مهدي شاكر العبيدي : سيد هادي العظيمي والخير المحض

والخير المحض هو خالق الأكوان ، وموجد الخلائق وسائر الموجودات فوق هذا الأديم ، بحسب ما لقنني أستاذي المحاضر في دروس الديانة الإسلامية ، العالم الديني سيد هادي العظيمي ، الذي استعانتْ به مديرية معارف الحلة مستجيبة في ذلك لاقتراح الإدارة المدرسية في متوسطة الهندية أواخر أربعينيات القرن الفائت ، كي يسدَّ الشاغر بتلك المادة وبصورة مؤقتة ، ريثما يتكامل ملاكها من المدرسينَ ، وعسى أنْ يأتي مَن هو مؤهَّل لتدريس موضوعاتها ، أي يتطابق سلوكه وتصرُّفه البادي للعيان وما تلزمه وتقتضيه من الوقار والاحتشام والرصانة .

       وكذا كان السيد المعتم بعمامة سوداء يلمُّ بالمدرسة في أوقاتٍ محدَّدة كي يلقي علينا موضوعاته في هذه الناحية من دون تقيُّد بمفردات المنهج المقرَّر ، حتى ولا نظر للكتاب المدرسي ، وفي أوَّل حصَّة استهلَّ بها دروسه أفادنا بأنَّ الله هو الخير المحض ، وحرامٌ على مَن يمتلك عقلا ً مفكرا ً وحصيفا ً أنْ يستفهم عنه ويماحِك   فيه ، ومن الأفضل للمرء أنْ يتدبَّر مخلوقاته ويشكر صنائعه وأفضاله لا غير ، على أنْ لا يئد تفكيره ويحجم عن التطلع صوب آفاق رحبة ، أي لا يغدو رجعيا ً متخلفا ً ومتهيِّبا ً من التجديد والتطور المرادفين ِ لحياة المجتمعات في هذا العصر ، ولا مناص لها من أنْ تعنو وتمتثل لدواعيهما .

       وتوالتْ دروسه وتوجيهاته في مبادئ الأخلاق ، وأخصها النهي عن الاغتياب والوقوع في أعراض الناس وجوارحهم ، وقتل الوقت في تعديد معايبهم وسقطاتهم ، سواء أكانتْ حقيقية أم مختلقة ، فحريٌ بالإنسان المحمود الشمائل أنْ يستنفد يومه في ما يُجدِي وينفع نفسه وأقرانه ، بدلا ً من أنْ يضرَّهم ويؤذيهم ويجرحهم في شعورهم وإحساسهم ، وما يعقب ذلك ويترتب عليه من انفراط الصلة وتفكك العلاقة واستحالتها قطيعة وتدابرا ً ، وبذا نبَّهنا على أنَّ ما يسود حياة البشريات ويعمُّها من الختل والنفاق والمداهنة والرياء والخوف وسائر ما يؤول بمجتمع كهذا إلى التصدُّع وعدم التماسك ، مبعثها جميعا ً انشغالهم بإحصاء عيوب بعضهم البعض ، وقد أطال في شرح هذا الغرض لأكثر من حصَّة دون أنْ يدبَّ إلى نفوسنا الملل ونسأم حديثه ونقطع عليه ترسُّله فيه ، بأنْ يختلق أحدنا سؤالا ً فيغيِّر مجراه ويشغله بالافتكار في الإجابة المطلوبة ، وهذا ما حصل وكنتُ المبادر لهذا القصد لا غير من إحراجه واكتناه سعة معارفه وحياطته بسوى هذه الإرشادات النافعة  ، فقد تداولتُ يومذاك وفي بدء عهدي بالمطالعة الخارجية ـ كما يسمونها ـ مجلة صدرَتْ في النجف الأشرف يدعونها ( البذرة ) يحرِّرها طلبة جمعية منتدى النشر ، والمداومونَ في معاهدها في النجف والكاظمية ، ويقوم الشاعر والكاتب المرحوم صادق القاموسي بالإشراف عليها بقدر ما تقضي الضرورة بأنْ يجري تعديلاته على ما يكتبون ، وكان أنْ حفي عددٌ منها بمبحث في علم الكلام والمنطق كتبه القاموسي نفسه ، استطرد منه إلى الفلسفة وما يُشَاع عنها في المحافل الأدبية من تلفـُّعها غالبا ً بشيءٍ من الإبهام والغموض ، وخلص منها إلى ظهور الفرق الكلامية المعنية بالجدل والآخذة من علوم الأوائل بحظٍ موفور ، كلُّ ذلك تمَّ في عهد بني العباس ، حيث تعدَّدَتِ الأفكار والمذاهب والفلسفات ، لكنَّ العجيب أنْ يمسك السيد المحاضر عن الإفاضة في مفهومات تـُعَدُّ بديهية لمدارك مَن خاض بعض تجارب الحياة ، وتبدو ذات شأن ٍ وأهمية لفتية الجيل الجديد والذين لم تبتلهم بعدُ بكوارثها وشدائدها ، فأوغل في تقصِّيه وراء ما حلَّ بالمسلمينَ في غير طور ومرحلة من حكم العباسيينَ من شخوص الجماعات المتناحرة والشيع المتخالفة حول نشأة الخليقة وعمارة الكون ، لا سِيَّما بعد تصدِّي رهطٍ منهم لترجمة الفلسفة اليونانية ، فجرَّ ذلك إلى التشكيك بتعاليم الإسلام ، وأحوج إلى أنْ يذود حماته عنه بما وسعهم من الوسائل والحُجَج الدامغة ، ويدرأوا هذا الخطر المنذر بأنْ يقرَّ في أخلاد الناس أنـَّها لم تعد صالحة لبناء المجتمع السليم ، لكن بأيَّةِ وسيلة ؟ ، بالسلاح الذي تشهره الفلسفة اليونانية  عينها ، فأسمعنا في سياق حديثه مفردات من نحو : ( المقدِّمات والنتائج ) ، فرحْتُ بدوري ألوكها أمام لداتي وأتحذلق بها من دون مناسبة : (( إذا صحَّتِ المقدِّمات ، صحَّتِ النتائج )) ، والعجيبة الثانية هي تماثل محاضرته هذه المرَّة ـ في حسن ترتيبها واحتوائها على الدلائل والشرائط والبراهين ـ ومقالة القاموسي في إلمامه بجهاد أولاء الحماة والذوَّاد في سبيل إثبات ملاءمته لكلِّ الأحوال ، وأنـَّه لا يقف عقبة دون تحول الإنسانية من واقع الجمود والتخلف إلى حال تتميَّز بالانطلاق والتجدُّد ، حتى لقد هَمَمْتُ بالاستفسار منه عمَّا إذا كان عدد المجلة المذكورة قد وافاه أو اطلع عليه .

وجاءنا بعدها مفتشٌ تربوي هو الأستاذ أحمد أمين ، وقد ناطتْ به وزارة المعارف تفقد سير تدريس العلوم الدينية في المدارس ، فاستمع لمنتخبات وأطراف من محاضرات السيد العظيمي السابقة ، منتحيا ً زاوية وركنا ً من الصفِّ ، فبهرته طريقته في إيصال معلوماته إلى أفهامنا ، بحيث يأسرنا ويستهوينا بلغته السلسة وبيانه الآسر ، وأعرب المفتش بدوره عن فرط إعجابه وإكباره لعلمه الغزير وأدبه الجم ، والطريف أنْ وفد هذا الرجل ثانية إلى الهندية عام 1955م ، بوصفه مفتشا ً لمادة الرياضيات ، فالمعهود عنه أنـَّه عالم لا يجارى في حلِّ عقد هذا العلم ومجاوزة إشكالياته المستعصية ، وعلمْتُ بعد سنين أنَّ له حكاية مؤلمة في أعقاب تأسيس الدولة العراقية ، فقد عارض في تعيينه أحد ذيول الملك فيصل الأوَّل ـ رحمه الله على كلِّ حال ـ ممَّن ولدوا في تركيا أصلا ً وكانوا الدخلاء على اللسان العربي ، جاعلينَ ديدنهم ـ على سبيل تعفية حقيقتهم ـ إشاعة النعرات المذهبية بين فئات الشعب   العراقي .

وأغرب مفارقة وقفتُ عليها في سيرة السيد هادي العظيمي هي أنـَّه ـ وقلما يغادر الهندية نحو قصبات أخرى ـ له صلاتٌ متوثقة وقوية ببعض الوجوه التقدُّمية وذوي العقول المتنوِّرة والأفكار التجديدية ببغداد ، أمثال : عزيز شريف ، وناظم الزهاوي ، وعبد الفتاح إبراهيم ؛ ولا مراء أنْ تعيَّنَ قاضيا ً شرعيا ً في المحاكم عام 1950م ، بعد اجتيازه امتحانا ً صعبا ً في أحكام الشرع وأصوله ، شأنَ صنويه من قبل الشاعرين ِ المعروفين ِ : علي الشرقي ، وعبد الحسين الحلي ؛ والأخير أسقِط في الامتحان ذاك ، رغم أستاذيته لعلي الشرقي أيَّام انتظامه في مدارس الحوزة ، فغضب وهجر العراق ، وقطن في البحرين وتوظف هناك ، ولا مراء أيضا ً أنْْ ظهر السيد العظيمي وجها ً متصدِّرا ً في مؤتمر السلام في غضون عام 1959م ، والذي لا يشترط على المشاركينَ فيه أنْ ينخرطوا في فئة أو ينتموا لحزبٍ ، ولعلـَّه لهذا السبب وحده أقصي من الوظيفة لمدَّة عام 1963م ، فمارس المحاماة بعدها متوكلا ً في الدعاوى الشرعية ، ونائبا ً عن المشتكينَ والمشتكيات في دور العدالة ، حتى رحل بعدها إلى دار البقاء الحقيقي ، مفارقا ً أنجاله وهم ـ في جملتهم ـ من حذاق الأطباء المشهورينَ في هذا البلد الأمين ! .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : أشياءٌ في الحب ..

أحيانا يكون الواقع مثل الأفلام فحالما تدخل في صميم الحب تجد نفسك قد أوجعت روحك …

| عبد الرضا حمد جاسم : قانون مناهضة العنف الاُسري والدكتور قاسم حسين صالح/ 1.

أول طرح للدكتور قاسم حسين صالح بخصوص العنف الاُسري كان في مقالته التي كانت تحت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.