ثامر الحاج أمين : الإرسي: الوجه الآخر للتجربة

عندما تكون وحدك محاطا بالجدران وفي إقامة قسرية ، تزجي الوقت بالأحلام والمخاوف ، فانه من الطبيعي ان تضطرم في اعماقك احاسيس وافكار لم تعهدها من قبل ، حيث من قلب هذا الحصار القسري تتولد الرغبة لدى المحاصر في ان يقاوم وان ينتصر او يستسلم لمصيره المجهول .
هذا شيء من ظاهر رواية “الارسي” للقاص والروائي “سلام إبراهيم” الصادرة عن دار – الدار – المصرية .
ففي “الارسي” التي (اختلطت فيها الأوقات وتداخلت وصارت تشبه بعضها )الرواية ص77 يجد البطل – الراوي – نفسه محشورا فيها ، هاربا من جبهة القتال لمعركة يعتقد انه ليس له فيها ناقة ولا جمل ، ويفضل أن  يبقى بعيدا عن جحيمها ينتظر مصيره بعناد متخيلاً لحظة القبض عليه (سيحل دوري عاجلاً أم آجلاً )ص13 ، فبين حصار البطل في “الارسي” وحصاره في الجبال مع الثوار يأخذنا الروائي “سلام ابراهيم” في رحلة تمثل جزء من سيرة ذاتية عاش تفاصيلها ابان ثمانينيات القرن الماضي ، برزت من خلالها ثيمتان في الرواية هما ثيمة” المكان” االمتمثلة ب” الارسي” وثيمة أخرى هي “الجنس” الذي استحوذ على مساحة من مخيلة البطل المحاصر – وهذا أمر طبيعي- رغم أننا نشعر في مشاهد أن الراوي ومن خلال استرساله في وصفها انه قد فقد السيطرة على جماح مخيلته الشهوانية ذلك انه غالى في إيراد تفاصيل فاقت حدود الحاجة لها ،
فهو لا يتورع عن وصف مشاهد اللقاء الجنسي لبنت عمته مع زوجها وبأدق التفاصيل بدء من تضاريس الجسد وانتهاء بلحظات توهج الروح، كذلك العمة الجميلة الطيبة لم تسلم من سعير تلك المخيلة فهو وان كان يتألم لوحدتها باعتبارها ترملت وهي شابة لكنه ( لا ينسى عريها القديم وسطوع بشرتها ، كم تلظت تلك التضاريس الرشيقة في اتون الشهوات واي ليال مضنية تقلب فيها الجسد الناعم على جمر الرغبات المكبوتة )ص33 مرورا بالجارة “نادية” التي كثيرا ما  داعبت مخيلته فخذيها اللدنين ( فيجد نفسه متصلب الوسط اطل على مساحة الشهوة المتجسدة في اللحم الشهي ) ص75 منتهيا باللجوء إلى طريقته الخاصة لإفراغ شحنته .
إن إيراد هذه المشاهد ليس القصد منه سوى تأكيد الثيمة التي اشرنا إليها في مقدمة كلامنا مع استمرار ملاحظتنا السابقة عليها.
جانب أخر من الرواية يتعلق بموقف الروائي من تجربته مع الثوار في الجبال قدمّه على شكل اراء على لسان بطله أراد بها أن يكشف عن الوجه الآخر لتجربته في حركة الانصار من خلال وجوده مقاتلا في صفوفها . فبجرأة فيها شيء من القسوة أحيانا باعتباره كان جزءا من تلك التجربة يكشف لنا البطل –الراوى- الكثير من خفاياهاوالتي لم يجرأ الآخرون على تسليط الضوء عليها او المساس بها بدءً من طبيعة الثوار الذين هم ( خليط غير متجانس من مقاتلين وجنود هاربين من الجبهات ، مهربو بضائع من المدن إلى القرى المجاورة ، خارجين عن القانون ، قتلة ، رجال مخابرات متنكرين ، سياسيون شرفاء وأنذال ) ص 14 . إذن هي حيادية غريبة لا تتعاطف كما هو المعتاد مع من يشاركونه تلك التجربة والمصير فهو لا يضع الشركاء في مرتبة تسمو على الطبيعة البشرية فالمقاتل كما يراه ( إنسان يجبن في لحظة حاسمة ويزاحمه في الاكل والملبس والشراب هم ليسوا أنبياء) ص15 إضافة إلى ما كشفه من سلوكيات شاذة بين المقاتلات (تجري في تواطؤ يفرضه الظلام والحرمان ) ص134 .
هذه المواقف بمجموعها ومواقف أخرى حفلت بها الرواية قدمت لنا بطلا غريبا ونادرا يعيش تناقضا حادا ، أو تشعر انه مقذوفا في مناخ وواقع عاجز عن التواصل معه حيث كيف تفسر لثائر يحتمل كل تلك المخاوف والصعاب وهو لا يعلم أسباب وجوده هناك (لم هو هنا ؟ لماذا يجري له ما يجري) ص132 أو بعدما يكتشف ( أنني عالجت الداء بالداء) ص 25 أو حين يصرخ في لحظات الألم لاعناً ( أبو من ورطني بالكفاح المسّلح) ص193 .
بلا شك أن هذه المواقف تفصح عن تناقض في شخصية البطل إضافة إلى ما تعبر عن خيبة وهزيمة داخلية وحالة انفصال واضحة مع محيطه ، فهو يستمر بتلك الورطة – كما يطلق عليها – رغم انه ( منذ الأيام الأولى تبخرت كل أحلام الثورة وكتب اليسار الماركسي) ص24 كما أن هذا المقاتل – البطل – حين ينوء بحمل متاعه وسلاحه ويكاد يحتضر وهو يتسلق بهما الجبال فانه يستمد العزم من حلم اللقاء بالحبيبة وليس من قوة إيمانه بالمبادئ التي ذهب من اجلها لهذا المصير ، كما انه كثيرا ما يكرر انه لا يفكر ( إلا بجوارها المبهج خلاصا من ورطة الكفاح المسلح ) ص112 ، وتبرز حدة هذا التناقض في قلقه (عندما يفكر بلحظات الموت فأول ما يخشاه هو أن يترك زوجته وحيدة بين رجال العصابات ) ص222 كما يسميهم .
وكمحاولة من الروائي لإيجاد معادل لشخصية البطل السلبي – اذا شاء لنا وصفه بذلك- فانه يخلق من شخصية الزوجة القوية نموذجا ايجابيا تقف على النقيض من مواقف ومعنويات زوجها – البطل – ففي حوار لها معه حين تحاول شد ازره للقفز على آلام الجروح والحروق تقول له ( الموت لابد منه – لكن ثمة فرق كبير بين ان يموت الإنسان وهو يصرخ بضعف وآخر يموت
بصمت ) ص 187 .
لقد استطاع الكاتب أن يبطن رؤيته المتمردة ويمررها من خلال لغة شعرية شديدة الإيحاء ، غير متكلفة ،وقدرة سردية نجحت إلى حد كبير في مزج الهموم السياسية بالتجربة الإنسانية والشخصية ، مقدما لنا عملاً روائيا يعد إضافة طيبة لرصيد الرواية العراقية وإضافة نوعية على صعيد المنجز الإبداعي للروائي “سلام إبراهيم ” .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن المصلوحي : قليل من النقد كثير من المجاملات نموذج: رسائل “وطن على شراع الذاكرة” تأليف: روز اليوسف شعبان وعمر صبري كتمتو .

في هذا المقال سأحكي ما حدث في ندوة اليوم السابع المقدسية الخميس الفارط. كان الموعد …

| طالب عمران المعموري : التلميح والنَفَس الجملي القصير قراءة في “رأسي عشٌ للعصافير” للقاص خلدون السراي .

شكل من أشكال السرد،  لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي ..  جنس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.