حميد الربيعي : سفر الثعابين (3)

1–    الثعابين
المدينة تقع في واد، سلاسل جبلية تمتد شرقا حتى تحاذي الحدود، عندها تنتشر الجداول. في الغرب تنشطر الجبال بالشلالات، تبدو مثل حمل سيبتلعه اسد فاغر فاه ، ساكنة في الليل اِلا من بعض الطلقات، تئز بين البيوت.
دخلها سابقا حاملا متاعه على الظهر، غريب يخاف الشاحنات التي ستقله الى الجبال. لم يقرأ شيئا عنها .
 هي الان كمعرفته بكف يده ، يبصر العروق واتجاهاتها، الاصدقاء الذين يحرسون المنافذ كالتماثيل خلف الصخور يبدون، عند منعطفات الشوارع يهاجمون ايما حركة تلوح، يخبئون الاسلحة تحت المعاطف وتشهر بلمح البصر.
 تبقى المدينة ساهرة، كالعرس يتجمع سكانها، يرقصون على الرصاص حين يلعلع، يتقولون: سقط جحش، لكنهم يصفونه: كجرذ يقرض الخشب .
المخافر تسكنها الصراصير ليلا، بيد انها تنشط نهارا وكأن الحياة تدب فقط مع الشمس، من يؤسر يجد نفسه حرا مساء، تتوالى الحياة   بانشطار مزدوج، وايضا هزالي.
في الليل تبدو مدينة اخرى، اكثر بهجة وأَنسا، فتيان في الحدائق يسرحون، ومرات كثيرة يرقصون دون سابق موعد، فقط هكذا يلتقون ليبدأ الرقص، وكأن المدينة قلبت ليلها نهارا، او ان يومهم يبدأ ليلا.
لم تك غريبة عليه، دخلها مرارا في سفراته البطوطية، عادة يصلها  بعد المغيب، حيث لا مخافر تعمل، ما ان يطأها حتى يتلقفه الاصحاب، كل ليلة سهرة في مكان.
في اول امسية له سأل ان كان في المدينة حداد، استدل على دكانه بعد جهد وضياع في الازقة، في ذلك اليوم الذي لم يقدم له كرسيا ولم يرحب به، يقدم اليه اليوم بنفس المزاج. كان متعكرا من دخوله الاول للمدينة، كما هو اليوم، رغم الحاح الاصدقاء ان يبقى للسهر بمعيتهم.
لحقه صديق، اراد ثنيه عن مواصلة مشواره منفردا:
–    نخاف عليك، انت تعرف الاوضاع الامنية.
لم يكترث، رأى في عينيه غضبا يستعر.
–     لكننا اصدقاؤك.
ظل يلاحقه فترة ليست بالهينة، يتحدث عن اشياء عدة. يسمعه جيدا، لكن لا يشارك، كالابكم.
–     انت أنظف وارفع مما قيل، لا يهمك و…
–    دعني.
قالها صادما. اراد قطع الحديث ولم يؤذه انه قالها خشنة لصديق، انسحب تاركا صاحبه مصعوقا من لهجته الباترة، بيد ان الاخر لا يكل، جرى خلفه
–    ستأتي لزيارتنا؟
لا يرد، احس باللوعة، قفل مستديرا بيد ان الصاحب من هرول اليه، كان عناقا حارا. الكلمات ذابت في حرارة الاحضان، مثل صديقين التقيا توا وافترقا.
كان لا بد ان يسيرا في اتجاهين متعاكسين، حتم الوضع هكذا بعدما كانا لا يفترقان، ان ولج المدينة فالثاني يعد الايام بشوق لملاقاة صديق العمر.
يطالع السماء، ثمة غيوم تركض، بيضاء تتكاثف قرب الشرق ورمادية مشتتة بالاطراف، الشمس لم تزل تسقط عمودية، خلفها يبدو قرص معتم كأنه القمر، لم يصدق ان يظهر وسط النهار، كأنه ذاك الذي اكله الثعبان.
مطرقا يواصل دربه بنوع من الهمهمة، لا يحادث نفسه، لكنه يبرطم الشفة بنوع من الضيق مخافة ان تسقط الكلمات منه، رفع راسه عل احد يراه يحادث  دواخله.
رأيت القمر قرصا، الثعابين تقرصه، عما قريب ستأكله، الى القاع اهبط متسولا، اغتسل بغيوم تجرها عربات الخشب، سائقوها يغطيهم التراب، في القيعان انزع ادراني، اصرخ: ايها القرص الذي تأكله الحيات تعال، نتطهر من الضجيج، انا اجرجر اسمالا وانت فوق تتوارى الحجب، تعال فالصراخ علا، لم يعد ثمة منقذ من الطنين، كل شيء يبهت ويصير ضنكا، كأنوال تدور والرعب قاب قوسين من القلب، هياج عند الابواب، نساء عند الساحات واطفال في الطرقات، اما الشيوخ فينهضون من السراديب،
في الممر الاول مقابر ملكية وفي الطرف الاخر جمهورية، وفي الوسط تنام النساء من البرد والجوع، الفتيات اللاتي إبيض لحم أذرعهن صرن يرقصن في الفنادق بعدما

أكلهن جرب الموتى، واخريات يسايرن شهوة جنود مدججين بالحراب، مخافة اتون النار الموقدة عند الحدود والجبال .
المأوى الذي كان يوما مرتعا لامال عريضة صار الان جمرا، يحترق كل حين حتى نمل الانتظار، نأوي كالجرذان الى الجحور، نخاف الحر ونهرب من صقيع مصير يرسم كالسكران،
الثكنات التي يختبىء فيها الجنود صارت بيوت دعارة، يهرب الجنود من الحرب الى احضان المومسات  ويبيعون البنادق الى المهربين،
قل لي ياقمر: من اي حجر انت؟ تخرج الثعابين من تحت تراب القبور، تصعد اليك بسلم لتقرص قرصك، مع الدف الذي يحمله المهرجون يتعالى الصعود اليك، والاطفال تحتك تردد:
“لو هلهلت يا مياسة
تأتي الفرسان الدواسة
لو هلهلت يوم الحنة
تأتينا اغصان الجنة”
التقط النغم فأطرق حديده على هوى “الهوسة”، الاخر لم يظن قد وصل الى الفرن، بانت عليه المفاجأة فوقف مشدوها من النغمة التي يصدرها الطرق.
امتزج الاثنان معا بالنغم فرقصا، الاول خرج من دكانه والاخر كان عند قارعة الطريق يقف، دبكا سوية بصوت عال، على ايقاع النغم، الذي اجاده احد المارة صدفة.
مسك اليد الممدودة نحوه، اجلسه كرسيا، بعدما كال مديحا للاهزوجة، كانت انفاس الحداد تعاود انتظامها،  التفت مسرعا:
–    سمعت بما حصل معك.
–     اريد ان اشتغل معك
كأن الحداد لم يسمعه.
–     بأي ذنب تقدم الى المحاكمة؟
هو يتواصل، كأنه الاخر لم يسمع:
–    اصنع لك من الطرق اشكالا جميلة.
–     أبعدما صددت الهجوم يحاكمونك؟
–    انام الليل هنا.. في الفرن.
–    هزلت والله.
يرفع بوتقة محمرة من النار، في قعرها سائل اصفر رجراج، بخاره يتطاير سريعا، يمد المقبض اليه:
–     افعل ما تشاء.
وقد جلس ثانية على الكرسي، الذي نهض الاخر منه فرحا، تمتم:
–    سنسهر الليلة معا، هنا في جهنم.
غادر الحداد الفرن مطمنئا ان ثمة من يرعاه الان .

امسك ورقة، رسم دائرة في الاعلى ثم خطا قصيرا، خطوطا اخرى بشتى الاتجاهات، ملامح الوجه بانت، تحت خوذة كان الجندي يبرز، يقف غلى حافة شارع ممتد بعرض الورقة ويبدو بعيدا وعميقا في طرف واد، يطالع جنبي الشارع لكنه خال الا من ثلة جنود مثله ينتظرون. على الورق تسمع اصوات البساطيل ترن على اسفلت الشارع. التذمر رسمه خطوطا قاسية تتصلب فوق الوجوه مع تكشيرة حادة وقاتلة.
الامتعة العسكرية فوق الظهور كأنها احمال صخر،
سحب ورقة ثانية ليكمل التخطيط، صفوف طويلة من اجناس شتى واعمار متباينة واطوال مختلفة تقف مرعوبة من امر صادر. الامر مثله بعصا غليظة، يبرز طرفها كثعبان. ثمة ارقام كثيرة تظلل اسفل اللوحة هي بمثابة اسماء الجنود المرعوبين من اوامر النقل التي تتلى عليهم من العصا.
في تخطيط تال سرب طويل من مصفحات عسكرية يسير نحو عمق واد، غير واضح منه الا بعض الظلال التي تثير الفزع، وكأن في نهاية المسير حيتانا تبتلع الكائنات.
الوقت يبدو اول الصيف وذلك لأنه رسم الافق صحوا وبعضا من الزرع ينبت على حافتي الطريق، هو ليس زرعا بقدر ما يبدو وكأنه اثلات متفرقة ومتباعدة على طول الرسم.
ثمة معارك تدور في الارجاء، صف الجنود المنتظرين، سابقا، يدخلون بوابة معسكر، يظهر على هيئة صفيح وسرب من الدبابات، انه الوحدة التموينية لقاطع العمليات في غرب السليمانية،
نصحه احد الجنود القدامى ان لا يرتدي “البيرية” ليلا كي لا يكون صيدا سهلا للمتمردين القناصة، ولما سأل عن هؤلاء لم يحظ بجواب شاف.
عند وصوله اصيب بالرعب، ذاك ان قائد المنطقة استدعاه، خاصة اذا ما وضع في ذهنه ما يقال عن سطوة ولواطة هؤلاء، القوادون يختارون اجمل الغلمان للعمل في غرف القادة.
القائد يقطن خيمة مغلق بابها دائما، يبصره كالغول. فوق الخمسين تجاوز عمره، لكن خديه يتقطران دما وحيوية ، مرتجفا بالكاد تصطك ساقاه من البرد.
يامره ان يستريح، ظن انه يامره بالجلوس، كأن رشاشا يطلق رصاصه دون رحمة  تلا عليه ما في ملفه، اي منها تقوده الى التهلكة .
–    فعلا صنعت تمثالا امام جرف الشط ، ورفضت اللباس السفاري و…
–    انت وقح.
يضرب الطاولة امامه، يفتح فوقها علبة نرد.
–     تعال نلعب.
بوغت بالطلب، لكنه شعر بالاسترخاء،
–     لا تخف، انت ند لي.

بمكر الصبيان جعله يخسره الشوطين الاول والثاني، لكنه في ما بعد كان يطحر كثور من خسارته المرة. رماه بوسادة، هل حقا محشوة بقطن؟ كالصخرة ارتطمت بخاصرته، جاءه مذ ذاك اليوم الالم الذي يصعد باتجاه الصدر، تلك الليلة نام في السجن.
طرح التخطيطات جانبا ورفع البوتقة، صب بعض سائلها في قوالب مصغرة عن هيئات بشرية، تبدو مجموعة القوالب وكأنها ملحمة لاقزام يتحركون من اول اللوحة الى نهايتها.
ملطخ بالزيوت وسخام النار فوق جدران متهدمة ومتهالكة بالاضافة الى الاضاءة السيئة تجعل الفرن اقرب الى كهف اشباح.
تمنى ان تمطر، الفران لم يدله على مصدر المياه، خارج الكهف يستنشق الهواء ويحلم بالمطر، تذكر بالوناته الطائرة كحيوان خرافي في السماء، ايقن ان دغل صدره لا يرتوي الا بالمطر، هل سينزل؟ نظر الى الافق الذي تنخفض فيه الغيوم،
–    سيسقط.. يسقط.. سقط
مثل طفل لعب بالماء الساقط فوقه كالابر، خلع ملابسه وعاريا امام الافق يعلو صراخه
–    ملعون الكلب الذي يجرح القطيع.
تلك الصرخة ليست بالجديدة ، اذ طالما رددها في شوارع المدينة ، كانوا يبصرونه مشدوهين، في مرة اطلقها عبر نافذة ، من تلك التي بمستوى الارض، ابصر الدخان فقاربها مع مدينته، دخلها خلسة، كالتكية يرتفع صوت فيرنو الباقي الى الصمت .
يكمل اخر من حيث توقف السابق، كل صوت يتلو مقطعا من ملحمة.
تبدا المراسيم بالنقر، درويش على دف كبير يدق. الراقصون ينزلون تباعا. كلما ازدان النقر رقة، ازداد هياج الرقص.
بدخوله تبدأ السيرة ، كالتعويذة تسري بين الحاضرين، عشرة الحاضرون وبه يفتتحون كل امسية منقبة المدائح، الذي على اليسار يبدا ثم تطوف،
–    كان يحمل المؤونة لرفاقه، يا عيني.
