حميد الربيعي : سفر الثعابين (1)

1–    الاحراش
من عالم آخر يقدم، كان نائما واستيقظ ، احس برعشة تسري في الخاصرة ومن ثم تمتد الى الصدر. حاول وقتها النهوض فلم يقو. بقي ساكنا لحظات، كانت الظلمة تسد المنافذ ، فتحة صغيرة دون السقف تبعث خيطا رفيعا.
السقف، الذي هو حجارة محفورة بعدة مواضع وفيها بعض الرسومات والخطوط المتقطعة ، يعلو قامته قليلا. تنتشر حزمة الضوء فيه مشكلة ظلالا، كأنها اشكال حيوانات خرافية. من كثافة الحزمة وبياضها عرف ان الصباح يشرق في الخارج. حزمة الضوء عند اول الفتحة صفراء ومن ثم تصبح بيضاء، او هكذا تبدو. لا بد ان الشمس قد ارتفعت بعض الشيء عن طرف الجبل.
استكمل نهوضه، الالم تحول لحظتها الى انات، تخرج من حنجرة جافة. الحنجرة لا تشبه تفاحة آدم ، انها كالورم المتكور في منتصف المسافة. منظرها يوحي بالجوع الذي استشعره بمعدته منذ أيام. بعض الاحيان تصدر اصواتا مبهمة، يستغربها في البداية لكنه يقطعها حينما يحاول تنظيف حنجرته بسعلة قوية ، تتشظأ معها بقع من البلغم المعجون بتبغ اسود.
اعتاد دائما تدخين الاوراق. يقطفها ، عندما تكون عريضة ، من المزارع وفي الطرقات، يفركها بين راحتيه، يشم رائحتها. تكون خضراء منداة بالبلل المتساقط من الاشجار ومن الضباب الذي يغلف المنطقة ويتكاثف عند القمم العالية، بعد ذلك ينشرها تحت الشمس.
كيس التبغ، حينما يكون خاليا، يتحول لكارثة. لن يترك الوريقات المسحوقة بيده طويلا للحرارة. هذا ما يحصل معه غالبا، اذ من الصعوبة التواصل في مكان واحد ولفترة طويلة، أيام ثلاثة مثلا فينزاح مخلفا وراءه تلك الوريقات منشورة تحت الشمس. ربما يستفاد منها  شخص آخر، او قد يمر ذات يوم من هنا فيقطفها بنفسه، حيث تحولت ساعتها الى تبغ جاهز.
الكيس الاصفر، الذي يخبئه في صدره متدليا بحبل قصير من الرقبة ، شغله الشاغل ما دام لا يبرح الدخان. اهل بلدته يضعون الكيس تحت الحزام، الذي هو اصلا قماش ملفوف طيات حول الوسط.
–    انا دائم الجري، موضعه بين الضلوع احسن.
يقتنع بهذا. لكن المشكلة الحقيقية، التي تؤرقه باستمرار، اين يضع ورق اللف؟ يحتار وتربكه الاختيارات. تحت، في الصدر، يتعرق، كون صدره غابة شعر. يمتد فوق ملتقى الفخذين دائرة او مساحة غير منتظمة الشكل. حالما يصعد، بعد ذلك، الى البطن يصير خطا طوليا، بيد عند الصدر يقفز بكل الاتجاهات، فيبدو دغلا كثيفا.
عندما يمرر الاصابع فوقه تسري رعشة باردة مخدرة في جسمه. في كثير من الاحيان لا يلجأ لهذه العادة، خاصة حين يكون في احد مشاويره، والذي قد يدوم أياما ويقطع مسافات شاسعة.

مرات يصل الاطراف الجنوبية او الغربية من الاناضول، ومرات يقطع الطريق الى نقطة “ابو الشامات” عند حدود الجزيرة ، او قد لا يسلك هذا الدرب، فيتبع طريقا آخر، صاعدا او نازلا، الى كردستان، ليتوقف في سفوح “هندرين” و “ازمر”.
تنمو طبقة لزجة فوق شعيرات صدره ، وخمة اثناء تنفسه وبالذات حينما تترافق مع رائحة الابط. يكره الشعر النابت هنالك والذي يثير القرف والضجر. يحاول دائما، كلما سنحت الفرصة ووجد في طريقه نهرا او عينا جارية ، الاستحمام  كي يزيل كل الروائح الكريهة ويعيد نشاطه وخفته.
يقفز، كالغزال، بين الصخور او تحت، عندما يكون في الوادي، وسط الاشجار التي تطلع قرب الجرف، وتلك التي تكثر كلما توغل قي الغابات ، حيث تتشابك الاغصان مما يصعب الرؤية.
الكثير من سكان المنطقة يكسرون اذرع الاشجار، هو يكره ان يفعل ذلك ، تريى وعاش في بيت يقع عند طرف غابة كبيرة ، كما انه لا يرغب بترك أثر، قد يقتفيه من يضمر الشر.
الجندرمة التركية المنتشرون على طول الحدود الشمالية يخشى المرور امامهم . في مرات كثيرة يراهم  يركبون خيولا سوداء ، نادرا ما امتطوا  الجياد البيضاء ، خوفا من ان يكتشفهم المتسللون، عندئذ يصيرون فريسة سهلة للبنادق.
مطاردة واقتناص المهربين، عبر الحدود مع الدول المجاورة الثلاث، اللعبة اليومية التي تمارس كل حين. حين يحاول، داخلا مع اخرين الى مواقعهم او خارجا لاداء مهمة، التسلل خلسة ينجو بسبب قصره.
مهماته قد تكون شاقة ، مثل نقل الجرحى والمصابين بامراض معدية ، وهذه نادرة لكنه صادفها مرة، او سهلة، كنقل اسلحة مخزونة في بلد آخر، يستدل بيسر على رائحة البارود، اذا جرت الامور بمسارها الطبيعي.
اذا داهمه طارىء فان ردة فعله تكون سريعة ، ولا بد من استعمال البندقية التي لم تفارق كتفه.
لا يتمنى حدوث هذه المواجهة ، وان حدثت فيجب التواري عن الانظار أياما ، قد تطول لاسبوع، وعليه ان يظل يقظا، ولطالما تعرض لمواقف ضاحكة اثناءها.
حسب، ذات مرة، الذي على مسافة قريبة بين الاشجار احد جنود الجندرمة والذي دخل في مواجهة، يتحرك. انتهى الى هذا الجحر القابع في اسفل جبل وتخفى فيه يومين وليلة. البندقية بجانبه وتستند على صخرة  ويراقب من خلال ثقب بين صخرتين.
الاشجار تمنع الرؤية تماما. حسبه هكذا جنديا، حاول ان يلمح جزءا من جسمه كيما يعرف اين يصوب رصاصته ، فهو يقدر ابعاد الجسد ، درس هذا في معهد الفنون آملا التخرج نحاتا، لكنه منع، اذ طرده العميد لعدم ارتداء السفاري الزيتوتي.
لم يحزن انذاك، خاصة وان كل اصدقائه والناس ايضا رفضوا بمثل اصراره. رحل تاركا عاصمة كاكية بالوانها و كئيبة.
الذي برز له لم يك ذراعا ، فالدبيب قريبا من الارض  يحدو، ومن المستحيل ان الجندي  الذي يطارده منذ أيام قصير لهذا الحد ، هو يعرف الجندرمة جيدا، منذ اربع سنوات قادما اليهم او مغادرا يخالهم فارعي الطول ويشبههم بطول النخلة.
يرتضون منه التمر كرشوة وعندما يمضغونه يبدأ مكرهم ، يتصور ان ألتهامهم بسرعة وشراهة  كافية لمروره بسلامة , يثيرون فزعه حالما تطال ايديهم خرجه وكيس التبغ، هم اعتادوا ابدا على عدم مس البندقية.
–    يجب ان تظل على الكتف.
يتندرون وهو مرعوب من لعبهم التهكمي.
–     لا تقربوها، معبأة بالرصاص.
يتراءى “الجدح” في عينيه فيتركونه يولي دبره.
الظاهر ماثلة امامهم الحادثة الشهيرة التي طافت في الارجاء وحتى عبرت الحدود ، لقد رمى صياد عجوز اربعة جنود بعدما مدوا ايديهم الى بندقيته ، لقد تاكد من موتهم عندما استبدل الصدئة بواحدة جديدة ، وقتها اشيع انها لا تستحق السرقة لقدم طرازها وعتقها، اسمه لم ينس في البلدان الثلاثة وما زالت الناس تطلقه على اسر المنطقة.
في نفس البقعة التي ينتظر فيها الجندي ان يخرج ذراعه والذي ظنه في البداية قصير القامة، الا انه عدل عن فكرة رميه واستبدلها  بالرائحة ، فقد انبعثت نفاذة وحادة مما شلت حركة الزناد ، لقد اعتاد هذه الروائح في جريه المستمر، حدت به الرائحة القوية الى  تبديل الجندي القصير بدب.
الدببة في هذه المناطق لها رائحة كريهة ، هو يكره كل انواع النتانة ، خاصة اذا ذكرته بما تحت ابطيه من عفونة. خرج من مخبئه دون البندقية ، الضحك انساه حذره منذ صار “دليلا” متجولا في القرى التي تنتشر بين القصبات والمناطق الحدودية.
هذه القرى ليست ببعيدة عن الطرقات التي يسلكها في تجواله المتواصل.
عندما تصادفه الخيالة يحيد الى الاختباء حتى الليل.
كل القرى تقبله ضيفا، فهو الماهر بالتواري والمارق بخفة في التعرجات والجالب للمؤن والمقاتلين في ذرى سفوح الجبال، والذي ينوي بهذه السفرة ان يهرب السلاح بين دولتين.
حينما خرج من الكهف، وقتما صعب عليه النهوض بسبب الم الخاصرة الذي انتشر الى الصدر، شاهد الشمس وقد ارتفعت قليلا عما توقعه.
يعرف، في مثل هذا الوقت، الطائرات تاتي عمودية، قريبة تداني السفح وكأنها ستصدمه. عدة مرات تحلق وتدور بحلقات لولبية ، يكون محورها كهف او صخرة، يقودها طيارون، تمرسوا كثيرا على هذه الغارات، يرصدون ايما حركة تدب في الارض، بنادقهم لا تخطىء الهدف.
ذات مرة غنم واحدة بعد ان اصاب حاملها وقد اقترب لحد الارتطام. تلك اللحظة شعر انه قادر على جذبه من شعره  بيد ان الاطلاقة وصلته قبلا. لا يدري أين اضاعها، ظل اشهرا فخورا بحملها.
اليوم لم تات، اذ مر الامس ولم تظهر في السماء.
قبل بدء رحلته قضى عدة سهرات في المدينة ، اصحابه يتوزعون في الطرقات، يحملون اسلحة، بعضها مخبأ تحت الملابس او المعاطف الثقيلة والتي اغتنموها من الثكنات في اثناء القتال.
الشتاء في هذه الجبال يتطلب دفئا خاصا. غالبا ما يشاهد الثلج يغطي القمم، القمم العالية، طوال السنة.
يتجول كما يحلو له في الازقة والحارات العتيقة، التي يعشقها منذ صباه ، مطمئنا ان المدينة امنة ، في النهار تكون تحت اعين الشرطة. كالعادة تسحبه قدماه الى دكان، طالما تردد عليه. في صغره ينظر الى الحداد، كيف يشكل الاشياء الجميلة من مواد الخردة المنصهرة في الفرن. يقف مبهورا بنار الفرن الحمراء التي طالته اول مرة حالما اقترب.
كان الحداد يأخذ الصبي من يده ويجلسه على كرسي، صنع من قطع زائدة ، دون ان يكلمه يظل ساعات صامتا، يبصر مهارة اليدين اللتين تحيلان المواد التافهة الى اشكال شتى. رغم ذوق الحداد ونظافة اظافره الا ان الدكان، الذي هو ايضا مأوى، غير مرتب، تتناثر اثاثه باهمال.
في اليوم الاول لوصوله المدينة زار الدكان، تحدث مع صاحبه ، كان طويلا كالذي قاده من يده واجلسه كرسيا.
تأمل الدكان قليلا ثم قفل راجعا مع صديقين، جاءا لحمايته، لكنه في اليوم الاخير بقي فترة اطول، دون ان يقدم له كرسيا او ان يجلس هو.
الصديقان، في طريق العودة، اخبراه:
–    نحتاج الى ذخيرة.
–    عاجلا؟
–    لا، بعد اسبوع.
لم يتريث، عندما دعاه الصديقان الى امسية اخرى، بل حمل بندقيته ورحل.
لا احد يضاهيه في معرفة مسالك المنطقة ، خبرها جيدا من كثرة سفراته التي قد تمتد اسابيع، يظل متوحشا في الوديان او الغابات، واحيانا يتنقل من قمة الى اخرى دون ان تكل ساقاه من صعود الحافات المسننة.
اسبوع حتى يصل، هنالك سيلتقي شخصا ، لا غبار عليه، فهو ابن اخت الحداد وقد ضمنه بمقدار صونه للعشرة والصداقة ، سيقوده الى تجار السلاح. لن يكونوا ابعد من مسافة يوم مشيا من الحدود الشمالية. اذن عليه ان يستعد لمواجهة الجندرمة.
البغال امرها هين، يعرف القرى وسيأخدها من الاخيرة، فلطالما دخلها مرارا  ليستريح يوما. يومان حتى يصلها.
–    الباقي، الله المعين.
وعد فور انتهاء المهمة بإجازة طويلة، لم يحلم بها سابقا، ولم يحلم بها الان، الاجازة للعلاج وان رغب فللدراسة، الخيار له .
اعتاد رسم الوجوه في الصخر والكهوف والثلج، بيد ان المرض يداهمه ، خاصة ذاك الذي يبدا من الخاصرة ويتوزع على الصدر.
يخنقه السعال وان كان نائما، تمتد اصابعه لتلف سيكارة. الاصدقاء يتندرون على عين الضبع. يقول لهم:
–    اعتدت ان انام بعين واحدة.
قبل ان يدخل القرية احتار بالنقود، الحداد رفض استلامها :
–    هنالك، عليك تقديمها.
حفر في الطرف الثاني للجدول الموصل الى القرى  وخبأ المال، ثم واصل طريقه الى بيت المختار، يعده مقرا في سفراته ويبعد العيون عنه .
كان الوقت مساء لما قبلته الزوجة. ابنتها تخجل، فلن تفعل هذا امام امها ، ذهبت تعد الطعام . قد يكون طازجا او بائتا، المهم التهمه بشهية ، لم يذق الطعام منذ يومين، اصر ان يحتفظ بجوعه. يحبذ اكل البيت وهو الذي لم يسكن دارا منذ سنوات.
كان المختار قد خرج يبحث عن البغال، حينما اقتحم الخيالة البيت، كيف عرفوا بوجوده؟ لم تتوان بنت المختار لحظة كيما يستجمع ذاته ، سحبته الى غرفة فارغة إلا من سرير. يتناهى صوت شجار والدتها مع الرجال، يبدو من اختلاط الاصوات انهم اربعة ، جاءها صوت الأم صارخة:
–    ابنتي مع خطيبها.
قبل الصراخ تعرت، ملابسها متناثرة في الغرفة  وتشعر بثقل جسده فوقها، العرق بدأ يختلط ، ثم امسكت ما انتصب لتوغله بين فخذيها، طقطق شيء، التفتت صوب الباب حينما اقتحمه الرجال. لكنها ظلت متواصلة معه، تراجعوا مخلفين الباب مفتوحا، الذي انتصب ما يزال رطبا وصلبا لحظة نهوضه ، سحبت البندقية من تحت جسدها ، امها عند الباب تقول:
–    حسنا فعلت. لقد ذهبوا.
على السرير مسترخية  تومئ تريد الفستان.
نام ليلته بجوار الأب، في باحة الدار يتشظى من لهيبه وغفلته وبداهدتها التي تجعله يبتسم مرة ومرات يتمنى احتضانها.
لم يغمض جفن له ، عدة هواجس تنتابه، كالدوامة تطن في دماغه ، حرارة جسدها والرعشة التي كادت ان تنطلق. كأن لهيبا يحرقه فيتحسس ساقيه كل حين، اكيد ثمة حروق، أمن المعقول ان لا يكون قد اكتوى بنار فتاة تنتظره كل سفرة من دون ان تقبله ثم تختطف كالحلم لحظة التحامها به؟
لما خف انشداهه ، شعر بالامتنان لها وبالغضب على نفسه، خاصة وان البغال التي جلبها الاب تقف في الباحة منتظرة.
لحظة خروجه للشمس ادرك ان ثمة وقتا ، لمقابلة التجار قاده قريب الحداد ، سكنا في مقهى شعبية، تنزوي قليلا عن الشارع العام الذي تمرقه الشاحنات المحملة بالفواكه ، على جدرانها يقرأ اسماء بلدان عدة، اليونان.. رومانيا، لكن سيارت اخرى تمر دون ان يتهجى الحروف.
تسلى بالمركبات فترة ولم يفطن من اين جاءوا، تاملهم مليا ، كأنه صادف احدهم سابقا، كانوا على عجالة فلم يتذكر بسرعة، اتفقوا على موعد آخر
–    سلم واستلم.
لغة تحكيها الايادي. انسحب مسرعا ليتوارى في الكهف يوما كاملا.
السماء صافية،هو في الخارج يطالع الافق، كأنه مل الانتظار، اتجه الى السوق، يتجاوز المقهى ببضع خطوات ناحية مركز القصبة. يرمق الوجوه، امرأة تحمل سلة خضار، فتاة تغازل جارها، النوافذ متقاربة وواطئة، عجوز يجر حمارا وطفل يلعب بكرة قماش.
ثمة فرح ينتظره عند العودة، قرر التسوق، حاجات لن تثقل سفره، الاصدقاء قرروا حفلة وداع، لابد ان يصنع طقوسها، شموع ملونة وبالونات بيضاء وورق زينة:
–    سنتدبر الورق من المقر.
بدكان يمر ثم اخر ثم.. اه نسي ان نقوده لا تصرف هنا. قفل راجعا، الا ان يدا قبضت كتفه، الخنجر تحت السروال. جاء الصوت:
–    لم لم تشتر؟
ثم احتضنه، يسحب شهيقا ملء صدره ، يتسوق بضاعته وابن اخت الحداد يدفع، يدعوه الى وجبة غداء، يجد مبررا بانجاز العمل بالسرعة القصوى فيكتفي الثاني بهز راسه مع ابتسامة بلهاء.
يعود الى المقهى، يتجاوزها دالفا الى زقاق، ففسحة. تتوسطها عين ماء، وجمهرة نساء حولها. بدون اكتراث للزعيق يواصل سيره، زقاق، منعطف، زقاق، وسلم واستلم. نفس الوجوه ولم يغب احد، اذن تمت بخير وسلامة.
مع قريب الحداد يتشابك، عائدين الى  طريق الكهف. عند المغيب سيخلفه مبتدئا رحلة العودة، يحس بالفرح، ثلاثة ايام وسيصل، عندها سيكون انجز مهمة ما قبل العلاج .
ستقابلاه نقطتا الحدودين، عليه ان يجتازهما متواريا عن الانظار. ليست المرة الاولى، اذ مر بهما من قبل. تتقابلان وبينهما مائة متر، كأنها الصراط المستقيم، الجندرمة من الشمال والخيالة من الجنوب. كيف فعلها جند طارق؟ لو كانوا هنا لولوا هربا.
تنتشر نقاط الموت في هذه البقعة، كأنها متاهة، اسلاك.. الغام..عيون الرصد، كلها هينة لكن البغال هي المشكلة الكبرى. ان نهق واحد جاءت المصيبة، إنها صبورة، خاصة اذا كان ثمة حمل فوق الظهور.
خبرها جيدا مع طول العشرة في رحلاته الطويلة، يعرف متى يكون البغل مطيعا. اذا دوت اطلاقة فلن يدانيه احد بالشراسة ، يتابع مصدر الصوت ولن يقف حتى يرفس بقائمتيه الخلفيتين القاتلتين. مفترى ان وضعت عصا تحت ذيله ، الخيل تهابه وتهرب مرعوبة.
كان قد اعد نفسه لكل الاحتمالات، بدأ الموكب يتحرك، بغلان في المقدمة ثم هو وبغلان خلفه. الصناديق مثبتة على الجنب، البندقية بين يديه، الشموع مربوطة بعنق بغل، الشمس غابت وخيوط الظلام تنتشر بكثافة وظل الجبل يخفي سير الموكب.
بهدوء وروية وأناة وصبر واغنية “بويه اجعلني امك واريد ارباي منك” مرت نقطة الجندرمة، اضحت وراءه ، الاخرى سيتجاوزها عما قليل.
سكون مطبق، حوافر البغال لا تثير خوفه. الحصى، الذي كان صخرا وتفتت، يطقطق برنة خافتة ، كل شيء هادىء.
سقطت حجارة، جفل البغل الاول، توقف فارشا اذنيه. رصاصة ازت ، تلتها رصاصة ثانية ، كان مصدر الصوت من الجنوب. لحظات صمت ثقيلة ، نقطة الشمال تسلط كشافا ساطعا، قبل ان تقترب حزمة الضوء تحركت البغال. الصخور عالية، وراءها تحتمي.
–    من علمها؟
اربع صخور خلفها اربعة بغال تنتصب وراء ظهره، هو تكفيه صخيرة ما دام ضئيلا وقصيرا.
يرتفع صوت، الجنوب يكلم الشمال. يلعلع الرصاص من جديد، لم يعد ثمة مفر من ان يعيد ألعاب طفولته. يخرج البالونات، يعبئها بهواءه المعلول، يربطها بغصن ويحشر الطرف الاخر في مخرج البغل، إلتاع من الالم فانطلق معربدا، ليس ثمة خيل ولا سفح امامه. الالم صار حرقة، يشم رائحة البارود، بين الاشجار ينطلق صوب الخيالة ، لا يعيقه شيء، صوت الرصاص يعلو، تطير البالونات، ترتفع بالافق، نقطة الشمال تصوب نحوها، قد تكون طائرة او حيوانا خرافيا يصعد الى السماء. الرصاص من كل صوب ينهمر، طلقة طائشة تستقر في الكتف، يتدفق الدم حارا، البالونات تصعد، البغل يطارد و”يعنفص” كيفما شاء، كم صريعا وقع؟  البغل بين الاشجار يضيع.
نقطة الشمال تطفئ الاضواء. بعض الخفوت يحل بانتظار اجلاء حقيقة الحيوان الصاعد نحو السماء.
يربط صندوق البغل الضائع، يربط نفسه تحت بطن بغل، يربط الجرح الذي في الكتف الايسر بكتلة الشمع، البندقية جعلها تتقاطع بالعرض مع بغل.
يسير الموكب، بغل و بغلان في المؤخرة، هو في الوسط، قاد الركب بغل . “هندرين” على بعد يومين.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

تعليق واحد

  1. سأقرأ .. 

    فإنا مهووسة بالحرف .. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.