علي السوداني : دفتر الولد الإبتدائي

تحت قبة زرقاء ثانية ، من قباب الله العاليات ، سأطيّر الليلة ، سلة توقيعات مستلّات من ” أول يوم مدرسة ” حيث الشارع النازل من جبل اللويبدة بعمّان ، حتى مخاتل سفحها ، يسفي بطلبة أغضاض ، كركراتهم تلغيزات مثل سقسقة عصافير في صبح أيلول الأصفر ، اذ يتعبأ خشمك بأواخر شهقات الياسمين ، قويّ البياض ، مثل بلاد مفقودة . ستكون البعيثة الأولى مرفرفة ، صوب أول ربع صمّونة طامسة في شيشة عمبة ، من عربانة عبد الله ، المزروعة بباب مدرسة ابن جبير الأبتدائية . هي أول سفرة مدرسية . ألصف الثالث الابتدائي . ملوية مدينة سامراء . تناهى الى مسمع مدير المدرسة ، أن التلميذ المشاكس طالب ، قد وصل الى اللفّة الرابعة من مئذنة الملوية ، ثم هبط الى الأرض ، راكضاً ضاحكاً مزهواً بشجاعته . كان مدير المدرسة ينطر الفتى على الأرض ، ولما صار بين يديه ، أشبعه راشديات وجلاليق ولكمات وتفلات . كنا نسوّر المشهد ، وواحدنا يكاد يبلل بنطاله . منذ تلك الواقعة ، لم يتوفق التلميذ النجيب طالب ، في أجتياز درس التأريخ ، خاصة في جزئه العباسي . ثمة أول ” دار ” مستلة من كتاب ” القراءة الخلدونية ” توفقتُ في رسم حروفها الجميلة فوق سبّورة سوداء . الحصاد كان ، تمسيدة على الرأس من استاد مكّي معلم القراءة ، وزخة تصفيق مدفوعة بعشرة أحصنة . وعندك أول قندرة محترمة من مصنع ” باتا ” المشهور ، وأول محاولة ناجحة لشدّ قيطانها . وأيضاً ، أول تكليفة مبروكة بصبحية رفعة العلم وتحيته . تقدمت نحو السارية العالية . فككت الحبل وسحبته بقوة ، كي يرتفع العلم ، بالتقسيط المريح . حدث عطب تقني ، سببه سوء الحظ فقط . إلتفّ الحبل كما أفعى أم رأسين ، على وسط العلم . أعدتُ المحاولة ففشلتُ . تقدم صوبي مرشد ومعلم الصف ، الوسيم العصبي ، استاد رزاق ، وعاونني على فك اشتباك الحبل بالعلم المقدس ، فنجح . سعدتُ بالأمر ، ونويتُ إكمال الجزء المتبقي من الفعالية ، الذي هو أداء التحية ، للعلم العالي الغالي المرفرف ، وتلاوة : عش هكذا في علوٍّ أيها العلمُ … فأننا بك بعد الله نعتصمُ .
رفض المعلّم الغاضب ، أن أكمل الأمر . نهرني بهمس قائلاَ : عد الى الإصطفاف يا غبي يا أثول . عمتْ عينك وموت الكرفك وطيّح الله حظك ، وشوف اشراح أسوّي بيك اليوم . كذلك أول عصا شتائية موجعة على قفا الكف . كانت عصا معلم الحساب . لم أعد أذكر السبب ، لكنني أحدس الليلة ، أنه وقع على خلفية ضربي الرقم ثلاثة ، بالرقم ستة ، وكان الناتج صبحيتها الباردة ، أربعطعش – قد أثبتُ هذا لاحقاً –  ثم أول فائدة من فعالية ” معونة الشتاء ” في مدرسة ابن جبير الأبتدائية . قمصلة وبنطرون وقندرة نايلون ، تجعل رائحة القدم ، مثل مشمّة تسع فطائس ، وقميص أزرق بمقاس جسم أخي الأكبر . من ثنايا الدفتر ، لديك أول مساهمة في حملة ” تبرع من أجل فلسطين الحبيبة ” : باكيت تايت ، وصابونة رقّي ، وشيشة معجون طماطة ، وطاسة طحين سمينة ، وأنشودة وطنية ، مازال رنينها حتى اللحظة ، يمرد بقلبي . أول تظاهرة عفوية أساهم في زيادة حشدها كعازف منفرد . كنت أركض خلف أخي الأكبر . أخي كان شيوعياً قحّاً . ثمة هتافات تتردد ، لم أفهم نصوصها ومغازيها ، لكنني كنت ألوّح بيميني المنتشية بقوة . كانت ليلة تأميم نفط بلاد الرافدين ، بصوت الرئيس أحمد حسن البكر . على أعتاب ختمة دفتر الإبتدائية اللطيف ، كانت أول فرجة على بنت الجيران الحلوة سعدية ، من فوق سطح الدار . سعدية تحضن طشت الغسيل بفخذيها البيضاوين البضّين ، ومع كل عصرة مغسول ، تتناثر رغوة الصابون على الفخذين ، فيهتاج السيف ، ويصنع ثقباً افتراضياً على خاصرة حائط الستر . للدفتر حرثة ثانية . لا تذهبوا بعيداً .
alialsoudani2011@gmail.com
عمان حتى الآن

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : عجيبة بيت أبو بشارة .

– عجيبة، يا أم بشارة.. استيقظي.. القديسة العذراء الممتلئة بالنعمة… بارك الله اسمها… باركت بيتنا. استيقظي …

| خالد جواد شبيل : الشاعر عزالدين المناصرة سلاماً.

في نهاية الستينات من القرن المنصرم، حطّ بين يديّ كتاب شعر يحمل عنوان ” يا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *