حسين سرمك حسن : علي السوداني : مكاتيب عراقية الوجه واليد والنشيج*

# محنة الكاتب العراقي :
—————————
منذ ثلاثة عقود والكاتب العراقي يواجه مأزقا تصاعد بصورة خانقة بعد الإحتلال الأميركي القذر للعراق ليصبح محنة حقيقية . ففي كل مكان من المعمورة يحاول الكاتب أن يشغّل مخيلته إلى أقصى طاقاتها لينتج نصا يسبق به الواقع ويجعل الأخير يلهث خلفه. لكن في العراق انقلب الأمر، وصار الواقع يسبق مخيلة الكاتب حتى صار الكاتب يلهث وراء الواقع بكوارثه السوريالية وشدائده الفاجعة. تصوّروا أمّين مثكولتين تتعاركان على قبر واحد.. وأمّهات يخرجن من الطب العدلي مستبشرات وهن يحملن رؤوس أولادهن في فلينات مثلجة أفضل من أن لا يجدنهم نهائيا أو يدفنون في مقابر مجهولي الهوية.. ورجل يملّ من مراجعة الطب العدلي حول جثة إبنه المغدور فيأخذ جثة لشاب آخر ويحاول إقناع الأم بالإذعان .. و .. و .. وغيرها مما يجعل الولدان شيبا ويفزع المخيلة العزلاء.
أي قصيدة نثر أو قصة أو رواية من روايات “ما بعد الحداثة” تستطيع تصوير هذه الفاجعات بصورة تفوق فعلها الواقعي لمتلقٍ يتقلب قي اتون الجحيم ؟! كل النصوص باردة وباهتة .
# مكاتيب عراقية الوجه واليد واللسان :
—————————————
ولكن علي السوداني اختار مقتربا فريدا حاول به على الأقل أن يلاحق المحنة ويتعلّق بعربة كوارثها الماحقة .. فصار يرسل مكاتيبه الدامية التي لا تنطبق عليها حتى التسمية التي اختارها هو (من سفر الضحك والوجع) . أين هو الضحك في العراق؟ التسمية باهتة والمصيبة قارعة مدلهمة جعلت جبال النفوس كالعهن المنفوش. قد تنطبق هذه التسمية على “المكاتيب” التي تتحدث عن حالته في “عمون” أو “عمان” .. عن ذكريات الأمس الجميل .. لكنها لا تعبر عن المكاتيب التي تشتعل بالهم العراقي الذي لو وضع على جبل لانخذل معتذرا متصدّعا. وليس اكثر بلاغة من مقالته (سأبكي الليلة بقوة كأني ألف امرأة) والتي حاول فيها تصوير ماساة أطفال الملجأ البغدادي .. ضحايا العصر الذين مزقوا كل الضمائر .. صحيح أنني انقعلت بمكتوب علي عنهم وهو يربطهم بنواس (وليس نؤاس وهو خطأ شائع) فلذة كبده .. فدموعي جفت ليلة شاهدتهم على شاشة التلفزيون عراة مربوطين إلى الأسرة وسط خرائهم .. بقيت أبكي حنى الرابعة فجرا عندما أهارني القهر وسقطت مغشيا علي.
وأسلوبية علي هذه تجعل مكاتيبه عراقية الوجه واليد واللسان حدّ النخاع الدموي الغميق .. نصوص تعرف عراقيتها بمجرد سماع مقومات أسلوبها وفي مقدمتها الشتائم البليغة الرائعة . خذ منها :
(راح أروح أنهمد . أستودعكم أمانة تحت خيمة الله العزيز الكريم القوي العادل الرائي الطيب الذي يمهل ولا يُهمل . موت الكرف كل من كان السبب . سرطان أبو النعلجة يأكل عافية كل قاتل لئيم كلب إبن كلب – ص 24 ).
(المشهد بائس ويائس ومصخّم وملطّم. شىء أقرب إلى كسران الرقبة والظهر . طيحان حظ شاسع . حزن شديد اللهجة لو نزل فوق جبل عظيم لرأيته خاشعا متصدعا متضعضعا منهكا من عظم المصيبة – ص 23).
(مفوّه عراقي من سكنة المنطقة الخضراء نام على خوانيقه جندي أمريكي عملاق مسنود بكلب إبن سطعش كلب استثمر انبطاح الرجل المغدور فراح يعبث – الدوني إبن الدونية – بمساحة من جسد الوزير المبطوح لا تصلح للعرض على دكة حمّام التميمي للفحول – ص 89) .
# الشتائم من ناحية علم النفس :
———————————
بعد أن يولد الطفل البشري يكون في حالة إعتماد كاملة ومقززة. فليحصل على مبتغاه من إشباع حاجات وحضور أمومة يستخدم الزعيق الحيواني المذل. ثم يحصل الإنقلاب الهائل في حياته عندما يبدأ بامتلاك اللغة فيُحضر أمّه و”يبعثها” بـ : “كن فيكون” ، ويمتلىء بمشاعر ” إله ” .. ولكن مع تقدمنا في العمر تتبلّد اللغة بسبب تكرار الإستعمال، ولن يستطيع شىء فرك الصدأ عن وجهها واستعادة قدرتها الإدهاشية إلا من خلال الشعر .. والشتائم والتجديف والكفران . الشتائم حاجة . في أحد المعامل الاوروبية الضخمة بدأ الإنتاج يقل، وهمّة العمال تتراجع .. فدرس المختصون الحالة ووضعوا – ويا للعجب – تمثالا نصفيا لرئيس العمال في مدخل المطعم. بدأ الإنتاج بالتزايد وهمّة العمال تتصاعد .. لاحظوا أن كل عامل يدخل المطعم يبصق على تمثال رئيس العمال ويدخل فرحا خفيفا .. شتائم علي هي شتائمنا اللائبة في أعماقنا منذ قرون .. هي البصقة المؤجلة المخذولة التي نخشى إطلاقها بفعل الإرادة الجبانة على كل الغدارين والخائنين وآكلي أثداء أمهاتهم . أطلقها وسوف تستعيد صحتك النفسية :
(سوف أحكي وأقص عليكم ثيمة هذا الإعلان إن توفرت تحت يميني لغة قائمة على التأويل والتفسير والإزاحة والمجاز: أنعل أبو أمريكا – ص 34).
(ثمة محاولات تلفزيونية رحيمة لترميم ما انثلم وتآكل من روح الرعية . سيوف ونبال وسهام وتروس ولافتات تشتم الاستعمار وتسب وتلعن أبو أبو أمريكا واليوم المصخم الذي أتى بها لتحطم بلدنا وتدوسه فتصيره عصفا مأكولا – ص 87)
(حماك الرب العالي البديع المهيمن القادر الجميل يا وطني وطيّح حظ وصبغ الغزاة . ولتكن خاتمة الدم لكن حتى خارج شوطي المباراة والوقت الذي يسميه الحكم الرابع زمنا ضائعا – ص 93) .
# شتائم تاريخية :
——————-
في مكتوبه الإفتتاحي وعنوانه: “للسمينات والسمان ولهيفاء وهبي) يقول علي:
(سيكون بمستطاعك أن تسمع جارتك أم علي وهي تصيح بك : موت الكرفك يا بعير يا أدبسز يا أبو كرش يا عار يا خره لأنك ضيعت مرتك وجهالك . وقد يتطور الأمر فتتفل أم علي بوجهك ..وعندما لا ترد عليها بتفلة ، فقد تتمادى وتنزع نعالها وتلطشه فوق رأسك ، فيتجمع من حولكما اهل الحارة. ساعتها ستمنحك أم علاوي طلقة الرحمة فتعيط بك : لو بيك خير، ما اشتغلت عميل عند الأمريكان- ص 10 و11).
وهذه الإنتقالة التلقائية من حيز ما هو شخصي (تنزيل الوزن) إلى دائرة ما هو عام (الخيانة الوطنية) تسم أغلب نصوص علي ويمكن عدّها من سماته الأسلوبية .
وإذا كان الكثير من الباحثين في شؤون الشتائم والهجاء في التراث القديم قد عدّو بيت جرير في هجاء بني تغلب :
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ُ
قالوا لأمهمُ بولي على النارِ
من قصيدته التي مطلعها :
مازال فينا رباط الخيل معلمة
وفي كليبٍ رباط الذلّ والعار ِ
أقذع وافظع هجاء حملوه معهم إلى القبر .. فإن بعض المبدعين العراقيين قد انبروا لصياغة شتائم فريدة وفذّة وسمت الخونة على جباههم إلى يوم القيامة : هذه شتيمة علي السوداني التاريخية :
(لو بيك خير ما اشتغلت عميل عند الأمريكان)
وهذه شتيمة تاريخية أخرى من جواد الحطاب في ديوانه المقاوم “إكليل زهور على جثة بيانو” ذكرها السوداني في مكتوبه : “من رأى منكم الصورة فليحفظها” :
(لتصبح أمّك مترجمة
وأبوك سجينا عند الأمريكان )
من قصيدة يقول فيها جواد :
(شتيمة ..
في دارنا
في دار رعاية الأطفال
يمكن أن تدمى لأجلها قبضاتنا الصغيرة
يمكن أن تضيئنا الحمّى طوال الليل )
لكنني لاحظت أن الخونة كلما اشبعناهم شتائم وكلما أوغلوا في مستنقع الخيانة احمرت وجوههم وامتلأوا عافية !!
وقد استخدم علي عنوانا “من رأى منكم .. إلخ” بنباهة ليتوازى مع بيت شعر صمّمه الحطاب من نفس الديوان الذي تناوله علي وهو :
(من شهد منكم الدمع – فليقتله – )
وكلا التعبيرين تضمين غير مباشر عن حديث نبوي معروف.
# والشتائم .. ذخيرة خطاب :
—————————–
لا يغرنكم خريط وصفي للعالم الغربي مثل عالم متحضر وتكنولوجي .. في الصومال قامت مجموعة من الجنود البلجيكيين والإيطاليين بشي “شوي” طفل صومالي حيا، وتم تصوير الحادثة ومع ذلك برأتهم المحكمة الأوربية المتحضرة .. أحرق الأميركان الخنازير الغزاة 800 طفل عراقي في ملجأ العامرية وهم أحياء وكرموا الوحش شوارزكوف بأعلى الأنواط .. وهذه الصبية “عبير” أخت علي وأختنا الصغيرة تغتصب وتحرق حيّة مع أبويها وأخوتها ..
وقبل أشهر كنت جالسا وحيدا أمام شاشة التلفزيون (ترجموه للعربية تلفاز! يضجكون على أنفسهم!) وظهر رئيس أركان الجيش الأميركي وبملابسه العسكرية في زيارة إلى زريبة تل أبيب .. تصوّروا جاء بملابسه العسكرية من أميركا مستعجلا والتقى برئيس الوزراء الصهيوني وصرح بعدها بأنه لم يجد أي مشكلة إنسانية في غزة على الإطلاق .. فيها مشكلة وحيدة عي مشكلة إنسان مظلوم واحد هو الجندي الصهيوني الأسير “شلعاط” . ومن مكاني صحت : الله يطيّح حظّك . ارتفع صوت أخي من الغرفة المجاورة: ما بك حسين .. أنت لا تشتم . قلت مرتاحا: هاي من علي السوداني .
أن نصوص علي السوداني تمنحك الجرأة وتحرك روحك الإقتحامية بالتدريب على خرق المحظورات .. فلا كبير إلا العراق .. ولا عظيم إلا الحق .. ولا واحد أحد إلا الله .. أما من سار على خطى الباطل وتدميرالأوطان والكذب على الذقون تمهيدا لحلقها، فهو وبكل بساطة مشتوم مذؤوم يصبح في نصوص علي خرقة لمسح أي شىء تُرمى بعدها بلا أسف في مزبلة الشارع.
# إعادة الإعتبار إلى الحزن العراقي النبيل :
——————————————-
حتى المذيعات لهن دالة على الكتاب والمثقفين العراقيين . فحين تخرج مذيعة لهلوبة وتنطق مصطلحا أو تعرض وجهة نظر نجدها تنسرب في المقالات والأحاديث في اليوم التالي . مرة قال أحد الفنانين : لدينا حزن شديد في الغناء العراقي ، فردت عليه المذيعة : لا عيني .. لا .. أوي .. هذا شجن مو حزن . ومن ذاك اليوم ولحد هذه الساعة والكل يردّد : عدنه شجن مو حزن . علي السوداني يصفع كل من يتجرأ على الحزن العراقي النبيل والمقدس ويحاول تلطيفه أو تخفيفه أو “رومنسته” .. هو حزن للعظم .. حزن تبيض منه العيون .. ويذهل كل مرضعة عن مرضعها :
(المشهد بائس ويائس ومصخّم وملطّم. شىء أقرب إلى كسران الرقبة والظهر . طيحان حظ شاسع . حزن شديد اللهجة لو نزل فوق جبل عظيم لرأيته خاشعا متصدعا متضعضعا منهكا من عظم المصيبة – ص 23).
إن علي السوداني يضعك في حالة انفعالية غريبة لا ينطبق عليها الوصف التقليدي الذي استسهله البعض كثيرا في وصف نصوص علي وهو : ضحك كالبكاء . أبدا . ما ينتج من حالة انفعالية هي خلطة عجيبة ينبغي إيجاد اسم خاص بها . هي الحزن العراقي بنيجاتيفه وقبل تظهيره بأحماض اللعب اللغوي .
# “القشامر” :
—————–
من الشتائم العراقية اللذيذة إذا جاءت في وقتها هي “قشمر” والتي انطبقت على الرئيس الراحل السادات عند تفجيره قنبلته في زيارة القدس السليبة معتقدا أن الكيان الصهيوين اللقيط سوف يلين ويصبح مسالما ويسلمه سيناء بلا مقابل فكان أن ردّ عليه بيغن الزيارة بزيارة مهينة صادر فيها الأهرام لصالح أجداده عمال البناء. ثم بدأوا يخلعونه ملابسه الداخلية وصلة وصلة .. وقطعة قطعة .. وقبل يومين حصلت حكومة الإخوان على إذن من الكيان الصهيوني لطيران طائرات سمتية في سيناء تلاحق المسلحين (هلو يا تحرير !!) . وشتيمة “قشامر” هي جمع “قشمر” وتنطبق على جميع الرؤساء والملوك العرب الذين يلهثون وراء سراب تحييد الولايات المتحدة عن الدعم الوحشي والكلبي للكيان اللقيط . وعندما طبّل العالم لانتخاب أوباما – وهو صبي شكلا ، وفتى في علم السياسة . وحسب رأي محمد حسنين هيكل “غير مقنع” كرئيس مثل انتخاب الممثل الكاوبوي “رونالد ريغان” – كتبتُ مقالة قلت فيها انتظروا وسترون أن أوباما سيفي بالـ (600) وعدا التي قطعها على نفسه في حملاته الانتخابية عدا الوعد الذي يتعلق بقضية فلسطين السليبة. وهذا ما حصل . إن التطابق بين الولايات المتحدة تطابق في البنية السيكولوجية والنشأة التاريخية (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض .. ذبح السكان الأصليين .. السفك الصوفي للدم كما يقول وليم جيمس .. سيكولوجية الرائد المكتشف المسلح .. إلخ) ولا يخضع للأماني والتمنيات مثل التي أطلقها علي السوداني الذي لا يعبر عليه “قرش قلب ” كما يقول العراقيون وذلك في مكتوبه “عزيز أوباما حسين الأمريكي” .
وكلما ركض عربان الخليج خلف أمريكا وسلموها مقاديرهم كلما أشبعتهم إهانات وسخرية. كلهم يتذكرون هزيمة 1967 وحكاية كلب جونسون الذي تأتي شتيمة علي كلب إبن سطعش كلب مفصّلة عليه تماما. بعد أن فازت قطر بتنظيم كأس العالم قال ولي العهد البريطاني: فازت دولة لا أعرف اسمها.
وينطبق موقفي هذا على محاولات تلميع صورة أميركا وبريطانيا الوحشيتين من خلال عرض نماذج إنسانية من كتّاب وسيّاح لا يخلو منها أي زاغور بشري في العالم ؛ نماذج تتعاطف مع دماء الضحايا العراقيين واستغاثات أمهاتهم الفاجعة كما فعل علي في مكتوبيه : “كاميرا لورا هامبلن” و “لن أذهب إلى أمريكا الآن” .. وغيرهما مما حاول فيه رسم صورة إنسانية لأفراد أميركيين – واقعيين أو متخيلين – بما يعكس روحهم الإنسانية الشفافة ودموعهم الصادقة على محنتنا التي أشعلوها بأيديهم. وهذه ثغرة فنّية وخلل فكري تعبوي في كتاب علي . ليس من مسؤوليتنا – ككتّاب – عرض كاتبة إنسانية من دولة قذرة قاتلة قتلت مليون عراقي في الحصار ومليون في الاحتلال ولوثت شرفهم في أبي غريب ونشرت الفضيحة علنا (ولا يغرنكم دور الصحفي الأميركي الفلاني أو أن جنديا فقيرا أدخل كاميرا إلى سجن أبي غريب وبدأ بالتصوير ولا  أحد يعرفه .. أنظروا إلى الصور. لم تؤخذ اي صورة من زاوية سرية .. كلها فيها وقفات وأوضاع سينمائية مسترخية والخنازير ينظرون في عين عدسة الكاميرا. كان مخططا للفضيحة أن تنتشر وإلا لن تتحقق أهداف الولايات المتحدة ودولة أخرى معروفة في سحق الشرف العراقي).. المهم ليس من واجب علي ولا من واجب أي مثقف عراقي التطبيل للنماذج الإنسانية الأميركية . نعم . أدعوهم إلى بيوتكم . أشكروهم . تراسلوا معهم عبر الإنترنت .. أفعلوا أي شىء بصورة شخصية . لكن لا تربكوا الصورة الوحشية القذرة التي رسمها كل عراقي طفلا وشيخا ورجلا وامرأة لشيطان العصر الذي دمر بلادنا : الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا العظمى كما أربكتنا إنعام كجه جي من خلال بطلة روايتها “الحفيدة الأميركية” الخفيفة السافلة. هذا الصحفي الأميركي أو البريطاني إنساني .. طيّب. ليذهب إلى بلاده ويهجم على القتلة ويحاسبهم لا أن يأتي إلى بلادنا ليعلم اليتامى دروس البكاء.. شككوا في مجىء بعضهم .. والأنكى هو أن نتبرع ونحن أيتام دولته لحضور تلك الدروس. قد يمر على البعض مقطع مثل هذا :
(من وصل منكم – أيها العراقيون فدوه أروح لكم – أرض أمريكا ، راغبا أو مكرها ، فليطرق باب جاره الأمريكي وليقل له : السلام عليك والحب يا أخي في الآدمية وأرجو أن تعينني على استعادة بلدي الذي حطمه ولدكم المتوحش .. ضعو زهورا على أضرحة جنود اميركا وأعلموهم أنهم كانوا مثلنا تماما – ضحايا مذبح هذا الإبن الشاذ .. وللأخ باراك بن حسين أن لا يخيب ظنوننا وأن لا يضيعنا .. إلخ – ص 261).
دائما يخذل المثقف العربي شعبه . المراهنة على “الأخ” باراك أو غيره من الرقعاء مسؤولية السياسيين .. ما علاقتك وأنت منكوب إبن شعب منكوب وشارد في عمان بسببه بالمراهنة عليه .. طيب راهنت عليه والآن ظهر انه أنغل من النغل ضد العرب والعراق وفلسطين .. ماذا ستقول ؟ هل ستعتذر وتقول كنت ما أدري !! أنت تشتم وتدعو إلى تنظيف بلادك بكل الطرق والآن تضعنا أمام محنة:  من هو الجندي الذي سيغتصب أختنا المسكينة “عبير” من الذي لن يغتصبها؟ قل لي .. كيف نميزهم ؟ أتعرفهم .. أتستطيع تمييزهم ؟ هل نقابل الـ 300 ألف جندي أمريكي لنعرف من هو السافل فنقتله ومن هو الشاعر اللطيف فنحيّده؟ .. سالموا من يسالمكم شخصيا، وادعوا إلى قتلهم في بلادنا لأن خوفهم من القتل هو الذي يجعل الأمهات الأميركيات يرفضن ذهاب أولادهن .. لكن إذا عاد بالمليون دولار التي عادت بها الحفيدة الأمريكية ثم بدأت تبكي على بغداد .. فما هي الفائدة؟ وفوقها ترانا نحن الضحايا نضع الأكاليل على قبر إبنها!! ما يعلمكم إياه التاريخ هو أن الموت والموت فقط هو الذي جعل الأميركان يحتجون ضد حرب فيتنام وينسحبون وليس الروح الإنسانية .. في البداية كلهم هرعوا وكأنهم ذاهبون إلى زفّة.. تفجير سفارتهم في لبنان هو الذي جعلهم ينسحبون فورا .. خسائرهم الثلاثمئة ألف بشريا (هذا يعضمة لسان أوباما) والـ 280 ألف دولار في الدقيقة هي التي سحبتهم من العراق .. وخراء المهانة الذي يتلطخون به يوميا هو الذي سيسحبهم من افغانستان . وما لا تعرفونه هو أن سمة العدوان هو جزء من البنية السيكولوجية العميقة للمواطن الأميركي . ولكن لهذا حديث آخر .
أين الضحك .. وأين الوجع ؟ :
—————————-
مثال الضحك هو أنه في بيروت الآن جامعة تمنح المواطن العربي شهادة دكتوراه في اللاعنف. أي المطوب أن يحمل المواطنون العرب (250 مليون) شهادات الدكتوراه في اللاعنف والسلام ، في الوقت الذي يدك الكيان الصهيوني المجاور للبنان رؤوسهم ووجودهم بالقنادر الفسفورية واليورانيوم المنضب. بعد القضاء على الكيان الصهيوني أو تقليم أظافره نضع سلاحنا جانبا ونلبس قمصان بيض ونذهب إلى هذه الجامعة. لكن ليس الآن،
وهذا مثال الوجع :
.. هذا علي يصف لنا مجزرة غزة ومذابحها المستمرة التي لا أعتقد أن عميد هذه الجامعة البيروتية المتحضّرة الموقر قد شاهدها :
(موظفوا العربان أحالوا ثقل محرقة غزّة هاشم إلى مجلس أمن العالم وهم يدرون أن مجلس الأمن لا سلطة له على “إسرائيل” إبنة أمريكا القوية الرعديدة (…) سلاما أيها العالم التعيس وقد هجر أطفالك مشاهدة أفلام كارتون توم وجيري وراحوا يتفرجون على منظر أمّ تحفر تحت الركام لتنتشل جثث طفلاتها الأربع . سلام عليكم يا أطفال العالم الآن، وقد سألني نواس الجميل: بابا . هل حقا ماتت البنات؟ فقمتُ إليه ودفنته بين أضلعي وقلت له: كلا يا طفلي العزيز . إنها أفلام كارتون فقط. فلا تقلق ولا تخف ونم هانئا – ص 264).
وأمام مثل هذه المسخرة التي يُعرض فيها ذبح شعب بالأسلحة المحرمة وباستخدام الأطفال كدروع بشرية على النقاش في منظمة دولية حولتها الولايات المتحدة إلى ممسحة وحذاء تنقض فيها القرارات من اجل عيون عاهرة الشرق الأوسط المدللة “الكيان الصهيوني” تلوب روح الإنسان ويضرب راسه بالحائط مهزوما مخذولا وهو يردد مع علي :
( أعزائي وأحبتي أجمعين :
أنا لا أؤمن ولا أعتقد ولا أحب كل ما كتبته في السطور الفائتة لأن عدوي ليس بند شريف وهو كلب مكلوب وغدار وسافل ومنحط ووضيع وسليل وضاعة وحرامي وحثالة ولقيط ودسّاس ومولود من حيامن زناة ، ومن لا يصدّق ، فليزرع عينيه الآن على شاشة غزّة أو شاشة بغداد وما حولها – ص 246) .
# نحت العناوين :
——————-
ويقوم علي بتصميم عناوينه بذكاء يجعل العنوان فعليا جزءا من المتن النصي . هذه العناوين ينحتها أو يشتقها أو يصوغها على غرار عنوانات معروفة سابقة لما هو متداول بين الناس في حياتهم اليومية أو ما اختزنوه في طيات لاشعورهم الجمعي (القرآني خصوصا) أو من مخزون ذاكرته العميقة النابهة وقراءاته الثرة :
يا علي إركب معنا (قرآنية) … لا تجعلوا بطونكم قبور الحيوانات (للإمام علي عليه السلام) .. إذهب وحدك وقاتل (قرآنية) .. أحد عشر كوكبا والناس (قرآنية) .. أبرد من مؤخرة السقا (مثل شعبي) .. الكذب الحلال في الهاتف النقال (موروث ديني) .. المرأى ينفتح والعبارة لا تضيق (موروث صوفي البسطامي) .. يا زمان الوصل في كل مكان (شعر عربي قديم – موشح) .. في ضني ممثل (روائية) .. غيرها الكثير . وحين يصمم علي عنوانا فهو يحدّد مسار النص المركزي الذي ستنسرب في روح متنه بهدوء غير محسوس من بدايته حتى نهايته .. وهنا يصبح العنوان ثريا للنص قعلا ، خصوصا أن علي سيعمد إلى استخدام ونحت واشتقاق جمله التعبيرية الداخلية في المتن على المنوال نفسه .
