر ما كُتبَ عن تلك الحركة ، الآن الوضع : مثلما قال أحد الشعراء في معركة الجمل :

الليلُ داجٍ والكباشُ تنتطح

فقائمٌ ونائمٌ ومنبطـــح

ومَنْ نجا برأسه فقد ربــح

فالآن لا تستطيع مسك شيء من الجوّ السائد ، يأتيك شاعر ليقرأ لك نصّاً ، طيّب أين أوّله؟ أين آخره ؟ وهل يعقل أن يكتب ناقدٌ يحترم نفسه وقلمه عن هذه النصوص؟ ، ومن ناحية أخرى إن هذه مسألة إعتياديّة لأن أفضل ناقد بالكون : هو الزمن ، خُذ القرن الثالث للهجرة ، ابن رشيق القيرواني يقول : لقد أهمل أبو تمّام والبحتري في زمنهم خمسمئة شاعر كلّهم مجيد ، ولكن الآن : كم عدد دواوين القرن الثالث للهجرة؟ أبو تمّام ، علي بن الجهم ، البحتري ، ابن المعتز وابن الرومي و (أبوك الله يرحمه)! ، إذن أين الخمسمئة كلّهم؟..

· إذن ماذا سيبقى من نصوص اليوم مستقبلاً؟

– الزمن غربال ، الكثير من هذا الذي يُكتب ويُنشر هو غُثاء ، والآن أنت تستطيع رؤية شاعر يجيد فنّ الإعلان عن نفسه ، يملأ الدنيا ضجيجاً ، ما إن يتوفى وتمرّ عشر سنوات حتى يُنسى ، لأنه لم يكن نابعاً من موهبة أصيلة.

· أنت الآن في طهران ، هل لك أن تحدثنا عن ظروف سفرك؟

– ظروف سفري اضطراريّة ، حينما بدأ عندي التهابٌ في اللثّة ، فشخَّص الأطبّاء العراقيّون هذا الالتهاب على أنه ورم خبيث ، لكنني اضطربتُ كثيراً أمام التشخيصات المُتناقضة للأطباء العراقيين ، فبلغ الخبر صديقي الذي ذكرته وأذكره مرة ثانية : الشاعر حُسين القاصد ، فأوصل الخبر إلى مكتب د.عادل عبد المهدي فاتصل بي كبير مستشاريه (أبو فوّاز) وهو صديقٌ عزيز ، فنصحني بالسفر إلى إيران للعلاج على نفقة نيابة رئاسة الجمهوريّة ، على نفقة د.عادل عبد المهدي ولم أستغرب هذا فالذي يعرف د.عادل عبد المهدي وهو ابن السيّد عبد المهدي المنتفكَي وزير المعارف في زمن المرحوم فيصل الأول ومَنْ يعرف أصل هذه الأسرة لا يستغرب هذا الفعل ، ولهذا أجد أن الكلمات لا تقوم بشكرهم جميعاً ولا سيما د.عادل عبد المهدي ، ولهذا أنا الآن في طهران للعلاج على نفقته ، أكرر الشكر والثناء وأرجو من الله العودة الى بغداد سالماً مُعافى إذا شاء الله.

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (1)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حديث صريح مع الشاعر الفلسطيني، ابن الناصرة، جمال قعوار عن الشعر وتجربته الشعرية
حاوره نبيل عودة

وثيقة بذكرى غياب الشاعر جمال قعوار جمال قعوار( 81 عاما) من رعيل الشعراء الأوائل الذين …

المنفى والشعر
الشاعرة باهره عبد اللطيف: أنا ما زلتُ في المنفى، أعني ما زلت أحيا كل لحظة في الوطن.
حاورها: د. توفيق آلتونچى

رُدّني، ياقلبُ، إلى متاهتي الكبرى أعِدْني إليّ أعِدْني إلى وطني الذبيحِ أموتُ فيه مراراً ليبعثَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *