د. باسم الياسري: رواية (مخيم المواركة)؛ سياحة في تاريخ مسكوت عنه

الدكتور باسم الياسري

بداية لابد من الاعتراف أن هذا عرض وليس نقدا لرواية (مخيم المواركة) للروائي العراقي جابر خليفة جابر، فهي أكبر من أن تختزل بهذه الزاوية من الجريدة، ولكني وددت الإشارة اليها ليطلع عليها القراء.

لا يكف الروائيون عن التجريب في البحث عن أساليب سرد جديدة، يثيرون فيها شهية القراءة بعدما تنازعتها وسائل الترفيه الحديثة والمثيرة، وهم بذلك يتخفون خلفها حتى لا يبدون مثل حكائين تقليديين، يجتمع أمامه الناس ليقص لهم روايته. القاص جابر خليفة جابر استعار أسلوبا – ربما- لم يسبق اليه أحد، فمثلما نجد بعض الروائيين يخبروننا أنهم وجدوا هذا النص ضمن اوراق قديمة، أو مجموعة رسائل في بيت مهجور لا يعرف كاتبها، فقد استفاد جابر من التكنلوجيا الحديثة، ليقدم لنا نصا روائيا يخبرنا أنه تلقاه من خلال بريده الالكتروني من قبل شخص يدعى عمار أشبيليو، الذي نقله بدوره عن راوٍ آخر من أسلافه اسمه عمّار اشبيليو أيضا عاش قبل أكثر من أربعة قرون، والأخير ليس هو المؤلف الحقيقي للرواية، فينهي الروائي جابر خليفة حيرة القارئ ليقول ” ولكي لا يضيع القارئ في متاهة البحث عن المؤلف، قررت أن أدعي تأليف الرواية، وأضع اسمي على غلافها.. جابر خليفة جابر”

تبدأ الرواية بأن يقيم بعض المواركة وهم بقايا العوئل العربية والمسلمة الذي توزعوا بعد انهيار الاندلس، مخيما جوالا في عدة أماكن من خلال تعدادها نتعرف على تنقلات هؤلاء وضياعهم عبر هذه السنوات الطويلة، وكل منهم يحاول الامساك بأصوله التي لا يريد التخلي عنها، انه الدفاع عن الهوية الذي يجب أن يظل مقدسا للجميع، وهنا الهوية العربية الاسلامية التي حاولوا كثيرا مسخها ومسحها من الوجود، لكننا نجد ملامح تلك الهوية في حياتهم اليومية، فكريم يصبح كاسياس، وأحمد يتحول الى أمادو ، وكذلك من خلال سلوكهم وفي احاديثهم الخاصة، وفي اللاوعي الجمعي الذي يحملونه، حيث تظل جذوة الأصول خبيئة في دواخلهم.

موضوع الرواية يتحدث عن الموريسكيين وما تعرضوا لهم من القشتاليين، وحين تقرأ الرواية تجد نفسك أنك تستعرض التاريخ من جديد برؤية مختلفة، فصوت الرواية القوي هو الصوت الذي ظل خافتا لقرون، إنه اثارة للمسكوت عنه، فتسمع من خلال الرواية عذابات العرب ومعاناتهم من خلال تفاصيل لايمكن العثور عليها بسهولة، وعندي أن سبك هذه دقائق الاحداث جاء لتتسق ضمن عمل روائي، سيكون مفيدا أكثر بكثير من كتب تاريخية تناولت هذا الموضوع.

من تلك التفاصيل التي ترد على لسان أحد ابطال الرواية نتلمس فيها تميز الشخصية العربية المسلمة ” من المشاهد التي كنت أحب التفرج عليها بين يوم وآخر، مشهد مجموعة من البنات الموريسكيات اصغيرات، كن يأتين في اليوم المخصص لاستحمام النساء الى حمام قمرين للاغتسال بين يوم وآخر مما لم أعهده في بلادنا الجميلة هولندا وفي كل اوربا، ليس وحدهن أغلب الموريسكيين هكذا يحبون ارتياد الحمامات العامة” وهي اشارة واضح الى تأثير الدين الاسلامي في حياة الناس وحثهم على النظافة.

ونقرأ “يمنع علينا إغلاق أبوابنا أو شبابيكنا يا سيد، يريدون التأكد من أننا نصارى فعلا، وأننا لا نصلي مثل المسلمين أو نتلو القرآن، هكذا يقولون، ولكن الصحيح أنهم يفعلون ذلك لأغراض أخرى، لإذلالنا وسرقة أموالنا ، لا استطيع التحمل أكثر ، سأرحل سرا الى العدوة الغربية ” بهذه اللوعة يتحدث مسلم عانى من الاضطهاد في بلده لأن من يحكمهم يختلفون عنهم بالدين، وهذه المعاناة نجدها في بقاع كثيرة للأسف.

يستخدم جابر لغة سردية جميلة صافية، فنأى بنفسه عما يقع فيه غيره من الروائيين العراقيين تحديدا من إنشاء زائد لا يخل بالنص لو رفع عنه، فجاءت روايته مسبوكة سبكا محسوبا لا زيادات فيها ولا ثرثرة،  فالرواية كثيرة الثراء بلغة  تقترب من الشعر في بعض الأحيان، وليس غريبا أذا ما عرفنا أن الروائي له ديوان مطبوع، فكانت روايته متخمة بتفاصيل حياة لابد أن الكاتب بذل جهدا في تقصي أخبار الاندلسيين ليصل اليها، أخيراً، غير أن الروائي لم يخف انتماءه واعتزازه باصوله، فكان الموريسكيون ايجابيون كلهم، وهذا لا يخل بالعمل الروائي.

ماذا يريد الروائي جابر خليفة جابر بروايته هذه، نكأ جراح قديمة؟ إثارة لضغائن مرت منذ زمن طويل؟ لقد كتب جابر خليفة جابر روايته ( مخيّم المواركة) يقول:

“السلام لإسبانيا ، وطني الحبيب

السلام على الاندلس

وحل السلام

شاعت نسائم السلام في المخيم وعم التسامح مع ما عرض من مشاهد وحكايات وراح الجميع مواركة واسبان قشتاليون وكتالونيون وبشكنس واندلسيون، بعضهم يهنئ بعضا على نجاح المخيم، ووسط هذه المشاعر الطيبة وزعت آخر المشاركات التي لملمت الحكاية، حكاية قمرين، أم الحكايات، وكانت لخيمة العدوة الغربية، وقاء لأهلها جعلوها مسكا للحكاية.”

أرى إنها دعوة محبة وإخاء بين البشر وتجاوز الجراح دون نسيانها.

defafpub@hotmail.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.