الدور التربوي :
——————
وحين يغضب العراقي تأتي غضبته عارمة ساحقة ماحقة لا تبقي ولا تذر وهو “غضب الحلفاية” كما وصفه علي الوردي قبل ستين عاما . لكن علي لا ينسى أن للكاتب دورا تربويا بمعنى القيادة الحصيفة للتدليل على مواضع الخطأ والتحذير من الإيغال في النقمة . يحذّر علي من أن يصل بنا الولوغ في موضوعة المساءلة والإجتثاث إلى حد (مناقشة دعوة إسقاط عام 1986 من تاريخ العراق الرياضي وذلك بسبب من أن تلك السنة كانت شهدت وصول منتخب البلاد بكرة القدم إلى نهائيات كأس العالم في المكسيك في عهد وأمرة عدي صدام حسين – ص 97).
عن هذا الطريق يتسع الإجتثاث السياسي ليصبح اجتثاثا ثقافيا .
في مكتوب “عدنان حمد والصفوة التي معه” تحذير من محضور وقع الآن وهو انتقال التكفير إلى ساحة كرة القدم (ص 207و208) .
في مكتوبين آخرين يؤنّب إخوته الأدباء العراقيين المنشغلين بالميتا فكشن والإنترتيسكتوالتي تاركين أمهم بغداد لنهب الأميركان والأعراب .
وهناك العشرات من المواقف التي تأتي كتوجيه ثابت أو تلميح ماكر. ولكن سيدها وابوها هي هذه الروح الوطنية اللهابة. هو الإيمان بأن الوطن العراق هو الحقيقة الأزلية والحيوية في حياتنا كمواطنين وأننا بلا وطننا نكرات يشمت بنا الرائح والغادي في ساحات العواصم العربية ، ولا يُسمع منّا حتى هذا النشيج النبيل والعتاب الحيي :
(عيني عليكِ يا بغداد يا حبيبتي ، كم أنت حلوة وعذبة وطيبة وبديعة وحميمة وكم أحن وأشتاق إليك الليلة حتى أكاد أسمع نوحك ، فهل تسمعين نوحي؟ – ص 138).
(الله عليك يا بغداد الحلوة، كم كنّا نحبّك ونذوب فيك، وكم كنتِ قاسية علينا حتى تركتينا نسافر أغضاضا ، بجيوب مثقوبة وصدور عريانة ، طيورا غريبة لا تدري أين تحط وبأي أرض تموت – ص 124) .
# لن أذهب إلى أمريكا الآن :
——————————
أوقعني مكتوب علي “لن أذهب إلى أمريكا الآن- ص 31” والذي يبين فيه كيف رفض عرض اللجوء إلى الولايات المتحدة ، ثم كيف تخيّل التطوّر الدرامي لرفضه هذا ، في ربكة وتشوّش ، مصدرها الأول نفاق بعض المثقفين العراقيين الذي صار “موضة” .. وللمثقفين العراقيين موضة أو موضتان كل عقد . وهذه الموضة عجيبة غريبة . فهذا مثقف – ولن اذكر الاسماء لأنني أتعفف منها – يشتم الإحتلال البريطاني ويحصل على اللجوء في لندن .. وهذا صحفي مغوار يصدر صحيفة تشتم الأميركان ويتوسل للحصول على لجوء في الولايات المتحدة .. وهذا مثقف في دمشق يصاب بالمغص عند ذكر الإحتلال ويشتم كل جيوشه عدا الجيش الدنماركي لأنه لاجىء في الدنمارك منذ عقود والجيش الدنماركي يحتل الديوانية بلواء . أما مصدرها الثاني فهو أن مفردة الظرف الزماني (الآن) تعني بأننا سنوافق على اللجوء إلى أمريكا في (آن) آخر .. وهذه كارثة .. لقد اغتصبوا أخواتنا وأمهاتنا وعرضوهن على العالم بشكل مقصود ومخطط .. كيف ستنظر في عيني مغتصب عرضك .. أترك التخريب المادي وقتل الأطفال واليورانيوم المنضب وكلها جرائم ستستهلك عمرك كله في محاكمة أميركا الكلبة من أجلها . فكيف سوف تحدد (الآن) المناسب للجوء والعيش في حضن قاتلك أيها الضحية ؟
هل تبحث عن الثراء الثقافي ؟
—————————–
