محمّد خضيّر : قلب العالم..مقدمات لقصص محمود عبد الوهاب

1. الوحـــدة:
الوحدة، هي الكلمة المفقودة في قصص محمود عبد الوهاب، كما هي الكلمة  المفقودة في قصص أرنست همنغواي المقرونة بـ((جبل الثلج العائم)). إلا أن  الوصول إلى هذه الكلمة في قصص محمود عبد الوهاب يقترن بقدر كبير من  التفاصيل الدقيقة، وكثير من وجوه التصاوير الباهتة، وعدد من الشخصيات  المنزوعة الاسم.
“الوحدة هي مثل ضربة شاكوش ثقيل: تحطم الزجاج إلى شظايا، ولكنها تسقّي (تصلّب) الفولاذ” . التقطتُ هذه العبارة من إحدى الروايات، واخترت معها عبارة الشاعر عبد الكريم كاصد: “الوحدة هي مثل شعور طفل في الظهيرة”. إلا أن الأمثال لا تصلح لقياس وحدة محمود عبد الوهاب عليها، فهي شعور لا يمكن لمسه أو تسميته مهما طالت تجربته. اختار محمود شخصياته ليؤلف منها أوركسترا من القصص المتشابكة في كمثرى تعزف لحن الوحدة الخافت بين الجموع الصاخبة. إني أتوق لتشبيه قصص محمود عبد الوهاب بكمثرات هاشم الخطاط، أو بطغراوات محمد سعيد الصكار، تلك التي تتدلى في غابة الأسماء المشتبكة كاسم وحيد مكوّر على نفسه، ملتفّ بالخطوط الغامضة التي تربطه كالشرايين بقلب العالم.
ما كان محمود يقدر على أن يغيّر من الفأل الحسن أو الوقع السيئ للأسماء في الحياة الواقعية، فأتاح لشخصياته أن تتحرر من القدر الذي يلحق بأسمائها مسبقاً، وما قد يلحق بها من قدر الهويات والعنوانات الثابتة. ما أكثر الشخصيات التي منعها من الظهور، وما أقل تلك التي دعاها إلى قصصه وفاض عليها من قلبه وإحساسه وفكره، وقيدها بصفاته الجوهرية. وبمرور الوقت أخذنا نشعر بجدية أقل لاستمرار هذا التقييد. أصبحت هذه القلة من الشخصيات حرة في أن تعود إلى واقعها وتلحق بأخواتها، وتكتسب صفات مغايرة. لقد أدّت مهماتها على أحسن ما تتطلبه لعبة الكتابة وشروطها من قبول الاستعارة الواقعية، والتمثيل النموذجي، والدلالة المبطنة. كانت مطواعاً وعوناً للقاص على بناء عالمه القصصي المطبوع بالمرونة والاقتصاد السردي والحبك البسيط. ثم ما عاد للقاص دين عليها. ونحن قراءه أصبحنا أحراراً مثلها من الشعور بثقل الواقع وبؤسه، أو بمرح القاص وسخريته، أو بدين الاسم والهوية. ثمة نبض يخفق في أثر تسرب الشخصيات ومغادرتها موقعها القديم في القصة. تحت أضلاع القصص، قصص محمود عبد الوهاب، يخفق قلب كبير (قلب العالم) قادر على التوزع والتعدد، واستمرار الخفقان بعد مغادرة الأسماء له. (هل يشعر بالوحدة قلب تحرر من أسماء العالم؟).
في العام 1996 رويت هذا الحلم حينما كان محمود عبد الوهاب راقداً في جناح إنعاش القلب بمستشفى الموانئ: تقدم الطبيب من سرير محمود وسأله إذا كان يرغب بتنظيف قلبه المذبوح ومنحه قلباً خلياً من الهموم كقلب كازانوفا. نظر محمود أولاً إلى الممرضة التي كانت ترافق الطبيب وتحمل طبقاً عليه قلب نابض (كان وجه الممرضة شبيها بوجه أمه) ثم التفت إلى الطبيب قائلاً: دع قلبي يا دكتور على حاله. لا أريد تنظيفه من الأسماء والذكريات القديمة. (ساعدت الأسماء والذكريات على إنقاذ قلب محمود من الذبحة، فقد كانت بانتظاره قصص لم يكتبها).
