عيسى حسن الياسري: البحث عن الفردوس.. بساطة المفردة .. وعمق الفكرة

إشارة : آه .. آه .. آه .. يا عيسى حسن الياسري .. يا أعظم كاتب عرائض شهده الإبداع العالمي عند باب محكمة الأعظمية .. أيها الشريف الكبير الغيور .. كنا نراك منحنيا على ميز العرايض وسط النساء المثكولات  وتتقطع قلوبنا ونتهيب من التقرب منك .. آه يا عيسى يا ابن نهر ” أبو بشوت ” الذي حملته معك في المنافي .. أنصفك المبدع الكبير ” حميد المطبعي ” حين أصدر كتابه عنك ضمن سلسلة أعلام العراق .. والله أنت علم العراق .. ولا أحد احتفى بك يوم تسلمت جائزة الكلمة الحرة العالمية وقد تسلمها قبلك رافائيل ألبرتي والطاهر بن جلون .. هم يحتفون بألبرتي وليس بك .. شرفك هو هذه العباءة الميسانية وهذا الهم العراقي الذي يتجسد على وجهك الكريم .. تحية لك أيها الكبير الكبير الكبير..
———————————-

” قال لي والدي
وهو يوشك أن ْ يرحل
عن عالمي
ليتني ما أتيت ْ
قال :
لا تتعلق بشيء
كائنا ً ما يكون ْ
وبكى ..
وبكيت .. ”
………………………..
esa_hsn_yasreيؤسس الشاعر ” مجيد ياسين ” في مجموعته الشعرية ” البحث عن الفردوس” لقصيدة تجمع بين بساطة المفردة .. وعمق الفكرة .. مما يجعله يختار لقصيدته منطقة خاصة بها حيث تتآلف فيها المتضادات بانسجام مدهش مما يجعلنا نقف أمام شاعر عاش تجربة لها خصوصيتها وفرادتها .. لتوفره على مصادر ثقافية ذات جذور مفترقة .. ومنتج حضاري وإنساني مشترك .. مما يدلل على ثقافة موسوعية تتكئ على أكثر جوانب موروثنا الثقافي إشراقا ورؤى فلسفية تجاه الحياة والناس .. ومن ثم العبور إلى المنجز الفكري والأ بداعي العالمي ..
ومن هنا فإنّ خصوصية التجربة المدعمة بوعي فكري .. وحس جمالي .. ورؤية معمقة لمعضلة الإنسان وهو يحاول أنْ يجد ذاته في عالم لا يتيح له أن يحقق هذا بسهولة ويسر تسهم في إنقاذ نصه الشعري من الوقوع في لعبة التعكز على اللغة .. أو الأ نشغال بالفكرة على حساب الجانب الشعري .
إننا نلمس .. وفي معظم نصوص الشاعر جانبا ً فكريا ً وفلسفيا ٍيحدد موقفه من الحياة والوجود .. وهو موقف بعيد عن التأثر بفكر أو فلسفة معينة بقدر ماهو موقف ذاتي .. ووعي تأملي معمد بصوفية معاصرة تأخذه إلى أبعد حالات الاتحاد بالذات التي تعشقها بالرغم من تقاطعه الظاهر معها :
” رغب ” الرب ” أنْ يناكدني مرة ًَ
قال :
إني سأرسل للأرض امرأة
لا ككل النساء
هي النار والنور
امرأة
أشتهي أنا خالقها
أنْ أ توسد َ أهدابها
قلت ُ :
يا سيد الكون
كلّ الذي أتمناه
أن تغرس في صدرها
بعض قلبي … ”
هنا يقدم الشاعر رؤية صوفية وهو يدخل بمحاورة بينه وبين خالقه .. تحيلنا إلى محاورات الصوفيين مع خالقهم .. ولكن الشاعر وبالرغم من مشاركته الصوفيين وعيا ً .. لكنه يفترق عنهم شعرا ًمن خلال أسطرته لنصه عبر إيماءات إشارية غير مباشرة لأسطورة ” برومثيوس ” سارق النار في النص أعلاه .. وبساطة مفردته .. وإيقاعيته الموسيقية التي تنساب بهدوء كجدول هادئ.
ويحضر الصبا في نص الشاعر ” من منا سليمان ؟ ” بكل أحلامه الشبيهة بفنتازيا
تندفع إلى أقصى حدود الخيال .. وهنا يقدم عالمين متناقضين يتوزعان بين إندفاعة
الصبا نحو المستقبل دون أن يلتفت إلى الماضي .. وبين ” حلول المساء ” المتمثل في شيخوخة الزمن كعلامة على الانكسار .. والالتفات إلى الخلف هو إشارة إيمائية لانتصار الماضي .. وزحزحته الفاجعة لمملكة الصبا الباذخة :
” في سنين الصبا
يحلم المرء أنْ يعتلي نجمة ً
يأمر الجن
أنْ يصنعوا من شعور النساء
أراجيح
ويأتوا ببلقيس جارية ً
هي طرفة عين ٍ.. ويحل المساء ْ
وإذا بسنين الصبا .. قبض ريح ْ
وإذا بالأماني هباء … ”
وكأي ّ رجل يتقدم نحو كهولته وهو يحمل على كتفيه ذكريات بعيدة .. أحبة غائبين
أماكن غرس فيها أكثر أزهار طفولته جمالا ً .. وفجأة يفتح عينيه على عالم غريب
يحاول أن يتصالح معه .. وعندما يشتد عليه ضغط الأمس البعيد .. وحضوره المعذب يعاود الشاعر التفاتته إلى الطفولة و الشبيهة بالتفاتة أسراب الطيور الحزينة وهي تبدأ هجرتها نحو البعيد .. وبرؤية معاصرة مقتطعة مما هو يومي ومعاش لايريد لهذه العودة أن تتم عبر ” أشرطة السينما ” وروايات ” هاري بوتر ” المخصصة للأطفال .. وإنما يريد لها تحققا ً فعليا ً لذا عليه أن ْ يعيش معاناة ” سيزيف ” وهو يحاول أن يعيد صخرته إلى قمة الجبل .. وعذابات ” ديموزي ” الذي فشل في إخراج ” عشتروت ” من العالم السفلي :
” ليتنا الآن نرجع ذاك الزمان
خارج أشرطة السينما
وروايات – هاري بوتر – … ”
في قصيدة الشاعر ” أمنية طفل في الأرض اليباب ” يحقق تناصية مع قصيدة الشاعر ” إليوت ” التي تحمل عنوان ” الأرض اليباب ” .. وإذا كان هذا التناص لا يظهر متطابفا ً إلا من خلال العنوان .. إلا أنه يتحول داخل النص إلى تناص جزئي
وإيحائي .. توحي به شفرات النص الأستعارية .. والتي تكثف كل أفكار ” إليوت ” التي ضمنها قصيدة بالغة الطول بنص قصير جدا ً .. ومن خلال نصه القصير هذا اختزل لنا رؤيته الذاتية ببضعة أشطر .. ففي حين يتبدل العالم ويتغير من حول الشاعر فأنه يظل يواجه هذه التحولات اللامعقولة للعالم من خلال احتمائه بطمأنينة الطفولة التي ظل يتشبث بها .. ويقف عند محطاتها طويلا ً بالرغم من ابتعاده زمنيا ً عن تلك المحطات المدهشة .. أن قسوة جمال وطمأنينة الطفولة عند شاعرنا المبدع ” مجيد ياسين ” تتحول معادلاً تعبيريا ً مدهشا ً لقسوة شهر ” نيسان ” عند إليوت ” نيسان أقسى الشهور ” .. أما ما يبعد الشاعر عن تناصيته المتطابقة ويحقق له تفرده في موضوعه الشعري فيعود إلى أنّ ” نيسان ” عند ” إليوت ” هو تحقق فعلي بكل مباهجه الخارجية .. وعمى الناس عن رؤية تلك المباهج .. في حين تتحول مباهج الطفولة عند شاعرنا إلى أمنية وحلم . لعله يحمله في زورقه الصغير إلى أرض الفردوس الروحي ”
” يا قطرات المطر
هلا تحولت ِ إلى غديرْ … ؟
يحملني في زورقي الصغير ْ
في زورق القلب ِ .. إلى أرض بها بشر ْ
أحلامهم بيض ٌ .. وفي المحاجر ْ
أرى عيونا ً .. لا أرى مقابر ْ .
إن ّ الشاعر هنا لا يطلب النجدة من الطفولة حسب .. بل إنه يتحدث لها بنفس لغتها . لغة الطفولة وكأنه يكتب نصا ً للأطفال .. وهذه تمثل ذروة من ذرى افتتان الشاعر بطفولته .. وحزنه المعذب على ضياعها مما أكسب لغته هذه المطواعية التي تجعلها توحد في أبنيتها بين حلم الطفولة بكل براءتها .. وبين فكرة موغلة في نظرتها الفلسفية إلى ماحولها دون تغلب إحداهما على الأخرى .. مما يضعنا أمام شاعر فريد في سيطرته على عامل اللغة .. وإكسابها قدرا ً من المرونة يجعله يتصدى من خلالها شعريا ً لأكثر معضلات العصر غرابة وغموضا ًدون أنْ ينسحب هذا على نصه الشعري . .. وهذا ما فتح له حرية التنقل بين اعتماد قصيدة التفعيلة
والقصيدة التراثية حسبما تؤسسه آليات التجربة الذاتية .. وقد كان مبدعا ً في كلا التشكيلين .
لقد رأى الشاعر العالم بعين طفل .. وظل انبهاره الطفو لي بالعالم يرافقه حتى وهو يقف على عتبات كهولته .. ورؤية الشاعر الطفولية للعالم هي رؤية جمالية تحاول ترميم كل هذا الخراب والبشاعة التي لحقت به .. لذا فإن ّ حساسية الشاعر تجاه هذا الجمال كانت تنتقل إلى أكثر مناطق تجربته عمقا وتألقا ً.. وهذا ما جعله يتوجه نحو الحب من خلال افتتانه بالطفولة .. فهو لا يعرف سواء داخل الحياة أو داخل الشعر إلا أن ” يحب “.. وهنا تبرز أزمة الشاعر الروحية المعذبة .. فالعالم لم يعد يتمتع بتلك العذرية والبراءة التي فتح عينيه عليها .. إنه عالم يتجه نحو الشراسة والقسوة والتحجر العاطفي والإنساني .. وأمام هذا الجحيم يحاول الشاعر أن يصنع ” فردوسه ” الذاتي الذي تمثله عائلته الصغيرة كما في هذا النص الذي يحمل عنوان ” بوركت ِ أم ّ الكوكبين ” والذي يخاطب به زوجته :
” يا أم ّ شبلينا وزهرة بيتنا أبدا ً يسر قلوبنا مسراك
بوركت ِ أمّ الكوكبين ِفما لنا شمس تضيء حياتنا كضياك
أنت ِ الربيع إذا ادلهم شتاؤنا وشذى الربيع فداك , بعض شذاك ِ
تزهو الربى ألقا ً ويمتلئ المدى زهرا إذا ما لامسته يداكِ
أدركت ُ أني إذ عشقت ُ من ألمها حلما ً فإني ما عشقت ُ سواك ِِ ِ ِ
إنّّ الحياة في هذا النص تقدم للشاعر تعويضا استثنائيا ً في الزوجة والأ بناء عن كل ّ خساراته حيث انهيار القيم التي آمن بها .. أحلامه الموؤدة .. لعب حياته الطفولية المهشمة .. لذا فإنّ هذا التعويض بمثابة جزيرة صغيرة تحمي آخر مقتنيات الشاعر من الغرق ..وهي ملاذه حين يداهمه حزنه .. حزن الإنسان ..وحزن الشاعر الذي قد لا يكون مدركا ً في بعض الأ حايين :
” يداهمني الحزن ُ.. من كلّ صوب ٍ
يسدُّ المنافذ َ
يقطع عني الرجاء ْ
فأرى وجهك ِ الحلو َ
هذا النقاء الأصيل ْ
يفتح ُ لي كوة ً .. في جدار المساء ْ ” .
وكما هو دفء العائلة الذي يتحدث عنه بكل صوفية .. إلا أنه لاينسى أنه ابن هذي الأرض الموغلة في حسيتها .. ومن هنا يظهر جانبه الآخر الذي يعلن عن حسيته الأرضية .. ولكن بطريقة رسام تشكيلي يمنح الجسد تكوينا ً جماليا أكثر مما هو حسيا ً حتى في أكثر حالاته عريا ً وهذا ما نلتقي به عبر نصه
” وجد …وخشوع ” :
كنت ُ كل َ مساء ْ
أقبل أنملها
أتعبد عند جدائلها
أجعل ُ الليل َ.. ينسل عن جيدها .
* * *
أنا لم أرَ .. أجمل من فجرها
حين تنساب عن نهدها
ظلمة ” الموسلين ْ ” .
إن ّ نصوص الشاعر ” مجيد ياسين ” تقرب كثيرا ًمن اللوحات التشكيلية .. حيث تميل إلى القصر المتناهي الذي يختزل الكثير من التفاصيل غير المبررة .. وتركز وكما في اللوحة التشكيلية على الأ يقاعات الداخلية .. وتوزيع الظلال .. والكتل بطريقة تناغمية دون أيّ إخلال في جماليات اللون وبنائية اللوحة.. لذا اعتمد على القصيدة القصيرة التي تذهب بعيدا في كثافتها حتى يتعذر علينا أن نفرط بأصغر جزء من بنية الكلمة الواحدة وليس الشطر الشعري .. وقد تحقق له هذا من خلال لغته اللينة إلى الحد الذي يجعلها تتفجر بالموسيقى والأ لوان .. وتبتعد عن كل التفاصيل الفائضة عن الحاجة التي قد تلحق ضرراً فنيا ً وبنائيا ً بالنص .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

تعليق واحد

  1. الخال العزيز ابا ياسر.. اسعدت اليوم برؤيتك وكتابتك على موقع الحبيب ابا علي.. هكذا كتبت لنا الأقدار ان نتباعد ولا نلتقي الا عبر الانترنت.. سلمت ويسلم حسيننا السابح بالابداع والفرات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.