حميد الربيعي : سفر الثعابين (4)

1

الروائي حميد الربيعي

–    أزمر
يتحركون باتجاه الغرب، قريبا يبدو الجبل، كأنه يلامس طرف المدينة، يبدأ سفحه من اخر البيوت ثم يتفصد الى رواب، تعلو الواحدة التي تسبقها، يلتف بشكل حلزوني،
الطريق الاسمنتي يصعد تدريجيا، كدوائر تحيط بالسهل اولا الا انها ترتفع الى القمة. السفح بعدما يستدير الى الجانب الثاني، الذي يطل على سهول واسعة من التبغ، ينعطف بشدة مكونا بجهة الشمال فسحة تبدو ضيقة الا انها تشكل مصيفا، يرتاده اهالي المدينة في اثناء الرحلات.
ياتون زمرا، شبان بمختلف السحنات، يرتدون معاطف ثقيلة، وفتيات كن قد هربن من الجامعات من اجل الفرح، يكونون حلقات للرقص، تستمر حتى مغيب الشمس.
الفسحة عند الجرف شديدة الانحدار. يصير السقوط، وان كان حجرا، موتا محققا، تنتهي بواد عميق، تتكاثف الاشجار فيه، لن ترى طينته، فقط اطراف الاغصان تبان بساطا اخضر، يهتز مع الريح الثلجية القادمة عادة من الشمال، حيث الجبال الشاهقة.
عندما وصلوا الى الفسحة بانت المدينة، كأنها كومة من بيوت، صغيرة. تختنق
بالضباب الذي يغلف الجو صباحا، ثمة سحب بيضاء تتحرك مبتعدة.
هل فكر مرة ان يمتطيها ما دام يرغب بقمر سيقتله الضجيج في الاعالي؟
من الصعب ايجاد موطئ قدم في الفسحة، الاهالي يفترشون الارض في مواسم الاعياد واحتفالات الربيع، ينحدرون مع التعرجات التي تشكل سفوح “ازمر”. مرة سأل عن معنى الكلمة، لكنه لا يتذكر الان.
اجتازوا المنعطف الرابع الذي يؤدي الى الفسحة فباغتهم جمهور الحاضرين، كانوا ينوون البقاء بعض الوقت لتبديل ضمادات الجريح الذي ينقلونه من المدينة .
لا خوف من ان يراه الناس، فبمجرد الوصول تهافت الجمهور. خبر اغتياله انتشر في نفس الليلة التي طعنه الملثم، رفاقه الانصار اخفوه حينما رحلوا صباحا، الاهالي يعرفون ذلك، هو الان بينهم ، يميزون حركة العيون الراصدة ولا يخشون، اذ طردوهم قبل ساعة من وصول الموكب، من اليسر افتعال حادث، لا يتعدى نطاق الخصام الشخصي، فتشهر البنادق ويفر مرتدو السفاري.
تعالت الاصوات موسعة الدرب للموكب القادم ، اربعة رجال وثلاثة خيول بيضاء، الحصان الرابع زلت قدمه عند المنحدر الاول فسقط في الوادي. امرهم الجريح ان لا يطلقوا النار  مخافة قدوم الشرطة.
اعترضت فتاة درب المسير:
–    لن يبرح.
فتحت كيسا، ضمادات ومحاليل تعقيم واشياء اخرى انفرطت فوق منديلها، لاحت ابتسامة على شفتيه،  فترجل اصحابه. احدهم قاد الخيل لزاوية بعيدة، الاخرون توزعوا في اطراف الفسحة، مهمتهم حماية الجريح حتى لو اشتعل الجبل نارا.
الفتاة انتزعت الضماد القديم، بانت الخيوط المتعاقبة على جانبي الشق الطولي، ليس ثمة دم ينزف لكن فتحة الجرح لم تندمل بعد، امرأة بجانبها تدلها لما تفعل. الفتاة باستمرار ترفع عينين خضراوين، مجرد ابتسامة ثم تواصل عملها.
على مسافة الراقصون يشكلون حلقات، يبدأون الدبكة على نقرات الدف، بجانب كل فتاة شاب يرقص، الدوائر تتسع، الحصى الناعم يتطاير تحت الاقدام،
المرافقون للجريح يطلبون التفرق ما ان هدر صوت محركات قادمة، ارباك اصاب الفتيان.
الهدير يقترب مكونا من ثلاث سيارات. يبصرونه جيدا، كالدب منتفخ الاوداج يترجل، يمتشط مسدسا بالحزام، يطالع الوجوه ثم يتوقف الهدير، محافظ المنطقة وحوله شلة ممن يلبس الزيتوني يتخذون مائدة في اقصى الفسحة مجلسا لهم.
ليس من شيء يثير الريبة، فقد اعتادوا مجيئه كل حين، ينشر ابتسامة باهتة الى الوجوه التي يمر بها، كأنها  تعويض عن قلة كلامه.
دخل مع الراقصين في الحلبة، فتاة نهرته ما ان داس على قدمها:
–     منذ سنوات، لم تتعلم.
ارتج المصيف لطلقة اسقطت الفتاة مضرجة بالدماء،  لحظات فلعلع الرصاص، من كل مكان البنادق تشرع. كان الجريح ورفاقه ينحدرون عبر السفح الثاني.
هدير المحركات يبتعد باتجاه السفح المقابل.
هو، بعدما رأى الدب، تذكر رائحة ابطيه فقرف. شعر بالتجشؤ يلوي معدته ، امسك ذقنه بين راحتيه فتقافز الاصدقاء يحيطون به.
–    لا شيء.. لا شيء
ثم يعتدل فوق الجواد:
–    دعونا نواصل الرحلة.
الطبيب اوصى بالراحة التامة ولمدة ليست قصيرة، كان الطبيب يلملم خيوطه على ضوء فانوس، احدهم اسند ظهره ، الاخر اطلق زغرودة فرحا ، اخته فعلتها لما انتصب التمثال قبالة الجرف ، كان الصبح يشرق عبر نافذة ، تستقر اعلى الغرفة ، من تلك التي بمستوى الارض تكون.
في اليوم التالي حملوا له خبرا:
–    يجب ان تنقل الى مكان اخر.
مر بباله ذلك الكوخ الذي يستوقفه كلما مر بتلك الارجاء، قليلا الى الخلف من “ازمر” يقبع في ظل واد  تملأه الاحراش ويتدثر الثلج.
تخيله، اول مرة، مغارة في اسفل جبل، لكنه اقتنع به بيتا، يختفي عن الانظار بكثافة الاشجار التي تتدلى عليه .
شق صغير بين صخرتين ثم ينفتح على باحة كبيرة. يرتصف، من الداخل، بخشب البلوط، يلمع لضوء القنديل المعلق بالسقف، تنفصل الباحة بجذوع اشجار. في المقدمة غرفة بموقد، الغرفة الخلفية يتوسطها سرير من الابنوس المدهون، وطاولة قليلا عن الارض ترتفع.
القنديل، لما يضاء، يتحول الى  بؤرة، ترسل اشعتها خيوطا طويلة للجدران .
الظلمة والضوء يمتزجان بشكل غريب، يشكلان لونا ارجوانيا خافتا، كالذي يشاهده من خلف روابي الجبل، اعمدة النار من الموقد تضفي جوا دافئا.
–    جلبنا لك دثارا ثقيلا اتقاء للبرد.
كانت الامتعة تتكوم عند البوابة، الشق الذي يسرب خطا طوليا من ضوء الشمس، ينبري احدهم لترتيب الاغطية، ادواة الحلاقة الى العين الجارية يحملها، والتي طرفها يمر بالكهف، ثمة قطعة خشبية تقطع مسارها، رص فيها الاغذية المعلبة.
–    سنمر عليك يوميا.
الاخر يخلع حذاءه ، يتأفف من البرد الصال في اصابعه ، قرب الموقد ينشر الجوراب الثقيل
–     لم اشاهده من الداخل.
اراد ان يكسر الرهبة، احد الشبان انبرى:
–    بيت جميل، لطالما حلمت به.
كان البيت مقرا خلفيا للمسؤول الميداني، يرتاده في اثناء الازمات، لا احد يعرف شيئا عنه،
–    اوصى ان تشفى به ، طلب ان نعتذر لك ، اقل ما يمكن تقديمه عرفانا بشهامتك.
سلسلة طويلة من الوصايا، كأن الصديق آلة تسجيل يلقيها. رفع يده فتوقف الاخر، بتقاطيع باردة سأل:
–     هل اتخذوا قرارا بشأني؟
حاول الثلاثة التملص، بغفلة تسللوا عبر الشق، استدار الاخير لما وصل المخرج:
–    فُصلت.
الضوء المتسرب من الشق يختفي ثم يعود خافتا بعدما  ألقوا تحية الوداع.
على محتويات الكهف تطوف عيناه ، خشب الارضية يبعث صريرا، نار الموقد ترسل شررها متطايرا، راعه البرد فالتم على نفسه. يلف ذراعيه حول الركبتين وينام الراس فوق رقبة مهدلة، ألم الخاصرة يوجعه مع هبوب العواصف.
امره الطبيب بملازمة الفراش، ينطرح على ظهره، الخدر يسري في المفاصل. بالضبط كذاك الذي شعر به عندما حوله ضابط التموين الى راع ، زريبة الدببة تقع في الطرف القصي للثكنة ، في اليوم الاول بعث له بكتيب، كيف تعتني بالدب في خمسة ايام. تصفحه باهمال، لكن هاله سعة فم الدب مما اجفله وجعله يكره الوقت الذي بالنرد غلب أمره ، الذي يشبه الدب بكرشه.
تلك الليلة قضاها منتظرا امام الباب بعدما ملأ الدنيا زعيقا، طلب الحارس ان يلتزم الهدوء والا قدمه مذنبا في الصباح. ثم سأله بغتة:
–    من اي مدينة انت؟
سريعا خر ساقطا، يتلوى من الالم، حمله الى خيمة الجنود، سقاه رجل عجوز شايا لذيذا، شعر بالالفة ، بيد في الصباح زعق الآمر يطلبه:
–    جلبت دبا صغيرا، إرعه جيدا.
ارتعشت اطرافه، كالموجة اندفع الى الوسادة يطلبها، ليصنع له خاصرة موجعة كما هو، الآمر يحتمي بشرشف المنام الابيض الشفاف.
–     مجنون.
لن يحميه كل الحراس، سيشق بجنبه فوهة تنضح صديدا اسود، يتبادلان الوسائد.
–    اهدأ، قليلا، نتفاهم.
يتقدم حذرا، الاخر ينضد كومة الوسائد بجانبه ، يقرب طاولة:
–    ان غلبتك لن ترعى…
–     وان ربحت؟
الجنود في الساحة يصطفون وهما ما زالا يلعبان النرد، جاء الفطور فأكل غالبا، نودي مرات عليه ، لكنه اعطى الاذن الطرشاء بكل الاحوال، كان همه ان يثأر من هذا الصعلوك الذي يدعي النحت مهنته،
–    الشوط الاخير مقابل ان اغتسل من روث الدببة.
لكنه نكص عن الوعد، عندما امره بالاستعداد للذهاب برحلة صيد.
النهر ضيق ويجري بانسيابية هادئة بمحاذاة الحقول، لا يشكل اروائا للاراضي بقدر ما يبدو وكأنه للفرجة، لا يتعدى في عرضه غير خمسة امتار وتظهر حصى قيعانه لماعة ونظيفة،
كان يكفيه لان يزيل روائح ابطيه ودغل صدره، ما ان رآه حتى نط مسرعا بملابسه، كانت فرصة لا تعوض للانتعاش واللعب الطفولي، بيد ان القائد العسكري افسد فرحته ما ان امره بالخروج، في البداية فرح بضحك الفتى وهو يكتشف مسراته، لكنه اغتاظ بعد حين دون سبب واضح الا الحنق في داخله.
وجد بجانب القائد بيدرا من القنابل اليدوية، وثلة من الجنود متهيئون للوثوب، ظن ان ثمة تدريبا عسكريا سيجرى هنالك، لكنه طعن بمقتل عندما امره ان يرمي القنابل لاصطياد السمك، رعب من المفاجاة ومن الطريقة التي جعلت فرائصه ترتجف، اذ لم يسمع في حياته بهكذا طريقة للصيد.
كان قرص بلون الحليب يرتسم فوق صفحة المياه، طلب التأني قليلا:
–    الثعابين نائمة
القائد يبرطم الشفة، من اليد يقوده مسافة بعيدة عن الجرف، اخبره عن البساتين والحيات وكنا صغارا، نخرج…
–    ما هذه الثرثرة؟ اي ثعابين..؟
القرص انسحب ظله من المياه، القائد يهز يده مستهزئا، يرتفع دوي انفجارات هائلة، نافورة من الماء تتدفق الى العلو وتحتها ارض مقعرة وخالية من المياه، انه يشهد كونا جديدا يتشكل بفعل الخراب.
–    القنابل كالثعابين.
يجلس منتحبا، كانت الظلمة شديدة، لانزياح الماء وصعود الدفق عاليا مثار شك عظيم في ذاته فاتخذ القرار. الذي لا رجعة فيه،
اتته الفرصة عندما سرح باجازته الدورية، في طريق العودة من الزاب الى العاصمة انحرف في ربعه الاول وترجل بالقرب من “هندرين”.
شعر بالراحة واعتقد ان مشوار حياته قد تغير بعيدا عن الزيتوني ولبس السفاري الذي ظل يطارده من الجامعة ومدينته الى العاصمة والجندية التي انتهت بمذبحة الاسماك.