قد تكون قابلية التوزع والتعدد، أي قابلية تعدد الهوية وتنكرها وتوزيع الاسم أو انتزاعه، صفة لصيقة بشخصية القصاص الحكائي الشفاهي (إضافة إلى الصفات الجوهرية الجاحظية: الخفة والمرح والبداهة والارتجال) إلا أن محمود عبد الوهاب عندما تحول إلى الكتابة، استبعد المفاجأة والارتجال من نصه الواقعي المكتوب. لقد تطورت على يديه الصنعة الحكائية الشفاهية، وتطبعت بطباع الفنان الراصد لمواقف الحياة وتفاصيل الأشياء وجمال المناظر. تحولت تقاليد الخطاب الحكائي الشفاهي إلى صرامة كتابية، من دون أن تسلب القاص الكتابي صفاته الجاحظية الجوهرية، أو تحرم شخصياته حق استرداد الأسماء التي خلعتها. تعلمنا من هذا القاص الرائد كيف نعدد شخصياتنا، وأن نصبها في أكثر من هيأة، ونوزعها على أكثر من مكان، ونمنحها أكثر من أسم أو ننزع عنها الاسم نهائياً. ما نزال حتى اللحظة واقعين تحت سحر هذه الشخصية الشفاهية، التي تحولت إلى كتابة نص بسعة قلب العالم.

2. المدينـــة:
أريد أن أختبر (المدينة) باعتبارها المقدمة الأساسية الثانية لقصص محمود عبد الوهاب. سنلاحظ أن قصصه مدنية، صافية من عروق الهجرة الريفية التي خالطت قصص جيله، تتميز بالنظافة والأناقة والمرونة الواقعية الملازمة للنشأة البرجوازية المثقفة. تظهر المدينة في قصص محمود عبد الوهاب باعتبارها مقطعاً(section) من الواقع، أو فضاء سميوطيقياًsemiosphere) ) بمفهوم يوري لوتمان، تعمل فيه مخترعات المدينة بحرية ونشاط، لا لتمثيل معادلاتها الحداثية فقط، وإنما لاختراع لحظة التنوير الضرورية لكتابة قصة جديدة.
بهذا الاستنتاج لم يستخدم محمود عبد الوهاب فضاء المدينة لتوليد دلالات سوسيولوجية وراء النص، أو تحليل سيكولوجيات نماذجه البشرية، ولا لمحاكاة سرديات المدينة الناهضة بنهوض البرجوازية الصناعية فيها. لم تكن قصصه أنموذجاً لتشيؤ أو تصنّم العلاقات الإنسانية، في مفهوم لوكاش وغولدمان (بالرغم من وجود تماثلات شيئية بين قصصه وقصص غرييه وساروت). لقد بنى محمود عبد الوهاب عوالم غاية في الإتقان السيموطيقي ليطابق بين وجهة نظرته الشعرية للواقع وتحولات الهوية المدنية التي خولت القاص حق بناء الشخصيات بوجهيها الشعبي والبرجوازي. إن رؤية العالم، بمقطعه المدني الواقعي، تخضع إلى رؤية سيمباثية تعرض أزمة ضياع الأسماء وراء الصفات والهيئات. وبعبارة أدقّ، فإن أنموذج محمود عبد الوهاب القصصي يعاني شعور الوحدة loneliness السيمباثي المقابل لشعور الاغتراب أو الاستلاب alienationالذي تزرعه تناقضات المدينة الصناعية في روح الهوية الاجتماعية.
بداية، اندرجت قصص محمود عبد الوهاب الأولى (خاتم ذهب صغير، عزيزي رئيس التحرير، تحت أعمدة النور، الجرح، القطار الصاعد إلى بغداد، خط النمل الطويل) ضمن الرؤية الاجتماعية المشتركة لمجموعة قصاصي المدينة (عبد الملك نوري، فؤاد التكرلي، مهدي عيسى الصقر، غائب طعمة فرمان) وانحازت معها للنماذج الشقية التي استلبتها التحولات التاريخية للمدينة (الحرب العالمية الثانية، ثورة 14 تموز، الانقلابات والحروب، الهجرة والهجرة المضادة، المخترعات الحديثة..). كانت مفردة (القطار) ـ الوسيلة البخارية للنقل بين المدن ـ من أوائل المفردات التي دخلت قصص الرواد المدنيين، وقدمت معها أنموذجها البرجوازي المثقف (قصص: ريح الجنوب، العيون الخضر، القطار الصاعد..). وإلى جوارها (المقهى) (الحانة) (الملهى) (المبغى) (الجريدة) (السينما): مفردات صاغت نسقاً تعبيرياً مستحدثاً لم تعرفه القصة العراقية من قبل. لم يكن هذا التعبير المستحدث كافياً لرؤية شعرية تحاول اللحاق بقطارها الصاعد إلى أعالي الحلم المدني. غادرت قصص محمود عبد الوهاب الرؤية الفوتوغرافية الانعكاسية لمجتمع الحداثة البرجوازية، وخلفت وراءها المجرى الإنساني المتعثر في أوشال المدينة السفلى. أصبحت قصصه التالية ميداناً لتحولات الهوية الاسمية (استلاب الاسم، وحدة الاسم بين الجموع) واقترانها بأنموذج مفتقد، المرأة. انتظر محمود عبد الوهاب خمسة عشر عاماً بعد كتابة (القطار الصاعد 1954) ليباشر كتابة قصته التالية (الشباك والساحة 1969) ويتمثل المساحة المجاورة لنسق المدينة القديم، ويقترن بكائنه المفقود.

3 . المــرأة:
المرأة في قصص محمود عبد الوهاب كلها، شخصية مجهولة الهوية، لا مسماة، عسيرة الامتلاك.
كائن أنثوي رقيق، وجه جميل، ناء وغريب، ضبابي، يلوح خلف حاجز زجاجي لمطعم أو صالة مقهى أو ردهة مستشفى. إنه ينبثق من سطر رسالة، أو صورة قديمة، أو شاشة تلفاز. أو يختفي في مرآة زينة. أحياناً يبدو وجهاً أجنبياً كالوجه البولوني في قصة (امرأة)، ربما نلتقيه في مساء ممطر، في حافلة، نتبادل معه بضع كلمات قبل أن يتوارى في الزحام.
“أنتَ مثلها الآن، بلا تذكرة، فالعالم ليس واسعاً كما يبدو للآخرين..” (قصة:امرأة)
“تطفئ الضوء وتقفل جهاز التلفزيون، ثم تصعد السلم الداخلي، وتتوجه إلى غرفتها، في حين تبدأ الأشياء من حولها تفقد ألفتها..” (قصة: توليف)
“هل تدركين ماذا يعني أن يفترق احدنا عن الآخر؟ إنه موتي المحقق! وأن الحياة من دونك لا تطاق..” (قصة: امتياز العمر)
“أما زلت تذهبين مساء كل أحد إلى مقهانا الزجاجي أم كبرتِ. لا تكبري يا عزيزتي لا تكبري.. لا تشيخي لا تشيخي.. يجب ألا نشيخ” (قصة: على جسدك يطوي الليل مظلته)
“أراقبها، عادة، كل صباح، من الرصيف المقابل..تأتي هي قبله دائماً، تتوهج بثوبها الأصفر ذي الأكمام المخروطية. تتريث عند باب الزقاق مستطلعة بحذر طائر صغير..” (قصة: يحدث كل صباح)
نحتاج هذه التفاصيل لتأطير الوجه الجميل، الطري أو الذابل، الهادئ دائماً، الصامت، في صورة، ندخل معه فيها كي يملأ وحدتنا التي بدأت تتسع وتزيد. إن (الوحدة) بمفهومها الإنساني التعاطفي، في قصص محمود عبد الوهاب، تحيل إلى شعور أكبر وأعمق في قصص فؤاد التكرلي: المرأة في قصص التكرلي موضوع للانتهاك والعدوان الجنسي، أما في قصص محمود عبد الوهاب فهي قرينة النأي وعدم الامتلاك. أبطال التكرلي عنيفون، استحواذيون، يتصاغر كيان المرأة أمامهم ويتعرض للاختراق العميق، بينما يفلت هذا الكيان المحبوب من قبضة رجال محمود عبد الوهاب، فيصبح بذلك موضوعاً للملاحقة التفصيلية التي تزيده نأياً وغموضاً: “راقب حركة يديها وهي تزيل بإصبعين، برقة الخزف، الشريط الأحمر من مكعب الزبدة لتفصل ورقته الفضية عنه وتلقي بها في الطبق البلوري أمامها، وتمسّ بنهاية السكين ذات المقبض العاج سطح قطعة صغيرة من الرغيف لتغطيها بطبقة رقيقة من الزبدة ثم تضعها في فمها وتبدأ تلتقط طعامها، برقة وصمت، كعصفور دوري..” (قصة: امرأة مختلفة).
تحيط التفاصيل بشخصيات محمود عبد الوهاب لتعوض عن فقدان الصلات وانفراط المحبة والألفة، بينما يضغط الواقع بكتله الكبيرة الحادة الزوايا على صدور شخصيات التكرلي، نحسّ أن قصص التكرلي ذكورية حارة مراوغة، أما قصص محمود عبد الوهاب فنحسها قصصاً أنثوية كقطع من الخزف.

4. نظرتــان:
نلاحظ أخيراً أن وجهة نظر القاص إلى (وحدة) أبطاله العاطفية قد قُدّمت بمنظورين متقابلين: المنظور الخارجي للرجل الذي ينظر إلى المرأة من موقع بعيد (خلف حاجز زجاج، في صورة أو مرآة، من الشرفة) وهذه النظرة ترى المرأة هدفاً شهوانياً بعيد المنال. والمنظور الداخلي الذي يقلب فيه القاص وجهة النظر، فيبدو الرجل نفسه في عين المرأة رجلاً عجوزاً مطفأ الرغبة. في قصة (عابر استثنائي) تراقب امرأة عجوز رجلاً عجوزاً يعبر الشارع إلى الرصيف المقابل: “التفتت نحوه فوجدته يدبّ مطرقاً كأنه يحسب خطواته بانتظام، وكأن شيئاً في داخله ينكسر. كان يجرجر قدميه مثل حيوان جريح..” .
حلّت هذه النظرة المقلوبة، في الوقت الذي بلغ الرجل وامرأته (المختلفة) حافة الشيخوخة، وأصبحت الوحدة شعوراً هادئاً، وسردها حدّاً أخيراً: “إنه وحيد مهموم يشيخ في كل لحظة..”. تقول المرأة المراقبة لزوجها في الغرفة.(قصة: عابر استثنائي).
أضف إلى ذلك، إن وجهة النظر التي راقب محمود عبد الوهاب من خلالها أبطال قصصه من الرجال والنساء، قد تعرضت إلى الانكسار في مرحلتين: مرحلة الشباب التي كتب فيها قصة (القطار الصاعد 1954) ومرحلة الشيخوخة التي كتب فيها قصة (عابر استثنائي 1993). ويمكننا أن نمثل لهاتين النظرتين بمثالين: الأول من وجهة نظر أفقية، مشاركة تتجه من الخارج إلى الداخل، في قصة (القطار الصاعد). والثاني من وجهة نظر رأسية، مراقبة تتجه من الداخل إلى الخارج في قصة(طقس العاشق).
“وعندما رفعت حقيبتي أحسست وكأن ساعدي الطري بدأ يشتد ويقوى، وأن عضلات متينة، متينة جدا، ومفتولة جداً بدأت تظهر فيه وتلتف وتلتصق وتتشابك..”
“أحسست أن الأرض بدأت تتسع لخطواتي، وأن شيئاً ما في داخلي، دافئاً وغريباً جعلني أبدو أكثر إيماناً، فوضعت قدميّ على الطريق العريضة وأخذت أسير متبعاً ذلك الإنسان القوي الضخم المتين العضلات (حمال المحطة)..” (قصة: القطار الصاعد)
“الشارع يتحرك في عينيه: يبرق، يضيق، يرتعش، يشحب، يزحف في حركة لا تنقطع، يطوي هذا العدد الضخم المتزاحم من الناس والأشياء ليستعدّ لنهار جديد في مرحلة لا نهائية..” (قصة: طقس العاشق)
نلاحظ تحول النظرة من الشارع الذي يتسع لخطوات المسافر الشاب (المشاركة الأفقية)، إلى الشارع الذي يضيق ويرتعش أمام زحام الناس والأشياء في عيني الرجل العجوز (المراقبة الرأسية من الشرفة). إن فعل المراقبة المتكرر في قصص محمود عبد الوهاب (راقب، لمح، تصور..) يختلف من مرحلة المشاركة القريبة إلى مرحلة المراقبة البعيدة. كما أن التفاصيل الحارة والشهوانية تتحول إلى تفاصيل هادئة وحزينة ومنكسرة. كيف لنا أن ننسى شخصية عودة النجار (أول زوربا عراقي)، الذي رافق الأم لتوديع صديقه الطالب المسافر إلى بغداد؟ لن يفوتنا تفصيل واحد من المحطة (مشهد قلما يتكرر في قصة، عندما تفك الأم عقدة فوطتها وتسلم ابنها الدينار الوحيد المصرور في العقدة)، وأجواء القطار الداخلية (المعيدية النائحة): تفاصيل هشمتها مطرقة الوحدة إلى شظايا

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.