خضيّر الزيدي : طالب عبد العزيز؛ غريزة الشعر الأولى

الشاعر طالب عبد العزيز

في ارض أبو الخصيب كانت الصرخة الأولى التي ابتدأت بها شجرة الشعر العائدة لهذا الفتى حدث ذلك عام 1953 ومنذ قصيدته العشاء الأخير الفائزة في مسابقة مجلة لوتس حتى آخر قصيدة له يظهر وكأنه مثقل بتاريخ كتابة الشعر وكانت نبتته المدهشة في مجموعته ( تاريخ الأسى) الصادرة عام 1994 في بغداد ومن ذلك اليوم تحديدا عرفت أن جهة هذا الفتى هي غير جهاتنا جميعا وبوصلة شعره لن تستقر عند تاريخ الأسى الإنساني بل تقدمت به فصول الشعر إلى ( ما لا يفضحه السراج ) الصادرة في اسبانيا و(تاسوعاء) القادمة من اليمن حصيلته مجاميع حافظت على سياق ثوابت النسق الاشاري وتماسك خطابه التعبيري لغة وأسلوبا وهذا ما مكنه من تبوأ مقعده الخاص قريبا من النهر والنخيل . لقد أردت من هذا الحوار استبطان جوهره وإذا لم أتمكن من تصوير عمقه فلقد تلخصت لي ظواهره الباطنية والظاهرية واتسعت رقعة اللفظ والمعنى لديّ من خلال اللغة السردية التي يطالعني بها ويحاذي تاريخه الشخص عبر هذا الحوار  

** منذ مجموعتك الأولى (تاريخ الأسى) وأنت تشتغل بتوظيف واستدعاء الفكر الشيعي شعريا وأصبح  هذا النمط من الكتابة إضافة إلى لغتك الصريحة يؤشران إلى امتياز في الكتابة ،اسمح لي بتساؤل مفاده لم هذا الاتجاه تحديدا؟ ومن أين انبثقت روحيته؟

لم يخطر ببالي أبدا استدعاء أي فكر في شعري ، لا الشيعي ولا السني بل ولا الإسلامي بشكل عام ،أنا لست بشاعر أفكار ،أنا إنسان شاعر قبل أن أكون مفكرا ،وكما أرفض أن أكون شاعرا شيعيا ،كذلك ارفض أن أكون شاعرا سنيا مع انتمائي الصريح لكلا المذهبين ،أنا من سلالة شعرية شاءت ألاّ  تتمذهب على مذهب معين أو يحصر انتماؤها في خانة ما ، وهذه مغالطة كبيرة للأسف وقع فيها الكثير من الأصدقاء النقاد والدارسين والبعض من القراء أيضا ، هناك مستويات قرائية لدى البعض مخيفة جدا ومربكة للشاعر أحيانا، الشعر يا صديقي قضية كبرى بمستوى الحياة والموت،هل هناك حياة شيعية خالصة أو حياة سنية ناقصة ؟هل هناك موت شيعي مختلف عن الموت السني؟ هل يكفي لشاعر أن يكون شيعيا أو سنيا ؟ لا أبدا كما اعتقد. نعم ،أنا شاعر عربي انتمي  لكل الموروث العربي الإسلامي الشرق أوسطي بكل خلافاته وائتلافاته، وربما لا اخفي حبي وتوحدي مع تاريخي هذا ،بل وانغماسي فيه حد الوله والعشق ، لكني لا أتقاطع مع أحد لمعتقده ، ولا انتمي لتاريخ حاكم بعينه ،كلهم صنعوا التاريخ الذي أتشرف بالانتساب إليه على الرغم من أني لم أكن مفصلا فيه ،وبما أني  لم أكن مسؤولا عن أفعال احد منهم ، لن أسمح لحجر من مجد هذا أو ذاك بالسقوط على مجدي وتاريخي الشخصي ، ولكي أكون أكثر دقة في إجابتي لست مع علي ولست مع معاوية بالمفهوم الذي يراه العامة ،لأني لم أكن جنديا في جيش احد منهما آنذاك ،أنا معهما معا اليوم ،وانتمي للحظة الباهرة التي صنعت تأريخهما أمس ، تاريخي اليوم ،لأني لا أجد نفسي خارج هذا أبدا ،هؤلاء العرب صنعوا لغتي ،وعلموني كيف أكون مع الحق مثلما علموني كيف أحاكم الباطل .الحق والباطل الحاليان،فأنا ابن القرن الواحد والعشرين ،وهذا لا يعني تنكري للمعاني النبيلة التي وقف إلى جانبها علي ،مثلما لا يعني اعترافي بالقيم الدنيئة التي ذهب وراءها الفساق والمارقون من الولاة والأمراء العرب المسلمين، تلك أزمنة علينا قراءتها من منظور ثنائية الحياة بشكل عام،أقصد الخير والشر وسواهما، مثلما نقرأ تاريخ أيّة امة في العالم .لذا يرد ذكر علي وعائشة وعمر والحسين ومعاوية غيرهم كثيرا في قصائد الكتاب الأول ولا اشعر أني كنت مع احد أو ضد احد منهم ،فانا بعض من تأريخي هذا ،وفخور بتناقضاته كلها ،ولا ينبغي لنا محو الحقب فهي كائنة فينا جميعا.
 **  لكن مع ما تؤكده هنا، تتجه اغلب نصوصك الشعرية إلى مركزية (لتشكل مشهدها) لكن من خلال معالجة سردية مثلما في نص تاريخ الأسى والعشاء الأخير. هذه الثنائية (الشعرية، السردية ) في مركز النص الواحد كيف تعمقت ؟وهل لنا أن نرصد أبعادها تأويلا ؟
لا أعرف بالضبط كيف تدرجت تجربة القصيدة لي باتجاه السرد ،لكني اذكر قصيدة كتبتها أواخر السبعينات من القرن الماضي بعنوان (الخروج إلى الغابات ) نشرتها مجلة الثقافة للمرحوم صلاح خالص،وهي قصيدة نثر ،أو من بحر الرمل لا أتذكر كانت قصيدة سرد بالمعنى الذي تقصده ،وقد استهوتني التجربة حقا، فقد كانت متابعة لتجربة شخصية لي عقب قيام النظام السابق بمطاردة  اليسار العراقي عام 1978،ومن ثم وجدت أن هذا النمط من القصائد يحقق الكثير مما في روحي،ويمكنني من إنجاز قصائد ناجحة ،على العكس من تجاربي التي غالبا ما تخفق في القصيدة القصيرة .في القصيدة الطويلة أو في البناء الدرامي أو ما تسميه بالسرد الشعري فسحة لاشتغال جديد خارج بناء القصيدة التقليدي ، وفرصة لنمو مغاير في جسد القصيدة باتجاه اجناسية تتمرد على أنماط الكتابة الشعرية،إذ الشعر تمرد على الروح ،ونفور عن المألوف ،ولعل تجارب شعرية مماثلة في الشعر العربي والعالمي كالقصائد الملحمية لدى اليونان والرومان والفرس والعرب وكتابة سير الأبطال شعرا بل وحتى القصائد الحديثة كالأرض الخراب لإليوت والمقبرة البحرية لفاليري ،ولدى ويتمان أيضا وغالب شعر سان جون بيرس وصولا إلى شاعرنا بدر شاكر السياب في المومس العمياء وحفار القبور والأسلحة والأطفال والكثير من شعر العربية الحديث .ولعل تعلقي بالنثر العربي قادني إلى الكتابة الشعرية بالسرد أكثر من غيره فانا أعتبر أن العرب أبدعوا بالنثر أكثر مما فعله شعراؤهم ،ولولا وقع الوزن وفعله بالأذن العربية وسطوة عمود الشعر ووروده كشاهد لدى الخطباء والرجازين والزجالين عبر تاريخ قاس من التسلط ،فضلا عن استخدامه من قبل  المؤسسات السياسية (القبيلة ،الدين ،الحزب ..) بوصفه داعما لمشاريعهم ومعرفا بها لكان النثر ديوان العرب .

** مع انك من جيل الثمانينات المعروف عنه اهتمامه بقصيدة النثر، وما قدموه من نصوص احتل الغموض اغلب كتاباتهم، إلا انك تميزت بكتابة ولغة تختلف عنهم. لنتحدث عن ميزة الاختلاف في النص الشعري ؟

الجيل والجيل الشعري قضيتان فيهما خلاف كثير ،فأنا لا أصنف نفسي ضمن جيل شعري معين،وارى أن الشعر وكل ما تنتجه الثقافة يقع خارج الحسابات أو الأزمنة هذه ،فمن يستطيع أن يحدد الجيل الشعري الذي كان ينتسب له شاعر صبي مثل رامبو؟ وكيف نعرف جيل سيرجي يسينن ؟وكذلك الحال بالنسبة إلى طاغور وايليوت ومالارميه وسيفيرت وديرلك ولكوت وسواهم من الشعراء؟ أما ما اصطلح عليه بجيل الثمانينات فانا لا انتسب إليه فقد نشرت قصيدة أو قصيدتين نهاية الستينات وكنت طالبا في المتوسطة ثم نشرت في السبعينات قصائد أخر وفي الثمانينات تعمقت التجربة وصارت ككل تجارب الشعراء الذين تقاسمت معهم الوعي والثقافة والحياة ،الثقافة نتاج  فردي كما يقول الشاعر محمود البريكان، وكذلك يقال عن الحضارة بأنها نتاج فردي تتسلمه العامة ،لذا  أرى أن الجماعة لا تنتج الظواهر قدر ما تربكها أحيانا ،ولو تفحصت تاريخ البشرية لوجدته نتاجا شخصيا محضا ،ومنذ الصغر كنت أرى أن الفرد أقوى من الجماعة ،لذا حاولت أن أكون نتاج روحي ولغتي ، أبن معارفي وثقافتي الشخصية بكل بساطتها وقوتها ،ولان الشعر قضية خاصة جدا لا تعني أحدا ، كنت قد حفرت نهر لغتي بيدي بعيدا عن مياه الآخرين ،وحملني جناح طائري الضعيف بعيدا في سماوات كثرت فيها الأجنحة القوية ،ففي بلد كالعراق كل ما فيه شاعر عليك أن تقاتل روحك لكي تبلغ مداك ،وإن لم تكن كذلك عصفت بك ريح الكبار وتكسرت أجنحتك مثل إيكاروس .

** اسمح لي بالقول تسيطر على اغلب كتابات الشعرية مفردات تتجلى باحتفاء طبيعي كـ  (الشجر ، المياه ،الرياح ..) هذا التأكيد على الأشياء الحية، أهو فضاء تتواصل من خلاله الانتماء إلى الطبيعة أم هو نوع من الهروب من واقع مأساوي ؟

لا ،لا أمارس هروبا من الأشياء بالرغم من مأساويتها،كما أنا لا أستدعي ما لا أشعر بوجوده أو لا أتحسسه، وحقيقي كل ما تجده ،المطر والريح والعواصف .. تكسر الأغصان والفيضانات وانهيارات السدود أشياء أحبها كثيرا كثيرا ،الطبيعة مثل الأم أحبها بغضبها وحنوها وما زلت انشد خلودها وهي تتراجع أمام الاسمنت والحديد كنت وما زلت أزداد ألما كلما رأيت نخلة تسقط ليقوم مقامها  حائط من الطوب ،سعادتي أمام  أخصاص السعف والقصب ،وتعاستي في الاسمنت ، وفرحي كبير بالأنهار التي يرتفع فيها المد أعلى ما يمكن ،وكل طائر على عرجون أخي ،علاقتي بالمدينة من أسوء ما يمكن ، ولولا حاجتي للكتب والملابس والأجهزة التي لا يمكن تجاوزها اليوم ،مما لا أجده في القرية لما دخلت مدينة قط ،وأنا حزين جدا فقد اشترى هؤلاء القساة ،قادة الأحزاب ، القتلة والمرابون ،مهربو النفط ولصوص الطرق الخارجية ،ضباط الرتب العالية من محدثي المال السحت من سكان المدن ،اشتروا بساتين أهلي الطيبين في أبي الخصيب ، بعد أن تفرقوا في الأمصار البعيدة هربا من العوز والموت والقسوة ،وصرت أرى بيارق لقبائل لم تكن لتحلم يوما ما بأن تخفق في سمائنا هذه ،كانت سماؤنا خضراء جدا بما يكفي لمعاني الألفة كلها،أنا ومن قلب مفجوع أناشد الحكومة المحلية والمركزية ،بل وأناشد العالم المتمدن عبر المنظمات التي تعنى بالبيئة التدخل الفوري لحماية آخر بقعة خضراء في البصرة (أبي الخصيب) من زحف الرعاع وشذاذ الآفاق على القرى هذه ،واذكرهم بقرار سنه صدام حسين (لغاية في نفسه) بعدم جواز تمليك ارض في أبي الخصيب لغير المولودين فيه ،وأقول لكل من بيده أمر من النوع هذا سيلعنكم الله ورسوله واللاعنون وستتهمون بممارسة إبادة جماعية وتخريب البيئة إن لم تفعلوا .

**أغلب نصوصك عصية على التصنيف الزمني من حيث توظيفها الفكري ، كأنك تكتب في زمن مضى وأنت قربنا. ماذا يؤجج فيك هذا الاهتمام بالعودة إلى الوراء ؟سواء التوظيف الصوفي منه أو الوجودي  ولا أريد أن أذكرك بقصيدة تاسوعاء وغيرها ؟

يكاد الزمن العربي أن ينفرد بين الأزمنة ،بأنه الزمن الوحيد الذي يعاش في الماضي ،وأمس الإنسان العربي أجمل دائما من يومه وغده ،ولو تفحصت الزمن العراقي خاصة لوجدته يقع ضمن الوصف هذا بدقة،لكني لم أكن ارتداديا في الشعر وما تجده في بعض القصائد من عناية بالماضي هو في الحقيقة ولع من نوع خاص،لقد عشت طفولة سعيدة جدا ،وسمعت قصص ألف ليلة وليلة من أبي وانأ صبي، لم أكابد الفاقة ،ولم أشعر بالظلم كما يمكنني أن أقول بان زمني الماضي من أجمل الأزمنة، وكانت قراءتي للأثر العربي شعرا ونثرا ذات أثر بالغ في استقامة لغتي ،أنا الذي لم ادرس العربية درسا كاملا ،لكن حبي وشغفي بل وعشقي الكبير لها قادني من حيث لا أعلم إلى الغوص في التاريخ العربي الإسلامي،والسعي لمعرفة تاريخ مدينتي البصرة ، فقد مسكت بمفاصل التاريخ هذا نوصرت قريبا من الزهاد والمعتزلة والمتصوفة من الفلاحين والملاكين على حد سواء صرت نهرا لا يختلف كثيرا عن انهار المدية الألف وهكذا صارت مفاصل تاريخية كثيرة تدخل القصيدة عبر لغة توحي بالعودة إلى الوراء كما تسميه ،وهو ليس انغماسا صوفيا وليس تفكيرا وجوديا ،هو حياة كاملة ،حياة فلاح بسيط أراد أن يشغل نفسه أكثر مما يجب بالأشياء الواضحة،كنت ألعب بالكلمات على طريقة الحكائين والقوالين،كنت امتدح الماء وامتدح الشجر والأشياء التي كانت تنتسب إليها حياتي لأجعلها أكثر رقة ، في قصيدة تاسوعاء كنت ألهو بالزمن وباللغة وعبثت بالمفردة أيضا ثم دنوت من المقدس فمسسته ،والمس هنا بمعنى نقض الطهارة،أردت أن أحرر الجسد – الأنثى من أقمطة المعاني الزائفة ،أردت أن اجعله ممكنا في لحظة صادقة ،وبرأيي هذه مسؤولية الشعر.

**ما قوة تأثير المكان عليك شعريا ووجوديا ؟ أتعتقد انك سوف تخرج بكتاب يتضمن البصرة ،توظيفا مثلما فعل القاص محمد خضير في كتابه بصرياثا ؟

نعم أنا معني بالأمكنة كثيرا ،وتشكل البصرة – مكانا- واحدة من أهم المفاصل في شعري ،هناك مدن طاردة كالناصرية والعمارة والديوانية والكوت والرمادي وديالى وغيرها وأنت ترى اغلب أصدقائنا الكتاب والأدباء ما أن تدب فيه روح احدهم نار الشعر أو الفن بشكل عام حتى يسارع لمغادرة مدينته بينما في البصرة ترى العكس،هي مدينة حاضنة ،وهي مكان لتربية الروح وصاحبها يجد فيها ما يمكنه من الاستمرار بعيدا عن أضواء العاصمة وسطوة مطابعها ،وبلغ بي ولعي بالمكان أن كتبت كتابا بالنثر سميته (كتاب أبي الخصيب ) طالت مراجعتي له ،أريد له أن يكون كتابا مكانيا تأمليا ،لا يقع في حبائل الكبير محمد خضير الكتابية الجميلة،على الرغم من إغراء الكتابة عنده ،والكتاب محاولة جديدة في الدنو أكثر من منطقة الشعر

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هايل علي المذابي : حوار مع الفنان والناقد المسرحي العراقي د. محمد سيف .

“أي أمل هذا الذي لا زلنا محكومين به أيها السيد المبجل” الفنان والناقد المسرحي العراقي …

| حوار تربوي يجيب عليه المشرف التربوي فراس حج محمد .

فريق منهجيات: وصلني عبر البريد الإلكتروني، هذه الأسئلة من موقع مجلة منهجيات التربوية (بدر عثمان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.