مسلم السرداح : غابة !

( اهديها الى الاديب الفنان السياسي القدير،  اخي مصطفى الادهم مع رجائي   ان تروق له ، فارد قطرة من فيض كرم  بحره ، بعد ان كان اهداني لوحة فنية رائعة ) .
تائه اسير مع هؤلاء الناس ، وقد كنا اخوة ، في هذه الغابة المتشابكة العروق الكثيفة الاغصان . لاادري من اين جئنا وكيف جئنا ؟ ودون ان ادري هل نحن في حلم ام هي الحقيقة ؟. ودون ان ادري اليل هو ام نهار ؟ ولم يحاول احد اخباري اين نحن افي زمن معلوم  نحن ام في المجهول ؟ ذلك ان كل تلك الاوصاف تنطبق وتليق على مانحن فيه .
حدث ذلك بعد عودتنا من احدى ملاحم غيرنا التي اجتمعنا لاجلها غصبا او طوعا  . وحين انتهى كل شيء عدنا ادراجنا نجر اقدامنا الى حيث يذهب كل واحد الى المكان المقرر له والى حيث اعتاد الركون  .
اشبه مايكون وضعنا بعائدين من لعبة اهلية  لكرة القدم ،  كفريقين شعبيين . انتهت اللعبة وعاد المشجعون بمعية اللاعبين الى ديارهم . وكانت تفصل بين الملعب والديار متاهة .
المشكلة ان الاحلام الكبيرة ، ولااقول الكوابيس المرعبة ، لا تختلف في احاسيسها عن الواقع ، وربما ذلك  لم يكن حلما عشته بل هو واقع كبير . ففي كثير من تضاريس  الارض،  يمكن ان يحدث مثل ذلك واكثر فالغابات متوفرة ، وحتى الهور يمكن ان يكون موقعا لبطولة اكثر من مليون قصة مثل هذه ، وذلك قبل ان تمتد لها يد الانسان الحاقد العنيف وتجتثها . ولذلك فقد ضاع كل شيء عني ، ولم اعد اميز ملامح مايحدث .
اناس كثيرون ، وكلهم معي ، ولااعرف ماذا يجري في داخلهم ولابماذا يفكرون . فقد تعددت الرؤى وكل واحد يحتفظ بوجهات نظره عن الغابة ، ودون ان يتقاطع مع غيره عن أي شيء . وانا ذو القلب الفارغ الا من الحب ، كنت  ارصد مايحدث بحيادية بالغة .
رحنا نسير فرادى وجماعات ، مجتمعين اجسادا ، مفترقين اهواءا ، عن هدى ام غير هدى . حتى اذا ماوصلنا الى مفترق دروب يتكون من عدة ممرات تشجع  كل واحد ان يبدي وجهة نظره ، وبعنف احيانا ، حول الطريق الذي يخرجنا  من هذه الغابة المتاهة المظلمة .
لقد تورط الجميع ولا احد لديه خبرة سابقة بما يجري هنا . فقط لديهم  رغبة واحدة مشتركة وهي الخروج ولا احد يرغب في البقاء هنا ذلك ان لا احد يود ان يلقى مصيره بايدي غموض الغابة ومتاهاتها .
رجل مع زوجته الجديدة يقول لها لقد قتلني الشبق فمتى نصل الى البيت ؟
امراة في منتصف العمر مع زوجها الاكبر منها سنا واولادهما ، المتبايني الاعمار يتمنون الوصول مبكرا لتحقيق غاياتهم التي ابتداوها ووصلوا بها الى منتصف المسافة .
رجال ونساء مشبوهي النوايا يدفعون الناس دفعا للتوغل في باطن الغابة الى حيث لاتعرف مصائرهم لغرض لم يتبينه احد بعد .
الاعزب  الكبيرالسن الذي تجاوز الاربعين من عمره يقول :
– اين ساجد الفتاة التي اتفقت معها على الزواج ؟
كانت الغابة كما يبدو مليئة بالوحوش التي بتنا نسمع صراخها دون ان نراها نتيجة الظلمة التي تملانا . لكن يبدو انها بدات تتقيا تهيؤا لافتراسنا  ، وذلك ، بمجرد ان تجد لها وقتا ملائما . هذا ما شعرنا به على الاقل .
كانت الطريق واحدة لذلك لم نختلف في شيء ، فقط نسير دون ان نرى ماسيواجهنا من مصير .
لا احد يرى احدا من فرط الظلمة لكننا نحس بشم الانفاس .
كان الطريق ينتهي بساحة واسعة فيها بعض الضوء الباهت نتيجة لاختراق بعض من  الوميض القادم ، لاادري من اين ولا كيف امن الشمس التي بدت بعيدة جدا  ؟ ام هو من بقايا ما تخلف من ضوء ؟
دون ان ندري بالطبع الوقت هل هو صبح ام ظهرام ليل ؟  وبالتاكيد انه ليس بليل على افتراض انه ضوء الشمس، لاضوء اخر ياتي من مصادر اخرى كالقمر ام النجوم ام من ظواهر اخرى كظاهرة الانتشارالتي تجعل الليل مضيئا حين يملا الغبار السماء . ام مما تخلف من ضوء قديم ؟
قالت لهم الحكمة وكانت تسير على قدميها  متوحدة لا يماشيها احد لثقل كلماتها :
–    يا اخوتي ، لغاية هذا المكان وينتهي الضوء لاننا سندخل بعد عدة خطوات في تلابيب الغابة . وسوف تغمرنا الظلمة وستاكلنا الوحوش التي لازالت ولغاية الان تخاف منا لاننا لازلنا مجتمعين مع بعضنا فالوحوش تخاف الكثرة والويل لمن تستفرد الوحوش به .
كانت خائفة مما سياتي ، فالذي لايخاف ليس برجل كما يقول المثل الدارج ، وكانت تخاف ايضا ان تستفرد الوحوش باخوتها  .
لكن الاخوة اختلفوا بالراي ، وكل يشير الى درب بين الاشجار  ( القصب ان كان ذلك يحدث في الهور في اوج القه ) في الغابة في اوج ربيعها   ، يريد السير بنفسه للخروج من الغابة ، ومع ان هناك دروبا كثيرة بعدد الاشجار ( او كارات القصب ) ، فهناك اراء بعدد تلك الدروب .
صاحت بهم الحكمة التي كان صوتها يضيع مع تمتمات الريح بين الاشجار او القصب :
–    ايها الاخوة ، اخوتي هناك طريق واحد لو سرنا به فاننا ننجو جميعا ، واياكم والانفراد فان الوحوش سوف تنفرد بنا  . ايها الاخوة ان الوحوش قريبة منا جميعا لكنها تهابنا لغاية الان لكثرتنا ولكن الويل كل الويل للانفراد .
–    ولكن من قال ان طريقك هو الصحيح ؟ صاح بها  بعير يتخفى بجنس البشر ، يدفعه بعّار يحمل هراوة .
–    ان طريقي صحيح ايها الصائح ، يشفع لي في ذلك كبر سني وخبرتي في الحياة ، ناهيك عن هذا البصيص الذي امتلكته عبر سنين عمري الطويلة وذلك المدى الذي تعلمته من الحياة ، عن طبيعة الغابة والوحوش التي تتربص .
كانت  قد ارشدتهم الى احد الطرق قالت لهم انه هو الطريق الوحيد الذي يقودهم  مجتمعين خارج الغابة .
سالوها  :
–    وكيف تجزمين  ان طريقك هذا هو الطريق الصحيح ؟ وكانت الحكمة تبدو بهيئة كائن قديم .
–    انظروا الى الاغصان المنفرجة ما يدل ان احدا ما قد مر من طريقي هذا. اما الطرق التي تريدون السير بها فانظروا تشابك اغصانها مايدل ان لااحد قد مر بها . قالت لهم .
–    وما يدرينا ان من يمر في دربك لا تفترسه الوحوش الكاسرة ؟ تساءل وحش تسرّب من الغابة ولم تبن اسنانه من فرط العتمة .
–    لن تفترسنا الوحوش ونحن نسير جميعا مع بعضنا . ستخاف الاقتراب منا . وانا اعرف ان كل الطرق فيها وحوش ولكن الدرب الوحيد الذي سينفرج عن نهاية هو هذا .
–    ولكنه درب مظلم موحش وطويل . قال ذلك شاب بدا متعجلا من امره .
–    كل الدروب موحشة وطويلة يا اخوتي . ولكن انا اجزم اننا حين نسير مع بعضنا فان  هذا الطريق سيكون هو الصحيح .
وهكذا قول من هنا وصيحة من هناك  حتى تشتت شمل الناس وراح اللاعبون كل ياخذ مشجعيه الى زاوية من زوايا الغابة وبقيت الحكمة وحدها مع نفر قليل من الناس وكنت انا واحدا منهم . وراحت تسير بنا في درب موحش منفرد ولم ينفعنا الوصول الصحيح . فقد كنا فرادى ولم تقنع  اصواتنا الناس الذين تاهوا في الغابة متكبدين جميعا عناء الوحوش وعبث اللاعبين بهم . لنصحو جميعا والجميع قد ضاعوا  بدروب الغابة وقد تحولت الى ارض جرداء بعد ان احتطبها اخوتنا الذين لم يصلوا بعد الى ديارهم ، ولن يصلوا بعد ان سكنوا الغابة الصحراء ، ولم يجتمعوا على راي بل كانت اجسادهم متفرقة  ، واراؤهم مجتمعة على سلب ونهب بقايا ما قد تجود به الصحراء .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: خمس حكايا للضوء!

أقارب.. المرأة و الحزن أقارب.. و الضجة و البرميل أقارب .. و الجثة و عزرائيل …

سامية البحري: تأملات تحت ظلّ تلك الشجرة

أصغي إلى ضجة في غرف رأسي…. تقفز عيني اليسرى، تطلّ من كوة صغيرة في رحم …

صلاح حمه أمين: نياشينُ قمر

Salah1325681@gmail.com سيدةٌ من صبحٍ وقمر , دروبٌ من مطرٍ وحقولَ مواعيدٍ من عجاف, مقاعدٌ تتكأ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *