د.عبد الرضا عليّ: ألجوزةُ، ومن بقي من عازفيها*..

dsc02443

إشارة : يوما بعد يوم تتزين سماء موقع الناقد العراقي بنجوم .. كلا .. بأ قمار وشموس الإبداع العراقي الهائلة … ومن جميع أرجاء المعمورة .. والآن يشع قمر عراقي إبداعي هائل في سماء الموقثع هو العلامة الدكتور عبد الرضا علي .. من ويلز يخص الدكتور عبد الرضا علي الموقع بهذه المقالة الجميلةكان يهودُ العراق ِهم الذين أسّسوا فرقة َالجالغي البغدادي قبل مئتي سنةٍ تقريباً وقد اشتهرَ منهم الكثيرُ في قراءة ِ المقام ِالعراقي وأدائه ِ،والعزف ِعلى آلتي الجوزة والسنطورِ،وغيرهما. ولعلَّ صالح شُمّيل كان آخر َعازف ِجوزة ٍمنهم هاجرَ إلى إسرائيل سنة 1950م .
———————————-
والجالغي البغدادي فرقة ٌ موسيقيّة ٌ شعبيّة ٌ تعنى بعزف ِالمقامات ِ العراقيّة ِ لقارئ المقام ،أو مؤديه،وتُشارك في غناء لوازم البستات التي يؤدّيها القارئ بوصفهم جوقة المطرب،أو فرقة الإنشاد التابعة له .
ومن الجدير ِبالذكر ِهنا أنْ نُشير َإلى أنَّ نوري السعيد رئيس وزراءِ العراق ِفي العهد ِالملكيّ كان مولعاً بالمقام ِالعراقي : سماعاً،ومعرفة ً،وأداءً، وواظب َعلى الاستماع ِإلى فرقة ِ الجالغي البغدادي وهي تعزف المقام ِالعراقي، و يُؤدّيه ِقراءةً في بيته القارءآنِ المرحومان ِ:عبد القادر الحسّون وهاشم الرجب َفي أوقات ٍ معيّنة ٍ، وكان يشاركُهما هو بقراءة ِبعض ِالمقامات أيضا ً.
ويبدو أنَّ اهتمام نوري السعيد بالمقام العراقي قد شجّع بعضَ الشباب ِ ممّن كانوا يهوون َالمقام من الاقتراب ِ من دائرتهِ الضيّقة ِ بحكم العادات ِ، والتقاليد ِ العراقيّة ِآنذاك،وتمكّنوا من الاشتراك مع اليهود ِفي تعلّمهِ نظريّاً،وتأديتهِ غناءً.
وقد كشفَ هاشم الرجب لأبنائه ِسرّاً لا يعرفهُ الكثيرون َ، ويتجلّى في أنَّ نوري السعيد َعلّق َموافقته ُ على هجرة ِفرقة ِالجالغي البغدادي إلى إسرائيل َبشرط ٍلابُدَّ من تحقيقه ِمهما طالَ الزمن ُ قبل َالسماح ِلهم بمغادرة ِالعراق ِ، ويتحدّدُ هذا الشرط في أن تقوم َ الفرقة ُبتعليم ِالمرحومين ِهاشم الرجب، وشعّوبي ابراهيم العزفَ على آلتي الجوزة ِ،والسنطور ِ، ليتوليا بعدئذ ٍ ريادةَ الأداء ِ في تينِكَ الآلتين عزفاً، وتصنيعاً، وتعليماً، بوصفهِما آلتين مهمتين ِ من التراث ِ الشعبيِ ِ حفاظاً عليهما من الاندثار ِ والنسيان ِبفعل ِالانقطاع ِ، والفراغ ِالذي ستحدثه هجرة فرقة الجالغي البغدادي إلى إسرائيل .

فتمَّ تنفيذ ُالشرطُ،وتعلّم َالرجبُ وشعّوبي العزف َعلى الآلتين ِ، وأصبحا أُستاذين ِ لجيل ٍ تلاهما من العازفين َبشهادة ِالمنصفين َ.
والجوزةُ باختصار ٍ هي: آلة ٌموسيقيّة ٌشعبيّة ٌ كانت حتى سنة ِ1950 م تُسمّى ب[الكمنجة]،لكنَّ الرجب َوشعُّوبي أطلقا عليها تسمية َالجوزةَ ،لكونها تُصنعُ من غلاف ِثمرة ِجوزة ِالهند ِ بعدما يتمّ ُ شطرها بعناية ٍإلى نصفين ِ،يؤخذ ُ نصفٌ
وينظّفُ من لبِّ الجوز ِ،ويُثقب ُ لإدخال ِالميل ِفيه ِ، ثم ّ يُركّبُ الزندُ على الميل ِمن جهته ِالعُليا. والزندُ يُصنع ُ من خشب ِالنارِنج ِ، أو من خشب ِالجوز ِليس غيرا، ثمَّ يتم تغليفُ النصفِ المثقوبِ بجلد سمكٍ يسمونهُ ب(المصري)لكثرة ِ وجود
هذا النوع من السمك في نهر النيل، ويمتاز هذا الجلد بكونه ِغاية في الرقّة ِ وعلى نحو ٍ شفّاف ٍ لا يسمح بتغيير الصوت في رطوبة ِ الشتاء، أو في جفافِ الصيف ِ؛ والمصريّونَ يستخدمونَهُ في تغليفِ آلةِ الربابة الشعبيّة على وفق ِ ما ذكرَهُ صهيب الرَجب.

والجوزةُ آلة ٌوتريّة ٌ،فيها أربعة ُأوتار ٍتحديدا ً،وتُعزفُ بقوس ٍ يُربط ُمن جهتيهِ بشعر ِيؤخذ ُمن ذيل ِ حصان ٍ، أو بخيط ٍ من خيوط ِ النايلون ِ، وقد دخلت إلى التُراث ِالموسيقي الشعبي قبل أكثر من مئتي سنة ٍ

لم يبقَ من عازفي الجوزة ِالعراقيّة ِ الآن غيرُ صهيبٍ وباهر ٍ، أمّا ما نراهُ من عازفي الجوزةِ هذه الأيّام ِ،على الفضائياتِ، فهم يعزفونها على ِالأسلوب ِالأذريّ، لا على الأسلوب ِالعراقيّ الصميم ِ، ويعودُ سببُه ُ إلى المعلمين َ الأذريّين َالذين استُقدموا من أذربيجان لتدريسِ الجوزة ِفي معهد ِالفنون ِالجميلة ِأيّام َعملِ الراحلِ الفذ ِالموسيقار ِمنير بشير(1928 – 1997م) الذي أرادَ مخلصاً نشرَ تعليم ِعزفِها على طلبة قسم الموسيقى في المعهد .

ومع أنّ الأسلوبَ الأذريّ قريب ٌ من الأسلوب ِالعراقيّ في العزف ِ، فإنَّ الأذن َ المرهفة َتُدرِك ُالفرق بينهماَ جيّداً، وقد هيّأ لي صديقي صهيب الرجب فرصة َ الاستماع إلى العزفِ الأذري حين زوَّدني بقرص ٍ مدمج ٍ لعزفِ مونس شَريفوف، وهو احدُ أشهر عازفي الجوزةِ الأذربيجانيين، فأدركت ُ الفرقَ،فكأنّني كنتُ أستمع إلى صوتِ كمان ٍ،لا صوت عزفٍ على الجوزةِ

إنَّ الأخوينِ البارعين ِ في العزفِ على الجوزة ِ صهيب وباهر كانا قد تعلّما العزف َعلى يدي والدهم هاشم محمّد الرجب (1920 – 2003م) في البيت ِ، فإذا كان باهر قد واصل بعد ذلك دراستَهُ في معهد ِالفنونِ الجميلة ِ حتّى أضحى أستاذاً لمادتي السنطورِ والقانون ِ فيهِ،فإنَّ صهيباً ظلَّ ملازماً والدَهُ لا يفارقهُ بوصفه ِأستاذهُ المفضّلَ.

ظلّ هاشم ُ الرجب يُمرِّنُ أولادهُ على عزفِ المقامات ِ الصعبة ِمنذ ُسنة َ1964، وما أن حلّت سنة ُ 1968م، حتى ظهر َعلى شاشة ِالتلفزيون ِالعراقيّ أربعة ٌمن الأبناءِ بصُحبة ِوالدهم ِوهم يعزفونَ مقامَ الأوج ِالصعبِ على نحو ٍ أحدثَ ضجّة  في أوساطِ عازفي المقام ِ، وقُرّائهِ، فصُهيب كان على الجوزة ِ، وباهر على السنطورِ، ومُهنّا على الكمان ِ، ومُهلّب على ألإيقاع ِ. ومنذ ُ ذلك الحين عُرفوا بأسرة ِالمقام ِالعراقيّ، فوالدُهم كان خبيراً للمقامِ، وقارئاً على دراية ٍبأصوله ِ، وأستاذاً منظراً لايُشقّ ُلهُ غبار، وقد تمكنوا جميعاً من تقديم ِبرنامج ِالمقام ِالعراقي سنة 1985م، على شاشةِ التلفزيون ِالعراقيّ بكلِّ اقتدار.
أنهُ من دواعي السرور ِ، والغبطة َ أن يكون َصهيب في هذهِ الأمسية ِمعنا وسيرتهُ الذاتيّة ُ تذكّرُ أنه ولدَ في بغدادَ سنة َ 1950م،وتخرّجَ في كليّة ِالإدارةِ والإقتصادِ، وعمِلَ موظفا ً في وزارة ِالتخطيط ِ قبلَ أنْ يختار َ بريطانيا مستقرّاً له ُ..لقد صنع َصُهيب بنفسه ِ جوزتين ِيعزفُ بهما، فضلا ً عن أخرى قديمة ٍ أهداها له ُ والده ُ، وهي عينُها التي أهداها العازفُ القديرُ صالح شمّيل لهاشمِ الرجب، لقد حان َالوقت ُ لتصيخوا السمعَ إلى الرستِ، والحجازِ، والدشت ِ، وغيرِها بأناملِ صهيبٍ هاشم الرجب، بعد أنْ تُرحبوا بهِ معي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نصّ المحاضرة التي ألقيت في أمسية الجمعيّة العربية للثقافة في كاردف يوم السبت 25 /04/2009م على القاعة اليابانيّة في المركز الفنّي الويلزي تقديماً لعازف الجوزة الفنّان صهيب الرجب الذي قدِمَ من سَرِي إلى عاصمة ويلز لإحياء هذه الأمسية الفنيّة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.