الذي بعده يجلس يقف منشدا:
–    صناديقه وبغاله اجتازت الشلال.
اكمل التالي:
–    جرح الكتف انفتق، اراد ان يستريح فاتخذ قمة جبل.
الثالث ينهض مباشرة:
–    تحته يزحف رتل، مجنزرة في المقدمة ومجنزرة في المؤخرة، بينهما صف طويل.
–    لم يصدق، فرك عينيه عله يرى وهما.
ما زالت المنقبة تدور:
–    حمل سلاحه على الجرح واطلقها قذيفة نحو اول الرتل والثانية الى النهاية فاعطب رتل الزيتوني.
–    حاصرهم بين آليتين معطلتين، بهدوء كان يصطادهم، الواحد تلو الاخر.

اختلفت نبرة من نهض، بصوت واهن يلقي مشهدا حزينا:
–    عند رفاقه، في مقر الانصار ألقى حمولته، صناديق مكسرة ـ بوغتوا من خلوها.
الذي يليه بصوت جوهري اعلن:
–    يقدم الى المحاكمة لخيانته الامانة ومخالفة التعليمات بجلب صناديق فارغة.
لكن سرعان ما تخاصم الاخران في الجلسة التي ضمته مع عشرة شبان، كان جدالا حادا عن ماهية التهمة، الاول يمثل القائد الميداني والثاني يمثل المسؤول المالي واتفقا ان صده للهجوم على مقر الانصار كان عظيما، لكن الذخيرة مهمة ولا يغض الطرف عنها.
عادة ما ينسحب حين يشتد النقاش تاركا الاخرين في نقمة عما صار.
كلكل ظلام الليلة الثانية عليه في الفرن، الذي يقع في الطرف القصي للمدينة .
قد اعتاد بعض الشيء على الخلوة منذ ان ولاه الحداد العمل في مصهره، كان منهمكا باشكاله الجدارية، بعضها انجز والباقي تحت البوتقة تنصهر مادته، الجندي والعصا الثعبان والرتل قد بردت كتلهم، الطفل الذي اعاد تشكيله مرات لم يستقر بعد على هيئة معينة ولطالما ادخله الفرن كيما يذيبه .
مرات يجعله يجري في حارات ضيقة ، او فوق كتف امه ، لكنه بالتاكيد لن يحيله الى ذاك الشاب الذي صار وشب متمردا على واقعه .
هيا.. لنسهر الليلة مع الكلاب الضالة.. كل الارصفة خالية من المارة وانت وحدك تحرق نارك بنار الفرن.. لا سكر الليلة كونك مخمورا من داخلك، ليتنح الوجع ولتكمل الجدارية ، فالحداد آت لا محالة صباحا.. اجعلها مفاجأة جميلة لنهاره..
من الدكان خرج يعبئ صدره بهواء الصباح الندي، ثمة نسيم يهب من القمم الشرقية.
بعض الريح تصفر في اعلى البنايات، يحدق في الافق، يحرر ساقيه من الخدر الذي انتابهما منذ يومين وليلة، وجع الخاصرة نائم ، يفتح ازرار قميصه، مدندنا باغنية ، كان قد حفظها من بنت المختار،
ترك ابواب الدكان مشرعة ، ضامنا ان الكلاب السائبة تحرسه، صاحبه سيقدم بعد ساعة ، طفحت به رغبة برؤية الاصحاب، لكنه كتمها بمقدار الحنق الذي يطفو فيه.
قرر السير في ازقة المدينة ما دامت غافية في احضان الصبح ولما يستيقظ اهلها بعد. ثمة نشاط يدب فيه رويدا، اجتاز عدة حارات ومشى كثيرا، لم يصادفه امرئ ما، الشوارع خالية حتى ظن ان مناسبة تكتنف المدينة وهو لا يعلم.
كان يجب ان يمر من الجادة الاخيرة اذا اراد الوصول الى اصدقائه او ان يقفل عائدا الى المصهر،  بيد ان ثمة من باغته عند المنعطف ولم يحسب شدة الاستدارة فياخذ حذره، ملثم بمدية كأنها نصل يربض في تلك الزاوية الحادة.
الملثم تنحنح مما يعني انه رابض هنا عن قصد والسكين غرقت في دماء غزيرة، مثل صنبور ماء يتدفق، في البدء رافقته صرخة وفي التالي انين لرجل يخر من علياه ويهوي مرتطما بالارض بقوة ثم ملتما على نفسه ويضع يديه فوق مكان غرس النصل، الا انه لا يمنع صنبور الدم من الدفقان مما دعاه، بوعيه او من رعب اللحظة، ان يصرخ بحدة ، ولو ان المدينة يقظة لكان قد سمعه جمهرة كبيرة من الناس الذين يرتادون الشارع، مما يعني ان صرخته ضاعت هباء في رقدة النوم الذي يغلف المدينة، بيد ان يحلم بان صرخته توقظ النائمين محال بسبب تحولها تاليا الى انين وتشنج في العضلات مما يعني ضياعه وحيدا في بركة الدم، لكنه تخيل ان ما سيحدث يوقظ المدينة حتما، خاصة اذا جرى كل شيء بسرعة، ذلك ان دمه المتدفق يسيل انهارا ويغرق المدينة، بالتاكيد ستصحو ولا بد.
هل احس من قبل بهذه اللوعة؟ حرقة تندلع من اسفل البطن، الاحشاء كومة ملفوفة تبرز من الشق، السكينة كانت هنالك اولا، لقد تركها الملثم وهرب، امسكها بكلتا يديه، يمسك موته، لحظات قليلة وسيتحول كل شيء الى العتمة، عندها تغيب عنه الوجوه، المدينة، الجرف، المرأة التي فيها اندلع اللهيب، الفرن، الاصدقاء .
ترنح، لكنه استند الى حائط، الاحشاء تتسربل خلفه، يحملها بين راحتيه، يبصر ان لا ثمة قمر فيها، استغرب لم الوقت صباحا، هل بهكذا سرعة تغيم الحياة؟ لم يصدق ان الموت مدية كانت تربض وراء زاوية  ويحمله ملثم، كان يريد القلب، لكن حركة الايدي صدته فنزل قليلا، انكشفت امامه مساحات شاسعة من العمر.
ترى كم تطول هذه اللحظة؟ هل حقا سيغمض عينيه وبعدها العتمة الابدية؟ ما لون الموت؟ أياتي قاتما ام يمر خاطفا دون ان يدرك؟ سنوات العمر الممتد من المواكب التي تغادر الفسحة الى الجبال الشاهقة والضباب؟
–    اماه..
رعشات تمرق باطرافه، يرتعش فيهوي ممدا فوق الرصيف، الدم يعبر العلو ويسيل الى الشارع، يغسل الطرقات من الاتربة، يتدفق سريعا وهاربا.
ما زالت السماء تركض والبيوت تهرب وعيناه تزوغان، تبدو الموجودات ظلالا .
–    لا يمكن ..
كيف يحدث هذا؟ كان يحيل الاشياء الى نفائس، كيف تهرب منه الان؟ الحديد الخردة يصير خيولا، الصفيح الى منحدرات للعب الاولاد يحيلها. هل يبدو هذا القصير، الذي طرق كل البوابات وعبر الحدود من اقصى الجبال عتيا الى المدن التي ينظفها اصدقاؤه، كتلة هامدة في رصيف مهمل؟
–    انقدوا هذا القتيل..
يختنق صوته، تشرع الشرفات، تفتح النوافذ، رؤوس كثيرة تطل، ترى شابا كالقنفذ ملتما على نفسه ويده راية ترفرف. صوت يتلوه صوت حتى علت الصحيات. يقفز شابان يسندان ذلك الذي عند الرصيف يزحف وامعاؤه بين يديه، يريدان انهاضه، يصرخ:
–     لا تمسوا الاحشاء، مقدس الدم، لا تنسوا الرايات في الفسحة.. الفرن.. الملحمة..
–    احملاه
صوت آسر، امتلأ الشارع بالبنادق، الى اخر بيت يحمل بين اربعة اذرع بتأن .
صوت آمر يعلو زعيقه:
–     اريد القاتل حيا، انبشوا الارض عنه ، اكسروا المخافر، اريده حيا
ينحني، يطبع قبلة على جبين الجريح الذي غام في وجعه.
–    سنعالجك، كن مطمئنا.
ما زالت السماء تدور في عينيه،.. لا تدعوا الثعابين تاكل القرص.. كنا صبيانا.. نحمل الدفوف.. نخرج الحيات.. نشق جوفها.. نخرج قرص القمر..
لا أحد ينصت له اذ علا الضجيج.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.