يتناهى لسمعه ان ثورة قد نشبت في هذه البقاع، لهذا اختار “هندرين” محطة للنزول، بعض من اصدقائه حدثوه عن الامر، واعد اكثر من مرة بالالتحاق وها هو يفعلها.
علب الاغذية فارغة، من بعضها صنع لوحات يعلقها بالحيطان، البعض الاخر ضجر منه فرماه جانبا ثم بعد حين يرميها في نار الموقد، وعندما تسخن يقص منها فراشات وعصافير، يتركها في الليل قرب العين الجارية ظانا انها ستطير عند الصباح،
مرت أيام دون ان يظهر الاصدقاء، يشعر بالمرارة لكنه يقتل سأمه وغضبه بالخروج الى الغابة،
يخرج بحجة البحث عن التوت الاحمر، الهواء يهب منعشا، يشعر بنشاط في اعضائه، يقفز، يهرول، يرجع ماشيا بهدوء، مرات يغني ومرات يصفر كالريح، لن يبالي ان كانت شياطين الارض جميعا تنصت،
–    من يعيد تلك السنوات؟
بحسرة يتأوه، يعد على اصابعه، واحد.. اثنان.. عشرة.. هيا.. يعلو النغم، عند منعطفات الجسد يخرج بزخ شجي،
–    ساخرج قلبي واغسله من الادران، ساغدو صبيا.
ما زال يرقص، بين الاغصان يشع ضوء القمر، تتجمع تحت نعليه ثعابين، ترفع رؤوسها، الفحيح يخدش الصمت،
–    لن تفسدوا السهرة.
يكسر غصنا، ينقر على جذع شجرة سرو، كالدف يدوي الصوت، يطارد الثعابين، تتوارى في الاغصان، يركض خلف واحد ليضربه، ينشطر ذيله عنه، من فوق الجذوع يتطلعون لشاب يطارد ثعبانا بذيل مقصوص،
بين جذعين ضخمين يربض دب، ابيض يتماوج مع ألوان الشجر، قبالته منتصبا يتشمم، تضطرب خطواته متراجعا من حجمه الذي يسد الافق،
كانت الافعى محصورة بينهما، تتكور حلقات فوق الذيل المقطوع، ثم تقفز، ناطة في جوف الدب، الذي يفتح فاه مندهشا من القفزة، بالتاكيد لم يحسب دخولها فمه والا كان تجنبها، هي من العمى لم تعرف اتجاها، يشهق من طولها لكنه يستمرئها.
يا لخراب المدن. دب في جوفه حية، الحية في داخلها قمر، كمثل مشكاة فيها مصباح، يستند الى جذع مدهوشا مما جرى، ثم يباغت الاثنين بان انقض، يمسك قرني الدب، لا.. ليس للدب قرون، هذه اذناه، يتشبث بقوة، تنبعث رائحة كريهة، تفوح تلك الاتية من الابطين، يطحر الدب مستغربا ركوبه وهو الاملس دائما، يعرف بطشه جيدا، لذا عدها معركة حياة وما دونها الموت،
ان قاوم اكثر سيلوي الرقبة القصيرة، كما فعلها مع الدب الصغير، يضرب قدميه بالارض فينهض الدب كأنه تلة، كان يمتطيه والاخر بدا السير.
–    الى اين؟.. ثلمة القرص بجوفك..
يصير الجري عدوا، يلف ذراعيه حول  العنق، يتصوره سيطوف الشوارع، يهرع الاطفال خائفين، يخرب البيوت، قرية اثر قرية يجتاز، المدن تهرب، راكضة عنه، دب يلاحق مدينة، يبلغها ساحقا الحشائش.
لن يقوى اكثر، احال كل طريقه خرابا وانقاضا، ترفس اطرافه في الهواء معلقة، كان قد صدته صخرة في عرض الطريق منتصبة،
نزل عنه، في جوف الدب افعى، الافعى كأنبوب مهشم، في داخلها قمر، القمر كأنه كوكب دري.

شاهد أيضاً

بشار ساجت: انعتاق..

تمضي بنا الأيامُ، رتيبةً تسيرُ بنا، نحو أفقٍ غائرٍ، تَجرُّنا خلفَها ممزّقين والهين، تعصرُ وجوهَنا، …

سلسلة مسرحيات كوميديا الصحفي (برقوق) وجده العالم (ماركة صيني)
تأليف أحمد إبراهيم الدسوقي الجزء الأول

( حمايا بيه الكوبانية ) مسرحية عامية ملهاة كوميدية من أدب الخيال العلمي شخصيات المسرحية …

لالة فوز احمد: الغريق يبقى جسدا

كلما جرجرني الزمان الى مقامه الرفيع تغير وجهي مثل شجرة اغتصبها الخريف عنوة اتحسس جسدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *