زيد الحلّي : قضية للنقاش
مغتربون عراقيون بين عهدين: ابداع ثقافي وانكفاء خجول !!

شغلتني القضية التي اريد مناقشتها الآن كثيرا ، وعند كل مرة أعزم فيها على مسك القلم ، لأبد بالحرف الأول ، يتراءى لي الكم الهائل من زعل اصدقاء عشت معهم عقودا من الزمن  ، وانا الحريص على ديمومة تلك العلاقة الندية ، ففي ظني انهم  سيدّعون بأنني اخترت طريقا ، ربما يؤدي الى طمس اسماء  (ادبية ) تربعت على عرش الثقافة العراقية لفترة طويلة ، وهذا القول عندهم من المحرمات ، نتيجة الشعور بهشاشة بعض الاسماء التي علقت في اذهان المتلقين من المتابعين للشأن الابداعي العراقي ، فكيف يأتي الحكم من رجل ساير تلك الفترة ، اعلاما وصحافة ؟
 في سريرتي اعترف بأن الحق معهم في ذلك ، لكن واقع الحال يشيء الى حقيقة مغايرة  وهي ما سأتناوله لاحقا ..!
دون استطراد يمكن ان يُفسر على عكس نواياي ، اقول بادئاً ذي بدء ، بأن الثقافة العراقية عندي  وحدة ، واحدة لا تقبل التقسيم او القسمة ، مثل العراق نفسه ، والمثقف العراقي بعيداً عن أثنيته ومذهبية وانتمائه السياسي ، هو من يثري حديقة الثقافة العراقية بالجديد ، وليس من هواة ” الثقافة ” الذين يضعون  كذبهم الثقافي بين اصابعك وحول اذنيك وأمام عيــنـــيك مكتـــوباً على مانشيتات الصحف ومرسوماً على الشاشات ومحكياً على المايكروفونات ، دون ان وازع من ضمير ثقافي !
وعذراً ، ان سحبني الاستطراد الى شاطئه ، غير انني ارفق اعتذاري بما لمسته من حالة ثقافية عراقية ، مضمونها واضح للعيان ، وقشرتها واضحة للعيان .. ايضاً !
تباين في غُربة مثقفين  
والحالة التي احدثكم عنها تتعلق بالتباين بين اجيال الغربة العراقية ،  وهي غربة  لم يسلم منها سوى قلة قليلة ، وحديثي هنا عن المبدعين العراقيين ، بمختلف صور ابداعاتهم : شعراء وكتابا ورسامين ومعماريين ومخرجين وممثلين ودبلوماسيين واقتصاديين ، والى آخر قائمة الابداع .. ترى ما سبب هذا التباين الواضح بين أجيال سابقة ، لم تنل من مساحة النشر في الصحف والاعلام في العراق إلا النزر اليسير قبل أغترابها ، وبين عدد كبيرمن من اجيال ، كانت مساحة النشر عندها واسعة ومتاحة بشكل واسع .. فلماذا اذاً ، كان عطاء المبدعين العراقيين من ذوي الحظ النادر في النشر بالاعلام المحلي ، عظيما ، وملفتاً للنظر بعد غربتهم عن الوطن وتوسدهم المنافي ، واعني هنا اغتراب الستينيات والتسعينيات وما بينهما ، فالساحة الثقافية ملآى بأسماء هؤلاء ، بل أجزم أنهم اصبحوا عنوان الثقافة العراقية ، فالى جانب البياتي وجمعة اللامي وعلي السوداني وستار كاويش وعبد الرزاق الربيعي ويحيى السماوي وماجد الغرباوي وكاظم الساهر وزهير الدجيلي  وفيصل لعيبي وخليل شوقي ولميعة عباس عمارة ود.حاتم الصكر د. جميل نصيف وعبدالهادي الراوي وفاضل العزاوي وكرم نعمة وغيرهم الكثير .. الكثير مما لا يتسع ذكره ، وفي مقابل ذلك ، واعني المجوعة  التي حُسبت على ا(لثقافة) التي غادرت الوطن بعد الاحتلال 2003 فأنها لم تؤسس لها قاعدة ثقافية ذات ثقل ثقافي وأبداعي على الرغم من توجهها الى مدن عربية وغربية ترحب بالكفاءات ايا كان مشربها ، بأستثاء عدد قليل من مبدعين تواصلت عطاءآتهم ذات الثراء الملحوظ ، كالشاعر عبد الرزاق عبد الواحد والشاعر حميد سعيد والناقد المثابرحارس الثقافة العراقية د. حسين سرمك  والاقتصادي النبيل د.عصام الجلبي ، وربما هناك اسما او اثنين غاب عني ذكرهما .. فيما كانت اسماء تلك المجموعة تغرد صباح مساء في صحف وتلفزيون وراديو بغداد .. فأين الخلل ؟ هل ان ثقافة الجيل الذي غادر الى المهاجر قبل الاحتلال ، كان أصيلا ومتجذرا بينما كانت ” ثقافة ” المجموعة التي غادرت بعد الاحتلال هشة ، وهلامية بحيث لم تعد قادرة على العطاء ، لأن عطائها اصلاً كان ضعيفا دون مداد فكري ، يعتمد الدوران على مفردات زادت او نقصت فهي لا تؤثر في متلق اعتدادها مرغماً….
قد يقول قائل من المجموعة اياها ان زلزال الاحتلال أكبر من  ان يصمد امامه الفكر ، وقد شلّ الدماغ والتفكير ، وبات مسك القلم او التوجه الى الحاسوب للكتابة الفكرية وتأليف القصائد ، صعباً بل غير ممكن ، ولهؤلاء اذكر بأن فترات الحزن والكبوات هي الأنسب للأبداع ، وفيها يمكن رسم الحزن والهلع ، ومعالجة الخديعة والرياء .. أفليس للأديب ان يستنتج من ذلك مادة للكتابة ؟
حساسية لاذعة
انني اشعر وانا اتناول هذا الموضوع بحساسيته اللاذعة ،  فابداء الرأي فيه ، ليس بنفس السهولة التي يقرر فيها البعض ما يراه في اغنية اعجبته او لم تعجه . وبالتالي فانه يستدعي عنصري المسؤولية والدقة ، أي حق ابداء الرأي مشروط بتحمل مسؤولية ذلك الرأي ، ومشروط ايضا بتوفر المبررات لقوله ، كل ذلك ذلك جعلني اجاهر برأيي ، واعلن استعدادي لنقاش محتمل ، لاسيما ان امامي اسماء عديدة للدلالة على ما أشرت اليه ..
قبل عام من الآن ، كنتُ ضيفاً على مائدة شاعر كان عنواناً للدلال والنرجسية ، ملأ اسمه الفضاء العراقي قبل الاحتلال ، في نادي الصحفيين في الشام ، الذي يتربع في منطقة دمشقية جميلة تسمى ” العفيف ” وكان مدعوا ايضا القاص العراقي المغترب محمود سعد .. لقد لاحظت ان مضيفنا تحدث عن وبكل شئ عدا الشعر ، وقد اثار موقفه استغرابي ، وعادت بي الذاكرة الى ايام خلت ، عندما كانت تصلنا منه ( قصيدة ) قصرت ابياتها ام طالت ، فينبغي علينا نشرها على صفحة كاملة ، فكنا نتحايل  بوضع رسوم تشكيلية ، توائم مضمون القصيدة ام لا ، لأن القصيدة اصلاً بلا موضوع  .. فقلتً له : لم اقرأ لك شيئاً منذ زمن ؟ اجاب بانه في وضع نفسي لا يمكنه من النظم ، فضحكت وقلت له مازحاً بأنني اخالك بوضع مستريح ، فوجهك اكثر صبوحا من السابق ، ومائدتك اكثر ثراء من السابق ، حيث كنت دائما مدعوا ، وها انت ان الآن  داعيا ، وسائقك ينتظرنا على باب النادي .. اجاب دون امتعاض : لكل زمن اشخاصه ، ولم افهم قصده بهذا الكلام ، واردتُ تغيير دفة الحيث ، فقلت اسمعنا من ابياتك القديمة  شيئا، فأجابني بأنه لا يتذكرها ، والححت عليه ، ان يسمعنا من محفوظاته الغزلية ابياتاً ، ترطيبا لجلسته ، فاجابني بانه لم يحفظ يوما شعرا .. وصدقته طبعا ، وهذا انطباعي عنه منذ عقود .. ولعن الله المحسوبية التي ( خلقت) سراقا لجهود غيرهم من الشعراء الفقراء .. هذا الشاعر،  كان يوحي للناس بغرور ونرجسية مفرطة بأنه اشعر الشعراء !
لقد نسى امثال هذا الشخص  ان غرور الشاعر وزهوه بنفسه ،  وما نسميه بالنرجسية ،  كانت العرب تسميه العجب. وترى فيه فسادا للخلق ، وإذا كانت النرجسية عند الناس مثلبة ، فهي بالشعراء أقبح ، لأنهم قدوة ، رغم قناعتي بأنها  لم تأت للشعراء الحقيقيين  من لاشئ ، لأن الاعجاب يدخل النفس الانسانية عندما تتميز بشيء من المعرفة والجمال والخبرة والدراية . اي انه يصدر في الاصل من احساس النرجسي بانه يملك شيأ لا يملكه غيره ، وهذا لايتوفر عند صاحبنا ، وعند آخرين غيره ممن آثروا الصمت فلم يكتبوا مقالة ولا قصة ولا شعرا ولا .. ولا .. ليس لان لديهم موقفا فكريا او سياسيا ، بل لأنهم اصلا صعدوا على اكتاف اللحظة ، وساروا في نهج النفاق وإلاّ بما ذا نفسرأنسحابهم الى ظل الحياة ، مكتفين بأسماء هي والوهم صنوان لا غير ..
رؤساء تحريرصحف ومجلات ورؤساء مؤسسات اعلامية عديدة  وسفراء  ووزراء ، اقلامهم كانت تصدم عيوننا يوما بسطورمتواضعة ،هم الآن في الخارج ، حيث الفضاء الفسيح  للنشر … لماذا هم صامتون ؟ اين مقالاتهم ؟ اين طلتهم في الفضائيات للحديث عن العراق الذي قدم لهم ما كانوا يحلمون به ؟ اين اشعارهم  وشعرهم .. دراساتهم .. لساتهم الطويل لماذا اعادوه ليسكن قرب لوزهم ..؟

مبدعون حقيقيون بلا ادعاء
وانني هنا ، لن اتحدث عن مبدعي العراق الذين كانوا وما زالوا ينشرون ابداعاتهم في الصحف والمجلات العراقية ، وهم كُثر ، لكني اتحدث عن من كان يتسيّد المشهد الثقافي وهو الآن في غربة مسموح له بالنشرفيها وبالمساحات التي يرغب .. لكن اثبت الزمن ان اولائك كانوا فقاعة صابون لا غير … مع الآسف !
إنه موضوع مختصر لأسئلة تستحق منا وقفة أكبر وانتباها أعمق : لماذا هناك عراقيون ، اتخذوا من المنفافي البعيدة ارضاً خصبة  لأبداعات مهمة ، وهناك عراقيون اتخذوا من المنافي البعيدة ايضا ارضا لصمتهم المطبق ، هل ان الذين ( طفروا ) من عراق ستينيات وحتى تسعينيات القرن الماضي كانوا أكثر ثقافة من عراقيين ( طفروا ) من احتلال 2003 .. سؤال بحاجة الى جواب لطفاً !
ولا ادري هنا ، لماذا قفزت اليّ حكاية المبدع الكبير(أوسكار وايلد) الذي ولد في ايرلندا عام 1856 ..  وتنازعت حياته ومماته ثلاث دول كبرى.. وكل منها تدعي حق انتسابه إليها ،  فالفرنسيون يملكون قبره.. والإنكليز يملكون اضطهاده والأمريكيون شهرته.. أما إيرلندا مسقط رأسه فقد أنكرته وتبرأت منه .. ترى كم من مبدع عراقي مهاجر ، ستشبه حكايته ، حكاية ( أوسكار وايلد ) ! ! فكلما رحلت بنا السنون في رحلة العمر , بدت لنا من غائبات الأمور التي أقصيت عنا بقصد خبيث أو لإهمال ماجن , ما يعيد شحن الذاكرة وتتولى النفس  مساءلاتها ، بحثا عن مرد أو مخرج أو تفسير عندما  تقفز الى ذاكرتنا اسماء من قمامات الزمن ، اسماء شبيهة بأ خوان السوء ، فهم كالنار يحـرق بعـضـهم بـعـضاً ، واتعس تلك القمامات من كانت تحمل غرورا ، ناسية ان الاعجاب بالنفس هو وليد الجهل .. وهل هناك اوضح من جهل يعيش في طياته اناس خُدعنا بهم او خُدعوا بأننا لا نعرف جهالتهم وزيفهم؟
وأخيرا تحيتي للقائل..
“الوسادة تحمل رأس الغني و الفقير
الصغير و الكبير،،،
الحارس و الامير،،،
ولكن لا ينام بعمق إلا مرتاح الضمير”
فهل ارتاح في نومه من قدم له العراق كل شئ  المال والجاه والمنصب ،  دون ان يقدم شيئاً لا سيما من يعش  الآن برخاء في بلاد الخضرة والحسان والامان ؟
لا أظن والله .. أعلم !
zaidalhilly@yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هانم داود : الألعاب الإلكترونية .

الألعاب الإلكترونية تسبب انطوائية للشخص المدمن عليها أكثر من غيره ،فهى تعزله عن أسرته وعن …

| مهند النابلسي : “فلسطين الصغرى: يوميات حصار”* .

مع انطلاق مهرجان عمّان السينمائي الدولي- أول فيلم، اليوم، سيتاح لمحبي السينما مشاهدة أفلام مختلفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.