وقد يعترض قارىء خبيث بالقول إن ما تعرضه علينا هي “مكاتيب” سطّرها علي عن وقائع وذكريات يومية قد لا تصمد مام عوامل تعرية الزمان لأنها ليست مثقلة بالثراء الثقافي واللغة الشعرية والصور الباهرة والعمق الوجودي الذي يجعلها عصية على تلك العوامل وقادرة على العيش للمقبل من العقود ، فقول له أنت واهم . فمكاتيب علي تتوفر على كل ذلك وإن بدرجات مختلفة طبعا من جانب ، وإن غطت عليها الحماسة أحيانا وإنفعالية ما هو يومي صاخب من جانب آخر . وعلى سبيل المثال لا الحصر ن لو لم يكتب علي سوى مكتوب “قلْ ولا تخفْ” لكفاني أن أستمتع به ويهز وجداني وأعيد قراءته مرارا :
(تنهدَ وتحسّرَ وتوجّع وقال إني والله لأرى صفرة تصبغ وجهك ونارا تأكل حشوك وكدرة تعجن روحك وما كنت على هذه الحال من قبل. قلت: هي حزن ما أرى ووجع ما أسمع ومهانة ما أقرأ. ومثلها شحة يمين وضيق نزل ووحشة وطن. ومثلها بخل بخيل وكذب كذاب ورمية نذل وبرودة سياف, ومثلها ما سيجعلك تزوع بطنك وتهجر كأسك وتتلف كبدك. قال: هي كما ترى وتسمع لكنها ليست كل ماترى وكل ما تسمع. قلت وقد أعيتني الحجة: إن هذا ما أُمسي عليه وأُصبح، قال عليك بالصفوة, قلت لقد ذهبوا أجمعين, قال أرح ركابك إذن في مضارب العوام, اقرأ لهم من جميل الكلم وبديع الضحك وقص عليهم ما شاء المخيال من سهل الحديث وسلس اللسان, قلت لم يبق في الحيل ما يشتلني على دكة التهريج وتصنيع التدبيج واستدعاء التخريج قال : الخلوة دواء. قلت: القبر أرحم. قال بل هذه من عظيمات فصل الحكمة والتصوف. قلت بمستطاعي القعود بين سبعين فلا أرى واحدا منهم ولا أسمع واحدة. قال تلك علامة من علامات الصفوة فأجعلها دينك ونهجك. قلت: ما أنا بقادر على ذاك وإن كنتُ من الصادقين. قال هذه عليك وليست لك كما هي الأيام. قلت: فأما أيامي فواحد لي وعشرة عليّ. قال فما وحشتك؟ قلت طريقي. قال: لكنه الحق. قلت: تآكل سالكوه. قال تلك نعمة أخرى وصبر جميل وإني لأراك وقد قسمّت جسمك في جسوم كثيرة. قلت: انت أتيتني رحمة وحبا يقصّر العمر. قال بل إني أراني فيك. قلت فما أحسن الشعر والكلم عافاك ربي؟ قال أشرفه. قلت وما أشرفه؟ قال أوجعه. قلت وما قياسك على هذا؟ قال قيامي وقعودي ولوبي وأنيني وحنيني أوان السماع – ص 270) .
فيا من تريد لغة شعرية منضبطة هذه لغة شعرية منضبطة، ويا من تبغي في المكتوب – وهو مكتوب لا يُطلب منه فوق طاقته – صورا باهرة فهنا الصور الباهرة .. ويا من يفتش عن الثراء في الفكرة وثقل المحنة الوجودية فلا أثرى من هذه الأفكار ولا أثقل من هذه المحن، ويا من يطلب كشف افتدار الكاتب في توظيف الموروث الديني والتصوّفي وتضمينهما فلا أروع من هذا التوظيف والتضمين الهادىء .. وما علينا – أخيرا – ونحن نلوب في أوان السماع إلا أن نقف ونقول :
تحية لك أيها الرجل العراقي الحرّ .. علي السوداني ..
هامش :
———-
* مكاتيب عراقية : من سفر الضحك والوجع (المجلد الثاني) – علي السوداني – دار فضاءات – عمان – الطبعة الأولى – 2009 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الطائي : قصة صورة غلاف وقراءة الأفكار.

رغم تمتع الكثير من مصممي الأغلفة بطاقات ابتكارية مبهرة ورائعة، أنتجت الكثير من الجمال الأخاذ …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| حسن الخاقاني : بعد هدوء العاصفة: مقال في بعض مشكلات اللغة…

الآن، وبعد أن احتفلنا مع المحتفلين بالعربية، أسدل الستار على ضجيج الاحتفاء المشبع بكلمات التبجيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *